الكلمة الطيبة - الدرس : 2 - العلم بالله وبأمره وبخلقه قوة ، وطلب العلم فريضة على الإنسان ليحقق ذاته

2008-09-02

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

التفوق و التطرف :

الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، والإنسان حينما يلبي حاجة العقل بالعلم الصحيح المنضبط ، المستنبط من وحي السماء ، وحينما يلبي حاجة القلب بالحب المشروع الذي سمح الله به ، وحثّ عليه ، وحينما يلبي حاجة الجسم بالطعام والشراب المعتدل كما أمرنا الله عز وجل ، عندئذٍ يتفوق الإنسان ، أما إذا لبى حاجة واحدة ، وأهمل الحاجتين الباقيتين عندئذٍ يتطرف الإنسان ، وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف .
لذلك أودع الله في الإنسان قوة إدراكية ، كيف ؟
أيها الأخوة ، الجماد شيء مادي يشغل حيزاً في الفراغ ، له وزن ، وله أبعاد ثلاثة ، هذا هو الجماد ، أما النبات شيء أيضاً مادي ، يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، لكنه ينمو ، يختلف النبات عن الجماد بالنمو ، بينما الحيوان أيضاً شيء مادي ، يشغل حيزاً في الفراغ ، وله أبعاد ثلاثة ، وينمو كالنبات ، لكنه يتميز عنه بأنه يتحرك ، أما الإنسان شيء جسمه مادة ، مادي يشغل حيزاً في الفراغ ، وله وزن ، وله أبعاد ثلاثة ، وينمو كالنبات ويتحرك كبقية المخلوقات ، لكنه يفكر ، هنا تميز الإنسان .
يعني الله عز وجل أودع في الإنسان قوة إدراكية ، ما لم تلبَ هذه القوة الإدراكية بالعلم ، ما لم تلبَ أنا أسميها الحاجة العليا في الإنسان ، له حاجات دنيا ، أن يأكل ، وأن يشرب ، وأن يستمتع بالحياة ، وله حاجة عليا ما لم تلبَ هذه الحاجة العليا في الإنسان ، عندئذٍ يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته ، إلى مستوىً لا يليق به .

طلب العلم فريضة على الإنسان ليحقق ذاته :


لذلك أيها الأخوة ، طلب العلم فريضة على الإنسان ليحقق ذاته ، الإنسان مفطور على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، لا يحقق الإنسان كمال وجوده إلا إذا طلب العلم .
لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم ، فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
لذلك أودع الله في الإنسان قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية ينبغي أن تلبى ، من هنا يقول الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

( سورة العصر )

يقسم الله لهذا المخلوق الأول رتبة ، وهو بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، يقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول ، الذي هو في حقيقته زمن ، يقسم ويأتي جواب القسم :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

أي أن مضي الزمن يستهلكه .

 

معرفة الله عز وجل تنجي الإنسان من عذاب الدنيا و الآخرة :

إذاً متى ينجو هذا الإنسان الذي خلقه الله لجنة عرضها السماوات والأرض ؟ متى ينجو هذا الإنسان الذي هو الأول عند الله ؟.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

( سورة الأحزاب )

متى ينجو هذا الإنسان الذي كرمه الله ؟.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

متى ينجو هذا الإنسان ؟ حينما يقول الله عز وجل :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

( سورة التين )

إن لم يعرفنا .

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾

( سورة التين )

متى ينجو هذا الإنسان ؟ ينجو إذا عرف الله عز وجل .

 

الدعوة إلى الله في الآية التالية فرض على كل مسلم :

لذلك

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا ﴾

رحمة الله بإلا ،

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

بحثوا عن الحق وصلوا إليه .

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 69 )

بحثوا عن الحقيقة ، وصلوا إليها ، إما من خلال البحث الذاتي ، أو من خلال تصديق ما جاء من وحي السماء ، لأن وحي السماء هو الحق ، والقرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي .
إذاً :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

معنى

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

أي الدعوة إلى الله ، في هذه الآية فرض على كل مسلم كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

إذاً كل مسلم يعد نقل الحق للآخر ، أو نقل الحق الذي سمعه للآخر فرض عين عليه .

 

الخاسر من لم يبحث عن الحقيقة و يصل إليها و يعمل وفقها :

لكنني أفرق بين الدعوة إلى الله ، كفرض كفاية إذا قام بها البعض ، وقيام البعض بها يعني التبحر ، والتعمق ، والتفرغ ، والقدرة على ردّ كل الشبهات ، وتأصيل كل القضايا في الدين ، وبين الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما يعلم المؤمن ، ومع من يعرف ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

في حدود ما يعرفون ، ومع من يعرفون ،

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

أي ما لم تبحث عن الحقيقة ، وتبحث عنها صادقاً ، وتصل إليها ، وما لم تعمل وفقها :

وعالم بعلمه لم يعملنْ معذَّب من قبْل عباد الوثن
***

وما لم تدعُ إليه ، وما لم تصبر على البحث عنها ، والعمل بها ، والدعوة إليها ، فالإنسان خاسر ،

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

شعب المعرفة ثلاث ؛ معرفة الله و معرفة أمره و معرفة خلقه :

لكن هذه المعرفة أيها الأخوة ، معرفة ذات شعب ثلاث ، ينبغي أن تعرف الله لأن أصل الدين معرفته ، وينبغي أن تعرف أمره ، وينبغي أن تعرف خلقه ، فالعلم بخلقه هو اختصاص الجامعات في العالم ، الفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، والفلك ، والطب ، والهندسة ، وطب الأسنان ، والصيدلة ، وعلم الجيولوجيا ، والعلوم الطبيعية ، والعلوم الحيوانية ، والطب البشري ، هذه كلها علوم بخلقه ، والإنسان أيها الأخوة مكلف أن يخضع لهذه القوانين التي قننها الله عز وجل .
وأنا أرى أن جزءاً من عبادة الإنسان أن يخضع لهذه القوانين ، لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سبباً ، فينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، العالم الغربي أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها ، ونسي الله ، وقع في الشرك ، والعالم الإسلامي أقول بشكل عام لا أقول بشكل مطلق لم يأخذ بها ، وتواكل ، فوقع في وادي المعصية ، أما الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

العلم بخلقه أصل صلاح الدنيا والعلم بأمره أصل في صلاح العبادة:

لذلك العلم بخلقه أصل صلاح الدنيا ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 60 )

العلم بخلقه وهو اختصاص الجامعات أصل في صلاح الدنيا ، وهناك علم آخر هو العلم بأمره ، هذا المنهج الإلهي ، هذا الوحي السماوي ، هذا القرآن الكريم ، مع شرح المعصوم ، هو المنهج التفصيلي ، ينبغي أن نعرف الأمر والنهي ، كيف نعبد الله إن لم نعرف أمره ونهيه ؟ من لوازم عبوديتنا لله عز وجل أن نعرف أمره ونهيه .

العلمُ بخَلقِ الله أصلُ صلاحِ الدنيا، والعلمُ بأمره أصلٌ في صلاح العبادة

فلذلك العلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا ، وقد قال الله تعالى لنا :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

الاقتصاد قوة ، الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي قوة ، الاكتفاء الذاتي في الصناعة قوة ، الاكتفاء الذاتي في تصنيع الأسلحة قوة ،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

والإعلام قوة ، والأقمار الصناعية قوة ، وكل شيء يقوى به المسلمون ينبغي أن يسلكوا طريقه .
ذلك لأن الإنسان حينما يعرف ربه ، يبحث عن عمل يتقرب به إليه ، وما من قربة إلى الله أعظم من أن تكون قوياً تحمي بهذه القوة الدين وأهله .
إذاً العلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا ، والعلم بأمره أصل في صلاح العبادة ، أما العلم به فشيء آخر .

 

التفكر في خلق السماوات و الأرض أصل معرفة الله تعالى :

أيها الأخوة ، العلم بالله أن تعرفه ، كيف تعرفه ؟ تعرفه من خلقه ، الله عز وجل خلق السماوات والأرض ، الكون خلقه ، والقرآن كلامه ، والأحداث التي تجري أفعاله ، يمكن أن تعرفه من خلقه ، ومن أفعاله ، ومن قرآنه ، مثلاً الله عز وجل يقول :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة يونس الآية : 101 )

أمر إلهي ، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب ، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك ، الله يقول عز وجل يقول

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة يوسف )

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

فالتفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله ، وأقصر طريق إليه ، لذلك من أجل أن نعرفه ، إننا إن عرفناه عرفنا كل شيء .

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ مختصر تفسير ابن كثير]

فمن أجل أن نعرفه ينبغي أن نتفكر في خلق السماوات والأرض .

 

كثرة الآيات التي تتحدث في القرآن الكريم عن خلق الله عز وجل :

في القرآن الكريم ما يقترب من ألف آية تتحدث عن خلقه ، فإذا كانت الآيات التي فيها أمر تقتضي أن نأتمر ، والآيات التي فيها نهي تقتضي أن ننتهي ، والآيات التي فيها ذكر للجنة والنار تقتضي أن نسعى إلى دخول الجنة ، وأن نفر من النار ، والآيات التي فيها قصص الأولين تقتضي أن نعتبر ، فماذا نفعل في ألف آية تتحدث عن الكون ؟! تقضي هذه الآيات أن نتفكر ، فإذا قال الله عز وجل في قوله تعالى الآية الكريمة :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة )

بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية ، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها ، عدا الشمس ، أربع سنوات ضوئية ، والضوء كما تعلمون يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كم ، كم يقطع في الدقيقة ؟ نضرب ثلاثمئة ألف بستين ، كم يقطع في الساعة ؟ نضرب بستين ، كم يقطع في اليوم ؟ نضرب بأربع و عشرين ، كم يقطع في السنة ؟ نضرب بثلاثمئة و خمسة و ستين ، كم يقطع في أربع سنوات ؟ نضرب بأربعة .
إذاً هناك رقم كبير ، هناك رقم ما يقطعه الضوء في أربع سنوات ، لو كان في هذا النجم الذي يعد أقرب نجم ملتهب إلينا ، لو كان هناك طريق إليه ، ومعنا مركبة أرضية والسرعة مئة ، لو قسمنا هذه المسافة على مئة ، فالجواب كم نحتاج إلى أن نصل لهذا النجم ؟ لو قسمنا هذا الناتج على 24 كم يوم ؟ لو قسمنا هذا الناتج على 365 كم سنة ؟.

 

الله عز وجل خلق الأكوان و هو الذي أنزل هذا القرآن :

هل تصدقون أيها الأخوة أنه من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض نحتاج إلى خمسين مليون عام ، فإذا قرأت قوله تعالى

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾


عندئذٍ ندرك أن هذا الإله العظيم خلق الأكوان ، وأنزل القرآن ، بل إن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .
ونحن حينما نتأمل في الشمس وفي الأرض بين الأرض والشمس 156 مليون كم يقطعها الضوء في 8 دقائق ، الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض .
أيها الأخوة ، هل تصدقون أن في أبراج السماء برجاً اسمه برج العقرب ، فيه نجم صغير متألق ، اسمه قلب العقرب ، يتسع للشمس ، والأرض مع المسافة بينهما ، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟.
لذلك :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

إذاً من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض نعرفه ، ويكون العلم به ، ومن خلال دراسة الأحكام الشرعية يكون العلم بأمره ، ومن خلال دراسة قوانين الكون يكون العلم بخلقه ، فالعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا ، والعلم بأمره أصل في حسن العبادة ، والعلم به أصل في معرفته ، وطاعته ، والإقبال عليه ، والتوكل عليه ، والسعادة بقربه ، ونيل الجنة والنجاة من النار .

 

أصول الدين الكتاب و السنة :

أيها الأخوة ، إن صحّ ، ونحن في موضوع العلم أن هناك منهج بحث في الإسلام هذا المنهج قائم على الحقيقة التالية :
هناك نص قرآني ، والقرآن كما يعلم كل مسلم قطعي الثبوت ، موقفك منه أن تتأكد من المعنى الذي أراده الله ، لك حركة واحدة مع هذا النص ، أن تعرف ماذا أراد الله بهذا النص من خلال علم الأصول ؟ ونص آخر هو نص النبي عليه الصلاة والسلام والأحاديث الشريفة كما تعلمون بعضها قطعية الثبوت ، وبعضها ظني الثبوت ، لك مع هذا النص مهمتان ، الأولى أن تتأكد من صحة هذا الحديث ، فما كل حديث مكتوب في الكتب يعد صحيحاً ، لابدّ من التأكد من صحة الحديث .
والمهمة الثانية أن تفهم ماذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث وفق علم الأصول ؟
أما مع نص آخر من آدم إلى يوم القيامة ينبغي أن تتأكد من صحته بالنسبة إلى صاحبه ، ومن المعنى الذي أراده ، ثم ينبغي أن تعرضه على الكتاب والسنة ، فإن قبله فعلى العين والرأس ، وإن رفضه فترفضه أنت ، وينبغي أن لا تعبأ به ، لأنه لابدّ من أن نعد الكتاب والسنة الأصل الكبير في الدين ، وهو المقياس الأول .

العلم يرفع مستوى الإنسان إلى المستوى الذي يليق به :

لذلك أيها الأخوة ، يقولون : إذا كنت ناقلاً فالصحة ، مبتدعاً فالدليل ، عود نفسك ألا تقبل شيئاً من دون دليل ، وألا ترفض شيئاً من دون دليل ، ولولا الدليل قال من شاء ما شاء ، والمشكلة أن هذا الدين العظيم له مرجعية مؤصلة ، فما لم يكن تصورنا ، وتفكيرنا وفق هذا المرجع المؤصل فنحن في خطأ كبير .
أيها الأخوة الكرام ، لابدّ من أن نطلب العلم ، لأن العلم يرفع مستوى الإنسان إلى المستوى الذي يليق به ، لابدّ من أن يكون العلم رائداً لنا ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
أيها الأخوة الكرام ، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .