الدين والحياة - الحلقة : 1 - قصة سفانة بنت حاتم الطائي

2008-09-18

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

القصص :

أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

قصة سفانة بنت حاتم الطائي مع النبي الكريم :

قصة لعلها ترفع معنويات المسلمين
النبي عليه الصلاة والسلام عقب بعض الغزوات وقف ليستعرض الأسرى فوقفت امرأة أسيرة وقالت : يا رسول الله ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فامنن علي منّ الله عليك ، وخلِّ عني ، ولا تشمت بي أحياء العرب ، فإن أبي كان سيد قومي ، يفك العاني ، ويعفو عن الجاني ، ويحفظ الجار ، ويحمي الذمار ، ويفرج عن المكروب ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ويحمل الكَلَّ(الضعيف) ، ويعين على نوائب الدهر ، وما آتاه أحد بحاجة فرده خائباً ، أنا بنت حاتم الطائي ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يا جارية ، هذه صفات المؤمنين حقاً ، ثم قال : خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ))

ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام ، دققوا في هذا الحديث :

(( ارحموا عزيز قوم ذلّ ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين جهّال ))

[ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته ، والطبري في تاريخه ]

فاستأذنته بالدعاء ، وقالت : أصاب الله ببرك مواقعه ، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة ، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها .

 

خصال النبي عليه الصلاة والسلام :

أيها الأخوة ، نتابع القصة ورجعت إلى أهلها ، وقالت لأخيها عدي بن حاتم : ائتِ هذا الرجل ، فإني قد رأيت هدياً ، ورأياً يغلب أهل الغلبة . أي الأخت نصحت أخاها أن يلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام وكان أخوها ملكاً ورث الملك عن أبيه حاتم طي.

هكذا قالت سفانة بنت حاتم طي : رأيت فيه خصالاً تعجبني ، رأيته يحب الفقير ، ويفك الأسير ، ويرحم الصغير ، ويعرف قدر الكبير ، وما رأيت أجود ولا أكرم منه ، وإن يكن نبياً فللسابق فضله ، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ مُلكه ، قيل وأسلمت .
هذه المرأة الفصيحة الحصيفة بنت حاتم طي ، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قدر مشاعرها وقدر أباها وفكّ أسرها وقال :

(( ارحموا عزيز قوم ذلّ ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين جهّال ))

 

وكيف أنه أطلقها ، وحملها ما تحتاج إليه ، وأكرمها ، بل وبالغ في إكرامها ، فلما وصلت إلى أهلها والتقت بأخيها عدي بن حاتم طي نصحته أن يلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وكيف تحدثت عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ، كيف أنه يحب الفقير ، ويفك الأسير ، ويرحم الصغير ، ويعرف قدر الكبير ، وما رأيت أجود ولا أكرم منه ، ثم توقعت أنه نبي كريم فإن لم يكن نبياً كريماً فهو ملك ، ففي إحدى الحالتين ينتفع أخوها من اللقاء مع هذا النبي عليه الصلاة والسلام .

 

قدوم عدي بن حاتم الطائي على النبي الكريم و التساؤل الذي حكّ في نفسه :

استجاب لها أخوها ، وقَدِمَ إلى المدينة وهو يظن أنه سيلقى ملكاً فقال :
دخلت على محمد صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، فسلمت عليه فقال : من الرجل ؟ فقلت عدي بن حاتم ، فقام وانطلق بي إلى بيته ، وهذا إكرام بالغ أن تستضيف الإنسان في بيتك.
فقام وانطلق بي إلى بيته ، يقول عدي بن حاتم فوالله إنه لعامد بي إليه ، يعني نحن في طريقنا إلى البيت ، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة في الطريق فاستوقفته ، فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها ، هو بين أن يظن أن هذا النبي الكريم نبي مرسل وبين أنه يظن أنه ملك ، قال : ثم مضى بي حتى دخل بيته ، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إليَّ فقال : اجلس على هذه قلت بل أنت ، قال بل أنت ، فجلست عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض ، عجيب هذا التواضع هو سيد الخلق وحبيب الحق ، بيته متواضع ، ليس في بيته من أثاث إلا هذه الوسادة ، وأخذه إلى بيته ، وفي الطريق استوقفته امرأة ضعيفة فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها ، هو في نفسه قال والله ليس هذا أمر ملك .

الله عز وجل خلق الإنسان ليسعده بشرط أن يطبق منهج الله ليستحق وعود الله :

الآن الشاهد من هذه القصة هذه المقولات الثلاث التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام ، قال له : لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من فقرهم ، المسلمون أفقر شعوب العالم الآن ، وكأن التاريخ يعيد نفسه ، حينما ترى المجتمع الإسلامي فقير ، يعاني مما يعاني وهو معه حق السماء ، معه الحق الصراح ، هناك من يستنكف أن يقبل هذا الدين حينما يرى المسلمين في تخلف وفي فقر وما إلى ذلك .

قال له : لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من فقرهم ، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، وقد حصل هذا في عهد عمر بن عبد العزيز .
فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، الاحتمال الثاني ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، العالم كله الآن يُحارب المسلمين في كل بقاع الأرض ، ما هذا العداء الدفين ؟ ما هذا الحقد الذي لا يوصف ؟ ماذا فعل المسلمون ؟
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ، وقلِّة عددهم ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها فتزور هذا البيت لا تخاف ، أمن مستتب ، والأمور مريحة ، والخيرات وفيرة ، وبلدة طيبة ، ورب كريم ، والله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا لكن نحن حينما لا نطبق منهج الله عز وجل هذه الوعود الرائعة في القرآن لا نستحقها ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

لماذا هذه الوعود لم تتحقق ؟ لأن الله عز وجل يقول

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

فإذا ترك المسلمون عبادة الله لا أعني أنهم تركوا الصلاة ، لكن المنهج الإلهي منهج واسع جداً كله افعل ولا تفعل ، فإذا تنكر المسلمون لمنهج ربهم ، واكتفوا بالإطار الخارجي لهذا الدين ، يعني هان أمر الله عليهم التفصيلي فهانوا على الله .

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

أيها الأخوة ، ينبغي أن ننتبه إلى أن الإنسان حينما يقرأ القرآن الكريم يجد أن وعود الله عز وجل رائعة :

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية : 51 )

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

 

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

 

( سورة النساء )

ما الذي حصل ؟ ثم يقول النبي عليه الصلاة والسلام : ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى المُلك والسلطان في غيرهم ، فو الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم ، وأن كنوز كسرى قد صارت لهم .
هذه الوعود أيها الأخوة ، وعود خالق السماوات والأرض والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، ولكن هذا النصر الذي نتوقعه ونرجوه وتصبو أنفسنا إليه له ثمن ، ثمنه واضح قال تعالى :

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 10 )

النصر بيد الله وحده ما ثمنه ؟ قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 7 )

من اصطلح مع الله و أدى واجبه تجاه هذا الدين العظيم استحق نصر الله تعالى :


نتابع القصة يقول عدي بن حاتم فأسلمت ، ولقد عمّر عدي حتى رأى بنفسه كيف تحققت كل بشارات النبي عليه الصلاة والسلام ، يعني أنا أقول إله الصحابة الذي نصرهم إلهنا ، والدين هو هو ، والنبي هو هو ، والقرآن هو هو ، والكرة في ملعبنا وحينما نعقد العزم على أن نصطلح مع الله ، وعلى أن نؤدي واجباتنا تجاه هذا الدين العظيم ، وعلى أن نعبد الله العبادة التي أرادها فالنصر محقق وآت إن شاء الله .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .