أحاديث متفرقة - الدرس : 057 - من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب.

1995-09-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ البخاري ]

 أيها الإخوة الكرام:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا))

  قبل أن نذكر معاني المعاداة ينبغي أن نعلم من هو الولي، الولي بتعريف القرآن الكريم:

 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

 

[ سورة يونس ]

  هذا تعريف الله عز وجل، تعريف القرآن الكريم وأي تعريف آخر لا يعتدّ به، هذا الذي يمشي على وجه الماء، ولم يكن مستقيماً، ليس ولياً، والذي يطير في الهواء فيما يبدو ليس ولياً، والذي يدعي علم الغيب ليس ولياً، والذي يتحدث عن كراماته ليس ولياً، الولي الذي آمن بالله، واتقى أن يعصيه.

 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

 

[ سورة يونس ]

  وكل واحد منكم أيها الإخوة ينبغي أن يكون ولياً، ولا خيار له في ذلك إذا كان يطلب العلم.
 أيها الإخوة الأكارم:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ))

  قالوا: الاستقامة عين الكرامة، يعني إذا كنت ولياً لله، وأردت الكرامات فلا تَرِدُها إلا بالاستقامة، فالاستقامة عين الكرامة، وإن كنت ولياً، وأردت الكرامة فاطلبها بالعمل الصالح، واطلبها بالعلم، فالعلم عين الكرامة، والاستقامة عين الكرامة، فأنت إذا أردت أن تكون ولياً، وإن أردت أن تكون ذا كرامة فاطلب العلم، واستقم على أمر الله تكن ولياً، فأنت ولي مع الكرامة، لأن كرامة العلم ليس فيها خرق للعادات، لكن فيها عميم الخيرات، وكرامة العمل الصالح والاستقامة ليس فيها خرق للعادات، لكن فيها ذخر لما بعد الممات، لذلك أردت أن أبدأ هذا الحديث، أن الأولياء هم الذين آمنوا، وكانوا يتقون، لابد من أن تؤمن لكن أيها الأخ الكريم، الإيمان دائرة واسعة جداً، كل من قال: لهذا الكون إله فهو مؤمن، هذا الإيمان لا يكفي، ولا ينجي، يجب أن تبحث عن الإيمان المنجي، عن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هذا هو الإيمان الذي يمكن أن يرقى بك مرةً، ضربت هذا المثل للتوضيح، لو أن الشهوات توزن بوحدات وزن، ولو أن القناعات تقاس بوحدات وزن، فإذا استمعت إلى درس علم هذا شكل خمس غرامات، الشهوات أحياناً كيلو غرام، فدرس واحد لا يصنع إيماناً، الدرس الثاني لا يصنع إيماناً، قراءة كتاب، وانتهى الأمر لا يصنع إيماناً ما لم تتراكم القناعات، وتجتمع حتى تشكل قوة رادعة، أنا أبشّر إخواننا الكرام أنه في اللحظة التي يقول: أنا لا أفعل، هذا لا يجوز، فإذا دخل في الصراع مع نفسه أكاد أقول: قناعاته تكافئ شهواته، فصار في صراع، أما إذا تابع طريق الإيمان دخل في الأعماق، صار عنده قناعات خمسة كيلو، والشهوات كيلو، ترى الاستقامة سهلة عنده، ليس مع نفسه مشادة، ليس هناك محاولة قد تنجح مشادة وربما لا تنجح.
 لذلك إخواننا الكرام: كنت في عقد قران، قام خطيب وألقى كلمة، هذه لا تفعل شيئاً، قد تكون قيمة جداً، لا تفعل شيئاً، قرأت كتاباً، سمعت محاضرة، سمعت شريطاً، لا، العلم يحتاج إلى متابعة، إلى تراكم، إلى قناعات تكافئ الشهوات، أنت إنسان فيه شهوة، والشهوة تحدث قوة اندفاع، يا ترى عندك مكابح من إيمانك ؟ امرأة فاتنة تمشي في الطريق هل إيمانك كاف ليحملك لغض بصرك عنها ؟ فإن لم يحملك ماذا أفعل ؟ أين أذهب بعيوني ؟ معنى هذا أن القناعات غير كافية، هذا الإيمان لا ينجي.
 بالمناسبة، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا يكفي للنجاة، الله عز وجل وصف عباد الأوثان الذين يعبدون اللات والعزى فقال تعالى:

 

﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 3]

  إذاً هم آمنوا بالله، وهاهم يتقربون إلى الله، لكن أريد أن أصل إلى أن الإيمان الذي يتوارد إليك عفو الخاطر من خطبة جمعة، من درس علم، من لقاء عفوي بالشهر مرة، بالسنة مرة، هذا ليس إيماناً، ولا يصنع استقامةً، ولا يصنع إقبالاً على الله، ولا يصنع تضحية، ولا يصنع إقداماً، هذا الإيمان غير كاف للنجاة.
 الولي هو الذي آمن الإيمان الذي يحمله على طاعة الله، أنت دائماً اسأل نفسك: يا ترى إيماني كاف ؟ لماذا قال الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

 

[ سورة النساء: الآية 136]

  معنى هذا الإيمان غير كاف، لماذا قال الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 102]

  نريد أن تتقي الله حق التقوى، لا بعض التقوى، لذلك أول شيء:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا)).

  الولي هو الذي يعرف الله عز وجل المعرفة التي تحمله على طاعته، فإذا أردت أن تقيس إيمانك فقسه بمدى كونه يحجزك عن معصية الله، هذا المعنى ورد في بعض الأحاديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))

  إذاً حتى لا يقع ضحية الإنسان سذاجته، حتى لا يتوهم نفسه مؤمناً، وهو ليس كذلك، أو حتى لا يتوهم نفسه بالإيمان الكافي، وهو ليس بكاف يجب أن يمتحن إيمانه من هذه الزاوية، فيما إذا كان إيمانه لا يحمله على طاعة الله، فهذا الإيمان ناقص، وهو يحتاج إلى أن يجدد إيمانه، لذلك المؤمن لا يفتر، دائماً في أخذ ورد مع نفسه، دائماً في اتهام لنفسه، دائماً يتهمها بالنقص، ويحاول رأب صدعها، ولمّ شتاتها، وحملها على طاعة الله عز وجل، وهذا هو الجهاد الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام:

((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى))

 هذا المعنى يؤكده أن الله عز وجل يقول:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

  كل مكتسبات الدنيا تنتهي عند الموت، ولا يبقى منها إلا القلب السليم من الأدران، القلب السليم من الأدران هو القلب الذي يستحق الجنان.
 اليوم ذكرت آية في جامع الطاووسية، الآية الكريمة:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 63]

  يا ترى المشي ببطء من السنة، هكذا قال الله عز وجل، هناك أثر للسيد عمر تقول عنه السيدة عائشة:

((رحم الله عمر، ما رأيت أزهد منه، كان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع))

 يا ترى ما هم الذين على الصواب، يمشون على الأرض هونا، أم أن عمر خالف هذه الآية ؟ الحقيقة أن المشي على الأرض هوناً لا يعني أن تمشي ببطء، لكن لا تسمح لعملك أن يستهلكك، لا تسمح لمشاغل البيت أن تلهيك، لا تسمح لرغبة ولو كانت مباحة أن تلغي طلبك للعلم، الإنسان أحياناً يؤخذ، لاحظ عجلة تسير، وعلى هذه العجلة قطعة حديد، هذه القطعة التي على العجلة هل لها إرادة منفصلة عن العجلة ؟ لا، تدور معها، فأحياناً الإنسان يستهلك، يجذبه عمله، ويجره، ويستهلكه، وينتهي به، لا يصحوا إلا بالإنعاش، أو بالعناية المشددة، وقد شارف على الدار الآخرة، لذلك يدخل على قلب الشارد الغافل من الآلام ما لا يعلمها إلا الله، العمل الذي يستهلك كل وقتك خسارة كبيرة، البيت الذي يستهلك كل وقتك خسارة كبيرة، المشغلة التي تستهلك كل وقتك خسارة كبيرة.
 إذاً نريد أن نصل إلى أن الولي هو الذي آمن بالله الإيمان الكافي الذي يحمله على طاعة الله، ما دام هناك خلل ومخالفة ومعصية فالإيمان غير كاف، إذاً جددوا إيمانكم، الإيمان يتجدد بحضور مجالس العلم، يتجدد بالتفكر في الكون، يتجدد بتدبر آيات القرآن الكريم، ثلاثة مصادر يمكن من خلال القرآن الكريم والسنة القراءة والتدبر والتمعن والتأمل أو التفكر في خلق السماوات والأرض أو حضور مجالس العلم، هذا كله يجدد الإيمان، أما الذي ينعشه العمل الصالح، فالعمل الصالح يرفعه.
 نحن نريد التعريف القرآني للولي، في العصور المتخلفة سادت مفهومات مغلوطة عن الولاية، إنسان زاهد تارك للدنيا، تارك للأعمال، يعيش في صومعة، يرتدي ثيابًا رثة، أحياناً يتسول، يمد يده للناس، وفي ضمير العامة أن هذا هو الولي، لا والله، الولي إنسان شخصية فذة، تشدك إليها، الولي الحقيقي إنسان ذو مرتبة علمية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه، مؤمن يتكلم بالخرافات ! مؤمن يتكلم كلاماً غير صحيح ! ألم يعلمه القرآن الكريم، وهو مع الوحي، والوحي من عند الله عز وجل، من عند الخالق العليم الحكيم، معه السنة، وأعلم الناس طراً هو رسول الله e، فالولاية مرتبة علمية، والولاية مرتبة أخلاقية، المؤمن أخلاقي، لا تصدق أن المؤمن غير أخلاقي، الدين كله خلق، وحسن الخلق هو الإيمان، والمؤمن ذو مرتبة جمالية، عنده أذواق راقية جداً، أذواقه راقية، فالإنسان عندما يبتعد عن الله عز وجل تصبح أذواقه فجة غير معقولة، فالإيمان مرتبة علمية، مرتبة أخلاقية، مرتبة جمالية.

 

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا))

 الولي هو الذي آمن بالله، وعمل صالحاً، قال تعالى:

 

 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

 

[ سورة يونس ]

  الآن:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا))

  إذا أكرم الإنسان مؤمناً فكأنما أكرم ربه، ومرة ضربت مثلاً: لو أن واحدًا قدم لابنك سكرة تقول له أنت: شكراً، لماذا تقول له أنت: شكراً ؟ هي لابنك، وليست لك، هو حينما قدمها لابنك قدمها لك، نظراً للعلاقة المتينة والوشيجة بينك وبين ابنك، فهذا الذي قدم هذه القطعة من الحلوى هو في الأصل قدمها لك من خلال ابنك، لذلك إذا أكرم المؤمن مؤمناً والله الذي لا إله إلا هو، هو في الحقيقة يكرم الله عز وجل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

((يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))

[ مسلم، أحمد ]

  معنى ذلك أن المؤمن إذا أكرم مؤمناً فكأنما أكرم ربه، من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه، الآن:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا))

  مؤمن مستقيم مخلص، أنت افتعلت له مشكلة، تكلمت عنه كلاماً غير صحيح، سألني شخص اليوم: ما الفرق بين الغضب واللعن ؟ في سورة النور ورد الغضب واللعن، في بعض الآيات أن المرأة التي تتهم بالزنا، وتنفي عنها الزنا بشهادة خامسة زوجها يشهد عليها أربع شهادات، لها الحق أن تشهد شهادة خامسة تنفي عنها هذه التهمة، فإن كانت كاذبة غضب الله عليها، والرجل قد يشهد شهادة وحده على زوجته على أنها زانية، هذه الشهادة إن كانت كاذبة لعنه الله، فما الفرق بين الغضب واللعن ؟ هي حينما نفت عن نفسها هذه التهمة أرادت إنقاذ سمعتها، أما هو حينما افترى عليها، واتهمها كذباً، وزوراً، وبهتاناً، هذا إنسان لا يخاف على سمعته، يريد أن يحطمها، لذلك لعنة الله عليه، اللعن هو الإبعاد، واللعن بالمناسبة من أشد العقوبات الإلهية، يقال: الشيطان الملعون، أي مطرود من رحمة الله عز وجل.
 الآن مادمت قد أكرمت أخاك المؤمن فكأنما أكرمت ربك، فكيف إذا عاديت لله ولياً ؟
 لذلك أيها الإخوة: عد للمليون قبل أن تفكر أن تكون في خندق معاد للمؤمن، أو ولي من أولياء الله، لأن الله سبحانه وتعالى سينصره عليك، أنت قد حاربت الله حينما تحارب أولياءه، فالإنسان المعروف بالصلاح والتقوى والاستقامة لا تفكر أن تكون أنت عدوًّا له، لأنك إن فعلت هذا فقد عاديت الله عز وجل، يقول لك أحدهم: إذا تهجم إنسان على شرطي فحكمه ستة أشهر عرفيًّا، قرار جديد، لأن هذا الشرطي يمثل الدولة، فإذا تهجمت على مؤمن مستقيم معروف بالصلاح والتقوى فهذا عمل كبير، ما الذي يحصل ؟ الأمور دقيقة جداً، كم من إنسان يستفاد من علمهم، ومن دينهم، وأنت كذباً وافتراءً أردت أن تحطمهم، أنت ماذا تفعل ؟ أنت تحطم دعوة إلى الله بأكملها.
 سمعت بفرنسا أنهم صوّروا فيلمًا سينمائيًّا، دخل هذا الفيلم إلى الأديرة، سمعت أنه بقي يعرض سنوات وسنوات، وحقق أرباحاً بمئات الملايين، هذا الفيلم مضمونه أنهم دخلوا إلى الدير، ووصفوا ما يجري هناك مما يخالف ما يرضي الله عز وجل، الناس ماذا يظنون عندئذ ؟ أن كل هذه الأماكن هكذا ؟ تحطيم دعوة بأكملها، فلما يريد إنسان أن يتهم إنساناً مؤمناً وليس معه دليل ولا معه إثبات، سوف يعد للمليون، لأن ثمة موضوعَ تحطيم دعوة، الآية الكريمة:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

 

[ سورة النور: الآية 19]

 ماذا فعل هذا الإنسان ؟ ما تكلم ولا كلمة، ولا حرك إصبعه، ولا حرك عينيه، ماذا فعل ؟ ما فعل شيئاً إطلاقاً، إلا أنه حينما يتمنى أن تشيع الفاحشة وضع نفسه في خندق الكفار والمنافقين، وهو لا يعلم، لأن الله تعالى قال:

 

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120]

  فلمجرد أن تفرح بخطأ وقع من مؤمن وروجته، أو فرحت بوقوعه فقد وقعت في خطأ كبير، لذلك أيها الإخوة الأكارم: أنا لي أسلوب أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني الآن إلى توضيحه، هذا الأسلوب في الدعوة اسمه التدخل الإيجابي، دعك من إلقاء التهم، ودعك من تفنيد العيوب، ودعك من الطعن، ودعك من تقييم الأشخاص، ليس هذا هو الأسلوب المفضل، أنت أبرز الدين بشكله الإيجابي فقط، لا يكن همك أن تعلق على أفعال الآخرين، ولا أن تنتقدهم، ولا أن تطعن بهم، ولا أن تتهمهم، ولا أن تحجمهم، هذا السلوك سلوك خاطئ، سلوك تخريب، لا سلوك بناء، سلوك إحداث فتن، لا سلوك رأب صدع، سلوك تعرية الأدوات التي سخرها الله لهداية الخلق، هذا الأسلوب فيه خطأ كبير، أسلوب نشر الغسيل أمام الناس، أسلوب إقحام العامة في أشياء هم بعيدون عنها، أنت يجب أن تكون إيجابياً، فأنت أظهر الإسلام بأبهى ثوب، أظهر عظمة الدين، أظهر عظمة الشرع، أظهر ما فعله الصحابة الكرام من أعمال بطولية، فإذا كان ثمة خلاف بين صحابيين فلستَ بحاجة أن تفند هذا الخلاف، أو أن تطعن بهذا الصحابي.

 

((اللهَ الله في أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحدهم ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفَه))

 

((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))

  الإيجابية بالدعوة إلى الله رائعة جداً، ونحن في أمسّ الحاجة إليها، الإيجابية أن تدع الطعن، والتقييم، والاتهام، والتحجيم، الإيجابية أن تبرز هذا الدين بكتابه الكريم، بسنته، بنبيه، بصحابة رسول الله، أنا مرة قرأت مقالة أعجبتني جداً، هي سبب هذه التسمية التدخل الإيجابي، عندنا خمسون محلا تجاريًّا فيها غش وحسد، وبضاعة سيئة، وأسعار غالية، نحن أمام خيارين، إما أن نقمع، وإما أن نتدخل إيجابياً، القمع يكون بإغلاق المحلات، وإيداع أصحابها في السجون، ومكافحة الغش، وقد تنشأ محلاً تبيع أفضل بضاعة، بأرخص سعر، بأنظف شيء، بألطف معاملة، فالكل ينجذبون إليك، هؤلاء الذين حولك إن لم يفعلوا كما تفعل تنتهي تجارتهم.
 فأنت مهمتك دعك من الطعن، دعك من التقييم، أنت لست وصياً، لست قاضياً، أنت داعٍ إلى الله، أبرز هذا الدين بوجهه الإيجابي، وانتهى الأمر.

 

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ))

 من هو الولي بالتعريف الذي ورد في الحديث الشريف ؟

 

 

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ))

 الصلوات الخمس قبل قيام الليل، قبل صوم الاثنين والخميس، وصيام رمضان.

 

 

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ))

 

  لذلك إن الله لا يقبل نافلة ما لم تؤدَ الفريضة، وقلت لكم من قبل: إن الأمة الإسلامية حيال كتاب الله الكريم أصناف ثلاثة، ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، إذا أدى الإنسان الفرائض فهو مقتصد، وناج، أما إذا أدى النوافل فهو سابق، فأنت بين أن تكون مقتصداً، وبين أن تكون سابقاً بالخيرات، وقد تجمع بينهما، بين بينَ، ورد عن سيدنا علي:

((إن للنفس إقبالاً وإدباراً، إن أقبلت فاحملوها على النوافل، وإن أدبرت فاحملوها على الفرائض))

  إذا كنت في فتور فالفرائض، وإذا كنت في تألق فالنوافل، أنت بينهما.

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه))

  لذلك أداء الصلوات الخمس أظم القربات إلى الله، هل هناك آية كريمة تؤكد هذا المعنى ؟ قال تعالى:

 

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

 

[ سورة العلق: الآية 19]

 قال تعالى:

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

 

[ سورة طه: الآية 14]

  قال عليه الصلاة والسلام:

((الصلاة معراج المؤمن))

  قال عليه الصلاة والسلام:

((الصلاة نور، والصلاة طهور))

((والصلاة - فيما ورد في الأثر – حبور))

 أي سعادة.
 و

((حبب إلي من دنياكم الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة))

وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(أرحنا بها يا بلال))، وكان يقول: ((الصلاة ميزان، فمن وفى استوفى، وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))

 الصلاة عقل، لذلك قال تعالى:

 

﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 43]

  فالذي لا يعلم ما يقول في الصلاة هو في حكم السكران، إذاً بادئ ذي بدأ كيف أن البناء له هيكل إسمنتي، الهيكل الإسمنتي للإسلام الفرائض، الصلوات، الصيام، الحج، الزكاة، الصدق، الأمانة، غض البصر، تحرير الدخل، الإنفاق الصحيح، بر الوالدين، الإحسان للزوجة، والأولاد، هذه الفرائض إذا أديت قبلت النوافل، البناء على الهيكل، الآن كسوناه، زخرفناه، أسسناه، هذا كله بعد أن يكون البناء على الهيكل، أما أثاث فخم في العراء، فلا محل له، كهرباء متألقة من دون بيت لا محل لها، بالطريق تضع كهرباء، فكلها تضاف على الهيكل الإسمنتي، لكن الولي السابق، الولي المقتصد يتقرب إلى الله بأداء الفرائض، هذا الولي المقتصد، أما الولي السابق فيتقرب إلى الله بأداء النوافل.

 

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ))

 معنى هذا أن الإنسان لما يؤدِي الفرض فقد نجا من عذاب الله، كما أن مواطناً أدى ما عليه من ضريبة، أدى الضريبة بوقتها نجا من المضاعفة، ومن الغرامات، والمصادرات، ومن بيع محله بالمزاد العلني، طبعاً مدير المالية بإمكانه إذا تخلف إنسان عن أداء الضريبة أن يضع ممتلكاته في المزاد العلني، وأن يبيعها لحساب وزارة المالية، فالذي يؤدي الضريبة ماذا يفعل ؟ ينجو من المضاعفة، والعقاب، والمصادرة، لكن الله سبحانه وتعالى هذا الذي يفعل النوافل، صلوات، صيام، دفع مال فوق الزكاة، الآية الكريمة التي تؤكد هذا المعنى:

 

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 177]

  معنى ذلك أن إيتاء الزكاة فرض، وآتى المال على حبه نافلة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((في المال حق سوى الزكاة))

  وقد ورد في القرآن الكريم:

 

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 19]

  هذه الصدقة، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾

 

[ سورة المعارج ]

  في جرد معلوم، في حساب دقيق، لذلك سئل أحد العارفين بالله: كم الزكاة يا سيدي ؟ قال: يا بني عندنا أم عندكم ؟ قال: ما عندنا وما عندكم ؟ قال: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا: العبد وماله لسيده، لذلك الحديث دقيق جداً:

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ))

[ رواه البخاري ]

  فالنوافل إذا زادت أصبحتَ من السابقين، أصبحت ترى بنور الله، أصبحت تسمع إلهامات لا يسمعها الآخرون، يقولون: هناك إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، أحياناً إنسان يسمع صوت العصافير، فيراها تسبح بحمد الله، يصبح سمعه مرهفًا، يقرأ ما وراء السطور، يرى ما وراء الحجب، هذه البصيرة التي ذكرها القرآن الكريم، المؤمن ذو بصيرة، يرى ما لا يراه الآخرون، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي وأسلم عليه))، كان يعتلي نخلة ليخطب عليها، فلما صنع أصحابه له منبراً حنت إليه النخلة، فكان يضع يده عليها إكراماً لها، المؤمن يسمع ما لا يسمعه الآخرون، ويرى ما لا يراه الآخرون في شفافية.

 

((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم))

  أحياناً ألا تشعر أنك إنسان لا من باب الكبر، لكن من باب التميز، أنت متميز، أنت تتحمل أن ترى إنساناً معذباً ثم لا تعاونه، في قلبك رحمة، ترى أن هذا الإنسان عبد لله عز وجل، أنا أقول لكم دائماً من باب التوضيح: أنت طبيب مؤمن، عندك مريض، ماذا ترى أنت ؟ أنت ترى أن هذا عبد لله، وأن الله ساقه إليك، وأن الله معك، وأن الله يراقبك، وأن الله سيحاسبك، فترى نفسك تبذل الجهد الأقصى بالعناية والإكرام، والدقة والموضوعية، والمعاونة أحياناً.
 قال لي طبيب: جاءني اتصال هاتفي الساعة الثانية ليلاً، أن مريضة في الجادة التاسعة بحالة خطرة، هل يمكن أن تفحصها عندنا ؟ طبعاً لم تكن لديه سيارة، قال لي: ذهبت مشياً، دخلت إلى البيت، بيت فيه فقر شديد، عالجت المريضة، وأنا خارج أعطوني مبلغًا، أنا ما انتبهت، لكن قال لي الزوج: إن هذا من مصروفنا قطعناه، قال: أنا أخذته، ومشيت وصلت إلى البيت فما استطعت أن أنام من مصروفه، الذي كان عنده من أدوية، نماذج طبية متوافقة مع الوصفة قال لي: حملتها في كيس، ووضعت المبلغ الذي أخذته بالكيس، وخرجت مرة ثانية.
ماذا يرى هذا الطبيب ؟ يرى أن هذه إنسان فقير، والله عز وجل وكيلها، يأتي طبيب آخر يقول لك: هذا زبون يأخذه، ويحضره مئة مرة.
 مرة حدثني طبيب صلى الجمعة، وزارنا، قال لي: جاءتني مريضة معها ورم خبيث بصدرها، لكن متفاقم كثيراً، فقال لي: أنا من غيرتي تكلمت مع زوجها بقسوة بالغة على انفراد، قال له: أنت مجرم بحقها، بعد أن صار الورم بالدرجة الخامسة، من الأول كان هناك إمكان معالجة بالأشعة، بالاستئصال، الآن وصل إلى الكتف، وهو يعلم علم اليقين أن هذه ميتة بعد أيام معدودة، وفعلاً بعد أيام ماتت، قال له زوجها: والله عند فلان ما قال لنا: ورم خبيث، بقينا عنده سنة بأكملها، فقال لي الطبيب: طالب طب من الصف الثاني يعرف أنه ورم خبيث، قال لي: لما علم زوجها هذه الحقيقة وقع على الأرض مغشياً عليه، ثم قال: يا رب انتقم منه، قال لي: أنا الموضوع نسيته، مضى أحد عشر شهرًا، ثم دخل علي إنسان شاب في مقتبل حياته، قال لي: جلس على المقعد الذي جلس عليه زوج المريضة، جلس متهالكاً، فلما سألته عن حاله قال: يا دكتور معي ورم خبيث بصدري، قال: ما الاسم الكريم ؟ قال: أنا زميلك فلان، هو نفسه الذي أبقى المريضة عنده سنة، يأخذها، ويعطيها الكورتيزون، والمسكنات، وهو يعلم أنه مرض خبيث، ولم يحولها إلى طبيب آخر.
 الله عز وجل كبير، ما معنى أنك أنت ترى ما لا يراه الآخرون، تسمع ما لا يسمع الآخرون، ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أنك تشعر أن هذا الإله عظيم معك، وهذا الإنسان عبد لله، والمؤمن الصادق لا يميز، كل العباد عباد الله عز وجل، الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، إذا كنت طبيبًا أو محاميًّا، أو مهندسًا يمكن أن تسحب الحديد بعد الصب، أو قبل أن يجف الإسمنت، يمكن أن تضع أقل من النسبة المقررة في الإسمنت، ليس معقولا، يمكن أن نضحي ببناء من أجل توفير مبلغ بسيط، هذا لا يفعله مؤمن، فمعنى كنت سمعه، كنت بصره، هذه النوافل تعطيك رؤية ثاقبة، ترى ما لا يراه الآخرون، المؤمن يرى أن الغش مدمر، يمكن أن تضع في الغذاء مادة مؤذية من أجل أن تزيد أرباحك، ترى أن هذا هو الهلاك، يمكن أن تغير بالمواصفات من أجل أن تربح ربحاً فاحشاً، لا تفعل ذلك، أنا يحضرني أمثلة كثيرة حول هذا الحديث:

 

 

((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا))

  كل حركتك في نور الله، أنت تسير في نور الله، قال تعالى:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

 

[ سورة الحديد: الآية 28]

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ))

  أحياناً ألا ترى إنساناً يستمع إلى كلام الله، وقلبه كالصخر، ألا ترى إنساناً يستمع إلى موعظة بليغة، ولا يتأثر بها، أما الذي يتقرب إلى الله بالنوافل فصار عنده أذن تصغي للحق، وعندنا معنى دقيق جداً، قال تعالى:

 

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾

 

[ سورة التحريم: الآية 4]

  إذا استقام الإنسان على أمر الله معنى ذلك أن أذنه صاغية، وعلامة الإصغاء إلى أمر الله طاعته.
 الملخص: أن الإنسان حينما يتقرب إلى الله بالنوافل يحبه الله، وإذا أحبه ألقى في عينيه نوراً، وفي أذنه نوراً، وفي قلبه نوراً، وفي يده نوراً، وفي رجله نوراً، فرجله لا يتحرك بها إلا إلى الطاعات، ويده لا يفعل بها إلا الإحسان، وسمعه يستمع إلى الحق، فيتأثر أشد التأثر.
 الصحابة كانوا يقرؤون آية، يرددوها طوال الليل إلى الفجر، هناك آيات كثيرة جداً ورد عن الصحابة أنهم إذا قرؤوها أعادوها إلى الفجر، ما أعتقد أن أخًا من إخواننا الكرام ما أصابته هذه الحالة، آية يتأثر بها أشد التأثر، يبكي، معنى ذلك أن نورًا في أذن الإنسان.
 كنت سمعه، كنت بصره، يمكن لإنسان أن يشرب كأس ماء، يأكل فاكهة، يلقي نظره إلى منظر جميل، وهو غافل، أما المؤمن فينظر إلى هذا الجبل بنور الله، ما هذا الجبل ؟ إلى البحر بنور الله، إلى الوردة بنور الله، حضرت عقد قران، نظرت إلى الورود، من صممها ؟ ترى شخصًا يقول: من عند من أخذتها، فقط المؤمن يرى رؤية أخرى، من صمم هذه الوردة بهذا الشكل، بهذه الألوان الزاهية الرائحة الفواحة ؟ لمن خلقت هذه ؟ دائماً المؤمن يتجاوز النعمة إلى المنعم، دائماً يرى يد الله الحانية، يد الله الصانعة، يد الله الرحيمة.
  معنى ذلك أن الإنسان عندما يتقرب إلى الله بالفرائض نجا، أما إذا تقرب إليه بالنوافل أحبه الله، فإذا أحبه الله كان سمعه، يعني ألقى في سمعه النور، وكان بصره، وكان يده، وكان رجله، وكان مؤيده.
هذا الحديث أصل في الولاية، وأصل في التقرب إلى الله بالنوافل، والدعاء الشريف:

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب))

  المؤمن الذي في قلبه نور، وفي سمعه نور، وفي بصره نور، وفي يده نور، وفي رجله نور، يرى بنور الله، ويسمع الحق بتوفيق الله، ويتحرك إلى خدمة الخلق بمعونة الله، ويجعل يده معطاءًة، لا بطاشة، هذا كله مستفاد.

 

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ))

 صار سؤاله منطقيًا.
 هذا الحديث الشريف يحتاج إلى درس آخر، لأنه دقيق جداً، وإن شاء الله نفصل في الموضوع لاحقا،

 

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ))

  هذا الحديث أصل بأن الولاية لا تزيد على أن تؤمن بالله، وأن تستقيم على أمره، وأصل في أن الإنسان عليه أن يبتعد ما استطاع عن أن يكون متهماً لمؤمن بريء، أو محارباً لولي مستقيم، فهذا مما يوجب سخط الله، وغضبه، فمن فعل هذا فقد آذن الله بحرب، لأنه من يدافع عن المؤمن ؟ إنه الله جل جلاله الله عز وجل:

 

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾

 

[ سورة التحريم: الآية 4]

 أنت كمؤمن أيها الأخ الكريم يكفيك عزاً، ويكفيك طمأنينة، ويكفيك سعادةً أنك في ظل الله، في رحمة الله، في توفيق الله، أنت غالٍ على الله، كل شيء في حياتك في عناية الله، الثمن طاعة الله فقط.

 

((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ))

 والله أيها الإخوة: ما هو الرقم الذي يلفت النظر ؟ ألف مليون دولار، وأحدهم في بلد عربي يملك أربعة آلاف مليون دولار، طبعاً ستة وثلاثين سنة، شهادات عليا، بورد، أكريجت، FRS، ماذا يوجد مناصب عليا ؟ على رأس النظام العالمي الجديد ملك الحديد، ثروات ضخمة، صاحب شركات السيارات التي تبيع في كل بقاع الأرض، والله الذي لا إله إلا هو أن يحبك خير لك من الدنيا وما فيها، أن تكون عند الله محبوباً، قال تعالى:

 

 

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾

 

[ سورة ص: الآية 44]

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[ سورة النجم: الآية 37]

﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾

[ سورة الصافات: الآية 75]

 إذا وصل الإنسان إلى مرتبة أن يحبه الله، أن يكون في عين الله، أن يكون في حفظ الله، واللهِ فقد ملك الدنيا بحذافيرها، ملك الدنيا والآخرة، والله أيها الإخوة أعظم العظماء إذا قيس بمؤمن مخلص مستقيم عرف الله، واللهِ لا شيء أمامه، اقرؤوا التاريخ، نابليون وصل إلى حكم معظم أوربة، وصل إلى أعماق روسيا، ثم صار سجيناً في جزيرة، وكان الحارس يسخر منه أحياناً، فكل شيء زائل، ما الذي يبقى ؟ أن ينظر الله إليك بالرحمة، أن يحبك الله.
 أنا كنت في عقد قران، قام أحد الخطباء ذكر حديثاً، أنا أعرفه، لكن أصاب وتراً في قلبي، النبي عليه الصلاة والسلام خاطب سيدنا معاذ قال: ((والله يا معاذ إني لأحبك))، من الذي يحبه ؟ رسول الله، إذا كان المؤمنون يحبونك فهذه صفة كبيرة جداً، هذا المؤمن المستقيم الشهم الورع الولي يحبك، معنى ذلك أنك إنسان كامل، أما إذا أحبك أهل الدنيا، وأبغضك أهل الدين واللهِ هذه مصيبة، أن يحبك الله شيء عظيم، أن يحبك المؤمنون شيء عظيم، لأن تكون في عين الله شيء عظيم، أن تكون على الصراط المستقيم، أن يلقي الله في قلبك نوراً، في يدك نوراً، في سمعك نوراً، أن تكون ممن يتقرب إلى الله بالنوافل.
 إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.
 إخواننا الكرام، أولاً الفرائض، ثانياً النوافل، بالفرائض تنجو، بالنوافل تتقرب، بالفرائض تستحق الجنة، لكن بالنوافل تستحق أعلى مراتب الجنة، بالفرائض تأتيك الدنيا وهي راغمة، لكن بالنوافل تصبح الدنيا تنتقل من قلبك إلى يديك، بالفرائض ربما دافعت التدني، بالنوافل تتابع الترقي.
 هذا شيء أساسي، فلذلك الحياة ماضية، والحياة لا تستحق أن تملأ قلب الإنسان، يجب أن تبقى بين يديه، والله عز وجل هو الموفق، أنا شعرت أن هذا الحديث الشريف يمكن أن نستفيد منه في درس آخر من تفاصيل: كنت سمعه، وبصره، ويده، ومؤيده.