الدرس : 5 - سورة الرعد - تفسير الآيات 12 – 16

1986-08-22

 الحمد لله العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي من سورة الرعد إلى قوله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا

اللهيعرِّفنا بذاته :

 أما كلمة هو فكمثيلاتها ..

﴿ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 هذا الذي أنزل إليك من ربك، أي هذا القرآن من عند ربك، مَنْ ربك ؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ﴾

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ﴾

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ﴾

 لا زال الله سبحانه وتعالى يعرفنا بذاته ، أي أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا، هذا المنهج الذي أنزله الله إلينا هو من عنده من عند خالق السماوات والأرض، من عند رافع السماوات بغير عمد .

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خوْفًا وَطَمَعًا ﴾

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا

البرق فيه خوف من عقاب وطمعٌفي غيث وماءٍ :

 خوفاً من أن يكون صاعقة قاتلة، وطمعاً في أن يكون وراءه سحابٌ ثقيل، مُثْقَلٌ بالأمطار، تخافون الصاعقة أن تميتكم، وتطمعون بالماء أن يحييكُم .

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾

الإنسان في الدنيا بين الطمع والرجاء :

 والإنسان في هذه الدنيا يجب أن تكون حالته النفسية مع الله سبحانه وتعالى بين الخوف والطمع، بين الرجاء وبين الحَذَر، بين التفاؤل وبين القلق، التفاؤل المفرط يهلك صاحبه، والتشاؤم الشديد يُثَبِّطُ عزيمة صاحبه، لابدَّ من تفاؤلٍ وتشاؤم، من رجاءٍ وخوف، من قلقٍ وطمأنينة .
 الله سبحانه وتعالى جعل البَرْقَ فيه صاعقة قاتلة، وفيه سحابٌ ثقال، مُثْقَلَةٌ بمياه الأمطار .

﴿ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾

بعد البرق ينشأ السحاب المثقل بالماء :

 في أعقاب البرق ينشأ السحاب الثقيل بالمياه التي إذا نزلت على الأرض اهتزت ورَبَت، وأنبتت من كل زوجٍ بهيج، معنى الثقال أي هذا السحاب ثقيلٌ بالمياه، حيثما كانت المياه كانت الحياة، وحيثما قلَّت المياه بدا القلق على الوجوه، بساتين كثيرة في الغوطة مهددة باليَبَس، لأن شح المياه في هذا العام كان إلى حدٍ كبير ..

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾

( سورة الذاريات )

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾

حتى الرعد يسبح بحمد الله :

 الرعد شيء، والبرق شيءٌ آخر، احتكاك السحب بعضها ببعض له ظاهرتان؛ الرعد ظاهرة، والبَرق ظاهرة، الرعد صوت البرق، والبرق ضوء الرعد؛ ولأن الرعد صوتٌ، والصوت ينتقل ثلاثمائة وثلاثين متراً في الثانية الواحدة، بينما الضوء ينتقل ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، لذلك نحن نرى ضَوْءَ البرق قبل أن نسمع صوت الرعد، يؤيد هذا قوله تعالى :

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾

( سورة السجدة : الآية 12 )

 حينما قدَّم الله سبحانه وتعالى البصر على السمع؛ معنى ذلك أن سرعة الضوء أكبر بكثير من سرعة الصوت .

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾

 هذا هو الله ربُّ العالمين .
 هذا السحاب من صنعه، وهذا البرق من صنعه، وهذا الرعد من صنعه، والله سبحانه وتعالى يتجلَّى باسم القوي فيكون الرعد، كأن آلاف القنابل تتفجَّر في جو السماء، قد يظن الإنسان أن قصفاً شديداً حل بالمدينة حينما يستمع إلى صَوْتِ الرعد، وأما البرق فمن شدة اللَّمعان يخطف الأبصار، البرق ضوء الرعد، والرعد صوت البرق، والصوت والضوء متباينان في السرعة .

 

معنى تسبيح الرعد بحمد الله :

 أما قوله تعالى :

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾

 بعض العلماء قالوا: يسبِّح سامع صوت الرعد بحمده .
 وبعضهم قال: الرعد نفسه َنْفسٌ يسبِّحُ بآلاء الله .
 وبعضهم قال: إن صوت الرعدِ دليل كمال الخلق؛ فكمال الخلق تسبيحٌ لعظمة الصانع، لو أنك رأيت فاكهةً نضرةً، كبيرة الحجم، زاهية الألوان، طيِّبَةَ الرائحة، عذبة المذاق، يقول عامة الناس: تسبح الذي خلقها، كيف تسبح؟ أي أن كمال صنعتها كأنه ينطق لك ويقول: سبحان الذي خلقني، فالتسبيح حمله العلماء على معانٍ ثلاثة ..

 

المعنى الأول :

 أن سامع هذا الصوت يسبِّح بحمد الله، إذا أقبلت السحب من الغرب وكانت سوداء دَكْنَاء، وكنا على جفافٍ شديد، وعلى انتظارٍ مديد للأمطار، فلمع البرق وقصف الرعد معظم الناس يسبحون بحمد الله، يا ربِ لك الحمد، الذي أغثتنا، فتسبيح الرعد أي تسبيح سامع الرعد، سامع هذا الصوت، هذا المعنى الأول .

المعنى الثاني :

 أن لكل شيءٍ خلقه الله سبحانه وتعالى نفسًا، لقوله تعالى :

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾

( سورة الإسراء : الآية 44 )

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا ﴾

( سورة الأحزاب : آية " 72 )

 معنى ذلك أن الجبل نفس، والأرض نفس، والشمس نفس، والبحار نفس، والهواء نفس، نفوسٌ بثَّها الله سبحانه وتعالى ، لكن أكرمها عليه هو الإنسان ..

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾

( سورة الإسراء )

 فالمعنى الثاني: أن الرعد نفسه نفسٌ تسبح بحمد ربها، فإذا كان الطير يسبِّح الله، والنمل تحت الأرض يسبِّح بحمد الله، والحوت في البحر يسبِّح بحمد الله، وكل شيءٍ ينطق بالحمد، ويلهج بالتسبيح، فما بال هذا الإنسان الغافل الذي خُلِقَت كل هذه المخلوقات من أجله وسخَّرها الله له؟ ما بالها تسبِّح وهو يجحد؟ ما بالها تسبِّح وهو يكفر؟ ما بالها تسبح وهو يُعْرِض ؟!

 

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾

المعنى الثالث :

 المعنى الثالث: أن كمال الخلق في حَدِّ ذاته تسبيح، لو وقفت أمام قطعة أثاثٍ متقنةٍ إلى حد الخيال تتأملها، تُحِسُّ أنها تنطق، تنطق بدقة صنعة صانعها، فكمال الخلق تسبيح، وكل شيءٍ يسبح، أو سامع صوت الرعد يسبح .

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾

التسبيح بين المعنى السلبيوالمعنى الإيجابي :

 والتسبيح أيها الإخوة الأكارم له معنيان :

المعنى السلبي :

 له معنى سلبي، وهو تنزيه الذات الإلهية عما لا يليق بها، سبحان الله عما يقولون .

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾

( سورة االبقرة )

 ما أبعد ذات الله العليَّة عن هذا الوصف الباطل! الله سبحانه وتعالى ليس بحاجةٍ إلى ولد، لم يلد ولم يولد، ليس كمثله شيء، هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، لا يُسْأل عنه أين هو؟ لأنه خالق المكان، ولا يسأل عنه متى كان؟ لأنه خالق الزمان، عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعَلِمَ ما سيكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ليس كمثله شيء، ليس مُتَبَعِّضَاً ولا مُتَجَزِّأً ولا مَعْدوداً، فالحديث عن ذات الله حديثٌ يطول، هذا معنى التسبيح، سَبِّحُّه؛ أي أن نزِّهه عما لا يليق به .

 

المعنى الإيجابي :

 المعنى الآخر هو معنى إيجابي، سبَّح الله؛ أي جال في عظمته، فكَّر في علمه، فكر في قدرته، فكر في جماله، من أسماء الله الجميل، يتجلَّى على طائر فيأخذ بالألباب، لا تستطيع أن تصرف النظر عنه لجماله، يتجلَّى باسم القوي فيكون الرعد، يتجلى باسم الواسع فيكون البحر، يتجلى باسم العليم فيكون بعض علم البشر، فأسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى .

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف : الآية 180 )

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

( سورة الإسراء : الآية 110 )

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾

الخوف الخوف درجات :

 والخَوف درجات؛ قد يخاف العَبد عقاب سيِّدِهِ، هذه درجة، وقد يخاف العاشق أن تنقطع الصِلَةُ بمعشوقه، وهذا خوفٌ من مستوى أرقى، وقد يخاف المؤمن أن تنقطع صلته بالله عزَّ وجل، رأس الحكمة مخافة الله، الحكمة كأنها جسد أنبل ما فيها رأسها، رأس الحكمة مخافة الله، لذلك الذي يخاف الله هو العاقل، والذي لا يخافه هو الأحمق وهو الغبي، وهل يعقل أن ترى إنساناً حَصَّلَ أعلى الشهادات وهو يعصي الله؟ نعم، نقول: هذا الإنسان حَصَّلَ شهاداتٍ عُليا ابتغاء الدنيا، ولكن لأنه لم يستقم على أمر الله فإنه موسومٌ بالغباء أو بنوعٍ من أنواع الغباء، لقوله عليه الصلاة والسلام :

(( كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعجب بنفسه ))

[ الجامع الصغير عن مسروق مرسلا ]

﴿ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾

وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ

خطورة الصواعق :

 هذه الصاعقة قد سمعت أنها أحياناً تبلغ عشرات ألوف الفولطات، نحن إذا كان شدة التيار مائتين وعشرين فولطاً فهو خطر، مائة وعشرة أسلم، لكن هناك ستة آلاف فولط، وعشرة آلاف فوط، فالصاعقة تكفي أن تجعل الإنسان قطعةً من الفحم في ثانية واحدة، وأحياناً تصيب الصاعقة منزلاً فتحرقُهُ، لذلك يضعون في أسقف المنازل عموداً حديدياً ليأخذ الصاعقة وينقلها إلى باطن الأرض، يضعون في أسفل بعض الشاحنات قطعةً من حديد كي تنقُل الصاعقة إلى الأرض، هذه الصاعقة تيارٌ عالٍ جداً إذا أصاب شيئاً أحرقه عن آخره .

 

﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾

 

وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ

معنى : شديد المِحال :

 معنى المِحال أي المَكر، ومكر الله سبحانه وتعالى غير مكر الإنسان، الإنسان قد يمكر ليوقع الشر، قد يمكر ليقوى على خصمه، إذاً هو ضعيف، قد يَمْكُر ليصل إلى هدفٍ خسيس، ولكن الله سبحانه وتعالى يمكر لصالح الإنسان ..

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

 أي أن الله سبحانه وتعالى يعود مكره بالخير على كل الناس، كما أن القاضي إذا أصدر حكماً بالإعدام على إنسان، لا يسمَّى القاضي قاتلاً، وإنما يسمَّى حاكماً، كذلك ولو أن الله سبحانه وتعالى قال في قرآنه الكريم، في كتابه العزيز .

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾

 ولكنه لا يجوز أن تشتق من هذا الاسم أو من هذا الفعل اسماً لله سبحانه وتعالى، لا يقال: الله ماكر، لأن مكر الله سبحانه وتعالى من طبيعةٍ وهدفٍ مختلفٍ عن طبيعة مكر الإنسان وهدفه، من طبيعةٍ أخرى، مكر الله أقرب إلى التدبير ..

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾

 إن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، فإذا مكر المشركون أو الكفار بمؤمنٍ؛ الله يمكر له، معنى يمكر له؛ أي يدافع عنه، يُحْبِطُ خططهم، يُنهي مؤامراتهم، يُعيق إرادتهم، لا يوقعها، لا يسمح لها أن تقع، مكر الله سبحانه وتعالى لصالح المؤمن، ولصالح الكافر؛ لصالح المؤمن يحميه من خطة الكافر، ولصالح الكافر يرديه لعله يتوب إلى الله سبحانه وتعالى .

﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾

 خطر في بالي مثل.. لو أن مواطناً رأى على أحد جدران المدينة قراراً يمنع التجوُّل، تحت طائلة إطلاق الرصاص؛ لو أنه وقف أمام هذا البلاغ وقرأه بتمَعُّن، ودرس نوع الخط، ودرس نوع الورق، وبدأ يجادل أهذا التوقيع صحيح أم غير صحيح، مزور، هذا خط مطبعة، خط خطاط، صف حروف، كيف طبع؟ أين طبع؟ متى طبع؟ إلى أن جاءت رصاصة فأردته قتيلاً ..

 

﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾

الجاهل يجادل في الله :

 يناقشك في آخرة، لا يوجد آخرة، بعد أيام نعيه على الجدران، يأخذه الله وهو يجادل، يأخذه وهو يرد الحق، يأخذه وهو يشكك في الدين، يأخذه وهو يضل الناس، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾

 لذلك الإنسان له حدود، ومن تجاوز حدوده وقع في شَرِّ أعماله، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، ولم يتعدَّ طوره، حدود الإنسان تتضح في آيتين، الأولى قوله تعالى :

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

مهمة الإنسان أن يعبد الله :

 تنحصر مهمة الإنسان في طاعة الله سبحانه وتعالى، فإذا أطاع الله سبحانه وتعالى جاءته الخيرات من كل جانب، إذاً عليه أن يشكر المولى على كل ما أولى .
 مهمَّتُكَ أن تعرفه، فتعبده، فتشكره، لا تحشر أنفك في شؤونه، فلان كافر أم مؤمن؟ هذا من شأن الله سبحانه وتعالى، لا تزكّوا أنفسكم، ولا تزكوا على الله أحداً .

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

 آيةٌ ثانية في المعنى نفسه :

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

( سورة البقرة : الآية 134 )

 أعمالها لها، وأعمالكم لكم، لن ينفعكم عملها، ولن يضُرَّكُم عملها، أما أنتم ما عملكم؟ فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾

 أي اعبده واشكر نِعَمَهُ، هاتان المهمتان التي أمرك الله بهما .

 

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ

المعنى الأول : الحق واحد ، والباطل متعدِّد :

 الحق واحد لا يتعدد، والحق من الحق سبحانه وتعالى، ولا حق إلا من الحق، الحق من الحق، الحق ما جاء به ربنا سبحانه وتعالى، ما جاء به في كتابه ..

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

( سورة يونس : الآية 32 )

 بين نقطتين لا يمر إلا مستقيمٌ واحد، المستقيم الثاني يجب أن ينطبق على الأول، المستقيم الثالث يجب أن ينطبق على الأول والثاني، إذا كان الخط مستقيماً، ولكن بين هاتين النقطتين تمرُّ آلاف الخطوط المنحرفة والمنحنية والمنكسرة، لذلك :

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

( سورة الأنعام : الآية 153 )

 معنى ذلك أن الباطل متعدد، الباطل متنوِّع، الباطل نسبي، الانحراف نسبي، أما الحق فواحد، الحق قَطْعِي، الحق له حدٌ لا يزيد ولا ينقص .

 

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾

 الحق من عنده، وليس من غيره، فأي مذهبٍ في الأرض لا يعتمد منهج الله منطلقاً فهو باطل ..

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 47)

 وفي آية أخرى :

 

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 45)

 وفي آية أخرى :

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾

( سورة المائدة : الآية 44)

 لأن الحق هو الحق لا يتبدل ولا يتغير ولا يتعدد .

 

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾

 هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني : لا يستجيب لك إلا الله :

 المعنى الثاني: أنك لن تدعو أحداً في الكون ويستجيب لك إلا الله، الدعوة له، الدعاء له وحده، فإذا دَعَوْتَ غيره أصابك الإحباط، إذا دعوت غيره فلن تستفيد شيئاً .

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 

(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه، وما من عبد يطعيني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني ))

[ من الجامع الصغير : عن " كعب بن مالك ]

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾

 أي أن الحق من عنده وحده، والدعاء إليه وحده، والرغبة إليه، والخوف منه، والرجاء له، والمحبَّة له، والإقبال عليه، والسعي له، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في دعاءٍ بالغ الإيجاز :

(( اللهم أنا بك وإليك ))

 أي أنا قائمٌ بك وقصدي إليك، أنا بك وإليك .
 أما :

﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ﴾

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ

 أحياناً هذا الذي تدعوه من دون الله لا يسمعك، وإذا سمعك لا يستجيب لك، وإذا أراد أن يستجيب لك لا يستطيع، على ثلاث مراحل، قبل كل شيء لا يسمعك، فإذا سمعك جدلاً لا يستجيب لك، فإذا أراد أن يستجيب لك لن يستطيع أن يستجيب لك، لأن الله يحولُ بينه وبين ذلك .

﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾

كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ

ضربُ المثَل بالماء بلاغة عظيمة :

 لو أنني بسطت يدي إلى هذا الكأس من الماء، وطلبت منه أن يأتي إلى فمي ماذا يحدث؟ الماء لا يتحرَّك، لا يستجيب، لكن الله سبحانه وتعالى بهذا المثل البليغ أعطى الماء صفتين، الصفة الأولى أنه لا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، والصفة الثانية أنه لو سمع وعقل وفهم لا يستطيع أن يأتي إلى عندي من تلقاء ذاته، فهذا الذي تدعوه من دون الله أصَمُّ لا يسمع دعاءك، أبكمُ لا يجيبك، كسيحٌ لا يستجيب لك .

﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾

الفائدة من زيادة الباء :

 هذه الباء زائدة زيادة نحويا، أما في البلاغة فتفيد التأكيد، أي: وما هو بالِغُهُ، فإذا قلنا :

﴿ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾

 فزيادة هذه الباء لتأكيد عدم نسبة هذا المبتدأ إلى ذلك الخبر .

﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾

وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

الدنيا سنوات معدودة فاغتنمها :

 هناك مثل أريد أن أطرحه أمامكم.. لو أن إنساناً بلغ به العطش أنَّه أوشك على الموت، وقد قدَّر له الأطباء ساعةً من الزمن إن لم يشرب الماء مات من فوره، وأمامه سبعة طُرُق، ينتهي كل طريقٍ بمكان، الماء في أحد هذه الأمكنة، فاختيار الطريق أليس اختياراً مصيرياً؟ لو سار في طريق ليس فيه ماء لأمضى الساعة في الطريق وفي نهاية الطريق مات عطشاً، ما دام هناك ساعة من حياته إذا صرفها في طريقٍ لا ماء فيها هَلَك، إذاً: مثل هذا الإنسان الذي يوشك أن يموت عطشاً، والذي أمامه سبعة طرق، والماء في مكانٍ في أحدها فقط، كيف يختار أحد هذه الطُرُق؟ كله آذان كما يقولون، لكن الحياة الدنيا هي أخطر من هذه الحالة ..
 الدنيا سنواتٌ معدودة، إما أن تمضيها في طاعة الله فتسعد إلى الأبد، وإما أن تستهلكها استهلاكاً رخيصاً فيمضي هذا العُمُر، وتنتهي الحياة، ويجد الإنسان أن جهنم مأواه خالداً فيها أبداً، بحريقها، وعذابها، وشدَّتها لا يموت فيها ولا يحيا، لا يُفَتَّرُ عنهم العذاب، فلذلك القضية خطيرة جداً، فالقضية أخطر من أن أحدكم جاء إلى هذا المسجد، واستمع إلى درس ممتع وانتهى الأمر، هذا الشيء الأمر أخطر بكثير، الأمر مصيري، أي إما أن تسعد إلى الأبد، متى؟ منذ هذه اللحظة وإلى الأبد، وإما أن يصم الإنسان أذنيه فيشقى في حياته الدنيا وإلى الأبد .

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

( سورة الانفطار )

 الآية مطلقة، في الدنيا في نعيم، وفي الآخرة في نعيم ..

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

( سورة الإنفطار )

﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال

 السجود هنا له معنيان :

المعنى الأول للسجود :

 كل مخلوقٍ يسجد لله عزَّ وجل، معنى يسجد؛ أنه محتاجٌ لفضل الله، محتاجٌ لإمداد الله .
 فالنبات يسجد لله بمعنى أنك لو قطعت عنه الماء يَبِس، والحيوان يسجد لله، بمعنى لو أن الله سبحانه وتعالى قطع عنه الإمداد يموت، والجَبَلُ يسجد لله سبحانه وتعالى بمعنى أن الله لو لم يشأ لذرَّاته أن تكون جبلاً لما كانت جبلاً، فهو قائمٌ بالله، فلو أن الله سبحانه وتعالى قطع عنه إمداده ما بقي الجبلُ جبلاً، ولا الحديد حديداً، ولا الخشب خشباً، ولا الماء ماءً .
 إذاً: الله سبحانه وتعالى يسجد له كل شيء، سجود الافتقار، سجود الحاجة، فالكافر بهذا المعنى يسجد، لو أنه ضاق نَفَسَهُ لصاح مذعوراً، لو أنه مُنِعَ عن الطعام والشراب لأكل القمامة، لو أنه منع عن الماء لشرب بوله، هذا ما يحدث، فالإنسان مفتقر، الله موجود، والإنسان موجود، كيف يفترق الإنسان في الوجود مع الله سبحانه وتعالى؟ فرقٌ كبير، وجود الله ذاتي، لكن وجود الإنسان فيه افتقارٌ إلى الله سبحانه وتعالى.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. فنحن مفتقرون .

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾

( سورة الإخلاص )

 معنى الصمد أنه ذاتيُّ الوجود، ليس وجوده مفتقراً إلى غيره .
 إذاً :

﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 هذا سجود الحاجة، سجود الافتقار، لكن المؤمن يسجد لله طوعاً، هذا سجود العبادة، أي أنك إذا وقفت في الصلاة، وقرأت الفاتحة وسورة، وركعت، وبعدها سجدت فهذا سجود العبادة، هذا السجود الطَوْعِي، ولكن حاجتك إلى الماء، وإلى الهواء، وإلى الطعام، هذا سجود الإكراه، كل مخلوقٍ يسجد لله سبحانه وتعالى مُكرهاً، لكن الإنسان المؤمن يسجد له طوعاً، هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني للسجود :

 المعنى الآخر قالوا : سجود المنافق كرهاً ، والمؤمن يسجد طوعاً. وقال بعضهم : سجود الكافر كرهاً، والمؤمن طوعاً، على كلٍ السجود بمعناه الواسع الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، إما أن تعرف أنك فقير، فتعلن عن فقرك لله عزَّ وجل، وهذا سجود العبادة، وإما أن تجهل هذا الفقر، فحينما تُحِسُّ به، وأنت في الشدة فهذا سجود الإكراه .
 وهناك علماء قالوا: إن الكافرين إذا ألَمَّت بهم الشدة دعوا الله مخلصين، إذا كان في طائرة، وقال ربان الطائرة: إننا في خطر، ضعوا أحزمة الأمان، ترى الوجوه قد اصفرت، والألسُنَ قد لَهَجَت بالدعاء، وقد يكون الدَّاعي مُلْحِداً، وقد يكون الذي يرجو ربَّه كافراً، يقول: يا رب، حتى إذا أدرك الخطر قال: يا رب!! هو في الأرض لا يعرف الله سبحانه وتعالى، فإذا ركب البحر، أو ركب متْنَ الجو أحس بالخطر!! هذا المعنى الرابع، سجود الكافر عند الضرورة سجود إكراه، ولكن المؤمن يعرف الله في الرخاء قبل أن يعرفه في الشدة، من عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة .

﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾

وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ

 أي أنك تسجد أنت وظلك، والظل يسجد معك، حتى الظل شيء وهمي، فالظل ليس شيئاً لكن حجب الضوء يعد ظلاً، حتى الظل يسجد معك .

﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾

 أي صباحاً ومساءً، كنايةً عن الديمومة والأبدية .

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ

سؤال وجواب :

 الله سبحانه وتعالى يسأل البشر :

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 بعضهم قال :

﴿ قُلْ اللَّهُ ﴾

 أي أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام أن يجيب هذه الإجابة، أي إن هذا السؤال، هذا جوابه، وبعضهم قال: إن هذه الآية تعني أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما توجَّه بالسؤال لكفار قريش :

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 قالوا: الله، كيف تقولون: الله، وتتخذون من دونه أولياء؟! هذا هو التناقض، فأبشع صفةٍ في العقل البشري هو التناقض، كيف تقول: أنا مسلم وتعصي الله؟! كيف تقول: هناك آخرة ولا تعمل لها؟! كيف تقول: هناك موت ولا تخاف الموت ولا تستعد له؟! فهذه المسافة الكبيرة بين ما تقول وبين ما تفعل، بينما تعتقد وبين ما تسلك، فهذه مسافةٌ تجعل من الإنسان إنساناً متناقضاً، والتناقض صفةٌ ليست مقبولةً في الإنسان، الانسجام بين المعتقد والسلوك، بين المُنْطَلَقِ والهدف، بين القيم وبين المطالب انسجام واجب، فلذلك :

 

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

معنى الربوبية :

 معنى الرب؛ المُمِد، مَن يمد السماء بهذه الكواكب؟ مَن أعطى الشمس هذه القدرة؟ لا زالت متَّقدة منذ خمسة آلاف مليون سنة على تقدير بعض العلماء، ويتوقع العلماء أنه لخمسة آلاف مليون سنة قادمة تبقى متألِّقة، مَن أمدها بهذه الحرارة؟ من أمد الكواكب السيَّارة بهذه القدرة على الحركة؟ من خلق الهواء؟ من جعله متوازناً؟ من أمَدَّنا بهذه الحيوانات نأكل منها، نستخدم جلودها، أوبارها، أصوافها، ألبانها، أحشاءها، لحمها، من يمد؟ من أمدنا بهذه الأسماك؟ من جعل البحر ملحاً أجاجاً؟ وجعل الأنهار عذباً فراتاً؟ من؟ الله سبحانه وتعالى :

﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 من خلق الطير؟ من خلق الحيتان في البحر؟ من خلق الجبال؟ من خلق الشمس والقمر؟ من أمد الأرض بالحركة؟ والشمس بالحرارة؟ والإنسان بالحياة، والنبات بالنمو، والحيوان بالحركة ؟

﴿ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾

قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا

هؤلاء لا يملكون النفع والضر لأنفسهم فكيف يملكونه لغيرهم؟

 يا لله لبلاغة القرآن! لم يقل الله عزَّ وجل: لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً ..

﴿ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ﴾

 إن كانوا لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فمن باب أولى أنهم لا يملكون لكم نفعاً ولا ضرا، هذا الذي تعبده من دون الله لا يملك أن يعيش ساعة، لو توقَّفت إحدى كليتيه لصار في حالةٍ يرثى لها، لو تجمَّدت نقطة دمٍ في شرايين مخه لأصيب بالشلل، أو العمى، أو الصمم، أو اختل عقله، أو ضعفت ذاكرته .
 توفي صديق ـ رحمه الله ـ له معمل، خرج من معمله بسيَّارته متوجِّهاً إلى بيته، ضاع عن بيته، بقي ساعتين يبحث عن بيته، هذا أدق مرض في الذاكرة، أصاب صديق جزءاً من الذاكرة، يعرف بيت ابنه، زار ابنه، أما بيته فما عرفه، ذهب إلى ابنه، وقال له: يا بني أين بيتي؟ بعد أشهر توفي ..

﴿ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾

 لا تزال أمراض مستعصية على معرفة السبب.. الكليتان تتوقفان فجأةً عن العمل تحت اسم: هبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، لماذا؟ لا نعرف.. نقي العظام يتوقف فجأةً عن صنع كريات الدم الحمراء، ينتهي الإنسان، لماذا؟ لا نعرف، الخلايا تنمو نمواً عشوائياً في أي مكان في الجسم، في الدم، في العظام، في الأحشاء، في اللسان، في الحَنْجَرَة، في أي مكان، لِمَ؟ لا نعرف، متى؟ لا نعرف، ما السبب؟ لا نعرف، فهؤلاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً كيف نعبدهم من دون الله؟
 أحد الأمراء قيل أنه أراد أن يوقع ببعض النجَّارين، فأمره أن يأتِ بخمسين كيس من النشارة خلال يومٍ واحد، وهذا شيء مستحيل فإن لم يأت يقتله، عرف أنه مَيِّتٌ لا محالة، فتوجَّه إلى البيت، وأوصى، وودع أولاده، وهو ينتظر أن يأتوا به ليقتلوه، لاستحالة أن يأتي بهذا العدد الكبير، في الصباح الباكر طرقوا بابه، قيل له: تعال، مستعد، لكنهم قالوا: تعال اصنع تابوتاً لهذا الأمير لقد مات!! هذا الذي تخافه، أو هذا الذي ترجوه، أو هذا الذي تعمل له، أو هذا الذي تُرضيه، أو هذا الذي تسعى إليه، أو هذا الذي تعلِّق كل الآمال عليه، هذا إنسان لا يملك لك نفعاً ولا ضراً، ولا حياةً ولا نشورا، ولا رزقاً ولا أي شيء .

﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾

كيف تتخذون مثل هؤلاء أولياء؟!

 أحياناً الإنسان يَتَّكِئُ على والده، يكون والده ميسور الحال وله مكانة اجتماعية كبيرة، فيتكئ على والده، بين لمحة عينٍ، في لمح البصر يصبح أبوه في عداد الموتى، أحياناً يتكئ على قريبٍ له في مركز مهم، يموت هذا القريب، فأي إنسانٍ تتخذه من دون الله، أحياناً الإنسان يعتمد على زوجته اعتماداً كبيراً، يصيبها مرضٌ عضال، قد يعتمد على ابنه، فيسافر ولا يعود، إلى أن صار في هذه السِن بذل الغالي والرخيص، فإذا صار في بلدٍ أجنبي، تجنَّس بجنسيةٍ أجنبية، وتزوَّج هناك ولم يعُد، خَيَّبَ ظن أبيه، فلذلك :

﴿ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

لا تطع أحدا في معصية الله :

 أحدهم عليه زكاة ماله، منعته زوجته، حملته على أن لا يدفع زكاة ماله، أقنعته، أولاده صغار، أولاده بحاجة ماسة، وهو يملك النصاب، ما الذي حدث؟ وهو يقود سيارته أرتكب حادثاً دفع لإصلاح السيارة المبلغ الذي كان سيدفعه زكاة ماله بالضبط، بالتمام والكمال، هل مَلَكَت زوجته أن تمنعه من هذا الحادث؟ لا، لذلك حينما طَلَبَتْ زوجة أحد أصحاب رسول الله شيئاً لا يرضي الله، قال: " اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهُن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلكِ " .
 سيدنا سعد قالت له أمه: " لا آكل الطعام حتى تكفر بمحمد "، فقال هذا الصحابي الجليل: " يا أماه لو أن لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إذا شئت أو لا تأكلي "، لكنها أكلت بعد ذلك .

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُأَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّور

لا يستوي المؤمن وغير المؤمن :

 هل الأعمى والبصير يستويان؟! المؤمن بصير، والكافر أعمى، اعمل موازنة في حياتنا بين البصير وبين الأعمى، هل يتمتَّع الأعمى بلون الأزهار، هل يعرف جمال الربيع؟ هل يعرف جمال زُرْقَة السماء؟ زرقة البحر؟ خضرة الأرض؟ هل يعرف جمال الوجه الصبيح؟ هل يرى طريقه؟ هل يرى ألوان الطعام وقد ازَّيَنَت؟ لا يرى شيئاً، هل يعرف أن هذه السجادة ثمينة؟ منظرها غائبٌ عنه .

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 المؤمن بصير، والكافر أعمى .

 

﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ﴾

 الكافر في ظلمات بعضها فوق بعضها إذا أخرج يده لم يكد يراها، لا يرى شيئاً .

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة : الآية 257 )

 المؤمن بعد أن عرف الله، وعرف كتابه يسير على هدى، ولكن الكافر كالناقة العشواء تسير في هذا الطريق فإذا هو مسدود، من هذا الطريق فإذا فيه هاوية، من مصيبةٍ إلى آخر، من إحباطٍ إلى آخر، من مشكلةٍ إلى مشكلة، من ورطةٍ إلى ورطة، من شقاءٍ إلى شقاء، يطلِّق زوجته، ويضيِّع أولاده، ويرتكب مخالفةً في عمله، يُطْرَد من وظيفته، تحيقُ به المصائب، تحيط به المِحَن .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾

أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ

سخرية القرآن من المشرك :

 هذا من باب السُخْرِيَة بالكافر، هل لآلهةٍ أخرى خلقٌ كخلقي، وأنت في حيرة من أمرك؟ لو أن هناك آلهة ولهم نجوم خاصة بهم، ولهم كواكب خاصَّة بهم؟ لهم أنواع من النباتات هم خلقوها، أنواع من الحيوانات هم خلقوها تقع في حيرة، أخي والله احترت، من أعبد؟ هذا خَلْقُ من؟ أي إلهٍ خلقه؟ لو أن هذا وقع معك بعض الحقِّ في حيرتك، ولكن للكون خالقاً واحداً، إلهاً واحداً، رباً واحداً، منهجاً واحداً، نبياً واحداً، فهو كل شيء، والذين تعبدونهم من دون الله ليسوا شيئاً إطلاقاً، الله كل شيء وما سواه لا شيء .
 أحياناً الإنسان يحتار.. ثلاثة شركاء اختلفوا، هذا الثالث يحتار هذا أم هذا؟ هذا أقوى، هذا المحل باسمه، هذا مليء أكثر، هذا ثري، هذا أَنْعَم، فتجده يحتار، هذا شيء وهذا شيء، لكن الله سبحانه وتعالى كل شيء وما سواه لا شيء، لو أن هناك آلهة خلقوا كخلقه، تشابه الخَلْقُ عليهم، فهناك ما يبرر حيرتهم .

﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

 أتمنَّى والله أن أنقل إليكم هذه الحقيقة، هذا الكون، هذه الأرض بحار ويابسة، اليابسة خمس قارات، القارات فيها دول، فيها بيوت، فيها معامل، فيها مراكز قوى، فيها مشاريع، إذا قلت لكم: ليس في الكون إلا الله، وكل ما سوى الله سبحانه وتعالى يأتمر بأمر الله، بيد الله، لا يتحرَّك إلا بأمره، فمن الغباء والحُمْقِ، والسخف، أن تتجه لغير الله، يضيعُ وقتك، ويتلف عمرك الثمين، وفي النهاية تأتي يوم القيامة صِفْرَ اليدين، ليس إلا الله، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتك فاتك كل شيء، أي شيءٍ يدنيك من الله فهو حق، وأي شيءٍ يبعدك عنه فهو باطل .

أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا

 بقيت آيةٌ واحد أُرْجِئ شرحها لدرسٍ قادم، ولكن سأقرأها لكم :

 

﴿ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾

 

لا فائدة من الزبد :

 يعني على هذا السيل زبدٌ يطفو، ويعلو، وينمو، ويكبر حتى أنك تراه شيئاً كبيراً، وقد لا ترى الماء ..

﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾

 مثل آخر :

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ ﴾

العاقل يختار الذهب على الزيد :

 أي الذهب، والفضة، والحرير، يؤخذ فلزات، توضع هذه الفلزات في أفران عالية الحرارة فتصهر، فسائل الحديد أو الذهب أو الفضة يعلو هذه السوائل، وما أكثرها تعلو، تطغى، تكبر، تنمو، حتى تحجب الناظر عن الحديد أو الذهب أو الفضة، قال :

 

﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾

 

الباطل يذهب ويبقى الحق شامخا :

 في السيل الزبد يذهب جفاءً، وأما الماء يمكُث في الأرض فينبت الزرع، وهذا المعدن الثمين الذهب، يصبُّ في قوالب، أو في سبائك، وأما هذه الشوائب فتلقى في قارعة الطريق لا يلتفت إليها ..

﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾

 فالماء الذي ينساب في الأودية من دون صوت، من دون ضجيج، من دون أن تراه، ويتغلغل في باطن التربة، فتَخْضَر الأرض، وينمو العشب، وتورق الأشجار، وتنعقد الثمار، وأما هذا الزَبَد الذي على السيل يُلقى، لا يلتفت إليه، وكذلك سبيكة الذهب توضع في الصدور، توضع في الأماكن الحساسة، توضع في الخزائن، وأما شوائب هذا المعدن والأخلاط، والتراب وما خالطه هذا يلقى في الأرض .

 

القصد من هذا المثل :

 ماذا قصد ربنا سبحانه وتعالى بالماء؟ وماذا قصد بالذهب والفضة والحديد؟ وماذا قصد بهذا الزَبَد إن كان على الماء أو على المعادن الثمينة؟ الله عزَّ وجل لم يبيِّن ما الذي يعنيه بالماء والمعادن الثمينة، ولا الذي يعنيه بالزبد، لكن شيء ثمين، نفيس، ينفع الإنسان، يبقى في الأرض، يمكُث إلى أمدٍ طويل .
 وشيءٌ آخر، يعلو، ويعظم، وينمو، ويطغى، ولكنه لا قيمة له، لا شأن له، لا يلتفت إليه، لا أحد يعبأ به، يُلقى في مكانٍ مهمل، لا أحد يأخذه، ما هذا الذي يبقى في الأرض، وينفع الناس وهو ثمين من دون ضجيج، وهذا الذي يصخب ويمقته الناس، ويلقونه خارج بيوتهم؟ هذا نجيب عنه في الدرس القادم إن شاء الله .