الدرس : 3 - سورة الرعد - تفسير الآيات 4 – 13

1986-08-01

 الحمد لله العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تذكير بما سبق:

 أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في سورة الرعد إلى قوله تعالى:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 قبلها:

 

﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ﴾

 أي أن هذا الكتاب مِنْ ربك، مَنْ ربُّك ؟

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3) وَفِي الْأَرْضِ ﴾

 أي وخلق لكم في الأرض، ومن آياته الدالَّة على عظمته، أَعَرَفْتَ مِنْ عند مَنْ هذا الكتاب؟ من الذي رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها؟ من الذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي ؟ من جعل في الأرض قطعاً متجاورات ؟

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ ﴾

وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ وَجَنَاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ

الأراضي أنواع:

 أي أراضٍ بعضها غبار، بعضها كلس، بعضها خَصيب، بعضها مالح، بعضها مزروع، بعضها مُهْمَل، فحيثما سرت في الأرض ترى أنواعاً منوَّعةً من التُرَب، تربة لَحْقِيَّة، تربة غضاريَّة، تربة كلسيَّة، تربة بازلتيَّة، تربة بركانية، تربة غنيَّة بالحديد، تربة غنيَّة بالكالسيوم، تربة تسقى بعلاً، تربة تسقى بماء النهر، تربة مزروعة، تربة تنجح فيها هذه الفاكهة، تربة تنجح فيها هذا المحصول..

 

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ﴾

 

الأعناب والزرع والنخيل:

 النخيل باسقة، والأعناب متسلِّقة، والزرع أرضي، أي الخضراوات، المحاصيل هذه زروع، والأعناب متسلِّقة، والنخيل باسقة، أي أنها أنواع منوَّعة، أشجار دائمة الخضرة، أشجار مثمرة، أشجار قصيرة العمر، أشجار مديدة العمر..

 

﴿ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾

 لو ذهبت إلى حقل زيتون لَلَفت نظرك ظاهرة في الزيتون، أن كل شجرة من الزيتون ينبت في أطرافها فسائل، قد لا يقف الإنسان عند هذه الظاهرة، ولكن لو فكَّر فيها لعرف حكمة الله سبحانه وتعالى، لأنك إذا زرعت بذر الزيتون لاحتجت إلى سنواتٍ طويلةٍ طويلة كي تُصبح هذه البذرة فسيلة، ولكن الله سبحانه وتعالى توفيراً للوقت أخرج مع كل زيتونةٍ ضخمةٍِ عدَّة فسائل حولها، ما عليك إلا أن تقطع هذه الفسيلة من جذر الزيتونة، وتزرعها فإذا هي شجرةٌ بعد سنواتٌ عدَّة.

 

معنى: صنوان:

 قد تجد نخلتين من أصلٍ واحد، وقد تجد للأصل الواحد نخلةً واحدة..

 

﴿ صِنْوَانٌ ﴾

 أي أخوان..

 

 

﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾

 ومعنى كلمة الصنو أي الأخُ..

 

﴿ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ

 فهذه الآية من أعظم الآيات الدالَّة على عظمة الله عزَّ وجل، لو اتفق أن في بستانٍ واحد شجرة كَرَز، وأخرى مُشمش، والثانية تفَّاح، والثالثة درَّاق، والرابعة خَوْخ، وما شاكل ذلك، التربة واحدة، الجو واحد، الهواء واحد، السماد واحد، السقي واحد، الأمطار واحدة، الثلج واحد، البرد واحد، الحر واحد، طَعْم الدراق غير طعم الكرز، غير طعم العنب، غير طعم المشمش، غير طعم التفَّاح، غير طعم الأجاص..

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

 لو قيل لك: صف طعم التفَّاح لا تستطيع، تقول: التفَّاح تفَّاح، صف طعم الأجَّاص، لن تستطيع..

 

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

 فاكهة تُباع بليرتين، فاكهة تُباع بخمس عشرة ليرة.

 

 

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

 هذه فستق، هذه لوز، هذه فستق عبيد.. مثلاً.. أنواع منوَّعة.

 

 

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

 الأُكُل هنا أي الطعم، نفضِّل بعضها على بعض في الطعوم، طعم هذا غير طعمِ هذا، وسعر الفاكهة دليل اختلاف طعومها، في فواكه رخيصة، في فواكه غالية..

 

 

﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

 

آيات الكون تنفع من كان له قلب حي:

 قبل قليل:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفّكِّرُونَ ﴾

 في هذه الآية:

 

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفّكِّرُونَ ﴾

 قال تعالى:

 

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾

 

( سورة الحج: من الآية 46 )

 فالعقل مكانه القلب، والتَفَكُّر مكانه الرأس، فالإنسان يتفكَّر في الآية فيقنع بها، فإذا تعمَّق في فهمها عقلها، فإذا عقلها انتقلت من فكره إلى قلبه..
" وإنما الدين هو العقل ومن لا عقل له لا دين له ".

 

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 فمعظم الناس يتوهَّمون أن الموت نهاية الحياة، مع أن الحقيقة أن الموت بداية الحياة، الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُالإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24) ﴾

(سورة الفجر )

 الموت بداية الحياة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ))

 

[ ورد في الأثر ]

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26) ﴾

(سورة الفجر)

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24) ﴾

ليست الحياة كل شيء:

 حينما يظنُّ الإنسان أن الحياة هي كل شيء، وأن السعيد فيها من كان غنيَّاً، وأن الشقي فيها من كان فقيراً، وأن الموت نهايتها، هذه النظرة التي ينظر الناس من خلالها إلى الدنيا هي نظرةٌ مُهْلِكَة، لأنَّك نقلت كل اهتماماتك إلى الأرض، إلى الدنيا، والدنيا قد تأتي وقد لا تأتي، قد تقبل عليك فيختلُّ توازنك، وقد تُدبر عنك فتيأس، لكنَّك إذا نقلت اهتمامك إلى الدار الآخرة عندئذٍ يرضيك فيها كل شيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام في بعض خُطَبِه:

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

 

[ كنز العمال ]

 فما من واحدٍ منَّا إلا وله فلسفة شاء أن أبى، كانت هذه الفلسفة عن وعيٍّ أو عن غير وعيٍّ، فالذي يظنُّ أن الدنيا كل شيء يُقْبِلُ عليها بنهمٍ شديد، ينام ويحلم بمباهجها، ببيوتها، بنسائها، بمالها، والذي يظنُّ الآخرة كل شيء هو العاقل.
 مثلاً: لو أن إنساناً كان على وشك الموت عطشاً، وبقي له كي يموت عطشاً ساعة، وقيل له: هناك سبعة أمكنة يُظَنُّ أن فيها ماء، وتحتاج إلى ساعة لتصل إلى كلٍ منها، والماء في واحدٍ منها، فأي خطأٍ في التوجُّه معناه الموت المحقَّق، يوشك هذا الإنسان أن يموت عطشاً، والأطبِّاء قدَّروا له ساعة، بعد هذه الساعة يلفِظُ أنفاسه الأخيرة، هو في صحراء قيل له: في هذا المكان نبع، أو في هذا المكان، أو في هذا المكان، أعطوه سبعة أمكنة ثم قالوا له: حقيقةً الماء في مكانٍ واحد من هذه السبعة، فهل ينطلق الإنسان إلى أحد هذه الأمكنة قبل التروِّي وقبل البحث؟ لأن انطلاقه إلى أحد هذه الأمكنة قبل التأكُّد من أن الماء فيها معناه موتٌ محقَّق، فلذلك الإنسان في الدنيا..
" إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ".
 فشيء خطير جداً يقال عنه: مصيري، أي مصيرك إلى الأبد، سعادتك إلى الأبد، شقاؤك إلى الأبد منوطٌ بهذا الكتاب، هذا منهجك في الحياة، فربنا عزَّ وجل جعل الدنيا دار تكليف وجعل الآخرة دار تشريف، أي أن العطاء في الآخرة، والنعيم المقيم في الآخرة، والجنَّة التي عرضها السماوات والأرض في الآخرة، لكن الدنيا دار عمل، دار جِدٍ، دار كسبٍ..
 " شمِّروا فإن الأمر جِد، وتأهَّبوا فإن السفر قريب، وتزوَّدوا فإن السفر بعيد، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةً كؤود، وأخلصوا النيَّة، فإن الناقد بصير ".

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

وَإِنْ تعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

إنكار البعث فلسفة الجهلة والسفهاء:

 لو فكَّروا في خلق السماوات والأرض لما قالوا هذا الكلام، لو رأوا صنعة الله عزَّ وجل فعرفوا من خلالها عظمة الخالق لما شكُّوا في أن الله سبحانه وتعالى سيحقِّق وعده ويبعث من في القبور، لو فكَّروا في ملكوت السماوات والأرض، لو فكَّروا في خلقهم، لو فكروا في طعامهم، في شرابهم، لو فكروا في مظاهر الطبيعة التي أمامهم لما قالوا:

 

﴿ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 هذا القول يقوله الجاهل، أنت أمام صاحب معمل ضخم لصناعة أعظم الآلات تقول له: هل تستطيع أن تصنع آلةً صغيرة؟‍ لو وقفت أمام صناعته الدقيقة والكبيرة والجبَّارة لما سألت هذا السؤال، دليل أنَّك لا تعرفه إطلاقاً، لأنك طرحت هذا السؤال فإنك لا تعرفه.

 

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ ﴾

إنه لقول عجيب:

 الله سبحانه وتعالى لم يقل: فيعجب ربُّكم، لأن الله لا يعجب، الله فوق أن يعجب، لأنه ليس كمثله شيء، أما هناك عجبٌ من قولهم، هذا العجب من عدم فهمهم لعَظَمَة الله عزَّ وجل.

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ ﴾

 فقولهم يدعوكم إلى العجب يا بني البشر..

 

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 

الخلق الأول دليل عظمته، والخلق الثاني دليل عدالته:

 الحقيقة أن الخلق الأول دليل عظمته، والخلق الثاني دليل عدالته، لأن في الخلق الأول عظمةً ما بعدها عَظمة، هناك الفقير والغني، هناك القوي والضعيف، هناك الظالم والمظلوم، هناك الصحيح والمريض، فهذا المريض لو أن هذه الدنيا هي كل شيء أليس له على الله عَتَبٌ شديد؟ يا رب أنت الذي خلقتني، هذا الفقير الذي لا يجد قوت يومه وكانت الدنيا هي كل شيء وانتهى الأمر، أليس له عند الله عتبٌ شديد؟ في الدنيا فقير، في الدنيا غني، في الدنيا ضعيف، في الدنيا قوي، في الدنيا ظالم، في الدنيا مظلوم، في الدنيا صحيح، في الدنيا مريض.
الخلق الأول لحكمةٍ بالغة، والخلق الثاني لتحقيق العدالة المطلقة.

الحساب على الجميع:

 فالغني سيُحاسب على غناه، والفقير سيُسأل عن صبره، والقوي سيُحاسب عن قوَّته كيف استخدمها، أتعسَّف بها، والضعيف سيُسأل عن توحيده، والمريض سيسأل عن صبره، والصحيح سيسأل عن قوَّته كيف استعملها..

 

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ ))

 

[ سنن الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

(سورة الحجر )

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾

( سورة المؤمنون: من الآية 115 )

 جامعة، قاعات محاضرات، مكتبة ضخمة، حدائق، جهاز تدريسي من أرقى مستوى، مخابر كلَّفت ألوف الملايين، ليس هناك امتحان؟ هكذا أدخل إلى الجامعة، وأخرج منها من دون امتحان؟ من دون مسؤوليَّة؟ مستحيل، لا يفعلها إنسان..

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

 تعالى أن يخلق الناس عبثاً..

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ( 16) ﴾

(سورة الأنبياء)

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

(سورة ص: من الآية 27 )

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾

( سورة القيامة )

 نحن في الدنيا في ظل الأنظمة الوضعيَّة، أيضرب إنسان إنساناً، أيقتله ويذهب إلى بيته هكذا؟ ليس هناك شرطة، ليس هناك دوائر مباحث جنائيَّة؟ هكذا..

 

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾

 عند مخلوق لا تنجو، عند مخلوق محدود العلم لا تنجو، عند الخالق ‍؟! تأكل مال فلان، تنتهك عِرض فلان، تخادع فلانا، تغشُّ فلانا، تحتكر هذه السلعة، تؤذي المسلمين، تأخذ أموالهم بغير حق وتُتْرَك سدى؟ هكذا ببساطة، بلا حساب، بلا مسؤوليَّة، بلا عذاب ؟
ليست العبرة أن ينجح جميع الطلاَّب في الجامعة، ولكن الشيء الرائع أن تتطابق النتائج مع المقدِّمات، هذا هو الشيء الرائع أن يكون هناك حسابٌ دقيق..

 

﴿ فوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

(سورة الأحقاف: من الآية 19 )

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32) ﴾

( سورة النحل )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 إيمانك الصحيح أنك لو أنقذت نملة، أنك لو ابتسمت ابتسامةً بمقدار ثانية واحدة سخريةً من إنسان لحُوسِبْتَ عليها، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ))

 

[ الترمذي ]

 كلمة قصيرة، فلان.. ( وأشار إلى ياقة قميصه )، ما حكيـــت شيئا.. فلانة.. ( وأشار إلى ياقة قميصه ) ما حكيت شيئا.. إنك تُحاسب على ذلك، أمتأكِّدٌ أنت أنها منحرفة؟ أعندك دليل؟ أجاءك أربعة شهود، أم أنها قصَّةً سمعتها فنقلتها ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))

 

[ مسلم، أبو داود ]

 لابدَّ من تمحيص.

 

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾

 

حساب الدنيا قبل حساب الأخرة:

 واللهِ إن الحساب في الدنيا قبل الآخرة، لو تتبعت أهل الدنيا وانحرافاتهم، ورأيت كيف أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم عن أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة لعجبت العجب العُجاب، أبداً.

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من الآية 97 )

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ ﴾

(سورة طه )

 يعني كنت أعمى في الدنيا..

 

﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126) ﴾

 

(سورة طه )

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ

الإيمان بالله واليوم الآخر متلازمان:

 لأنهم كفروا بربِّهم أنكروا البعث، وكأن الإيمان بالله وباليوم الآخر متلازمان، إذا آمنت بالله تقتضي عدالته أن هناك يوماً آخر، إن لم تؤمن بالله تُنْكِرُ يوم البعث، لذلك من أركان الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر، أبداً، الإيمان باليوم الآخر من مستلزمات الإيمان بالله عزَّ وجل، كما أن الإيمان بالفحص من مستلزمات الجامعة، لا جامعة بلا امتحان، لأن هناك إلقاء محاضرات، وهناك تفاوت بين الطلاَّب في فهم هذه المحاضرات، تفاوت في الدوام، تفاوت في الفَهم، تفاوت في البذل، تفاوت في الجُهد، تفاوت في الدراسة، ما الذي يميِّز هذا التفاوت؟ الامتحان، فالامتحان شيءٌ لازمٌ للجامعة، كذلك اليوم الآخر لابدَّ منه في نهاية الحياة.

 

﴿ وَأُوْلَئِكَ ﴾

 أي أن هؤلاء الذين يقولون:

 

 

﴿ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾

 

لو عرفوا ربهم من خلال خلقه لما كفروا به:

 لو أنَّهم عرفوا ربَّهم كيف أمدَّهم بالهواء، هذا الهواء نستنشقه نأخذ منه الأكسجين ونطرح غاز الفحم، يأتي النبات فيأخذ غاز الفحم يُثَبِّت الفحم في الأوراق ويطرح الأكسجين، نأكل نحن النبات فتنشأ في أجسادنا طاقة هي الحركة، بسبب احتراق المواد ـ التي أكلناها ـ في خلايانا مع الأكسجين الذي أخذناه من عملية التنفُّس، يطرح من هذا الاحتراق غاز الفحم، يأتي النبات يأخذ غاز الفحم، يثبِّت الفحم في الأوراق ويطرح الأكسجين، ومن أخذ الأكسجين وطرح غاز الفحم، وأخذ غاز الفحم وطرح الأكسجين ينشأ هذا التوازن في الأرض، وإلا لانتهى الأكسجين، لو فكَّروا في ربِّهم كيف خلق لهم الهواء بهذه النسب الدقيقة، وكيف جعلهم يتكاملون مع النبات.
 لو فكَّروا في الماء كيف صفَّاه الله عزَّ وجل وحلاَّه، هو في البحر ملحٌ أجاج، وفي الينابيع ماءٌ عذبٌ فرات، لو فكروا في تخزين المياه..

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22) ﴾

(سورة الحجر )

 لو فكَّروا في ظاهرة النبات، النبات أكبر ظاهرةٍ في الأرض، أن تزرع حبَّةً فتصبح شجرة، لكن أين البرمجة؟ قال لي واحد: بذرة مبرمجة، قلت له: جميل، تعال أناقشك بهذا الموضوع، لو أردت إنشاء بناءٍ ضخم، وذهبت إلى أعظم المهندسين، ووضع لك مخطَّطاتٍ تفصيليَّة، مخطط للأساسات، مخطَّط للطابق الأول، للطابق الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، هندسة نسب ومقاييس، وهندسة شكل ومظهر، وهندسة كهرباء، وهندسة مياه، إلخ... وجمعت هذه الخرائط، وهكذا سمكها ضعها على أرض البناء، وانتظر كم سنة حتى يظهر البناء، نحن في عالَم الواقع، هل تكفي الخرائط المبرمجة التي فيها حسابٌ دقيق لهذا البناء، هل تكفي هذه الخرائط ليظهر البناء؟ تقول: لا إنه لا يظهر، نحتاج إلى ماذا؟ إلى مواد أوليَّة، آت بهذه المواد الأوليَّة؛ آت بالإسمنت، وبالحديد، وبالبلاط، وبالطلاء، وبكل شيء، دعه في أرض البناء، هل يظهر البناء؟ تقول: يد عاملة، إذا كان بناء فيحتاج إلى خارطة ومواد أوليَّة ويد عاملة، فهل يمكنك من بذرة مبرمجة تنبت شجرة ؟
 بذرة التين كرأس الدبوس، هذه البذرة فيه رشيم، وفيها مواد مغذِّية للرشيم، والرشيم حي، كيف تصبح هذه البذرة شجرة؟ حبَّة قمحٍ زُرِعَت فأنبتت ثلاث آلاف حبَّة رأيتها بأمِّ عيني، خمس وثلاثون سنبلة من حبِّة قمح واحدة، وكل سنبلة فيها ستون أو سبعون حبَّة، في مزرعة في الغوطة، نادرة، بذرةٌ واحدة، حبَّة قمحٍ واحدة أصبحت ثلاث آلاف حبَّة، فيَدُ مَنْ؟ المزارع يلقي الحبَّة إلى الأرض، ويذهب إلى البيت، من أودع في هذه الحبَّة الحياة؟ من جعل الرشيم حينما جاءته الرطوبة ينبت له سويقٌ دقيق وجذيرٌ دقيق، من جعل الجذر يتجه نحو الأسفل والسويق يتجه نحو الأعلى؟ ما هذا التوافق الدقيق بين انتهاء المواد الغذائيَّة في البذرة وإمكانيَّة الجذير أن يأخذ من التراب ما يحتاج؟ ما هذا التوافق العجيب؟ فالنبات ظاهرة.
 فالهواء آية، والماء آية، والنبات آية، والحيوان آية، وهذه المخلوقات؛ الطيور، الأسماك، الأنعام، الإبل، الغنم، الماعز، البقر.
 هذه البقرة لو أنَّ حليبها خلقه الله لوليدها فقط فإن وليدها يكفيه اثنان كيلو في النهار كله، البقرة تعطي ثلاثين كيلو حليب، معنى هذا أن الحليب لنا خصيصى، خُلِقَ لنا..

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66) ﴾

( سورة االنحل )

 أنت تأكل جبنة صباحاً ولبناً مصفَّى، قشطة، هذا كلُّه من الحليب، سمنة بلدي، من صمَّمه ؟ من صنعه؟ يدُ من صنعته ؟

 

﴿ أُوْلَئِكَ ﴾

 أي أن هؤلاء الذين يقولون:

 

﴿ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 هذا الذي يقول هذا ما فكَّر في ربِّه، لو فكر في رب العالمين، وكيف خلقه وأمدَّه لما أنكر البعث والنشور..

 

﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾

 

وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ

المعنى الأول: المجرم لا بد من تقييده بالأغلال:

 بعضهم وجَّه هذه الآية إلى يوم القيامة:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30) ﴾

( سورة الحاقَّة )

 المجرم يقيَّد..

﴿ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾

 هذا المعنى الأوَّل.

 

المعنى الثاني: الكافر مقيد بالشهوات:

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾

 هذا الكافر مقيَّدٌ بالشهوات، شهوته تذلِّه وتسحقه، هو عبدٌ لها..

 

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 هؤلاء عبيد الشهوات، كان رجل بعد أن هداه الله سبحانه وتعالى يقول: " كنت عبداً فأصبحت حرَّاً، وكنت حرَّاً فأصبحت عبداً "، قيل له: فسِّر هذا الكلام، قال: " كنت عبداً لشهوتي فأصبحت متحرِّراً منها، ثم كنت حراً بمعنى أنني غير منضبط، فأصبحت عبداً لي ربٌّ، ولي منهجٌ أسير عليه "، " كنت عبداً فأصبحت حرَّاً، وكنت حرَّاً فأصبحت عبداً ".

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(5)وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾

 

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ

استهزاء الكفار بوعيد الله:

 هؤلاء الكفَّار يستهزئون بوعيد الله سبحانه وتعالى، ليعذِّبنا ربُّك، أين العذاب؟ ليأتي..

 

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾

 فإذا جاء العذاب رأيتهم يصرخون كالكلاب، لكنَّهم لجهلهم.. الحيوان من صفاته أنه يخاف بعينه فقط، أي لا يخاف حتى يرى الخطر بعينه يخاف..

 

الإنسان العاقل يخاف بفكره لا بعينه:

 أما الإنسان فكرَّمه الله عزَّ وجل، يجب أن يخاف بفكره، يجب أن يرى الخطر المتوقَّع قبل أن يقع الخطر، فالذي يخاف بعينه هذا متخلِّف، هذا ينتمي إلى صنف الحيوان، لا يخاف إلا إذا رأى الخطر، ما دام في صحَّة جيِّدة، ما دام في مال وفير هو مع شهواته يستعلي على الناس في الأرض، يأكل حقَّهم، يغتصب أموالهم، ينتهك حرماتهم، يعتدي على أعراضهم مادام فيه قوَّة، فإذا وقع في مرضٍ قلبيٍّ عُضال صار يعوي كالكلاب، يقول: أنقذوني، أين كنت ؟
يقولون: إن مَلَك الموت حينما يوضع الميت ويُغَسَّل يقول: " يا ابن آدم، أين سمعك؟ ما أصمَّك! أين ريحك؟ ما أفسدك! أين قوَّتك؟ ما أضعفك! ".
 الموت فيه موعظة بالغة، لو أنك رأيت إنساناً ممدداً على خشبةٍ المُغْتَسَل، جثَّةٌ هامدة، قبل قليل كان ملء السمع والبصر، أصبح حديثاً، أصبح نعيا على جدران الطرقات بعد أن كان ملء السمع والبصر.

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾

 الإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل، من يدري ماذا في بطنه، هؤلاء الذين اكتُشِفَ في بطونهم مرض خبيث هل كانوا يعلمون ذلك من قبل؟ دمٌ لو أنه انفجر في الدماغ لقضى على الإنسان في أربع ثوانٍ، شريان واحد لو انفجر في الدماغ، هذا القلب لو تعطَّل بعض دسَّاماته تحتاج إلى ثمانمائة ألف ليرة عمليَّة بأمريكا، وقد تنجح وقد لا تنجح، هذه الشرايين لو تصلَّبت، هذا الضغط لو ارتفع، هتان الكليتان لو تعطَّلتا، هاتان الرئتان لو أصيبتا بذات الجَنب، هذا الكبد لو تشمَّع، هذه الحركة لو شُلَّت، هذا البصر لو ذهب، هذا السمع لو ذهب، هذا العقل لو اختل لأخذوه على القُصِير، أقرب الناس إليك يخافون منك، نعمة العقل، نعمة الصحَّة..

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلَاتُ ﴾

وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلَاتُ

الدهرعبر وأمثال:

 أي العبر، كيف أن الله أهلك القرون من قبلهم؟ هذه القصص تحت سمعهم وأبصارهم.. كولومبيا دولة في أمريكا، فيها مدينة في سفح جبلٍ، الجبل مغطَّى بالثلوج، الجبل أخضر، المسارح، الفنادق، الشوارع، الحدائق، الحياة بأوجها، انفجر البركان، وذاب الثلج، وقُذِفت هذه المدينة بالحُمم البركانيَّة، خمسةٌ وثلاثون ألفاً قُتِلوا فوراً.. أين الإنسان؟ أحياناً طائرة تحترق في السماء، وبسبب خلل بسيط وقد مات جميع ركَّابها، ثلاثمائة وخمسون راكبا، خلل بسيط في أجهزتها، نحن تحت رحمة الله..

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلَاتُ ﴾

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ

آية غاية في الرجاء:

 قال بعض المفسِّرين: " هذه أرجى آيةٍ في كتاب الله ".

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾

 ليس القصد أن يحاسبهم، بل القصد أن يرحمهم، لذلك يمهلهم، لو أن القصد أن يحاسبهم لحاسبهم، وقضى عليهم، وأهلكهم، وانتهى الأمر، ولكنَّ إمهالهم وحلمه عليهم من أجل أن يرحمهم، فلذلك إذا كان الإنسان في بحبوحة وهو بعصي الله فليرتقب العقاب، إذا كان الله يكرمك وأنت تعصيه فاحذره، لأن الكيل قد طف، جاوزت الحد..

 

 

إلى متى أنت باللذَّات مشغولُ  وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ
تعصي الإله وأنت تُظْهر حبَّه  ذاك لعمري في المقال بديــعُ
لو كان حبُّك صادقاً لأطعتـه  إن المحبَّ لمن يحبُّ يطيـــع
***
أيا عبدنا ما قرأت كتابنا ؟
أما تستحي منَّا ويكفيك ما جرى
أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً
وتنظر ما به جاء وعدنا
إلى متى أنت ؟
عندي لك الصلح وهو بري  و عندك السيف و السِنـانُ
ترضى بأن تنقضي الليالي  و ما انقضت حربك العوان
تستحي من شيبةٍ تــراها  في النار مسجونةً تــهانُ
***

 

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾

المغفرة مقيدة بالتوبة:

 هناك علماء قيَّدوا هذه الآية فقالوا:

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾

 إذا تابوا، وإذا عادوا، وإذا أنابوا، وإذا أقلعوا، وإذا ندموا، وإذا اتصلوا، وإذا بذلوا.

 

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

 إذا أصرُّوا، أي لا تأخذها بفهم ساذج..

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾

(( وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً ))

[ مسلم عن أبي ذر ]

 بشرط أن تأتيني، أن تعود إلي، أن ترجع إلي، أن تُقْبِل علي، أن تتوب من ذنبك.

لكن احذر وأكمل الآية: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ

 أما إذا أصررت:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

 ويعاقبك من أجل أن يرحمك، من أجل أن تعود إليه قسراً بعد أن أبيت أن تعود إليه طوعاً.

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

 

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

السفيه يسأل عن الآيات وهي تحت سمعه وبصره:

 يا سبحان الله! الآيات في الأرض وفي السماوات لا تُعَدُّ ولا تحصى..

 

﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) ﴾

 

( سورة الذاريات )

 أنت آية، خلقك آية، ابنك آية، زوجك آية، طعامك آية، شرابك آية، الطير في السماء آية، السَمَكُ في البحر آية، البحر آية، النهر آية، الجبل آية، الصحراء آية، الغَوْرُ آية، السَهْل آية، الشمس آية، القمر آية، الجراثيم آية من آيات الله، الأمراض..

 

وفي كل شيءٍ له آيةٌ  تدلُّ على أنه واحدٌ
***

 مدرِّس ـ مثلاً ـ كتب نظريَّة على السبورة، وبرهن عليها بثلاثين برهانا، بعد أن انتهى من إلقاء المحاضرة رفع طالب أصبعه، وقال له: يا أستاذ، ما البرهان على صحَّة هذه النظريَّة؟ أي برهانٍ هذا ؟
 يروى أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه كان يدرِّس طلابه في بعض المساجد، والدرس كان درس فقه، والدرس كان عن صلاة الفجر، وكان في رجله مرضٌ، وكان يمدُّها بالإذن من تلاميذه، دخل شيخٌ معمَّم طويل القامة، عريض المنكبين، فاستحيى منه أبو حنيفة فرفع رجله، فجلس هذا الشيخ الوقور في مجلس هذا العالِم الجليل، تحدَّث عن صلاة الفجر، وعن الفجر الصادق والكاذب، وعن الصلاة في غلس أو في سحر.. وإلخ، بعد أن انتهى الدرس رفع أصبعه هذا العالِم الشيخ المعمم الوقور، وقال له: يا سيدي، كيف نصلي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟ فقال أبو حنيفة: " عندئذٍ يمدُّ أبو حنيفة رجله.

 

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾

 

الكون معجزة:

 الكون هو المعجزة، وليس خرق آيات الله في الأرض هو المعجزة، الكون هو المعجزة، فأنت أحياناً أمام آلة ضخمة جداً تؤخذ بها فتقول: ما أعظم الذي صنعها! أو تقول: إن كانت هذه الآلة عظيمة شغِّلوها بلا طاقة، هذا كلامٌ فارغ، مع أن هناك مأخذاً للطاقة فعظمتها فيها، فخرق القوانين ليس هو المعجزة، الكون بحدِّ ذاته في حالته الطبيعيَّة، في حالته الراهنة هو المعجزة، خلق الإنسان المعجزة، أن تمرض فتشفى المعجزة كيف لا تمرض، الإنسان عندما يقول: أنا اليوم صحَّتي طيّبة، معنى هذا أنه هناك آلاف الأجهزة تعمل بانتظام.

فكر في جسمك لترى عظمة الله:

 مرَّة رأيت كتابا في مكتبة فيه حوالي ألفَا صفحة، عنوانه بسيط هو: ( أمراض الدم )، معنى هذا بالتحليل عندك ثلاثة وعشرون بنداً؛ الشحوم الثلاثيَّة، والكولسترول، والبولة... إلخ، وكل مادَّة لها نسب معيَّنة، حد أدنى، حد أقصى، حد مرضي، حد خَطِر، حد غير خطر، الدم فقط عالَم قائم بذاته.
 فالأمراض العصبيَّة، أمراض العضلات، أمراض جهاز الهضم، أمراض المعدة، أمراض الاثنى عشر، أمراض البنكرياس.. السكر.. أمراض الكبد، أمراض الجهاز التنفسي، أمراض القلب، وعن القلب قرأت كتاباً شيء يحيِّر العقول، دسَّاماته، والأذينين، والبطينين، والشريان الأبهر، والتوتر الشرياني، وأسباب التوتر الشرياني، إذا قلت: ما من مرض فأنت المعجزة، على قدر ما هنالك من أجهزة تعمل بانتظام وتنسيق.
 إذا رأى أحد حيَّة فما الذي يحصل؟ العين تنطبع عليها صورة الأفعى، هذه الصورة تنتقل إلى الدماغ، الدماغ يدرك أن هذه أفعى خطرة، يعطي الدماغ خبرا للغدَّة النخاميَّة عن طريق وسيطٍ بين الدماغ والغدَّة النخاميَّة اسمه الجسم الذي تحت السريري.. هذا الجسم وسيط بين الدماغ والغدَّة النخاميَّة، الغدَّة النخاميَّة مَلِكة الجهاز الهرموني تعطي أمراً إلى الكظر بأن هناك خطرا فتصرَّف، الكظر يصدر أمراً هرمونيَّاً بتسريع ضربات القلب أول شيء، فإذا خاف إنسان يصير قلبه يدق مائة وأربعين دقَّة من دون أن يشعر، الكظر يصدر أمراً هرمونياً بتضييق لمعة الشرايين، جميع الشرايين في الإنسان حولها أعصابٌ إذا تنبَّهت ضيَّقت لمعتها، فإذا ضُييقت لمعتها اصفرَّ الإنسان، من أجل أن يُوفَّر الدم للعضلات، الآن لا تحتاج إلى خد وردي، الآن يريد أن ينجو من هذه الأفعى، فلذلك أول أمر لتضييق لمعة الشرايين يصفر الخائف.
 الأمر الثاني تسريع القلب، لأن النبض السريع يحرِّك الدم بسرعة في الشرايين.. سيارة إسعاف، وتمشي بسرعة الخمسة والعشرين؟ هذا لا يجوز.. فالقلب ينبض بسرعة، والشرايين تضيق لمعتها، يصدر أمرا هرمونيا ثالثا للرئتين فيزداد خفقان الرئتين كي تتوافقا مع القلب من أجل التصفية، تصدر أمراً رابعاً لتحرير كميَّة إضافيَّة من السكر في الدم، لو فحصت دم خائف تجد فيه سكراً بنسبٍ مرتفعة، أنت ما عندك علم فقط رأيت أفعى، أو عقربا، أو إنساناً معه سلاح، أو سيارة كادت أن تصطدم بك، تجد القلب دقَّ مائة وأربعين دقَّة، صارت حركة الرئتين سريعة، اصفرار، الدم فيه سكَّر، أنت آية، وأنت في حالتك الطبيعيَّة آية..

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

 

إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

المعنى الأول:

 أي أن وظيفتك يا محمَّد تنتهي عند التبليغ، وفي بعض التفاسير: الله هو الهادي..

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

 فهذا يهتدي بمرضٍ عُضال، هذا يهتدي بسجنٍ طويل، هذا يهتدي بالتعذيب، هذا يهتدي بالفقر، هذا يهتدي بالذل، هذا يهتدي بالإكرام، هذا يهتدي بالمُهتدي، هذا يهتدي بالسَمَاع..

 

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

 هذه بعض المعاني.

 

المعنى الثاني:

 المعنى الآخر: كل قومٍ لهم من يهديهم وَفْقَ طريقتهم، ووفق مقاييسهم في الحياة، ففي عصر العلم يحتاج الذي يتصدَّى لهداية الناس إلى مزيدٍ من العلم، يحتاج أن يستخدم سلاح العصر، وفي عصر السحر جاء موسى بالسحر، وفي عصر الطِب جاء سيدنا عيسى بالطب، وفي عصر البلاغة جاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكتاب المُعْجِز..

 

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

 كل قومٍ لهم هادٍ يناسب قيمَهم وطباعهم ومقاييسهم في الحياة.

 

 

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ﴾

 

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى

انظر إلى موقع (ما) في هذه الآية لتفهم معناها:

 لم يقل الله عزَّ وجل: الله يعلم من تحمل، هناك مشكلة يقولون لك: إن العلماء قد توصَّلوا إلى معرفة جنس الجنين أذكرٌ هو أم أنثى؟ الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ﴾

 لم يقل: مَنْ ذكر أم أثنى بل إنه قال: ما، أي تحت هذا الحرف تنضوي معانٍ كثيرة، هذا المولود ذكرٌ أو أنثى، وسيمٌ أو دميم، ذكيٌّ أو غبي، مليحٌ أو قبيح، مصلحٌ أو مفسد، فهذه أسئلة كثيرة جداً، يشبه أباه أو لا يشبهه، قالوا: في العُرَى الملوَّنة.. الكروموزومات.. أوامر بتخليق الإنسان، هذه الأوامر لو كتبت على ورق لضاقت بها أكثر الكتب أو الموسوعات اتساعاً، هناك أوامر دقيقة، تجد طفلاً شعره كثيفٌ في ظهره، هذا أمر، وجهه مستطيل، مربَّع، دائري، على شكل كمثرى، على شكل كرة، على شكل صندوق، شعره كثيف، خفيف، أسود، خرنوبي، كَستناوي، أشقر، جَعِد، سَبِط، حاجباه، عيناه، خدُّه، فمه، لسانه، نبرة صوته.
 فهناك دقائق دقيقة جداً لا يعلمها إلا الله، الله وحده يعلم ما تحمل كل أثنى، موضوع ذكر أو أنثى موضوع تافه جداً إذا قيس بما تعنيه هذه الآية:

 

 

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ﴾

 وعلى وجه اليقين لا أحد يعلم..

 

 

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾

 

معنى: وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ

 الرحم إذا غاضَت أي انقطع منها دم الحيض، أي صار في حمل، أو يزيد هذا الدم بعد الولادة.

﴿ تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾

 كنايةٌ عن الحمل، أو تغيض الأرحام لا تحمل فتكون عقيمةً، أو تزداد فتلد التوائم، كلاهما يصحُّ في هذه الآية..

 

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8)عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

 أي أن فلاناً جاء بأولاد ذكور، بأولاد إناث، فلان عقيم، فلان أنجب ولداً واحداً ثم توفي، أنجب ولداً ذكيَّاً وولداً أقلَّ ذكاءً، ولداً مصلحاً ولداً مفسداً..

 

 

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8)عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

 

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ

لا يعلم الغيب إلا الله:

 لا يعلم الغيب إلا الله، عالِمُ الغيب، ما سيكون، النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عنه:

 

﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

 

(سورة الأنعام: من الآية 50 )

﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188) ﴾

(سورة الأعراف )

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

الله هم الكبير المتعالي في العظمة:

 متعالٍ في عظمته، مهما تحدَّثت عن عظمته فهو أعظم، مهما عرفت من كماله فهو أكمل، مهما عرفت من قدرته فهو أقدر، مهما عرفت من رحمته فهو أرحم، مهما عرفت من لطفه فهو ألطف..

﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾

 أي المتعالي، سبحانه وتعالى تعالى عن أن يشبه أحداً من خلقه، ليس كمثله شيء.

 

﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾

 

سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ

الله يعلم العلن والسر وأخفى:

 أي إذا كان هناك فكرة أبقيتها في ضميرك أو نطقت بها، أخفيتها أو أعلنتها، أسررتها أو أظهرتها..

 

﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾

 

من هو المستخفي بالليل و السارب بالنهار:

 أي يتوارى عن الأنظار..

 

﴿ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾

 يمشي في الطريق، هكذا من دون خوف، من دون وجل، أي أن هذا المستخفي في علم الله، وهذا الذي لا يستخفي في علم الله، هذا الذي يُسِرُّ أمراً هو في علم الله، وهذا الذي يفضحه هو في علم الله..

 

 

﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ ﴾

 أي أن علم الله سواء أأخفيت أم أسررت، أعلنت أم أظهرت، صرَّحت أم أشرت، سواءٌ بسواء.

 

 

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾

 

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ

 هذا الإنسان الذي أسرَّ القول أو جهر به، أو الذي استخفى بالليل أو ظهر بالنهار..

﴿ لَهُ ﴾

كل إنسان معه ملائكة تتعقب أعماله:

 أي أن الله سبحانه وتعالى قَيَّض له، قيَّض لهذا الإنسان ملائكة تتعقَّب أعماله..

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾

 أينما ذهب، وأينما جلس، وأينما سافر، أينما حل، وأينما ارتحل، عن يمينه، أم عن شماله.