الدرس : 8 - سورة الرعد - تفسير الآيات 30 – 32

1986-09-12

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في تفسير سورة الرعد إلى قوله تعالى :

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾

كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

إرسال الرسل سنة خالية في الأمم السابقة :

 أنْ يبعث الله سبحانه وتعالى رسولاً إلى الأمة العربية شيءٌ طبيعي، لأن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى كل أمةٍ رسولاً، فإرسال هذا النبي الكريم لهذه الأمة شيءٌ له ما يقابله في الأمم السابقة ..

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾

 كل أمةٍ بدافعٍ من رحمةٍ أو حرصٍ أو رغبةٍ في إسعادٍ الله سبحانه وتعالى أرسل لها رسولاً يهديها سواء السبيل .

الله محمودعلى خلق الكون وعلى إنزال الكتب :

 الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 1 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾

( سورة الكهف )

 فكأن خلق السماوات والأرض لا يقابله إلا إنزال هذا الكتاب، أي أن الله سبحانه وتعالى لرحمته، وللطفه، ولحرصه على سعادتنا خلقنا، أنعم علينا بنعمة الإيجاد، وأنعم علينا بنعمة الإمداد ..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾

( سورة الرحمن )

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾

الحكمةمن كون النبي أميًّا :

 لِمَ جعل الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام أُميَّاً؟ لو أنه تعلَّم من ثقافة عصره، ثم جاءه الوحي من الله عزَّ وجل لاختلط الأمر على الناس، أهذا من الوحي أو من ثقافته؟ ولكن حكمة الله البالغة جعلت النبي عليه الصلاة والسلام أميَّاً، لأن كل الذي سيقوله وحيٌّ من عند الله، إما أنه وحيٌ متلوٌ وهو هذا الكتاب الكريم، وإما أنه وحيٌ غير متلوٍ، وهذه هي السُنَّة المُطَهَّرة .

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

( سورة النحل : من الآية 44 )

 على كلٍ :

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم )

 حينما نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الكتاب من عند الله، من عند خالق السماوات والأرض ..

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة فصلت : من الآية 42 )

 لا ريب فيه، إذا اعتقدنا هذا الاعتقاد وجب أن نُعنى بكل كلمةٍ، وبكل حرفٍ، بل وبكل حركةٍ في هذا الكتاب .

 

لو طبَّق الناس ما في القرآن لسعدِوا في الدنيا والآخرة :

 أحياناً تقرأ كلمةً على ورقةٍ، ولكنَّ هذا الكلام خطير، مثلاً: لو قرأت على ورقةٍ طريقة تفجير القنبلة النوويَّة.. فالكلمات حبرٌ على ورق، ولكنَّ هذه الكلمات لو طبِّقت لكان حدثاً عظيماً، وعلى شكلٍ آخر كلمات لو طُبِّقت لسَعِدَ البشر كلُّهم، هذه الحروب الطاحنة التي تشقي البشريَّة، هذا الشقاء الذي شقي به الناس، لأنه من صنع أيديهم، ولو أنهم قرأوا هذا الكتاب وطبَّقوه لكان أثر هذا الكتاب إلى درجةٍ فوق التصوُّر ..

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل : من الآية 97 )

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 9)

 للتي هي أصلح، والمطلق على إطلاقه، أقوم في كل شيء، في حياتك الخاصَّة، وفي حياتك العامَّة، فلذلك :

﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾

 وقيمة الكتاب من قيمة مُرْسِلِهِ، فكيف إذا كان من عند الله؟ وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فهل يوازى كتابٌ في مكتبة مع كتاب الله؟ لا يوازى، هذا الكتاب .. فكتاب البشر.. فيه خطأ وفيه صواب، وفيه موضوعات توسَّع في بحثها، وموضوعات اختصر في بحثها، و قد نجد تناقضاً، و قد نرى خللاً، وقد ننظر عدم انسجامٍ أو نشعر بضعف، ولكن كتاب الله سبحانه وتعالى لا ريب فيه ..

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾

 هؤلاء الذين جاءهم الكتاب ليهديهم إلى سواء السبيل، لينقذهم من الظلمات إلى النور، و ليخرجهم من الظلمات إلى النور، و من الشقاء إلى السعادة، ومن حول الشهوات إلى قمم الطاعات، هؤلاء يكفرون بالرحمن، والكفر هنا لا يعني إنكار الوجود إنما يعني الإعراض ..

﴿ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

( سورة التوبة )

 يصلي ويُنفِق وهو كافرٌ بالله، أي معرضٌ عنه ..

﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾

وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ

اسم " الرحمن " :

 الرحمن اسم الله الجامِع، أي لطفه من رحمته، وقبضه من رحمته، وبسطه، ومنعه، وعطاؤه، ورَفعه، وخَفضه، وعزُّه، وذلُّه كل ذلك من رحمته، فإذا أذلَّ إنساناً فهذا من رحمته .
 فالرحمن اسم الله الجامع، والله اسم الله الأعظم، علمٌ على الذات الكاملة، والرحمن اسم الله الجامع، فالرحمن يجمع أسماء كثيرة ..

﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾

 وقد تلتقي بإنسان يرى الدنيا عنده كبيرة ولها أهميَّةٌ قصوى، لكن الله سبحانه وتعالى سواءٌ أعرفه أم لم يعرفه، أأرضاه أم لم يرضه، أتقرَّب إليه أم تباعَد عنه، أكان عمله وفق الشرع أم خلاف الشرع، فإنه لا يبالي، و لا يعبأ، ولا يهاب الله عزَّ وجل، و لا يخشاه، فلمَّا هان الله على الناس هانوا على الله، و ضَيَّق عليهم، و شَحَّت السماء، و غَلَت الأسعار، و حينما ينحرف الناس عن الله سبحانه وتعالى يؤدِّبُهُم ويعالجهم .

﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾

قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

معنى الرب ودلالاته :

 ومعنى ربي أي الذي يمدُّني، و ما من كلمةٍ أقرب إلى الإنسان من كلمة رب، كأنك إذا ربَّيت نبتةً، و رعيتها، و وراقبتها، و ولاحظتها، وأمددتها بالماء وبالسماد، وقلَّمتها، وحاولت أن تقدِّم لها كل شيء، فإذا أَيْنَعَت ثمارها، واخضرَّ عودها شعرت بجذَّةٍ من السعادة لأنك قدَّمت لها شيئاً ثميناً، والمربي في المدرسة؛ يلاحظ، ويوضِّح، ويقوِّم، ويؤدِّب، ويكافئ، ويجازي ..

﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي ﴾

 سمعت مرَّة كلمة من إنسان قال يخاطب آخر: إن لم يكن له أب أليس له رب؟ إن كنت يتيماً، أو لم يكن لك رب بيده كل الأمور .

﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

 أي لا مسيِّر لهذا الكون إلا هو، هذا هو التوحيد، فكأنَّ هذا الكتاب كلَّه ينطوي على حقيقة واحدة، وهي أنه لا إله إلا الله، وهذه كلمة الإسلام الأولى، و كلمة التوحيد، فلماذا تعصي الله؟ لأنك رأيت أن هذا الذي تفعله أثمن من الله وأغلى، أما إذا عرفت أنه لا إله إلا الله فإنك لا تطيع إنساناً في معصية الله .

﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾

التوكل على الله قوة وغنى :

 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله .

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى

المعنى الأول :

 تروي كتب التفسير أن بعض كفَّار قريش سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يُسَيِّر جبال مكَّة، ويباعد فيما بينها كي تتسع الأرض، وتكون أرحب لهم، وسألوه أيضاً أن يُسَخِّر لهم الريح فينتقلوا بها إلى بلاد الشام غدواً وعشيَّا، وسألوه أيضاً أن يحيي لهم أجدادهم ليكلِّموهم، ويستنبئوهم عن الدار الآخرة وعن الجنَّة والنار، و هذا بعض ما قاله المُفَسِّرون، وهناك معانٍ أخرى تُستفاد من هذه الآية ..

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

حذف جواب ( لو )وفائدة ذلك :

 لم يأتِ الجواب لأن كلمة ( لو )أداة شرطٍ غير جازمة، أي أنها تحتاج إلى فعل شرطٍ وجواب شرط، لو جئتني لأكرمتك، ولو أعطيتني لكافأتُك، و لو أقبلت علي لزرتك، فلو أداة شرطٍ غير جازمة، ولها معنى دقيق حرف امتناعٍ لامتناع، أي امتنع وقوع جوابها لامتناع وقوع شرطها، لو جئتني لأكرمتك، أنا لم أكرمك، امتنع الإكرام بامتناع المجيء ..

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

 لا جواب، قال بعض المفسِّرين: " الجواب مُقَدَّر، وكل كلامٍ فُهِمَ من دون أن يُذْكَر والأوْلى أن لا يُذْكَر، لأن البلاغة في الإيجاز " . إذاً :

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

لو رأوا كل الآيات لما آمنوا :

 لَمَا آمنوا، لماذا؟ لأنهم حينما غفلوا عن هذه الآيات الكبرى التي بثَّها الله في الأرض وفي السماء، إذا غفلوا عن كل هذه الآيات أفيؤمنون ببعض؟ إذا غفلوا عن الكل أفيؤمنون بالجُزء؟ أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض ..
 وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه واحدٌ
 فحيثما التفت، و حيثما نظرت، وأينما ذهبت ترى الآيات طافحة ..

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة يوسف )

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

( سورة الطارق )

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا(2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾

( سورة الشمس )

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الذاريات )

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

( سورة عبس )

 فالنبات آية، والحيوان آية، وجسمك آية، وأسرتك آية، والطعام آية، والماء آية، والجبال آية، وفي كل شيءٍ له آية، كل هذه الآيات غفلوا عنها وما رأوها، وما فكَّروا فيها، وما دقَّقوا، وما تأمَّلوا، أفيؤمنون ببعض آياتٍ طالبوا بها تعجيزاً وليس استفهاماً؟ لذلك حسبكم الكون معجزة .
 كأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يؤكِّد أن الذي لا يفكِّر في الآيات التي بثَّها الله وهي على وضعها الراهن، ما كان له أن يؤمن بالله من خلال خرقٍ لنواميس الكون، إذا كانت نواميس الكون لا تكفي كي تؤمن بالله فإن خرق هذه النواميس لا يكفي أيضاً، إن خرق النواميس لن يحملك على الهدى ما دامت النواميس كلُّها لم تجد فيها ما يكفي كي تؤمن بالله سبحانه وتعالى .

 

المعنى الثاني :

 المعنى الثاني: أن هذا القرآن لو أُنزل على جبل لسار الجبل، لو أنزل على الأرض لقطِّعت الأرض و لو أنزل على الموتى لتكلَّموا، وأنتم أيها الناس ألم يهُزَّ هذا القرآن عقولكم؟ ألم يهُزَّ مشاعركم ؟

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحشر : من الآية 21 )

 على جبل، والقرآن بين أيدينا فيه ذكر ما قبلنا، وذكر ما بعدنا، هو حبل الله المتين، لا يبلى على كثرة الترداد، كلَّما زدته فكراً زادك معنى، لا يحزن قارئه، و من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ..

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

 وهو كذلك، لو تصوَّرتم أن هذا الكتاب إذا تُلِيَ على جبل سار، وإذا تلي على أرضٍ تقطَّعت، وإذا تلي على ميِّتٍ تكلَّم، وهو كذلك، فلو طبَّقتموه لقَلَبَ حياتكم رأساً على عقِب، و لو طبَّقتموه لحُلَّت كل مشكلاتكم، ولو طبَّقتموه لانتقلتم من الشقاء إلى السعادة، ومن الضياع إلى الوجود، و من سفاسف الأمور إلى عظائم الأمور، و من جهلٍ إلى علم، ومن تعبٍ إلى راحة، ومن قلقٍ إلى طمأنينة، و من شعورٍ بالفقر إلى شعورٍ بالغنى، و من شعورٍ بالتفاهة إلى شعورٍ بالأهميَّة، هذا هو القرآن .

﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾

المعنى الثالث :

 شيءٌ آخر في هذه الآية: أن هذا القرآن الكريم.. هذا المعنى الثالث.. لو جاء به النبي الكريم، فحينما قرأه سارت جبال مكَّة، و حينما قرأه تقطَّعت الأرض أو قُطِعَت به الأرض ..
 معنيان: إما أنها تقطعَّت أو قُطعت، لو جاء النبي الكريم بهذا الكتاب فتلاه على الميِّت لنطق هذا الميت، ومع كل هذا لا يؤمن هذا الإنسان إلا إذا سار في الطريق التي رسمها الله له .
 تقريباً لهذا المعنى: لو أن إنساناً اشترى كل المجلات الطبيَّة، وقرأها لا يكون طبيباً، ولو أنه قرأ كل المسرحيات لا يكون مؤلفاً، إلا أن يسلك الطريق المحدودة التي رسمتها الجامعة كي تمنح هذا الإنسان هذه الشهادة، فإن لم يفكِّر الإنسان بهذه الآيات التي بَثَّها الله، إن لم يستنبط منها أن هناك إلهاً عظيماً، رحيماً، سميعاً، بصيراً، عليماً، قديراً، قدَّر فهدى، وخلق فسوَّى، إن لم تستقم على أمره، و إن لم تتقرَّب إليه فإن الآيات لا تقدِّم ولا تؤخِّر .
 لو أن طالباً نظر إلى مدرسٍ قدير، وهو يحلُّ مسألةً عويصة في الرياضيات، أترى هذا الطالب لو نظر إلى هذا الأستاذ هكذا أيصبح عالماً بالرياضيات؟ لا، ما لم يفتح الكتاب ويقرأ، ما لم يحل المسائل تلو المسائل، و ما لم يسأل، وما لم يحفظ، و ما لم يجرِّب، و ما لم يخطئ ويُصيبْ فلن يكون عالماً بالرياضيات .
 هناك طريق رسمها الله عزَّ وجل؛ إن لم نسلكها فلا جدوى من كل ما نفعله من ظواهر العبادات، هناك صلاةٌ يصليها الناس، و هناك صومٌ يصومه الناس، و هناك حَجٌ يحجُّه الناس، إن لم نكن في الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل فلن نقطف ثمار هذا الدين، ولن نسعد لا في الدنيا ولا في الآخرة .
 إذاً: في هذه الآية ثلاثة معان .
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾

تعقيب لطيف :

 الأمر كلُّه لله، فمن الممكن أن تسيَّر الجبال، ولكن ليس هناك جدوى منها ..
 مرَّةً قال لي مدرِّس: إن ابنه طلب إليه أن يكتب له موضوعاً في التعبير، والأب أستاذٌ في اللغة العربية، وابنه في صفٍ انتقالي، وليس شيءٌ أهون على الأب من أن يمسك القلم، ويكتب هذا الموضوع في خمس دقائق ليأخذ ابنه غداً علامةً تامَّة، ولكن هذا الأب رفض هذا الطلب، لا لشيء إلا لأن هذا العمل لا يجدي، ولا يرفع مستوى ابنه في اللغة ولا شعرة .. أما إذا كتب الابن الموضوع، وارتكب أغلاطاً كثيرة، وصُحِّحت له فقد يرقى أسلوبه، فحينما يمتنع الأبُ عن كتابة هذا الموضوع لابنه فلا يعني هذا أنه لا يستطيع، حاشا لله، ولا يعني هذا أنه لا يريد نفعه، إنه يستطيع، ويريد نفع ابنه، ولكنَّه لعلمه وخبرته وحكمته رأى أن كتابة هذا الموضوع لابنه من دون أن يبذل الابن جهداً لا يجدي إطلاقاً في رفع مستواه اللُغوي .
 إذا أردت أن أعقِّب مرَّةً رابعة على هذه الآية: أي أن الله سبحانه وتعالى حينما لم يسيِّر جبال مكَّة بهذا الكتاب، ولم تقطَّع به الأرض، ولم يكلَّم به الموتى لا لأن الله لا يستطيع، حاشا له، ولا لأن الله لا يريد الهداية، إنه يستطيع ولو فعل ذلك لما اهتدوا بل زادهم هذا كفراً، ولكنَّهم لو تأملوا وفكَّروا، واستقاموا وتقرَّبوا، وأصغوا واختاروا وأرادوا لاهتدوا، وهذا هو الطريق الذي رسمها الله سبحانه وتعالى لعباده كي يهتدوا إلى الله سبحانه وتعالى ..

﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾

بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا

 الأمر كلُّه بيدِ الله، كن فيكون، زُل فيزول، تحريك الجبل بكلمة، وبحرٌ عظيم بكلمة واحدة صار طريقاً يبساً ..

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي ﴾

( سورة الشعراء )

 سُراقَة بن مالك حينما تبع النبي ليقبض عليه، ويأخذ الجائزة غاصت قدما فرسه في الرمال، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كل شيء في الأرض على الله يسير .

(( لو أن أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ صحيح مسلم عن أبي ذر ]

 نارٌ أضرمها قوم سيدنا إبراهيم سبعة أيام إلى أن كانت كالجبل، كلمة واحدة :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

( سورة الأنبياء )

 انتهى الأمر، سيدنا رسول الله اللهمَّ صلِّ عليه وهو في الغار، قال سيدنا أبو بكر : " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا "، قال :

(( يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما " . فلمَّا وقعت عينهم على عين أبي بكر ، العين بالعين أصابه ذُعْر وقال : " يا رسول الله لقد رأوني" قال : ألم تقرأ قوله تعالى : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ(198)﴾))

 

[ ورد في الأثر ]

 لا يرون، انتهى الأمر، كل شيءٍ بيدِ الله عزَّ وجل، كن فيكون، حتى أجهزتك، تعمل فحصاً فيقول لك: هناك ضيق في الدسَّام الفلاني، لو شاء الله عزَّ وجل لوسَّعه من دون عمليَّة، ولكن هات ثقةً بأن الله على كل شيءٍ قدير، وخذ هذا الشفاء من الله عزَّ وجل .
 والله أعلم أُناساً كثيرين وضعوا كل ثقتهم بالله عزَّ وجل والتجئوا إليه فشفاهم الله سبحانه وتعالى، وهذا يسمِّيه الأطبَّاء الشفاء الذاتي، فحينما يدرس طلاَّب الطب بعض الأمراض يأتي ذكر الشفاء الذاتي ..

﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾

 فالدماغ بيد الله عزَّ وجل و العضلات بيد الله، و السمع و البصر بيد الله، وهذا سيدنا عمر وهو على المنبر يقول : << يا سارية، الجبلَ الجبلَ >>، و سارية قال : << أسمع صوت أمير المؤمنين يحذِّرنا الجبل >>، الآن تحتاج إلى أجهزة، وأجهزة اتصال، وأجهزة معقَّدة، " يا سارية الجبل الجبل "، من المدينة إلى العراق، كن فيكون ..

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ َقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

( سورة يس )

(( لَوْ أَنّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[ صحيح مسلم عن أبي ذر ]

﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا

الهدى القسريلا يسعِد صاحبه :

 أيها المؤمن، آن لك أن تعرف الهدى القسري، فلو أن الله سبحانه وتعالى أنزل بهم نازلة، ولم يرفعها عنهم إلا إذا اهتدوا، أو صلوا مثلاً فيصلون خوفاً من هذه النازلة، فهل معنى هذا أنهم قد اهتدوا؟ لا والله، ليس هذا هو الهدى، وشيءٌ يسيرٌ عليه أن يهديهم هدىً قسرياً، ولكن هذا الهدى لا يسعدهم، ولا يرفعهم .
 إن كتابة موضوع التعبير من قِبَلِ الأب المدرِّس شيءٌ يسيرٌ على الأب، ولكن كتابة هذا الموضوع لا تُجدي، ولا تنفع الطالب شيئاً، لو أن الله هداهم لأصبحوا ملائكة، ولماذا، لأن طبيعة الإنسان أنه مخيَّر، ومعنى مخيَّر أنه مبتلى، فإذا كان الهُدى قسرياً تعطَّلت علَّة الابتلاء ..

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

( سورة الملك )

 فطبيعة المدرسة هناك امتحان، فلو أنَّك ألغيت الامتحان، أو وَزَّعْتَ على الطلاب أوراقاُ مكتوبة بالإجابات الكاملة، لو جئت إلى هذه الأسئلة.. مثلاً.. وكلَّفت كبار المدرسين بكتابة أجوبةٍ عنها، ثم بُعِثَت أوراق الإجابة إلى المطبعة، وطُبِعَت الإجابة التامَّة، ووُزِّع على الطلاب أوراق الأسئلة وأوراق الأجوبة مطبوعةً في المطبعة، وما على الطالب إلا أن يكتب اسمه ورقمه، ويغلق الورقة ويقدِّمها للمراقبين، أهذا امتحان أم هذا نجاح؟ أو أيعدُّ الذي نجح ناجحاً؟ أو يسمى هذا امتحاناً؟ كلا.. فتصوَّر أن إدارة جامعة وزَّعت أوراق الأسئلة وأوراق الإجابة مطبوعاً عليها الإجابة بشكلٍ أمثل كالكتاب تماماً، وما على الطالب إلا أن يكتب اسمه ورقمه فقط تقول: هذا امتحان؟ إن شيءٌ مضحك، أأنت ناجح؟ أتستهزئ به، أهذا نجاح؟
 لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يهدي الناس هدىً قسرياً لكان مثل هذا النجاح لا قيمة له، و لا يسعد، و لا يرفع صاحبه، و لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يسعدنا سعادةً أبديَّة، فجعلنا نختار، و جعلنا نُبْتَلى ..

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

( سورة الملك )

 علَّة الخلق الابتلاء، و لو كان الهُدى عامَّاً قسرياً لتعطَّلت علَّة الخلق، ولفقد الإنسان هويَّته، فمن أنت؟ هل أنت إنسان؟ لست ملك، لأن الملك لم يُبْتَلَ، ولم يكن مختاراً، بل كان مسيَّراً لا مخيَّراً ..

﴿ أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

 كأن تقول الأم لزوجها المدرس: يا أخي أعطِ الأسئلة لابنك، إنه مسكين، يقول لها: ألا تعلمين بأن إعطاء الأسئلة لا يجدي، و لا يرفعه، وأنا الذي سأفحصه، و إن أعطيته الأجوبة، وكتبت ما أعطيته فما قيمة هذا النجاح؟ دعيه يدرس .

﴿ أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

 القضيَّة سهلة، ولكن غير مجدية ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ ﴾

وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ

الإنسان حرٌّ في اختياره :

 أما هذه الآية ففيها نقطة دقيقة جداً، أي أن الله سبحانه وتعالى لا يتدخَّل أبداً باختيار الإنسان، لكنه يتدخُّل بالظروف المحيطة به، أي رحمة الله تقتضي أن الله عزَّ وجل إذا رأى عبداً قد انحرف، وحوله صعوباتٌ في حياته، فهو مختار، فلو أن كرةً على منبسط لا يمكن أن أمسك بالكرة، وأضعها في المكان الذي أريد، و لو فعلت هذا لأبطلت حريَّة اختيارها ، ولكنني أُغَيِّر طبيعة الأرض، فأضع أمامها عقبات، أو أسهِّل الطريق أمامها فرحمة الله سبحانه وتعالى تنصبُّ على الظروف المحيطة بالإنسان، أما لو تدخَّل الله في اختياره لأبطل الابتلاء، ولأبطل عِلَّة الخلق في الدنيا، ولما كان لهذه الأمانة من معنى ..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب )

 فما الأمانة؟ إنها التكليف، وما التكليف؟ إنه الاختيار، أنت مخيَّر، فالله عزَّ وجل يتدخَّل في الظروف المحيطة، إذا اخترت اختياراً صحيحاً شجَّعك الله ويسَّر أعمالك ..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

 " أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد " .

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾

معالجة الله للعبد إذا انحرف :

 أي مصيبةٌ ..

﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ﴾

 لو فرضنا أباً خيَّر ابنه فقال له: يا بني، إن شئت أن تدرس فأنا مستعد لدفع كل النفقات، وإن شئت أن لا تدرس فأنا مستعد لدفع مصروفك، خيَّره، لكنَّ الأب عالِم بقيمة العلم، و مع أنه خيَّره لو أن الابن اختار أن لا يدرس لضيَّق عليه لقد نصحه، وبيَّن له، و وبَّخه قرَّعه، وأنَّبَهُ، ووجه نظره، و حرمه المال، و ضربه ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾

 المعالجة مستمرَّة، أما لو أن الله سبحانه وتعالى خيَّرنا وتركنا، فاختار واحدٌ منَّا طريق الضلال فأمدَّه الله بالقوَّة، والمال، والصحَّة، والوجاهة، وغَرِقَ في شهواته والاستمتاع بالملذَّات إلى أن انتهى أجله، فجاء ملك الموت، فإذا هو في جهنَّم، ينشأ في نفس هذا الإنسان عتبٌ على الله شديد يقول له: يا رب أنا جاهل، ذكِّرني، ونبِّهني، و أدبني، و عالجني، و ضيِّق علي، و أمرضني، و خوفني ..

 

﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

( سورة طه )

 إذاً: هذه المصائب لابدَّ منها ..

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

(سورة الأنعام )

 تقتضي رحمته أن لا يردُّ بأسه عن أحد، فإذا أحبَّ الله عبداً عَجَّل له بالعقوبة، وإذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه .

(( إن الله ليحمي صَفِيَّه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ))

[ ورد في الأثر ]

المصائب سببها عمل الإنسان :

 المؤمن مبْتَلى ..

﴿ بِمَا صَنَعُوا ﴾

 فيضان ..

 

﴿ بِمَا صَنَعُوا ﴾

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل )

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا ﴾

قوارع التأديب كثيرة ومتنوعة :

 وهناك حيوان اسمه السَمَك الهُلامي، غزا شواطئ فرنسا وإيطاليا واليونان، وكثافته في البحر على الشواطئ في كل متر مكعَّب خمسة وعشرون سمكة هُلاميَّة، شريط من هذا السمك طوله كيلو متران فيه مليارات من السمك الهُلامي، ثمان وتسعون بالمائة منه ماء، على شكل قنديل، له أرجل على شكل خيوط دقيقة جداً مجوَّفة يمرُّ فيها السُم، هذه الخيوط على شكل حلزوني نابض له زند، وإذا مسَّ هذا السمك جسماً ما انطلقت ملايين الخيوط لتنفث السُم في جسم الضحيَّة، و بعض السبَّاحين في اليونان وصف ما حلَّ به، فقال : " شعرت بلسعةٍ حارَّةٍ في رُكبتي كأنها لسعة مكواةٍ حامية، وبعد دقائق شعرت كأن دبابيس تُغْرَسُ في رأسي، و بعدئذٍ غبت عن الوعي، وحينما أُسْعِفْت قيس ضغطي فإذا هو صفر، " وبعض أنواع هذه الأسماك تقضي على الإنسان في دقيقتين، أما الشيء الذي جذب نظري في هذه المقالة أن كاتب المقالة يقول: " إن علماء الحياة البحريَّة لا يجدون منطقاً أو قاعدةً أو هدفاً في تَحَرُّك هذه الأسماك ".
 الطيور لها منطلق من الصيف إلى الشتاء، من بلادٍ باردة إلى بلادٍ حارَّة، من الشمال إلى الجنوب، أكثر الحيوانات، الأسماك، الحيتان هناك قاعدة تحكم تحرُّكاتها، أسماك السلمون، ثعابين المياه، إلا أن هذه الأسماك الهُلاميَّة.. قناديل البحر.. وليس هناك أية قاعدة في تحرُّكاتها، شيءٌ عجيب، قلت: سبحان الله! إذا كان علماء الحياة البحريَّة لم يكتشفوا قاعدةً في تحرُّك هذه الأسماك في المحيطات والبحار، لكن علماء التوحيد يرون أن هناك قاعدةً واضحةً ثابتةً تحكُم تحرُّكات هذه الأسماك، إنها تتجه نحو الشواطئ التي كَثُرَ فيها الفساد، طبعاً هذه القاعدة ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا ﴾

 بفسقهم وفجورهم ..

﴿ قَارِعَةٌ ﴾

 قبل أسابيع غزا الجراد بعض بلاد أفريقيا، فسمعت أنه أكثر من مائة مليون طن من المواد الغذائيَّة، أو المحاصيل، أو النباتات يلتهمها الجراد في يومٍ واحد وهذه مصيبة ثانية ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾

 في بلاد أمريكا هناك أعاصير تدمِّر كل شيء، مدينةً بأكملها لا يبقى منها شيء، وهناك سفنٌ ضخمة يَدَّعي صانعوها أنها لا تغرق ففي أول رحلةٍ لها غرقت، قالوا: " إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة "، في أول رحلة عليها ثلاثة آلاف مسافر هم قِمَم المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر، أغنياؤهم، عليَّة القوم، لقد غرقت في أول رحلة ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾

أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ

 الزلازل ..

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 65 )

 إذاً رحمة الله تقتضي أن يصيب الذين كفروا بقارعةٍ ..

﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾

 فإذا أردت أن تنجو فكن مؤمناً ..

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 عندما دخل سيدنا يونس إلى بطن الحوت ..

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

الله ينجي من مصائبه وقوراعه من يشاء من عباده :

 أبْشِر، والله الذي لا إله إلا هو لو أن مصيبةً كُتِبَت على ستَّة آلاف مليون إنسان، أي على جميع سكَّان الأرض إلا واحداً الله سبحانه وتعالى يُنَجِّي هذا الواحد بقدرةٍ فائقة .
 طائرةٌ تُحَلِّقُ فوق جبال الألب على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم احترقت، فمات جميع ركَّابها إلا واحداً وقع في المكان الذي تصدَّعت منه الطائرة، فنزل على غابةٍ من الصنوبر مجللةٍ بخمسة أمتارٍ من الثلج، فكانت خمسة الأمتار وأغصان الصنوبر المرنة كامتصاصٍ لهذه الصدمة، نزل واقفاً على قدميه، وكذلك إذا أراد الله عزَّ وجل أن ينجي إنساناً فلابدَّ من أن ينجو، فحينما تأتي المصائب، والكوارث والزلازل، والفيضانات، والجراد والأسماك الهُلاميَّة فالمؤمن وحده ينجو لأنه ما عصى الله على البحر ولو أنه عصاه لجاءته هذه الأسماك ..

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ﴾

إذا أتى وعد الله فلا ينفع اعتذار :

 حينما يأتي وعد الله لا يستطيع هذا الكافر أن يقول: ربي لو ذكرتني، ذكَّرتك مليون مرَّة، ربي لو أنذرتني، لو حذَّرتني، لو وبَّختني، لو قرَّعتني، لو أدَّبتني، لو عالجتني، كل يوم عندك خمسون درساً وأنت أصم وأعمى ..

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 فإذا تابعه الله عزَّ وجل وضَيَّق عليه وعالجه فعليه أن يفرح، لأن معنى هذا أن فيه خيراً، فإذا تركه هملاً فمعناه مقطوعٌ منه الرجاء ..

﴿ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾

 هنيئاً لمن اتعظ قبل أن يأتي وعد الله ، هنيئاً لمن عرف الله قبل فوات الأوان ..

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر " .
 فالذي تأتيه المصائب، ويفسِّرها تفسيراً أرضيَّاً فهذا مصيبته في نفسه أكبر إذ نفسه هي المصيبة ..

﴿ وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

الإمهال وإرخاء الحبلبداية النهاية :

 الكافر أحياناً يُمَد، و يُمْهَل، و يُرْخَى له الحبل حتى يظُن أن الله يحبه، أو حتى يتوهَّم، ولكن مقياس محبَّة الله ليست عدم نزول المصيبة، ولكن انطباق سلوك الإنسان على شرع الله، أناسٌ كثيرون يُمدُّ الله لهم مدَّاً، فتجد أن الدخل كبير والمعاصي كثيرة، ويظن أن هذه الحياة هكذا، ولا يوجد حساب ..

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 فحينما تأتي الضربة القاصمة عندئذٍ يتذكَّر الإنسان ..

﴿ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾

( سورة الفجر )

 لا تنفعه عندئذٍ الذكرى، فمقياس محبَّة الله لك شيءٌ واحد، هو انطباق عملك على الشرع، أما سلامتك من المصائب فهذه قد تكون إمداداً وإمهالاً، واسترسالاً، وإرخاء الحبل، الحبل مُرْخَى، لكن إذا شُدَّ الحبل وقعت في الفخ فعلى الإنسان ألا يطمع، فإذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، لأن في هذا موعظةً بليغة ..

﴿ وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب

 وهناك صاحب معمل حلويَّات في لبنان، من أشهر أصحاب معامل الحلويات، كانت طائرة يوميَّة تُرسل إلى بلاد الحجاز من إمداد معمله، طائرة شحن بكاملها يومياً، دخل إلى معمله مرَّةً فلم يعجبه عمل بعض العمَّال، فأمسك عجينة المعمول ووضعها على الأرض وداسها بأقدامه، وقال لهذا العامل: هكذا تُعْرَكُ العجينة، فقال: يا سيدي أبأقدامك؟! قال: نعم الناس تأكل من تحت أقدامي، مضى على هذه الحادثة أربعون أو خمسون يوماً أصيبت رجلاه بمرض الموات.. الغرغرين .. فقُطِعَت رجلاه من الرُكبتين، والآن يجلس في لندن ..

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

 أيأكل الناس من تحت أقدامك؟ أهكذا تهين نعمة الله عزَّ وجل؟ أهكذا بلغ بك الغرور؟ قُطِعَت رجلاه من ركبتيه ..

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

 الله عزَّ وجل يُمهل، ولا يُهمل، حتى إذا أخذه لم يفلته، الله سبحانه وتعالى هذا الذي يستهزئ برسل الله قد يجعل تدميرَه في تدبيرِه، يفكِّر يفكِّر ويدبِّر، فيدمَّر في تدبيره ..

﴿ وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾

 ما قولك؟ فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي لا يتعظ إلا بنفسه، السعيد من عرف الله في الرخاء، والناجي من عرفه بعد الشدَّة، ولكنَّ الشقي كل الشقي الذي لم يعرفه لا في الرخاء ولا في الشدَّة .

 

أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ

 في درسٍ قادم إن شاء الله وفي آية مهمَّة جداً أرجأتها لهذا الدرس :

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

 وبهذه الآية تجسيد، واحد واقفٌ فوق رأسه ، أحياناً يقف المراقب فوق رأس الطالب، بينه وبينه ثلاثون سنتيمترا.. وهكذا.. يراقب كل حركةٍ، و كل همسةٍ، و كل نظرةٍ، و كل شيءٍ ..

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

 إن شاء الله تعالى في درسٍ آخر قادم نشرح هذه الآية بتوفيقٍ من الله وفضله .