الدرس : 03 - سورة النحل - تفسير الآيات 9 – 14 ، عن نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الإرشاد - ألزم الله نفسه بهداية البشر

1987-01-30

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة النحل، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

ثلاث نِعم عامة مذكورة في سورة النحل :

 في هذه السورة بين الله لنا سبحانه وتعالى ثلاث نعمٍ كبرى امتن بها علينا .

1 ـ نعمة الإيجاد :

﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾

2 ـ نعمة الإمداد :

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(7)وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد .

3 ـ نعمة الإرشاد :

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

 هذا أول شيءٍ في هذه الآية، أنها جاءت بعد نعمتين، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، وفي هذه الآية بيان لنعمة الإرشاد .

الانتقال من المحسوسات إلى المعنويات :

 شيءٌ آخر، هو أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حينما يذكر الأشياء المادية يعقب عليها بالأشياء المعنوية، فحينما قال الله عز وجل :

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة البقرة : 197 )

 انتقلنا من الزاد المادي إلى الزاد المعنوي .

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

( سورة الأعراف : 26 )

 الانتقال من المحسوسات إلى المجردات، من الماديات إلى المعنويات، من الحقيقة إلى المجاز، والآن هذه الخيل والبغال والحمير تركبوها وزينة، وهذه تسلك طرائق لحاجاتكم وأهدافكم .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 تركيب هذه الآية دقيق، والآية أصلٌ في العقيدة الإسلامية .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

السبيل هي الطريق :

 السبيل هي الطريق .
 سيدنا الصديق رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الهجرة، وكانا متخفِّيَيْن خشية المطاردين، فإذا رجل في الطريق يسأل سيدنا الصديق، يقول له : من هذا الرجل ؟ ويشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الصديق الكريم الفطِن : هو رجل يهديني السبيل، أي يرشدني إلى الطريق، فتوهم السائل أنه دليل طريق، وهو عنى به أنه يهديه السبيل إلى الله سبحانه وتعالى، فالسبيل في اللغة هي الطريق، والسبيل تُذكَّر وتؤنث .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

معنى : قصد السبيل :

 ما معنى قصد السبيل ؟ القصد مصدر مِن فعلِ قصد، قصدت دمشق ؛ أي أردتها، قصدت حلب ؛ أي أردتها، اسم الفاعل منه قاصد، والمصدر قصد، فكلمة قصد السبيل أساسها سبيل قاصد، ومعنى سبيل قاصد، أي طريق مستقيمة موصل، كلمة قاصد فيها معنيان :
 المعنى الأول : أنه سبيل مستقيم، طريق مستقيم .
 والمعنى الثاني : أنه موصل، يعني نافذ، طريقة مستقيمٌ نافذة موصلة إلى الهدف .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

إلزام الله نفسه ببيان السبيل القويم وإمداد الناس بالرزق :

 هذه ( على )تفيد معنى الإلزام، مثلاً قال، تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

( سورة هود : 6 )

 ما من دابة، الدابة نكرة تفيد الشمول، من دابة، ( مِن )لاستغراق أفراد كل نوع، ما من، وإلا تفيد القصر، لكن لو أن الله عز وجل قال : ما من دابة إلا الله يرزقها، ما الفرق الدقيق بين قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 وبين قوله : وما من دابة إلا الله يرزقها، فرقٌ كبير جداً، ما من دابة إلا الله يرزقها لا على وجه الإلزام، يرزقها أو لا يرزقها، لكن ما من دابة إلا على الله رزقها على وجه الإلزام، لا حاكم إلا الله في الكون، من يلزمه ؟ لا أحد، إنما ألزم نفسه، كما قال الله عز وجل على لسان سيدنا هود :

 

﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود : 55 ـ 56 )

 ربنا سبحانه وتعالى ألزم نفسه أن يكون على صراط مستقيم، وربنا سبحانه وتعالى ألزم نفسه أن يرزق العباد .

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي، لم أخالفك في رزقك، إلزام ذاتي، الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه بالصراط المستقيم :

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 وألزم نفسه برزق العباد :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 وألزم نفسه في هذه الآية أن يهدي عباده الطريق الموصل إليه، هذا عليه .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

آيات الكون هي مِن السبيل التي بيّنها الله للعباد :

 على الله أن يجعل للعباد طريقاً موصلاً إليه، طريقاً مستقيماً، وطريقاً سالكة، وطريقاً نافذةً، وطريقاً موصلةً، وطريقاً تحقق الهدف لمن يسلكها على الله، هذه على الله، أين هي هذه السبيل التي جعلها الله عز وجل ؟
 العلماء قالوا: خلق في الإنسان هذا العقل، وقالوا: نصب في الكون هذه الآيات، أي شيءٍ تقع عينك عليه آية دلالة على الله عز وجل، النجوم، الشمس والقمر، الليل والنهار، الجبال والسهول، الوديان والأنهار والبحار، أنواع النباتات، أنواع الأطيار، أنواع الحيوانات، أنواع المخلوقات، أنواع الأسماك، السبيل إلى الله، هذه الآيات التي بثها الله في الكون، وبثها الله في السماوات والأرض، وبثها الله في الأرض بالذات .

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات : 20 )

 هذه الآيات التي بثها الله في جسمك كيف خلقت ؟ كما تكلمنا في الدرس الماضي، الحيوان المنوي الواحد عبارة عن خلية لها غلاف، ولها سائل أسمه، ولها نوية، وعليها الجينات، وعلى الجينات خمسة آلاف مليون أمر، هذه تكتب في ألف مجلد، أو في مليون صحيفة، سمعك، بصرك، عضلاتك، شرايينك، أوردتك، هذه العين ترى بها الصور الدقيقة الواضحة، لأن خلاياها شفافة، من أين تستمد الغذاء ؟ العين وحدها تسمد الغذاء عن طريق الحلول، أول خلية في القرنية تأخذ غذاءها وغذاء جارتها، وينتقل الغذاء عبر الخلايا القرنية لشيء واحد لكي تكون الرؤية صافية، هذا الشعر الذي جعله الله في رأسك، مئتان وخمسون ألف شعرة، لكل شعرة شريان ووريد وعصب، وغدة دهنيه، وغدة صبغية، وعضلة، السبيل التي جعلها الله إليه أنه أعطاك الفكر، والسبيل التي جعلها الله إليه أنه بث في الكون هذه الآيات، والسبيل التي جعلها الله إليه أنه أنزل الكتب السماوية، وأنه أرسل الرسل، وأنه ساق الحجج، وضيق على عباده، وأبرز شيءٍ في الكون أن السبيل إلى الله واضحة، وسالكة، وهي أهم ما في الكون .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 هذا على الله، على الله أن يجعل طريقاً مُفْضِيةً إليه، الآيات، والعقول، والكتب، والرسل والدعاة، والمصائب، والمضايقات، هذه كلها سبيل إلى الله عز وجل .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

بيت قصد السبيل والسبيل القاصدة :

 لكن لمَ لم يقل : وعلى الله السبيل القاصدة ؟ لمَ جاءت كلمة قصد مكان قاصد ؟ أكثر المفسرين يقولون :

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 أي: وعلى الله السبيل القاصدة، لماذا قال قصد مكانَ قاصد؟ لأن هذه هي السبيل إلى الله، لو أن معالمها اضطربت يوضحها الله عز وجل، لو أن هذه السبيل إلى الله انحرفت لبعث الله في هذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها، كلما ضاعت معالم الطريق، وكلما انحرفت الطريق يسخر الله لهذا الدين من يجدده، ومن يصحح مسيرته .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 شيءٌ آخر، أن الله عز وجل قال :

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل : 12 )

 تبيان الطريق، وتوضيحه، ونصب الآيات، هذه من اختصاص الله سبحانه وتعالى، كيف أن الجهات المعنية تشق الطريق، وتضع عليه الإشارات، هناك منعطف خطر، هناك جسر ضيق، هناك طريق فرعية، هناك صعود شديد، هناك خطر الانزلاق، كلها إشارات رحمة بالسائقين .
 إذاً :

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

 صار معنى القصد أنه لا بد من أن يكون في كل زمان، وفي كل مكان طريق إلى الله سالكة إليه، قد يكون هذا الطريق نبيًّا كريمًا، أو داعية مخلصًا، أو كتابًا واضحًا، أو آيات بينات، أو آيات طارئات بينات، يبغي هؤلاء فيدمرهم الله سبحانه وتعالى، هذه آية من آيات الله، على مستوى جماعي، على مستوى فردي، هذا يطغى فيمحق الله له مالَه، هذا يتجاوز الحدود فيؤدب تأديباً شديداً، هذه كلها سبل إلى الله عز وجل .

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

 يعني سبيل الله سالكة، وسبيل الله مستقيمة، وسبيل الله هادفة، وسبيل الله موصلة إلى الهدف، وهذه السبيل دائماً وأبداً كلما ضاعت معالمها، وكلما انحرفت وضحها الله عز وجل، وأعادها إلى الطريق الصحيح .

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

 لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ أخرجه أحمد ]

 لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

معنى : وَمِنْهَا جَائِرٌ

 ما معنى جائر ؟ أي منحرف، جار بمعنى انحرف، وجانَبَ الطريقَ، ربنا عز وجل يبين، كما أن هناك طريقًا إلى الله عز وجل سالكة، نافذة، مستقيمة، موصلة، هناك طرق أخرى منحرفة، هذه الطريق المنحرفة مسدودة، ومُشقية، ومهلكة .
 مثلاً: طريق كسب المال، من ظن أن الدنيا هي المال، وكسب المال أذكى عمل، والغني هو الفالح، والناجح، والفائز، هذا الطريق يفاجئ عندما يأتي ملك الموت أن المال كله لا قيمة له، في هذه الساعة الحرجة، وأن كل الذي حصله في الدنيا تركه في البيت، وأنه أمام حفرة سيبقى فيها إلى يوم القيامة، وبعد يوم القيامة إما أن يكون إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، عندئذ يقول :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

( سورة الفجر : 24)

﴿ يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

( سورة الفرقان : 28 )

 عندئذ يفزع، عندئذ يكتشف أن هذه السبيل التي سلكها كانت جائرة، يعني كانت منحرفة، ومسدودة، انتهت عند الموت، فإذا توهم الإنسان أن طريق جمع المال، وجمع الثروات، والانغماس في الدنيا ليصبح غنياً، فهذا الطريق جائر، أول شيء منحرف عن طريق الحق والشيء الثاني أنه مسدود، ليس نافذاً، ليس مفضياً إلى السعادة، عندئذ حينما يوضع الإنسان في النعش، وتمشي جنازته، يقول : يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي .

 

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 لذلك ربنا عز وجل قال :

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

(سورة الأنعام : 153 )

 في الآية إشارة دقيقة، هناك طريقٌ لله واحد، طريق الحق واحد لا يتكرر، ولا يتعدد، ولا يختلف، بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد .

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 القضية خطيرة جداً، على أي طريق هو؟ أهو على الطريق الذي رسمها الله إليه؟ أهو في الطريق التي سنها الله، التي جعلها الله سالكة إليه، مستقيمة إلى جنابه، أم هو على طريقة جائرة ؟ في طريق جمع الدرهم والدينار، أم في طريق اقتناص اللذات المحرمة، أم في طريق العلو في الأرض، أم في طريق اللهث وراء الشهرة، على أي طريق هو ؟ وما منا واحد إلا ويعلم علم اليقين في أي طريق هو .
 هذه الآية خطيرة جداً، بل إنها أصل في العقيدة الإسلامية .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 لكل عصر واحد يسمو به، كما قال لشيخ محي الدين رضي الله عنه، لكل واحد عصر يسمو به ، وأنا لهذا العصر، ذاك الأوحد، ربنا عز وجل قال :

 

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

( سورة البقرة : 30 )

 لا بد من رجل لكل زمان، ينطق بالحق، وينقل لك الحق مشهوراً كان أو مغموراً، لا بد من رجل على حق .

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 في أي طريق أنت ؟ الإنسان يمتحن نفسه، يصحح سيره، إن كان في طريقٍ جائر، فلَيعُد إلى الطريق المستقيم .

﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾

( سورة فصلت : 30 ـ 32 )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة : 38 )

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه : 123 )

 انتهى الأمر .

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 لكن في الآية دقة، ربنا عز وجل قال :

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

لا يُنسَب الشر إلى الله :

 ليس على الله أن ينصب طريقاً جائرة، الطريق الصحيحة على الله نصبها، وعلى الله جعْلها، وعلى الله شقّها، أما الطريق الجائرة فلم تنسب إليه تعالى، إذًا ما السبب ؟ هناك سبب وجيه جداً، بعض المفسرين قال : تأدباً مع الله عز وجل، فربنا عز وجل جعل طريقاً مهلكة، لكن تأدباً مع ذاته العلية لم تنسب إلى ذاته، والحقيقة أن الطريق المفضية إليه، السالكة إليه، الموصلة إليه مَن خلَقها ؟ هو خلقها .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 يعني على الله أن يرسم لكم طريقاً إليه، أما الطريق الجائرة فلا تحتاج إلى من يوجدها، الدليل :
 تقول : إنسان راكب سيارته فسار في طريق الهاوية، هل المعنيون بالموصلات عبَّدوا طريقاً إلى الهاوية، لا، أبداً، حينما خرج عن الطريق المستقيم، عن الطريق المعبد، ونزل في الوادي، نقول : سار في طريق الهاوية، هذه الطريق التي سلكها، وتحطمت سيارته، لا يسمى طريقاً إلا مجازاً، خروجه عن الطريق هو الجائر، يعني الباطل، الفساد، والانحراف، والضلال لا يحتاج إلى خالق، لأنه سلبي، ليس إيجابياً، هناك طريق معبد مستقيم، حينما يخرج قائد المركبة عن هذا الطريق يهوي في الوادي، هل هويه في الوادي طريق ؟ لا، لا يسمى طريقاً، فربنا قال :

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 الطريق المعبد يحتاج إلى نفقات، إلى من يشقها، لكن وقوع المركبة في الوادي، هذا السير إلى الوادي لا يحتاج إلى من يشق هذا الطريق، مجرد الخروج من طريق الحق هو طريق الهلاك، فربنا عز وجل قال :

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 أما الطريق الجائر :

 

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 وإذا خرج الإنسان من هذه الطريق يصبح في طريقٍ منحرفة، مهلكة، مفضية إلى الدمار والهلاك .

 

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 يعني على الله عز وجل أن يشق الطريق، وعلينا أن نسير في الطريق .

 

وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 الفكرة مهمة جداً، إنسان يتوهم أحياناً .

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

بيان الطريق الصحيح للناس جميعا ، والهداية لمن شاء الله :

 تعلقت مشيئته بنصب هذا الطريق، ولم تتعلق مشيئته بهدايتنا أجمعين، فلماذا؟ أكثر المفسرون قالوا كلاماً طيباً، وكلاماً مقنعاً، وكلاماً عميقاً، قالوا: لو أن الحكمة تقتضي أن يهدينا جميعاً لهدانا إليه، ولكن الله يفعل ما يشاء، أما أن يشاء لنا الهداية جميعاً فهذا الشيء يتنافى مع حكمته .

لا انتفاع بالهدى القسري :

 الله عز وجل لو هدانا إليه جميعاً هداية قسرية لأُلغِيَتْ الأمانة التي كلفنا بها، ولأُلغِيَتْ هويتنا كَبَشر، ويلغى عندئذ التكليف، ويلغى الاختيار، ويلغى الثواب، ويلغى العقاب، حيثما أُجبر الإنسان على طاعة الله عز وجل بطل الثواب، وحيثما أجبر على معصيته بطل العقاب، وحيثما أُجبر على طريق معينة بطلت حرية الاختيار، وحيثما بطلت حرية الاختيار بطل التكليف، وإذا بطل التكليف بطل الابتلاء، فلا ثواب، ولا عقاب، ولا اختيار، ولا تكليف، ولا ابتلاء .
 حينما توزع الجامعة على طلابها وهم في الامتحان أوراق الأسئلة مع أوراق الإجابة، مطبوعة بالإجابات الكاملة التامة، يكلف الطالب عندئذ بكتابة اسمه ورقمه فقط، وينال العلامة التامة، إذا فعلت الجامعة هذا ألغي الامتحان، لا معنى لهذا الامتحان، لا معنى للدراسة عندئذ، لا معنى للتنافس، لا معنى لحرية الاختيار، لا معنى للتكليف، إذا أيقن الطالب أنه في نهاية العام حينما يدخل إلى قاعة الامتحان سيوزع عليه ورقة السؤال، وورقة الإجابة مطبوعة كاملة، وما عليه إلا أن يكتب اسمه ورقمه، هل لهذا النجاح قيمة؟ لا والله، هل لهذا النجاح قيمة عند الطلاب؟ لا والله، هل لهذا النجاح قيمة عند الأساتذة؟ لا والله، هل لهذا النجاح قيمة عند الأهل؟ لا والله، فالجامعة طبعاً لو تشاء مثلاً لوزعت مع أوراق الأسئلة أوراق الإجابة، ولنجح جميع الطلاب، ولكن هذا العمل ليس حكيماً، وليس مُجدياً، وليس له معنى، ولا جدوى منه، بل هو عمل غير حكيم، يعمل على تعطيل حرية التنافس بين الطلاب، يعطل فيهم الدافع إلى الدراسة، يعطل فيهم الدافع إلى طلب العلم، يعطل فيهم التنافس، يعطل فيهم تأكيد ذواتهم، هذه المعاني الدقيقة، تأكيد الذات، حرية الاختيار، التنافس، قيمة تحصيل العلم بدافع شخصي، هذا كله يعطل لو شاءت إدارة الجامعة أن تنجح جميع الطلاب عن طريق توزيع أوراق الإجابة مع أوراق الأسئلة، هذا المعنى ليس كما توهم بعض الناس الذين يسيئون الظن بالله عز وجل، ويقولون: لو شاء الله هداكم، لكن لا يريد أن يهدينا، كلا ليس هذا المعنى، ليس من الحكمة أن يهدينا جميعاً هداية قسرية من عنده .
 لو أن أباً يعمل في تدريس الرياضيات، وله ابن عنده في الصف، ألا يستطيع هذا الأب أن يعطيه قبل الامتحان بيوم الأسئلة، ويأخذ في اليوم التالي علامة كاملة ؟ يستطيع ضمن إمكانه، لو فعل ذلك لحطم ابنه، لو قال له في أول العام: لا تقلق يا بني، أنت ابني، وأنا أحبك، وسوف أعطيك السؤال قبل بداية الامتحان بساعة، عطل فيه الدافع نحو الدراسة، فالإنسان أولاً مخير، فلو هدانا أجمعين لتعطل اختيارنا، الإنسان مكلف، لو هدانا أجمعين لتعطل التكليف، الإنسان مبتلى، لو هدانا أجمعين لتعطل الابتلاء، الإنسان حمل الأمانة، لو تعطل التكليف لأُلغيت هويته، مَن الإنسان؟ مخلوق .
 حينما قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب : 72 )

للإنسان حرية الاختيار :

 هذا هو الإنسان، حمل الأمانة، وجُعِلت نفسه أمانة بين يديه .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس : 9 ـ 10 )

 جُعل مخيراً، جُعل مريداً، أُودعت فيه شهوات، دعي إلى الحق، فلا قيمة للهدى إلا إذا كان بدافع شخصي، بدافع من حرية الاختيار، أما لو ألزم الإنسان على الهدى لفقد الهدى قيمته، هذا معنى قوله تعالى :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

تفسير يضل عنه أكثر الناس :

 هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع كثيراً ما يبحث عنه بعض الإخوة المؤمنين، كيف نفسر قوله تعالى ؟

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل : 93 )

المعنى الأول :

 

 

 بعضهم قال: إن الله عز وجل إذا أضل عباده فإنه يضلهم عن شركائهم، كما لو أن الإنسان رأى أن ابنه يتلهى بلعبة، وأخفاها عنه، أضله عنها، يتلهى بها عن نجاح مهمّ يتعلق به مستقبله، حينما يضل الله عبده يضله عن شركائه، لا عن ذاته، يهدَى إلى ذاته، ويضل عن شركائه، هذا المعنى الأول الذي يليق بالله سبحانه وتعالى :

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الأعراف : 180 )

المعنى الثاني :

 وبعضهم قال: إذا أضل الله عبده، فمعنى ذلك أن هناك إضلالا جزائيًّا، وليس ابتدائيًّا، كيف ؟ الإنسان اختار الضلال، فجزاه الله عز وجل بالإضلال .

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة الصف : 5 )

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة فصلت : 17 )

المعنى الثالث :

 الضلال بمعنى آخر، أن الإنسان حينما يرفض طريق الحق يضلّ، فلو أن إنساناً ماشياً في طريق، ووصل إلى مفترق طرق، وعلى المفرق شخص دليل واقف، حريص على رواد الطريق، وقال هذا الدليل: الطريق من هنا، فقال له سائق المركبة: أنت إنسان كذاب، أنت إنسان جاهل، هل يعقل أن يضيف إليه معلومات جديدة، رفض دعوته كلياً، قال له : اذهبْ أينما تريد، فالإنسان حينما يرفض هداية الله عز وجل يقع في الضلال وقوعاً حُكمياً، إذا رفضتَ طريق النجاة وقعت في طريق الهلاك، إذا رفضت طريق الحق سرتَ في طريق الباطل، فهذا هو المعنى الذي يستفاد من قوله تعالى :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 سورة النحل : 93)

 

شيءٌ آخر، أن الله عز وجل يقول :

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

قيمة الهداية ما كانت على قناعة واختيار :

 الهداية لا قيمة لها إلا إذا انطلقت من إنسان مختار، بدافع من حرية الاختيار، هذه الآية آية أساسية في العقيدة، ودائماً الله سبحانه وتعالى تكفل لعباده على مدى الأيام والحقب، والسنوات، والدهور، أن يجعل طريقاً مستقيمة موصلة إليه، وهذه الطريق قد تكون بالكتب، وبالأنبياء، وبالآيات، وبالمصائب، وبالدعاة .

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

 وكلما انحرفت هذه الطريق، كلما ضاعت معالمها، يبعث الله سبحانه وتعالى من يجدد لهذا الدين طريقه إليه، لكن هناك طريق جائرة منحرفة

﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾

 فنعوذ بالله أن نكون في الطريق الجائرة، كل إنسان يجب أن يعرف على أيّ طريق هو

﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 لو أن من الحكمة أن يهديكم جميعاً لهداكم، ولكن ليس هذا من الحكمة، لو فعل ذلك لتعطل الاختيار، والتكليف، وحمْل الأمانة، والابتلاء، ولتعطلت هوية الإنسان، ولأصبح الإنسان مخلوقاً آخر غير الذي هو عليه، ثم يقول الله عز وجل :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ

هل شعرت يوما أن الله هو الذي أنزل هذا الماء الذي تشربون ؟!

 أعَرَفْتَه؟ هذا الذي أنزل من السماء ماء، فإذا قرأت في الصحيفة اليومية نِسَب الأمطار في المحافظات هل تشعر أن الله هو الذي منَّ علينا بهذه الأمطار، يقول لك : في المكان الفلاني سبعون ميليمترً، والمكان الفلاني أربعة عشر، المجموع ألف ومئة، هناك أماكن المجموع فوق الألف، هل تحس حينما تقرأ هذه النشرة الجوية أن هذا من الله عز وجل، ومن فضل الله، وأن هذه الأمطار التي هطلت لا تقدر بثمن، وأنها تحي الأرض بعد موتها، وأن رزقنا معلق بها .

﴿ وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

( سورة النحل : 65 )

 إن رأيت الأنهار قد ارتفعت نسب الماء فيها بماذا تشعر ؟ هل تحس أن هذا فضل من الله عز وجل .

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ ﴾

الماء لصالح الإنسان بطريق مباشر وغير مباشر :

 لكم، خصِّيصى لكم، هذه السحب، وهذه المنخفضات الجوية المتمركزة فوق قبرص، كما تسمعون، وهذه السحب الملبدة بالغيوم، وهذا بخار الماء العالق في الجو، وهذه الرياح التي تسوق السحاب، وهذه العملية المعقدة حينما تصدم سحابة مكهربة بسحابة أخرى ينعقد ماء السماء ذرات لطيفة، هذا هو .

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ ﴾

 كيف قال قبل قليل؟

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾

( سورة النحل : 5 )

 كيف قال سابقا؟

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

( سورة لقمان : 20 )

 كيف قال :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

( سورة الجاثية : 13 )

 كيف قال :

 

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾

( سورة يس : 72 )

﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾

( سورة الشورى : 11 )

 وهذه مثلها :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ﴾

تفكَّروا في هذا الماء العذب الزلال وما فيه من معادن :

 نشرب منه، بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنِع عنك، سؤال سُئل عنه بعض الملوك، قال : بنصف ملكي، قال : فإذا مُنِع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، هذا هو الماء، لو أن الماء نزل ملحاً أجاجاً، كل لتر منه يكلف في بعض البلاد النفطية ما يعادل أربعاً وعشرين ليرة سورية، فهذه الأمتار المكعبة في كل ثانية عشرون متراً مكعباً، كم يكلف تحليتها؟ لو أنك كُلفت أن تحليها عن طريق التكنولوجيا، كيف ؟

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ﴾

 هذا الماء معدني، يحتاج الإنسان إلى نسب من الفلور قليلة جداً للحفاظ على أسنانه، فيه فلور، فيه كالسيوم فيه يود، فيه مغنيزيوم، لذلك ماء التحلية المقطر لا يصلح للشرب، لا بد من خلطه بمياه الآبار، هذا الماء مدروس، جزء منه يفيد الغدة الدرقية، وجزء يفيد الأسنان، وجزء يفيد العظام، مدروس .

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ﴾

 جعله شفافاً لا لون له، لو كان لونه أحمر كل شيء في الأرض يصبح أحمر، الشجر أحمر، الطبخ أحمر، الصوف، الخيوط، فهو لا لون له، و لا طعم له، لو كان طعمه بطعم ماء الزهر دائماً فسوف تعاف من ماء الزهر مع الزمن ؛ في الشاي ماء زهر، في الطبخ ماء زهر، لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة له، ثم إن تبخره بدرجات دنيا، يتبخر بأربع عشرة درجة مئوية، تنظف البيت فيجفّ بسرعة، تضع ثيابك المبتلة على حبل فسرعان ما تجف، من فضل الله علينا أنه يغلي بدرجة مئة، ويثبت، لو كان مثل الزيت ترتفع درجة غليانه، ومن الصعب أن نستخدمه في الطبخ، لأن الطعام يحترق، لكن درجته ثابتة، غليانه في مئة درجة، يبقى غليانه في هذه الدرجة ثابتا .

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾

وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ

الشجر هنا هو مطلق النبات :

 هنا معنى الشجر، مطلق النبات، الكلأ شجر .

﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾

معنى : تسيمون :

 عندما يكون المرعى جيداً يكون موسم الغنم طيبًا، يقال : الحليب رخص سعره، والجبن نزل سعره، لأن المرعى جيد، فمهمّ كثيراً أن يكون المرعى جيداً، إذا كان الموسم في البادية جيداً فهذا يسهم هذا في انخفاض الأسعار .
إذاً :

﴿ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾

 معنى تسيمون ؛ أي ترعون أغنامكم، وأبقاركم، ومواشيكم، وأنعامكم، لذلك يُعد المرعى مهمًّا جداً للحياة .
 الآن الأعلاف من أخطر المواد الأساسية في حياتنا، لأن طعامنا مبني على الأعلاف، العلف ليس لنا، بل للحيوانات، ولولا الأعلاف لما نما الدجاج والخراف، والأنعام، إذاً :

 

﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾

 العلماء قالوا : كلمة شجر تعني مطلق النبات، وهنا السياق يقتضي أن يكون المعنى الكلأ،

 

﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾

 ترعون أغنامكم .
 وهذا الماء أيضاً :

 

﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ

 الزرع المقصود به المحاصيل، القمح، الشعير، العدس، والحمص، والبازلاء، والفول :

﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ ﴾

 أحياناً يكون في موسم الزيتون حجم حبة الزيتون صغيرًا جداً، مطر واحد قبيل قطافه يتضاعف حجم الزيتون، فهذا الزيتون ذكر بعد الزرع لأهميته، لأن الزرع هو الطعام الأساسي، والخبز من الزرع .

﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ ﴾

 يوجد أشجار تعمر آلاف السنوات من الزيتون، قرأت مقالة عن زيت الزيتون، فهو المادة الدسمة التي لا تؤذي الشرايين، هناك كثير من الزيوت المهدرجة، أو سمون ذات نسب عالية من الإشباع، هذه تؤذي، لكن زيت الزيتون يعدّ من أسلم المواد الدسمة، التي لا تؤذي شرايين القلب، ولا تؤذي صماماته .

 

﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ ﴾

 تحدثنا طويلاً عن النخيل .

 

﴿ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

هذه كلها آيات للتفكر والتذكّر :

 كأنه ربنا عز وجل أعطانا عناوين للتفكر، هل فكرت في الزرع ؟ هذا الزرع يتم حصاده دفعة واحدة، من آيات الله الكبرى الزيتون، ينضج دفعة واحدة، النخيل ينضج دفعة واحدة، الأعناب

﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

 هناك كما ذكر لي ثلاثة آلاف نوع من التمر، وهناك ثلاثمئة نوع من العنب، وهناك أنواع منوعة من الزيتون، بعضه للمائدة، بعضه للعصير، بعضه ذو حبة كبيرة، بعضه نسب الأسيد فيه مرتفعة، أنواع منوعة، كل مادة الله عز وجل خلقها منوعة .

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ

الكواكب من أعظم الآيات لمن يعقل :

 أيضاً الليل والنهار، والشمس والقمر آيات دالة على عظمته سبحانه وتعالى، الليل سكن .

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾

( سورة النبأ : 10 ـ 11 )

 في الليل ننام، وفي النهار نعمل، هناك نظام، هناك زمان، أين الزمان لولا الليل والنهار ؟

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾

( سورة الإسراء : 12 )

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

 لو أن الشمس انطفأت فجأة لأصبحت الأرض قبراً جليديا، ثلاثمائة وخمسين درجة تحت الصفر، فمن يستطيع أن يجعل ضوءًا للأرض كلها ؟ إذا كان عندك بيت بخمس غرف وصالون، تحتاج كل غرفة إلى خمسة قضبان نيون تقريباً، أما الشمس فنجم واحد يضيء الأرض كلها، ومدفئة واحدة للأرض كلها، وتقويم واحد، مصباح واحد، وصيدلية واحدة، الشمس مطهرة، مدفئة، ومصباح، وتقويم، وصيدلية للأرض كلها

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

 القمر تقويم شهري، الشمس تقويم يومي، شروق الشمس تعرف به وقت الشروق، والضحى، والظهيرة، والعصر، والمغرب، أما القمر فتقويم شهري، الشمس تقويم يومي، والقمر تقويم شهري .

﴿ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾

 نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، قال تعالى :

 

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

( سورة النحل : 16 )

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

 إذا أراد الإنسان أن يفكر في ملكوت السماوات والأرض، وصلى الصبح في وقته، وأراد أن يجلس ليفكر في هذه الآيات العظيمة، ليجعلْ من هذه الموضوعات التي ساقها الله له في هذه السورة موضوعات للتفكير، يجلس يفكر في القمر يومًا ويومين، حتى يحس أن هذه الآية تركت أثراً بليغاً في نفسه، في الفترة الثانية فكر في الشمس، بعد ذلك في الليل، في النهار، في النجوم، وإذا عاد قبل هذه الآيات فالزرع، والزيتون، والنخيل، والأعناب، والماء، هذه سورة النحل سورة النِعم .

 

﴿ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(7)وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة النحل : 4 ـ 8 )

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10)يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11)وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

 الإنسان إذا أكرمك، قدم لك شيئاً، أول مرة تقول له: شكراً، المرة الثانية تخجل، كلما تتالت النعم فلا بد من أن تشعر بالفضل، وأن يلهج لسانك بالشكر، فهذه الآيات ألا تؤثر فيك؟

 

﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ

 ما خلق لكم في الأرض، من مخلوقات، من حيوانات ، من نباتات، من أشجار، من أطيار، من أسماك، من جبال، من رخام ، من معادن، من أشباه معادن .

﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 هذه الأرض كلها خيرات، وكلها مواد، وكلها نعم، وما على الإنسان إلا أن يشكر، لذلك ربنا عز وجل يقول :

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر : 66 )

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

(سورة الأعراف : 144 )

﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(13)وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا

عالَم الأسماك من أعجب العوالِم :

 هذه الأسماك التي خلقها الله في البحر كم نوعها؟ بعضهم قال: مليون نوع، تبدأ من سمك تراه في بعض الأحواض صغيرة جداً، وجميلة، بعضها فسفوري، بعضها شفاف، بعضها أسود فاحم، بعضها مزين ملون مزخرف، بعضها لها ذيل طويل، لها زعانف ملونة ، وتنتهي بالحيتان، وزنه مئة وثلاثون طناً، هل مئة وثلاثون طناً قليل؟ فيه من الدهن خمسون طناً، لحمه خمسون طناً، أحشاؤه ثلاثون طناً، فيه تسعون برميلاً زيتاً يخرج منه، رضعته الواحدة ثلاثمئة كيلو، الحيتان ترضع، طبعاً أولادها، كل رضعه ثلاثمئة كيلو، ثلاث رضعات بالنهار ألف كيلو ، تحدث أزمة حليب، هذا هو الحوت .
 هناك سمك عريض، هناك سمك متوحش، هناك سمك صغير، وسمك لا يكبر كالسردين، وسمك ذو طعم طيب، مليون نوع من السمك في البحر .

﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

تفسير : يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

 من أبسط التفسيرات لقوله تعالى :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

( سورة النحل : 93)

 يهدي قوماً اختاروا الهدى، ويضل قوماً اختاروا الضلال، الإنسان مخير .
 ولها تفسير آخر :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 آية محكمة فسرها الله في آيات كثيرة :

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة القصص : 50 )

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة المنافقون : 6 )

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

( سورة يوسف : 52 )

 ربنا عز وجل بإيجاز قال :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 هذه المشيئة وضّحها، الفاسق لا أهديه، والظالم لا أهديه، والخائن لا أهديه، فإما أن تفهم قوله تعالى :

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 أي من أراد الضلالة أضله الله، ومن أراد الهدى هداه الله، أو أن تفهم أن هذه الآية أجملت وفُصِّلت في مكان آخر :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة المنافقون)

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

 أو أن تفسر الضلال بأن الله يضل عن شركائه، يهدي إلى ذاته، ويضل عن شركائه، أو تفسر الضلال بمعنى الجزاء .

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

(سورة الصف : الآية 5)

 أو تفسر الضلال أن الإنسان قد يرفض هداية الله عز وجل، يرفضها كلياً، فكيف يهديه الله ؟ هذا الذي تحب أن ترشده إلى الطريق الصحيح يقول لك : أنا لا أثق بك، لا أريد أي شيء من كلامك، فهذا يضله الله عز وجل، فالله عز وجل قال :

 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

(سورة الأعراف : الآية 180)

 حتى اسم الضال هذا من أسماء الله الحسنى، إذا تأمله الإنسان، وتتعبه من خلال الآيات، وأراد أن يحمله على المعاني الصحيحة التي تليق بالله سبحانه وتعالى، وتتناسب مع كماله فإنه حينما يقرأ كلمة يضل من يشاء، ويهدي من يشاء تقع هذه الآية على قلبه برداً وسلاماً، أما بعض المشككين فيقولون: فلان ضال، الله أضله .. هكذا من دون تعليل، من دون تفسير، من دون توجيه، من دون فهم عميق .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ ))

[أخرجه الترمذي]

 حسن الظن بالله ثمن الجنة، وربنا عز وجل يضل ليهدي، في اسم الضار النافع، المانع الجامع، الخافض الرافع، المعز المذل، وعلماء التوحيد يلزموننا أن نذكر المعز مع المذل، والمعطي مع المانع، والرافع مع الخافض، و الضار مع النافع، والمضل مع الهادي، لأنه يضلك عن شهواتك ليهديك إليه، ويضرك لينفعك :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

[الديلمي في الفردوس عن ابن عمر]