جائزة دبي للقرآن - المحاضرة : 1 - التنمية الأخلاقية

2006-08-28

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وبعد فإنني بادئ ذي بدء أشكر الهيئة القائمة على هذه الجائزة الدولية للقرآن الكريم على الدعوة الكريمة التي خصتني بها ، ولأنني فيما أعتقد أتمنى على الله أن أكون عند حسن ظنكم والله الموفق ، وأستعير كلمة من أستاذي الجليل إنكم إن رأيتم في هذه المحاضرة ما كنتم تتوقعونه فالحمد لله رب العالمين وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل .

الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف أن يعبد الله :

 أيها الأخوة ، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 73 )

 والإنسان هو المخلوق المكرم لقوله تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

( سورة الإسراء )

 والإنسان هو المخلوق المكلف أن يعبد الله والعبادة في أدق تعاريفها ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

 

العبادة علة وجود الإنسان على هذه الأرض :

 العبادة علة وجودنا فيها جانب معرفي هو السبب ، وجانب سلوكي هو الأصل ، وجانب جمالي هو الهدف.
 أيها الأخوة الكرام ، لا بد من أن نلبي هذه الجوانب الثلاث فالإنسان عقل يدرك وحاجته إلى العلم ، وقلب يحب وحاجته إلى الحب ، وجسم يتحرك وحاجته إلى الطعام والشراب ، فإذا لبيت هذه الحاجات الثلاث تفوق الإنسان وإذا لم تلبَ هذه الحاجات بل لبيت حاجة واحدة تطرف ، فلذلك علة وجودنا ، كيف أن الإنسان لو سافر إلى بلد لينال الدكتوراه في مدينة كبيرة جداً فيها مسارح ، فيها مطاعم ، فيها مقاصف ، فيها متنزهات ، فيها نوادي ليلية ، علة وجوده في هذه المدينة شيء واحد فإذا كان الهدف واضحاً نبعت الوسائل التي تقرب لهذا الهدف ، مثلاً : يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة ، يصاحب شاباً يتقن اللغة التي يتعلمها ، يشتري مجلة تعينه على اختصاصه ، يأكل طعاماً يعينه على الدارسة ، حينما يتضح الهدف تضح الوسائل .

من عبد الله و لم يحبه ما أطاعه :

 لذلك أجري استبيان في بعض بلاد المسلمين حول وضوح الأهداف لدى شبابنا فكانت النتيجة ثلاثة بالمئة فقط من الشباب يعرفون أهدافهم ، أخ كريم درس إدارة الأعمال في بلد بعيد قلت له هذه الآية فصعق ، قال والله هذه الآية ملخص كل دراستي :

﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (22)﴾

( سورة الملك )

 إذاً الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف أن يعبد الله ، والعبادة بأوسع معانيها طاعة طوعية ، ما عبد الله من أطاعه قصراً ، طاعة طوعية الأقوياء يطاعون قصراً ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته  إن المحب لمن يحب مطيع
***

أنواع العبادات :

1 ـ عبادة الهوية :

 هناك عبادة الهوية ، أنت من ؟ إن كنت قوياً فالعبادة الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، إن كنت غنياً العبادة الأولى إنفاق المال ، وإن كنت عالماً فالعبادة الأولى تعليم العلم ، وإن كنت امرأة فالعبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد : اعلمي أيتها المرأة ، و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

2 ـ عبادة الظرف :

 هناك عبادة الهوية ، وهناك عبادة الظرف ، عندك قريب مريض العبادة الأولى العناية بهذا المريض ، عندك ضيف العبادة الأولى أن تعتني بهذا الضيف .

3 ـ عبادة الوقت :

 هناك عبادة الوقت : إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله إلا بالليل .

4 ـ عبادة العصر :

 هناك عبادة العصر ، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا ، أو إضلالنا أو إفسادنا فينبغي ، أن نستخرج الثروات وأن نطور الصناعات وأن نكسب الأموال كي نحل بها مشكلات المسلمين .

 

العبادات التعاملية هي الأصل :

 أيها الأخوة ، من الخطأ الفادح أن يتوهم المسلمون أن العبادة هي العبادة الشعائرية ، هناك عبادات تعاملية وهناك عبادات شعائرية ، والعبادات التعاملية هي الأصل لأن العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ ، قَالَ : الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

الدنيا دار ابتلاء و الآخرة دار تشريف و جزاء :

 أيها الأخوة ، الشيء الدقيق جداً أن الإنسان كائن لكنه متحرك ما الذي حركه ؟ حركه أن الله أودع فيه حاجة إلى الطعام والشراب ، يتحرك ليأكل حفاظاً على وجوده ، وأن الله أودع فيه حاجة إلى الجنس يتحرك ليتزوج إن كان مؤمناً ومستقيماً ، وأودع فيه حاجة ثالثة لتأكيد الذات للحفاظ على بقاء الذكر ، فمن أجل الحفاظ على بقاء الفرد والحفاظ على بقاء النوع والحفاظ على بقاء الذكر تكون هذه الحركة ومن خلال هذه الحركة يستقيم أو ينحرف ، يصدق أو يكذب ، يخلص أو لا يخلص ، من هنا كانت الدنيا دار ابتلاء ، ورد في بعض الآثار : أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

شقاء الإنسان لا يكون إلا بسبب جهله :

 أيها الأخوة الكرام ، على وجه الأرض ستة آلاف مليون إنسان ، ما منهم واحد إلا وهو مجبول على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، لماذا الشقاء ؟ بسبب الجهل ، أزمة أهل النار في النار أزمة علم ، والدليل :

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

 الإنسان مفطور على حبّ وجوده فإذا أردنا الدنيا فعلينا بالعلم ، وإذا أردنا الآخرة فعلينا بالعلم ، وإذا أردناهما معاً فعلينا بالعلم ، والعلم لا يعطينا بعضه إلا إذا أعطيناه كلنا ، فإذا أعطيناه بعضنا لم يعطِنا شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، وطالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .

 

سلامة الإنسان تتحقق باستقامته و سعادته تتحقق ببذله و تضحيته :

 أيها الأخوة ، كيف تتحقق سلامة وجودك وقد فطرت عليها ؟ بطاعة الله عز وجل ، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون ، وله صانع حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حبك لذاتك إذا اتبعت تعليمات الخالق سلمت ذاتك ، السلامة سببها الاستقامة والاستقامة سلبية ، ما كذبت ، ما غششت ، ما أكلت مالاً حراماً ، كله شيء سلبي ، الاستقامة تحقق السلامة ، لو أردنا أن نجسدها كأن طريقاً ممتلئ بعقبات كأداء ، فالاستقامة أن تزيح هذه العقبات عقبة عقبة ، لذلك الاستقامة شيء والعمل الصالح شيء آخر ، العمل الصالح إيجابي ، أنت لا تسعد إلا بالعمل الصالح :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)﴾

( سورة الكهف)

 تسلم باستقامتك وتسعد ببذلك وتضحيتك ، لذلك حجمك الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح ، كل مسلم عليه أن يدعو إلى الله والدليل :

 

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية : 108 )

 فأي إنسان يتبع النبي يجب أن يدعو إلى الله لكن في حدود ما يعلم ومع من يعرف .

 

العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته إنه وسيلة للوصول إلى الحق :

 إذاً :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

( سورة العصر )

 طبقوا علمهم ، العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته إنه وسيلة ، فما لم تعمل به لا قيمة له بل أصبح حجة عليك ،

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

 الدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف ،

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

 صبروا على طلب العلم ، وصبروا على تطبيقه ، وصبروا على الدعوة إليه ، ومعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، وهذا قدرنا ولا بد من الصبر على طلب العلم وعلى تطبيق العلم وعلى الدعوة إلى العلم .

 

الناس عند الله نموذجان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة ، الناس على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، ومذاهبهم ، هم عند الله نموذجان ، لا ثالث لهما ، الأول نموذج عرف الله فانضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة ، والنموذج الثاني إنسان غفل عن الله وتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه فشقي وهلك في الدنيا والآخرة ، ما الذي يؤكد هذا ؟ قوله تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 أيقن أنه مخلوق للجنة ، فاتقى أن يعصي الله ، وبنى حياته على العطاء ، يسعده أن يعطي لا أن يأخذ :

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

 كذب أنه مخلوق للجنة ، وآمن في الدنيا ، فاستغنى عن طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ ، لهذا يمكن أن يكون على رأس الهرم البشري صنفان من بني البشر ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، والأنبياء ملكوا القلوب ، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، الأنبياء عاشوا للناس ، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي ، لهذا أحب الناس الأنبياء وخافوا من الأقوياء ، وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء ، حتى يحبهم الناس .

 

ارتباط القراءة بالإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ، في أول كلمة في أول آية في أول سورة في القرآن الكريم قال تعالى :

﴿ اقْرَأْ (1)﴾

( سورة العلق )

 أي اطلب العلم ، أودع الله فيك قدرة إدراكية أنا أسميها الحاجة العليا في الإنسان ، فما لم تلبَ هذه الحاجة هبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به ، لذلك أول كلمة في أول آية في أول سورة في القرآن الكريم اقرأ ولكن :

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق )

 القراءة مرتبطة بالإيمان ما لم يقدك العلم إلى الإيمان فليس علماً :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

[ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ]

 ومن أذن لا تسمع وأعوذ بك من هؤلاء الأربع .

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق )

 أنا أسمي هذه القراءة ، قراءة البحث والإيمان .

 

من تفكر في خلق الله عز وجل خشع قلبه و ضُبطت جوارحه :

 لذلك :

﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

﴿ سورة يونس الآية : 101﴾

﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة يوسف )

﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

( سورة عبس )

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

 أيها الأخوة الكرام ، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، كم يقطع بالدقيقة ؟ ضرب ستين ، كم يقطع بالساعة ؟ أيضاً ضرب ستين ، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب أربع وعشرين ، كم يقطع في السنة ؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، كم يقطع في أربع سنوات ؟ ضرب أربعة ، معنا رقم كبير جداً ، ويحسن حسابه أي طالب في الصف التاسع ، لو أردنا أن نصل لهذا النجم بمركبة أرضية ، نحتاج إلى خمسين مليون عام ، متى نصل إلى نجم القطب ؟ أربع آلاف سنة ، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية ، نجم اكتشف حديثاً أربعة وعشرين مليار سنة ضوئية للوصول إليه ، الآن اقرأ قوله تعالى :

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة )

 هذا الإله العظيم يُعصى ؟! ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***

آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم كثيرة منها :

1 ـ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ :

 أيها الأخوة الكرام ، الآيات التي نصبها الله عز وجل في السماوات والأرض لو تفكرنا في بعضها لخشعت قلوبنا ، أيها الأخوة الكرام ، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، يعني جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، قال الله عز وجل :

 

﴿ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

( سورة البروج )

 في برج العقرب ، برج العقرب فيه نجم صغير متألق اسمه قلب العقرب ، الآن دققوا يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، لذلك أيها الأخوة الكرام ، أهذا الإله العظيم يُعصى ؟! ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
 هذا برج عظيم فيه نجم صغير متألق أحمر اللون اسمه قلب العقرب دققوا الآن قلب العقرب النجم الصغير الأحمر المتألق الذي في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما .

2 ـ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا :

 لذلك أيها الأخوة الكرام ، إذا عرفنا الآمر ثم عرفنا الأمر تفانينا في طاعة الآمر ، أما إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر ، هذا خلق الله في السماوات والأرض فماذا عن خلقه في أحقر مخلوق نراه كل يوم البعوضة ، وردت في القرآن الكريم :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 26 )

 البعوضة بعد أن وضعت تحت المجهر تبين أن في رأسها مئة عين ، وفي فمها 48 سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان ، وتملك البعوضة جهازاً لا تملكه الطائرات ، تملك جهاز استقبال حراري ، إنها ترى الأشياء لا بأشكالها ، ولا بأحجامها ، ولا بألوانها ، ولكن ترى الأشياء بحرارتها ، وحساسية هذا الجهاز الحراري واحد على ألف من الدرجة المئوية .
 وتملك جهاز تحليل دم ، فما كل دم يناسبها ، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض ويستيقظ الثاني سليماً معافى ، تحلل ثم تمتص الدم ، وجهاز تخدير لئلا تقتل ، بعد انتهاء فعل التخدير هي في الجو تضحك عليه ، معها جهاز تحليل ، معها جهاز تخدير تخدره ومعها جهاز تمييع ، لكن خرطومها دقيق جداً معها ست سكاكين أربع سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم ، وفي أرجل البعوضة مخالب و محاجم .
 هذا الإعجاز العلمي البعوضة وردت في القرآن الكريم لكن بعد أن اكتشف المجهر الإلكتروني تبينت هذه الحقائق وقد عرضتها في الفضائية السورية .

3 ـ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ :

 أيها الأخوة الكرام :

 

﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

﴿ سورة يونس الآية : 101﴾

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

أنواع القراءات :

1 ـ قراءة البحث و الإيمان :

 هذه القراءة الأولى قراءة بحث وإيمان :

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

( سورة العلق )

2 ـ قراءة الشكر و العرفان :

 القراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان ، الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد ، ومنحك نعمة الإمداد ، ومنحك نعمة الهدى والرشاد :

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾

( سورة الإنسان )

 أعظم نعمة أنعم الله بها عليك أنه أوجدك ، أوجدك ليسعدك فلذلك القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان ، القراءة الثانية قراءة شكر والعرفان .

 

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف وتسخير تكريم :

 الله عز وجل سخر الكون تسخيرين دققوا :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 13 )

 الكون مسخر لنا تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان الوظيفة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله رأى النبي صلى الله عليه وسلم الهلال فقال :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن رافع بن خديج ]

 أي أن هذا الهلال يرشدني إلى الله ، وفضلاً عن ذلك أنتفع به .

 

الحب نوعان : حب مع الله و حب في الله :

 هناك حب في الله وهناك حب مع الله ، أن تحب في الله فهو عين التوحيد ، أن تحب مع الله هذا عين الشرك ، نعوذ بالله أن نحب مع الله أحداً أما أن نحب في الله ، إذا أحببت المؤمنين حبّ في الله ، حتى إذا أحببت زوجتك حبّ في الله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

 سألته كيف حبك لي ؟ قال لها : كعقدة الحبل ، تسأله من حين لآخر كيف العقدة ؟ فيقول على حالها.

 

عدم التطابق بين الأقوال والاعتقاد والأفعال ظاهرةُ المجتمعِِ المعاصر:

 أيها الأخوة الكرام ، الآن ندخل في الموضوع الذي أعلن عنه ؛ إن صناعة الإنسان الكامل ، وبناء الأسرة المتماسكة ، وإقامة المجتمع الفاضل هي من أسمى أهداف بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ، لكن طوفان الفساد في آخر الزمان حمل من الأوبئة الخلقية الشيء الكثير ، حمل الكذب ، فالمجتمع يكذب كلما تنفس ، جماعات وأفراداً ، حمل الكذب والدجل ، والحسد والنفاق ، والفسق والفجور ، والظلم والخيانة ، والحمية والعصبية ، والغش والتدليس ، والطمع والجشع ، والمكر والحيلة ، والفحش والخلاعة ، والحرص والبخل ، والترف والتبذير ، وسوء الظن بالله والرياء ، وعقوق الوالدين وإهمال الأولاد ، وأكل السحت والمال الحرام ، وأكل مال اليتيم .
 لذلك المجتمعات المعاصرة بلغت من الفساد ما لا يطاق ، يروى في بعض المجتمعات الغربية ، أن شاباً أحب فتاة هناك فاستأذن والده من الزواج منها ، قال له : لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري ، فلما أحبّ ثانية قال يا أبي هذه فتاة أحببتها ، قال له : أيضاً هذه أختك وأمك لا تدري ، الثالثة كذلك شكا إلى أمه قالت له : خذ أياً شئت أنت لست ابنه وهو لا يدري .
 إلى هنا وصل المجتمع ، والله كنت في استراليا وحدثني أخ كريم الأب المحافظ المتزمت الشديد التقليدي إذا رأى ابنته عصراً تتزين يقول لها احذري أن تحملي يا بنيتي فقط ، إلى هنا وصلنا .
 أيها الأخوة الكرام ، إن ظاهرة النفاق التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة بشكل مطول تعني خللاً في مطابقة الأقوال للمعتقدات ، وهذا هو النفاق الاعتقادي الذي يخرج صاحبه من الملة ، أما التباين بين الأقوال والأفعال فيعبر عنه بالنفاق العملي ، وهذا شاع كثيراً في المجتمع ، ومهمة التنمية الأخلاقية تطهير حياة المسلمين .

أهم مصدر للسعادة والهناء انسجام واقع المرء مع ما يعتقده :

 أيها الأخوة الكرام ، حينما يسقط الإنسان يتحول عن عبادة ربه إلى عبادة شهواته ، وعن علاقته بالآخرين تعتمد القوة بدل الرحمة ، وعلى العنف أيضاً لا على التفاهم ، وينصرف الإنسان عن العناية بالنفس وتزكيتها إلى العناية بالجسد وإمتاعه ، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة ، وعندئذ يتحول المجتمع كله إلى غابة يحس كل واحد فيها أن من حقه افتراس الآخرين كما أنه من الممكن أن يكون فريسة وضحية لأي واحد منهم ، هذا هو مجتمع الغاب ، المشكلة كبيرة جداً :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت  فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
* * *

 أيها الأخوة الكرام ، إن أهم مصدر للسعادة والهناء انسجام واقع المرء مع ما يعتقده حيث يشعر المرء بتيار يجتاحه من البهجة والأمن كلما تخطى عقبة من العقبات التي تحول بينه وبين التناقض مع مثله وقيمه .

 

حقائق الإيمان و حلاوة الإيمان :

 لذلك في الإيمان حقائق وفي الإيمان حلاوة ، فرق كبير بين الحقائق والحلاوة ، حقائق الإيمان كخارطة قصر ، الأبهاء ، الشرفات ، الحدائق ، لكن الذي عنده هذه الخارطة لا يملك كوخاً يسكنه ، حلاوة الإيمان أن تملك هذا القصر وأن تسكنه .
 فرق كبير بين أن تقول ألف مليار وبين أن تملكها مسافة كبيرة جداً ، حقائق الإيمان لا تسعد تقتنع بالدين لكنك لا تسعد به ، بينما حلاوة الإيمان تجعلك قمة في السعادة ، إن لم تقل والله ما على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ففي الإيمان خلل ، هذه حلاوة الإيمان لذلك :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

طابع الرقي الحقيقي هو طابع إيماني أخلاقي أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً:

 أيها الأخوة الكرام ، إن الذين نكن لهم عظيم الاحترام ليسوا أولئك الذين يملكون القوة والمال أو القوة الجسدية الخارقة ، إنما نكن عظيم الاحترام لأولئك الذين يملكون خلق التسامي ، وخلق الترفع عن سفاسف الأمور ، أولئك الذين انتصروا على التحديات داخل نفوسهم ، أولئك الذين يملكون فضيلة الانتظار لوعد الله عز وجل .
 إن طابع الرقي الحقيقي هو طابع إيماني أخلاقي أكثر من أن يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً ، والجاذبية التي تتمتع بها القرون الأولى من تاريخ الإسلام تشكل طابعاً أساسياً مصدره الاستقامة والنبل والتضحية وليس التفوق في الحروب أو العلوم أو العمران ، ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال الشهوات يكون عن طريق إحداث انتفاضة إيمانية أخلاقية يستعلي بها المسلم على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن ، ويلتفت إلى إثراء حياته بوسائل كثيرة لا تحتاج إلى مال ، لن يكون في إمكان أفضل النظم الاجتماعية ولا في إمكان أقصى العقوبات الصارمة أن تُقوّم الاعوجاج ، ولا أن تملأ الفراغ النفسي الناشئ عن ذبول النفس وانحطاط القيم ، فالعقوبات الصارمة لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه ، والنظم مهما تكن محكمة ومتقنة لن تحول دون تجاوز الإنسان لها وتأويلها بما يجهضها ، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدة على نفسها بالعقم والعجز ، لا بد أن نكون على يقين من أن تيار الشهوات والنزوات الجارف لا يمكن أن يقابل إلا بتيار إيماني متدفق من المشاعر والأحاسيس الإنسانية ، فوظيفة الفكر الدلالة على الطريق وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل ، ولكن الذي نستمد منه الطاقة على الاندفاع في طريق الخير والقوة هو كبح جماح الشهوات ، الطاقة نأخذها من الإيمان العميق ورصيدنا من المشاعر الحميمة التي هي ثمرة اتصال العبد بربه .

الماديات لا توفِّر مجتمع السعادة :

 إن كثيراً من الشباب الذين جرفهم تيار الجنس والمجون والخلاعة لن يكونوا بحاجة إلى أدلة على فضل العفة والاستقامة ، وإنما كانوا بحاجة إلى شيء من المعاني التي تفيض على القلب بسبب تذوق طعم العبودية لله عز وجل ، والإحساس الصادق بمعية الله عز وجل لهم .
 حين يبلغ التقدم التقني أقصى مداه ويشعر المرء بالتخمة من أدوات التحكم عن بُعد ، وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات حينئذ تنبعث في النفس أشواق قديمة جديدة هي أشواق النفس إلى ما وراء المادة ، إلى عالم التراحم ، إلى عالم التعاطف ، إلى عالم التضحية ببعض المكاسب من أجل استمرار حياة المجتمع .

ما هي الجهةُ الحاكمة على الخلق تحسينًا وتقبيحاً :

 إن الأخلاقيين اليوم هم القادة غداً ، إن الإسلام يعلمنا أنه بالإمكان تصحيح المسار قبل أن نرتطم بالقاع ، كما يعلمنا أنه بالإمكان أن نتحول من الخسارة إلى الربح قبل أن يصبح الرصيد صفراً ، ذلك إذا أصغينا إلى نداء الفطرة في أعماقنا ، وضغطنا على بعض حاجات الجسد من أجل إنعاش النفس ، وفكرنا ملياً بما هو آت .
 واقع المسلمين مؤلم جداً أنا أذكر أن إيميلاً وصلني ، فيه قصة قصيرة ، أن إماماً سكن في لندن ، نُقل إلى ظاهر لندن ، اضطر أن يركب مركبة كل يوم مع السائق نفسه ، فمرة صعد المركبة ، وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، ردّ له السائق التتمة ، عَدّها ، فإذا هي تزيد عشرين بنساً على ما يستحق ، فقال هذا الإمام في نفسه : سأردّ هذه الزيادة للسائق ، لكن بعد أن جلس جاءه خاطر شيطاني ، قال : إنها شركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، والمبلغ يسير جداً ، وأنا في أمسّ الحاجة إليه ، فلا عليّ أن آخذه ، لكن الذي حصل أنه قبل أن ينزل دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه ، وأعطى السائق العشرين بنساً ، فابتسم السائق ، وقال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، وقع مغشياً عليه ، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو لم يدفع للسائق هذا المبلغ ، فلما صحا من غفوته قال : يا رب ، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .

القيم الإسلامية التي ينبغي أن نعتد بها :

 كم مسلم يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ؟ أيها الأخوة ، الطرف الآخر لا يمكن أن يفتح كتاب فتح الباري لشرح صحيح البخاري ، لا يمكن يفتح كتاب القرطبي ، الطرف الآخر يرى الإسلام من خلال المسلمين ، إذا في عندهم نسب البطالة والعنوسة والأمية عالية في المجتمع ، وبأسهم بينهم كما ترون ، الطرف الآخر يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة .
 بقي شيء ينبغي أن أقف عنده قليلاً ، هذا الشيء هو ينبغي أن نفهم إسلامنا فهماً متطابقاً مع الواقع ، عندنا قيم ثابتة وقديمة ونعرفها جميعاً ، أنت حينما تدفع صدقة لفقير تأتيك نشوة إيمانية ، أو إذا صليت قيام الليل والناس نيام تأتي نشوة إيمانية ، أما الآن حينما تنتمي للمجموع قيمة حضارة وقيمة إسلامية :

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة :2)

 أنت حينما ترشد الاستهلاك ، أنت حينما تنتمي للمجموع ، أنت حينما تؤمن بفريق العمل ، هناك قيم كثيرة ، تدير الوقت ، تحافظ على وقتك ، تحافظ على ممتلكات أمتك هذا كله من القيم الإسلامية التي ينبغي أن نعتد بها .

 

أبيات إلى الشاردين متمنياً أن ينتبهوا من غفلتهم وأن يعودوا إلى رشدهم :

أيها الأخوة الكرام ، أحياناً إنسان يتألم ألماً شديداً وقد عبرت عن هذا الألم بقصيدة أسمعكم بعض أبياتها فلعل الله ينفعنا بها :

أخي في الله أخبرني متى تغضبْ ؟
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا ، ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا ، إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا ، ولم تغضبْ
فــأخبرني متى تغضــبْ ؟
إذا نُهبت مواردنا ، إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت منازلنا ، إذا قطعت طرائقنا
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ ؟
عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
يعبث في دمي لعباً
إذا لله.. للحـــرمات.. للإسلام لم تغضبْ
فأخبـــرني متى تغضبْ ؟!
رأيتَ هناك أهوالا
رأيتَ الدم شلالاً
رجالاً شيعوا للموت أطفالاً
رأيتَ القهر ألواناً وأشكالاً
ولم تغضبْ
فأخبـــرني متى تغــضبْ ؟
فصارحني بلا خجلٍ.. لأية أمة تُنسبْ ؟!
فلست لنا ، ولا منا ، ولست لعالم الإنسان منسوبا
ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الهول ؟
ألم يخجلك ما تجنيه من مستنقع الحل؟
وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتل ِ
ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالذلِ
وتغضب عند نقص الملح في الأكلِ!!
ألم يهززك منظر طفلة ملأت
مواضعَ جسمها الحفرُ
ولا أبكاك ذاك الطفل في هلعٍ
بظهر أبيه يستترُ
فما رحموا استغاثته
ولا اكترثوا ولا شعروا
فخـــرّ لوجهه ميْتـــاً
متى التوحيد في جنبَيْك ينتصرُ؟
أتبقى دائماً من أجل لقمة عيشكَ
المغموسِ بالإذلال تعتذرُ؟
متى من هذه الأحداث تعتبرُ؟
***

 أيها الأخوة الكرام ، مرة خطر في بالي أن أبعث برسالة إلى البطل صلاح الدين كتبت هذه الرسالة وسأتلوها على مسامعكم .
 عذرا لك يا صلاح الدين ، وألف عذر ، أنت الذي أخرجت الفرنجة القدامى من بلاد الشام ومصر والعراق ، وأنت الذي حررت دمشق والقدس من أيديهم ، وقد قلت قولتك الشهيرة لن يرجعوا إليها مادمنا رجالاً ، عذراً يا صلاح الدين ، لقد رجعوا في المرة الأولى بعد الحرب العالمية الأولى ، ولما دخل قائدهم إلى دمشق ، وقف عند قبرك ، وقال :ها قد عدنا يا صلاح الدين ، فعذراً وألف عذر لك لقد رجعوا مرة ثانية ولسان حالهم يقول : ها قد عدنا يا صلاح الدين ، ولئلا تقلق علينا إنهم يقولون إنما عادوا كي ننعم بحرية كحريتهم ، وسلام كسلامهم ، ورخاء كرخائهم ، ولا أتمنى عليك أيها القائد الفذ أن تسألنا : أهم يحققون هذه الأهداف بوسائل من جنسها أم بوسائل متناقضة لها ؟ من أجل أن تكون مستريحاً لا تسأل إن وسائلهم كانت إفقاراً وإضلالاً وإفساداً وإذلالاً ، إنها ردة ولا صدّيق لها ، إنها هجمة تترية ولا قطز لها ، إنها حملة فرنجية وأنت غائب عنها.
 عذراً يا صلاح الدين لقد كانت معالم معالم الحزن والأسى ترتسم على وجنتيك ، ولم يكن للابتسامة مكان ولا نصيب على شفتيك ، فلما كنت تسأل لماذا لا تضحك يا صلاح الدين ؟ كان جوابك المتكرر إني استحي من الله أن أضحك ، وما يزال المسجد الأقصى بيد المعتدين.
 عذرا يا صلاح الدين ، وأنت الذي وصلك خبر اعتراض أمير الفرنجة أرناط الذي احتل قلعة الكرك في الأردن ، ومن هناك راح يقطع الطريق على الحجاج المسلمين المتوجهين من الشام نحو الحجاز ، فكان يقتل الرجال ، ويسبي النساء ، وهو يقول نادوا من ينتصر لكم ، فلما سمعت مقالته بكيت وانسابت الدموع من عينيك على وجنتيك ، وقد قلت قولتك الشهيرة : " أنا سأنوب عن رسول الله بنصرة أمته ".
 وهذا ما كان منك أيها البطل الذي ما هدأ لك بال ولا سكنت لك جارحة ، حتى وفيت بوعدك يوم حطين ، يوم انتصرت على ملوك أوربا وأمرائها ويوم وقع أرناط في الأسر ، فمثل بين يديك وذكرته بما قال وقلت له : يا أرناط ، أنا أنوب اليوم عن رسول الله بالدفاع عن أمته .
 عذراً لك يا صلاح الدين ، يا من هزمت الفرنجة القدامى حتى أصبح اسمك على كل لسان نساء أوربا يخوفن بك أولادهن في الليل ليناموا ، نم يا ولدي فإن لم تنم فسيأتي صلاح الدين .
 أيها الأخوة الكرام ، نتابع هذه الرسالة ...
 عذراً وألف عذر يا أيها القائد الفذ لما حلّ بنا من بعدك ومن أجل أن تبقى منسجماً مع إيمانك الكبير نقول لك هان أمر الله علينا من بعدك ، فهنّا على الله .

اعتذار للبطل صلاح الدين الذي طرد الفرنجة القدامى و نحن أعدناهم :

 أيها الأخوة الكرام ، الأمة العربية والإسلامية تمر بمحنة عظيمة ، نرجو أن تكون وراءها منحة ربانية ، لا شرقية ولا غربية ولكن علوية سماوية ، وتعاني هذه الأمة من شدة لم تشهد مثلها في التاريخ الحديث ، نرجو أن يعقب هذه الشدة شَدة إلى الله عز وجل تستحق بعدها أن تستخلف وأن تكمن في الأرض ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وقبل أن أنهي أشكر من أعماق قلبي سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي حفظه الله ورعاه على رعايته هذه الجائزة ، جائزة دبي الدولية في القرآن الكريم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .