أحاديث متفرقة - الدرس : 071 - الصلاة.

1997-03-02

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام:
 في صحيح مسلم حديث في باب الصلاة ذكره لي أحد الأخوة الكرام فرأيت من المناسب أن يكون محور هذا الدرس:

(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ ))

 أيها الأخوة:
 هل تذكرون أن الله سبحانه وتعالى حينما وصف الجاهلية وصفها بأنها جاهلية أولى، وما معنى أن يقول الله عز وجل:

 

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

 

[ سورة الأحزاب ]

 أنت حينما تفتح دفتر حسابات تجد كلمة دفعة أولى، معنى ذلك أن هناك دفعة ثانية، ما وصفت هذه الدفعة بأنها أولى إلا لأن هناك دفعة ثانية، والجاهلية الثانية أشد خطراً من الجاهلية الأولى، كان الرجل في الجاهلية يئد ابنته وهي طيبة، وهي حية، بنت وديعة كالوردة تحفر لها حفرة وتوضع فيها، هذه الجاهلية الأولى، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾

 

[ سورة التكوير ]

 في الجاهلية الثانية تطلق الفتاة على حريتها فتفسد وتفسد وتنحرف وتحمل الناس على الانحراف، تتأذى وتؤذي، تعرض كل مفاتنها في الطريق ولا أب يردعها، ولا أخ يردعها، ولا زوج يردعها، أليست هي جاهلية ثانية ! هذا الذي قال هذا البيت دخل السجن أدخله عملاق الإسلام عمر، قال هذا الشاعر:

  هذا الذي يعد أهجا بيت قالته العرب، في الجاهلية الثانية شعار كل إنسان، مادام الدخل وافر دعك من الناس، لا تهتم بهم لا ينبغي أن تنصرف منهم، من بعدي الطوفان كما قال نيرون.

(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ))

 أحياناً عبارة نبوية، فلان ليس على شيء، ليس على علم، ليس على علم، ليس على منطق، ليس على قيم، ليس على هدف نبيل ليس على مبادئ، لا شيء يضبطه، متفلت.

 

(( وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ))

 كلكم يعلم أن العرب كانت تعبد اللاة، والعزة، تأخذ حجراً فتعبده تجعل من بعض التراب ما يشبه التمثال فتعبده، تصنع من التمر صنماً فتعبده، يقول هذا الصحابي لاحقاً:

 

 

(( فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ))

  أنا أريد أن أقف عند فقرات هذا الحديث، يعني إنسان تحمله معرفة الحقيقة إلى أن ينتقل من بلد إلى بلد، من مدينة إلى مدينة من حي إلى حي، ذكرت مرةً أن بعض الناس يركب مركبته وينتقل من حي في المدينة إلى طرفها الآخر ليشتري كيلو فول ويقول لك ـ ظراف ـ تنتقل من طرف المدينة إلى طرفها الآخر من أجل وجبة طعام واحدة تروق لك أفلا ينبغي من طرف إلى طرف من أجل درس علم، من أجل أن تعرف الله، من أجل أن تعرف كلام الله، من أجل أن تعرف الحقيقة، من أجل أن تسير على منهج واضح، هذا الصحابي الجليل قال:

 

 

(( فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ))

  الإنسان أيها الأخوة يعرض عن طلب العلم كبراً، يقول من فلان المؤمن لا يستنكف عن أن يطلب العلم من أي إنسان، خذ الحكمة ولا يهمك من أي مكان خرجت، الحكمة ضالة المؤمن حيث ما وجدها التقطها.

 

 

(( فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا ))

  نحن الآن والحمد لله نصلي في المسجد، الأذان يصدح في المآذن الصلاة تقام جماعةً، يوم الجمعة المساجد ملأة بالمصلين، نؤدي شعائر الله ونحن مطمئنون، هؤلاء الصحابة الكرام الذين بذلوا الغالي والرخيص والنفس والنفيس من أجل أن ينشروا هذا الدين نحن ينبغي أن نتابع عملهم لا أن نقطف ثمار جهدهم، ينبغي أن نتابع مسيرتهم، هم أوصلوه لنا وعلينا أن نوصله إلى غيرنا.
 أخوانا الكرام:
 الذي لا يشعر في نفسه بحاجة إلى نشر هذا الدين يموت على ثلمة من النفاق، ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

 

[ سورة الفرقان ]

  ربنا عز وجل سمى معرفة كتاب الله وتعريف الناس، تعلمه وتعليمه، قِرَاءتَه، وإِقراءته، أن تتلقاه وأن تلقيه على الناس، أن تفهمه وأن تنقل فهمه للناس، سماه الله جهاداً كبيراً، ومن مات ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، وهذا الذي لا يشعر بحاجة إلى نقل الحق إلى الناس هذا يخالف نص هذه الآية:

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

 

[ سورة يوسف ]

  فالذي لا يتبع النبي لا يدعو إلى الله، أما إذا كنت متبعاً للنبي فلابد من أن تدعو إلى الله.

 

((فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا))

  ألم يخطر في بالكم لماذا أراد الله عز وجل لأنبيائه العظام أن يكونوا ضعفاء، هو يستخفي، النبي يخاف، لما كان كفار قريش يعذبون آل ياسر هل استطاع النبي أن يخلصهم؟ لا يستطيع قال صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
 ما الحكمة من أن النبي شاء له الله أن يكون ضعيفاً ؟ تستطيع أن تقول على النبي أنه ساحر وتنام في بيتك مرتاحاً، لك أن تقول أنه كاهن وتنام في بيتك مرتاحاً ولا شيء عليك، ولك أن تقول عليه أنه مجنون وتنام في بيتك مرتاحاً ولا شيء عليك، شاء الله أن يكون النبي في بادئ الدعوة ضعيفاً من أجل ماذا ؟ لو أنه قوي، لو جعله ملكاً لآمن الناس جميعاً به لا عن قناعة، ولا عن رغبة، ولا عن عبادة، ولكن عن خوف، لذلك قالوا الأنبياء يملكون القلوب، لكن الأقوياء يملكون الرقاب، القوي يملك رقبة الإنسان لكن لا يملك قلبه لا يملك هذا القلب إلى النبي ومن كان على شاكلة النبي، ومن اتبع النبي بإحسان، العبرة أن تملك القلوب لا أن تملك الرقاب، لذلك شاءت حكمة الله جل جلاله أن يكون الأنبياء ضعفاء حتى يكون الإيمان بهم ثميناً، الذين آمنوا برسول الله لم يؤمنوا خوفاً، لأنك تستطيع أن تذم النبي ولا شيء عليك، ولم يؤمنوا به طمعاً لأنه فقير لا يملك شروى نقير.
(( عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ ))

 

 

( مسلم ـ النسائي ـ أبي داود ـ أحمد)

  بربكم أنتم جميعاً هل في بيت من بيوتكم لا يوجد وجبة طعام واحدة ؟ لا يوجد قطعة خبز مع كأس شاي، مع قطعة جبنة ؟ لم يجد شيئاً في البيت، فقال هذا الصحابي:

 

 

(( فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ))

  يجترئون عليه، ينالون منه، يؤذونه.

 

 

(( فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ ))

  فَتَلَطَّفْتُ، سبحان الله المؤمن يوجد عنده أدب، أنا يلفت نظري هذا الصحابي الجليل زيد الخيل الذي سماه النبي زيد الخير في أول لقاء بينه وبين إسلامه ساعة، أعطاه النبي وسادة ليتكئ عليها قال: والله لا أتكئ في حضرتك. فالإنسان كلما امتلأ إيماناً ازداد أدباً مع الله ومع رسوله ومع المؤمنين.
 رجل سأل سيدنا حمزة فقال له: أيكم أكبر أنت أم رسول الله ؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله.
 سيدنا عمر يقول عن سيدنا الصديق، كنت خادمه، وجلواذه وسيفه المسلول فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي عني وهو عني راض وأنا بهذا سعيد.

 

 

(( فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ ،َقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ ))

 لم يقل من أنت، قال ما أنت، من، أقرب.

 

 

(( قَالَ أَنَا نَبِيٌّ ))

  تواضع إلى أقصى درجة.

 

 

(( فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي اللَّهُ، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ))

  معنى ذلك أنه من أجل أوامر الله عز وجل أن تصل رحمك ذكرت هذا كثيراً في رمضان وفي العيد، يعني القضية أن هؤلاء الذين حولك هم أولى الناس بدعوتك إليهم، هم أولى الناس بإكرامك لهم، هو أولى الناس بإرشادك لهم، هم أولى الناس بإحسانك، إذا تكفل كل إنسان بمن حوله انتهى المجتمع نهض كله، نظام رائع، أنا أسميه التكافل الاجتماعي، إذا كل إنسان تفقد أهله، زارهم، تفقد أحوالهم، عاونهم، دعاهم إلى الله، كل إنسان حوله أناس إذاً جميع الناس يهتدون إلى الله، يعني إنسان الله عز وجل ساقه إلى المسجد وأنعم عليه بنعمة الهدى واصطلح مع الله أنا أرى أنه لابد أن يفكر في أن يجلب إنسان إلى هذا المسجد بالكلمة الطيبة، بالإقناع، بالعمل الطيب، بالعمل الصالح، بالوجه الباش، بالكلمة الرائعة، بالهدية اجلبه إليك.

 

 

(( قَالَ: أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ))

 بصراحة بناء بني بشكل غير صحيح مائل، لا يوجد حل لابد من أن تهدمه وأن تبني بناءً صحيحاً، الترقيع أن ترقع مشكلة تعالج بمشكلة، قضية تعالج بقضية، يعني إذا ما أتيت بهذه الملهيات أولادي ينصرفون إلى بيت آخر، أنا أضرب مثل مضحك: هل يمكن طبيب تجميل إذا في ندبة على خدك الأيمن أردت أن تجري لها عملية جراحية أن يقول لك سأنزع لك قطعةً من خدك الأيسر أضعها على خدك الأيمن، ما فعل شيئاً، احفظوا هذه القاعدة، لا تعالج مشكلة بمشكلة، أنا أستمع كثيراً إلى بعض الأخوة يعالج مشكلة بمشكلة، المشكلات لا تعالج إلا بمنهج الله عز وجل، إلا بطاعة الله.

 

 

(( قَالَ: أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ، قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا ؟ ))

 نبي عظيم سيد الأنبياء والرسل.

 

 

(( قَالَ: حُرٌّ وَعَبْدٌ قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ ))

  يوم جاء هذا الأعرابي لم يكن مع رسول الله إلا رجلان حر وعبد يعني كان معه أبو بكر و بلال فقط، العبرة أن تكون على حق هؤلاء نواة المجتمع الإسلامي أنت لا تيأس ابدأ من الصفر أقنع واحداً أن يكون على الحق، هذا الواحد سوف يتزوج، وسيبحث عن فتاة مؤمنة سينجب، سيربي أولاده تربيةً صالحة، صارت هذه الأسرة في صحيفتك، سيصاهر أسرة أخرى على شاكلته، صار في أسرتين لك صديق، قريب، جار، أخ، ابن عم، صهر، ابحث عن نشرالحق.

 

 

(( فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ ))

  ينبغي أن يفرح النبي.

 

 

(( قَالَ: إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا ))

 يوجد شدة بالغة، كان النبي رؤوفاً به رحيماً، أنا أرى أن القيادة أنت عندك أخوان ينبغي أن لا تلقي بهم إلى التهلكة، ينبغي أن ترحمهم، ينبغي أن تحرص على مصالحهم، لا ينبغي أن تغرر بهم وتنجو أنت بنفسك، لا، ينبغي أن تكون أباً لهم، ينبغي أن لا تدفعهم إلى المخاطر، ينبغي أن تبحث عن سلامتهم وسلامة أهلهم، هم اثنين حر وعبد وصاروا ثلاثة.

 

 

(( قَالَ: إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ ))

  شدة ما بعدها شدة، ضغط ما بعده ضغط، تنكيل ما بعده تنكيل.

 

 

(( قَالَ: إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي ))

  النقطة الدقيقة هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام واثق ثقة لا حدود لها بأن الله سينصره، حينما كان بالطائف وسخر منه أهل الطائف وكذبه أهل الطائف، وأغروا صبيانهم أن يضربوه حينما قفل عائداً إلى مكة قال له سيدنا زيد: يا رسول الله أتعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ أخرجتك وهدرت دمك كيف تعود إليها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله ناصر نبيه.
 في غار ثور، ألم يقل له سيدنا الصديق لقد رأونا، قال يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون.
 في أثناء الهجرة تبعهم سراقة قال له صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى.
 معنى ذلك أن ثقة النبي بنصر الله لا حدود لها، ألا نحتاج نحن اليوم إلى هذه الثقة ؟ يجب أن تؤمن أن هذا دين الله، والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن هذا الدين دين الله لتلاشى من ألف سنة، لشدة ما حوله من ماكرين ولكنه دين الله كلما اشتد أعداؤه عليه كلما ازداد قوةً، يعني بعض الدول في شمال إفريقيا أنشأت أربعة آلاف كنيسة كلها الآن مساجد والحمد لله.

 

 

((وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي قالَ فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ))

 ماذا نفهم من هذا ؟ يبحث عن الحقيقة، أخوانا الكرام قال تعالى:

 

 

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

 

[ سورة العنكبوت ]

  والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون عند الله من أن تبحث عن الحقيقة ولا تجدها، لابد من أن تجدها ابحث عنها بصدق.

 

(( فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ ))

  أقبلوا عليه، التفوا حوله، وآمنوا به، ونصروه، وهذا والله مما يرضي الله عز وجل، أقبل على أهل الحق، عاونهم، هيئ لهم السبل لنشر الدعوة، أعنهم بكل ما تستطيع إنك شريك لهم في الأجر.
أخوانا الكرام:
 الآن الإسلام يحتاج إلى تعاون لا ينهض بالإسلام فرد واحد ينهض بهم فريق، فريق عمل، كل إنسان يسد ثغرة مثل الأسرة الأب في معمله، والأم في مطبخها، والأولاد في مدارسهم، كل فرد في الأسرة له جهة يؤديها، والمسلمون اليوم يجب أن يتعاونوا.

 

 

(( فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ ))

 هل يستطيعون قتله ؟ لا يستطيعون والدليل، قال تعالى:

 

 

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

 

[ سورة المائدة ]

  لما نزلت هذه الآية صرف النبي حراسه، يوجد امرأة عالمة في أوربا سبب إسلامها هذه الآية، لو كان الوحي من عند الرسول لا يصدقه هو اخترعه، لما قال الله له والله يعصمك من الناس صرف حراسه، انتهى الإله قال له، يعني الله يعصمك من أن تقتل فتنتهي الدعوة بقتلك مستحيل.
 قال أحد الأشخاص أراد أن يقتل النبي فساقوه إلى النبي ليعاقبه فكان هلوعاً، قال: هون عليك لن تراع لن تراع، لن نخيفك ولو أردت ذلك لما سلطت علي، هكذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام.
 في بعض المعارك رجل أراد أن يقتل النبي، قال: أين محمد لا نجوت إن نجا، فالنبي عليه الصلاة والسلام لابد من يلقاه بنفسه مع أن الصحابة الكرام تمنوا أن لا يلقاه هو، أمسك برمحه ووكزه في كتفه فولى هارباً، يقول: والله لو بسق علي لقتلني.

 

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

 

(( مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي ؟ ))

  أعتقد أنه عشر سنوات أو أكثر اثني عشر سنة، عندما كان معه اثنين في أول الدعوة الآن بعد الهجرة، يعني هذا غاب ثلاثة عشر عاماً وهو يبحث عن الحقيقة إلى أن وصل إلى النبي.

 

(( فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ، قَالَ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ ))

  أخوانا الكرام:
 يوجد أشخاص إذا ما جلس مع مثيل له لا يتكلم، هو مثقف ثقافة عالية، إذا ما شخص أمامه يحمل شهادة عالية يبقى ساكت يترفع عن أن يكلمه كبر، إذا ما كان مع أنداده، مع نظرائه، مع أشباهه يسكت أما الرحيم هذا شخص في السلم الاجتماعي في الدرجة السفلى إنسان أعرابي ليس له شأن ولا مكانة ولا مال، ولكنه يبحث عن الحقيقة، وصدقوني في هذه المناسبة لن يرضى الله عنك إلا إذا جعلت اهتمامك لكل الناس، كل الناس لعل هذا الذي تزدريه هو عند الله كبير:

 

 

﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً﴾

 

[ سورة هود ]

  هذا الذي تراه أنت في الدرجة الدنيا قد يكون عند الله في الدرجة العليا، هذا الذي تظنه فقيراً هو عند الله غني، هذا الذي تظنه بعيداً هو عند الله قريب، فذلك النبي عليه الصلاة والسلام من شدة رحمته بأمته، لشدة أدبه مع ربه، لشدة حرصه، أعرابي جاهل يقول له:

 

(( أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ، قَالَ: صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ))

  لذلك عند الأحناف لا يجوز أن تصلي بعد الفرض أية صلاة إلى أن تشرق الشمس وترتفع مقدار رمح وقد عدها الفقهاء عشرين دقيقة لا ينبغي أن تصلي بعد أداء صلاة الصبح إلا بعد أن تطلع الشمس بعشرين دقيقة أخذاً من هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم.

 

 

(( ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ))

 حينما تكون الشمس في كبد السماء تماماً يختفي الظل، يصير الظل فوق الرمح تماماً، ثم اختفى لما اختفى الشمس في كبد السماء تماماً أشعتها عامودية على هذا العمود إذاً يختفي الظل فإذا مالت أو زالت، يقال وقت الزوال، يعني الوقت الذي تنحرف به الشمس عن قبة السماء.
(( ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ))
 الذين يعبدون الشمس يعبدونها حين الشروق وحين السجود عندنا في هذا الدين القويم ثلاثة أوقات الصلاة فيها مكروهة، حين شروق الشمس حتى ترتفع في الأفق، وعند انتصافها في كبد السماء حتى تزول وعند اصفرارها حتى تغيب، هذا مأخوذ من هذا الحديث الشريف.

 

 

(( قَالَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ))

  الصلوات كفارة لما بينها إذا الإنسان مستقيم لكن غفل قليلاً تكلم كلمة ليته لم يتكلمها، قام توضأ وصلى هذا الوضوء وهذه الصلاة تحط عنه الخطايا.

 

 

(( ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ ))

  لو يعلم المصلي من يناجي ما التفت، دقق أن تقول الحمد لله كل شيء ساقه الله لك يحمد عليه، هذا كلام ربنا، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ـ اسم الله الأعظم ـ كل شيء أساسه الرحمة: بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

 

[ سورة الفاتحة ]

(( فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))

  يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بقبر، فقال عليه الصلاة والسلام: صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من نوافلكم ـ يعني ركعتين سريعتين ـ خير له من دنياكم كلها.
 يوجد في الدنيا قصور، ومعامل، وشركات ضخمة، وطائرات ضخمة، وفنادق، إنسان اشترى فندق في فرنسا يعني ممتلئ طوال العام، ثمانين طابق خمس نجوم كم هو دخله؟ صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من نوافلكم خير له من دنياكم كلها.

 

(( فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))

  فإذا الإنسان قام إلى الصلاة بوضوء كهذا الوضوء وصلاة كهذه الصلاة كفر الله عنه كل خطاياه، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما.

 

 

(( فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ، فَقَالَ: عَمْرٌو يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ))

 

([ مسلم ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ أحمد)

  يعني هناك أشياء كثيرة جداً نستنبطها من هذا الحديث كيف كان الإسلام رجلين، وكيف كان النبي يحرص على أصحابه، ويحرص على سلامتهم، ويطلب لهم الرخاء، والهدى، والنقاء، وكيف أن هذا الأعرابي الذي قدم على رسول الله صبر عليه النبي وتلطف به وألقى عليه ما هو مطلوب منه، وكيف هو تذكره، هذه الذاكرة القوية دليل اهتمام.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذا الحديث وأن نقوم إلى الصلاة كما وصف النبي هذه الصلاة وأن نستنبط من هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام كما حملوا هذه الرسالة وضحوا من أجلها وبذلوا الغالي والرخيص والنفس والنفيس أن نسعى نحن إلى نقل هذه الحقائق إلى الآخرين، قال تعالى:

 

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾

 

[ سورة البقرة ]