الترغيب والترهيب - الدرس : 035 - كتاب الصلاة - الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمهما

1997-06-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الدين لا يحتمل شططاً ولا وجاهة ولا علواً ولا كبراً :

 فصل في الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمهما :

(( عن أبي علي المصري رحمه الله: قال: سافرنا مع عقبة بن عامر الجهني فحضرتنا الصلاة، فأردنا أن يتقدمنا قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:من أمّ قوماً فإن أتم فله التمام ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم ))

[ رواه الإمام أحمد عن أبي علي المصري ]

 الإنسان أحياناً وهو لا يشعر يريد الوجاهة حتى في حلقة الحق، طبيعة الحق لا تحتمل الدنيا، فلو أن الإنسان أراد الدنيا ضمن دائرة الحق وقع في إثم كبير، الدنيا لها مظانها، لك أن تتاجر، لك أن ترتقي بالمناصب، لك أن تبني البيوت، هذه الدنيا هناك، أما إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله، فليس فيه دنيا.

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الجن ]

 الدين لا يحتمل شططاً، ولا وجاهة، ولا رياسة، ولا علواً، ولا كبراً، فهناك من يؤم القوم وهو له كارهون، من يؤم القوم وهم ليسوا راضين عن سلوكه، وهذه مشكلة تقع في معظم المساجد، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من أم قوماً فإن أتم فله التمام ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم ))

[ رواه الإمام أحمد عن أبي علي المصري ]

 فالإمام يجب أن يكون في الأمام، في الأمام ورعاً، وفي الأمام علماً، وفي الأمام قراءة، وفي الأمام فقهاً، فالذي في الأمام ينبغي أن يكون الإمام، وهذا حكم الله عز وجل.

 

الإنسان كلما زاد علمه زاد ورعه :

 لو أن إماماً صلى ولم يتم ركوعه، ولا سجوده، عليهم التمام وعليه الإثم، فكل شيء يرفعك عن عامة الناس يضعك في مسؤولية أمام الله عز وجل.
 الشيخ بدر الدين الحسني فيما سمعت هو شيخ الشيوخ، فإذا كان هناك نهضة إسلامية في هذه الديار الشامية فالفضل عائد إليه، كان من أعظم العلماء ورعاً، وفهماً، وفقهاً، ما صلى إماماً قط في كل حياته، عندما ذهب ليحج وزار قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقف في باب السلام، ولم يجرؤ على أن يدخل، من شدة هيبة النبي عليه الصلاة والسلام.
 فالإنسان كلما زاد علمه زاد ورعه، وكلما زاد علمه زادت رغبته في أن يبقى في الظل لا أن يظهر.
 هذا الحديث، الإنسان لا يفرح أنه صلى إماماً، ليفرح أنه صلى صلاةً قبلها الله عز وجل.

(( إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أمّ قوماً فإن أتم فله التمام ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم ))

[ رواه الإمام أحمد عن أبي علي المصري ]

العمل لا يقبل إلا بشرطين ؛ الإخلاص و الصواب :

 حديث آخر:

(( ثلاثة لا يقبلُ الله منهم صلاة ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

 صلاته مرفوضة كلياً.
 أخواننا الكرام، التعامل مع الله دقيق جداً، أنت مع الناس بإمكانك أن تظهر بأي مظهر، ومقبول، تقيم وليمة تدعو الناس يأتون، ويأكلون، وتظهر أنك رجل كريم، معطاء، هؤلاء الناس لا يعرفون النوايا، يعرفون أنهم دعوا إلى طعام وأكلوا، ويثنون على صاحب الدعوى وانتهى الأمر، لكن التعامل مع الله:

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 والعمل الطيب عند الله ما كان خالصاً، ما ابتغي به وجه الله، والعمل الطيب عند الله ما كان صواباً، وافق السنة.
 بل إن الإمام الفضيل يقول: "العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة".

(( ثلاثة لا يقبلُ الله منهم صلاة ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

العبرة لا بحجم العمل بل بقبوله :

 إذاً العبرة لا في حجم العبادة، بل في قبول العبادة، والحديث الذي يقصم الظهر معروف عندكم، هذا الذي جاء يوم القيامة، وسأله الله عز وجل ماذا فعلت بعلمك ؟ قال:يا رب علمت الناس، فقال:كذبت، علمتهم ليقال عنك عالم وقد قيل، خذوه إلى النار، والثاني قرأ القرآن ليقال عنه قارئ وقد قيل، خذوه إلى النار، حتى الذي قاتل في سبيله قال:قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل، خذوه إلى النار.
 أخواننا الكرام العبرة لا بحجم العمل، بل بقبول العمل، والله جلّ جلاله قد يقبل من إنسان وهو في الظل، في التعتيم، قد يقبل عملاً خالصاً لوجه، ويرفض عملاً كبيراً جداً، عند الناس عظيم، ولكنه عند الله ليس بعظيم.
والحديث الآخر الذي تعرفونه :

(( يُجَاءُ بالرجل يوم القيامة فيُلْقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فيدور كما يَدُور الحمار بِرَحَاهُ، فَيجتَمِعُ أَهل النار عليه، فيقولون:يا فلان، ما شأنك ؟ أَليس كنتَ تأمُرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول:كنت آمُرُكم بالمعروف ولا آتيه ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ]

 لذلك قيل: "أندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، أندم الناس غني دخل ورثته بمال الجنة ـ ورثته ورثوه حلالاً، أنفقوه في طاعة الله فدخلوا الجنة ـ ودخل هو بماله النار، كسبه حراماً وورثه حلالاً".

 

الإنسان كلما كان عمله أكثر إخلاصاً كان أكثر درجة عند الله عز وجل :

 أيها الأخوة، العبرة لا بحجم العمل بل بقبول العمل، والعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وكان صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، والإنسان يشعر أحياناً أن الله قَبِل عمله، إذا جهد و أخلص فيه، وأن يأتي موافقاً للسنة، ولم يبتغِ في عمله لا وجهة، ولا سمعة.
 سمعت قصة من أحد أخواننا العلماء: كان في بلد إسلامي، فسمع أن رجلاً قدم مبلغاً خيالياً، ثلاثمئة مليون دولار قدمه للدعوة إلى الله، لينفق على طلاب العلم وما أكثرهم، هذا العالم الذي زار هذا البلد الإسلامي ما صدق أن إنساناً يقدم ثلاثمئة مليون دولار، فقال: والله أتمنى أن أراه، فدعي في صبيحة اليوم التالي إلى طعام الفطور ليلتقي هذا العالم الضيف مع هذا المحسن الكبير، قال: جلس هذا العالم الضيف، وهو ينتظر مجيء هذا المحسن الكبير، انتظر ساعة و لم يأتِ، ثم قال: أين هو فلان نحن بانتظاره؟ فقيل له: جاء قبلك إلى هنا، هذا الذي يجلس على طرف المائدة، من شدة وتواضعه، وأدبه ، وانكماشه، ما صدق أن هذا هو الذي قدم هذا المبلغ.
 فالعبرة بقبول العمل، لا بحجم العمل، والإنسان كلما كان عمله أكثر إخلاصاً كان أكثر درجة عند الله عز وجل.
 فهؤلاء الثلاثة لا تقبل منهم الصلاة إطلاقاً :

(( ثلاثة لا يقبلُ الله منهم صلاة ........من تقدَّم قوماً وهم له كارهون ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

على الإنسان أن يحرص على ما يقال في غيبته لا في حضرته :

 الحقيقة الناس يجاملون، لكن الإنسان يجب أن يعلم حقيقته، مرة أجرِ تجربة، وزع على طلابك أوراقاً، قل:اكتبوا رأيكم فيّ، ولا تستحوا، من دون توقيع، الإنسان يتفاجأ هو يظن أنه محبوب، قد يكون عكس ذلك، هو مرغوب لكن ليس محبوباً، قد يبدو أنه متواضع ولكن هو متكبر، لذلك البطولة يجب أن تعرف حقيقة الناس فيك، أما الناس جميعاً يجاملونك، أي يمدحك، ويرتاح، وينفذ، أما الإنسان إذا كان حريصاً على مكانته عند الناس لا ينبغي أن يقيّم نفسه من مدح الناس له، لا، يجب أن يستشف مما يقال في غيبته، وهذا أخواننا الكرام مقياس دقيق، كل ما يقال في حضرتك لا قيمة له، احرص على ما يقال في غيبتك.
 أحد أخواننا ذهب أخوه إلى الحج، رجاني أن أذهب إلى أخيه وأهنئه بالعودة، أخ أعزه جداً، فذهبت إلى أخيه، جلست عنده، بدأ هذا الحاج يثني على رئيس الفوج، على انضباطه، على نزاهته، على حسن قيادته، على ورعه، ربع ساعة، نصف ساعة، ساعة، و أنا أصغي إليه، وأنا والله مسرور جداً، لكن سألته بعد قليل: بربك هل كلفك هذا الذي كنت معه في الحج أن تمدحه؟ قال:لا والله، أنا أعلم ما كلفه، لكنها الفطرة.
 الإنسان إذا رأى الكمال يُعجب به، يتحدث عنه بشكل طبيعي، فالعبرة لا ما يقال في حضرتك، العبرة ما يقال في غيبتك.

الإنسان إذا أمّ قوماً وهم له كارهون وقع في إثم كبير وكذلك المرأة التي تتأبى على زوجها:

 الإنسان إذا أمّ قوماً وهم له كارهون وقع في إثم كبير، وصلاته غير مقبولة.

(( ثلاثة لا تقبل منهم صلاة، ولا تصعد إلى السماء، ولا تجاوز رؤوسهم ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

 من هم هؤلاء الثلاثة ؟

((.....رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون، ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر، وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

 هذه المرأة التي تتأبى على زوجها ليس لها صلاة، وليس لها عبادة، ولو صلت وادعت أنها مؤمنة، صلاتها مرفوضة، هناك زوجات كثيرات تتوهمن أنهن صالحات، وهن يقصرن في حق أزواجهن، فالتي تقصر في حق زوجها صلاتها غير مقبولة، ولا تجاوز رأسها، ولا تصعد إلى السماء.

 

الكمال محبوب وظاهر والنقص مرفوض وظاهر :

 العبرة أخواننا الكرام بقبول العمل، كيف أقول لكم؟ اكتب مليون، مليون ماذا ؟ مليون قرش، مبلغ سخيف، مليون ليرة أكبر بكثير، مليون دولار أكبر وأكبر، مليون ليرة ذهبية.
 فالعبرة بالوحدة وليس بالرقم، إخلاصك يحدد الوحدة، العبرة لا بالرقم بل بالوحدة، مليون ليرة ذهبية غير مليون ليرة سورية، هناك ليرة، وهناك ليرة ذهبية، الليرة الذهبية بخمسة آلاف، الليرة السورية بواحد، فكلما ازداد الإخلاص ازدادت قيمة العمل.

(( رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون، ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر، وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه ))

[أخرجه ابن حبان عن عطاء بن دينار الهذلي ]

 أنا ذكرت قصة رئيس الفوج كي تعلموا الفطرة، الإنسان معجب بالكمال، ويتألم من النقص، والكمال لا يحتاج إلى دعم، والكمال وحده ظاهر، ومحبوب، ومعظّم، والنقص غير مقبول ولو أولته، يقول لك: أوّل لا يوجد تأويل، الكمال كمال، والنقص نقص.
 أنا أضرب مثلاً: لو أتينا بمنحدر و ألقينا الماء من أعلاه، فالماء سوف ينزل، قل له:انزل، هذا كلام فارغ لأنه سينزل، قل له:اصعد، هذا كلام فارغ لأنه لن يصعد، فالكلام ليس له معنى إطلاقاً، هناك قوانين، إن سكبت هذا الكأس هنا الماء سينزل، قلله: انزل هو سينزل، قل له: اصعد لا يصعد.
 الكلام لا يقدم ولا يؤخر أمام القوانين، فالكمال محبوب وظاهر، والنقص مرفوض وظاهر، مهما حاولت أن تعطي شيئاً كمالاً ليس فيه، محاولة فاشلة، مهما حاولت أن تؤول النقص، لا النقص يؤول، ولا الكمال يحتاج إلى أن يدعم، الكمال ظاهر.

 

الحق يجب أن يلقى على رؤوس الأشهاد وتحت ضوء الشمس :

 بل إنهم قالوا: الحق هو الله عز وجل، والحق بالمفهوم الأرضي لا يخشى البحث، والحق لا يحتاج إلى أن تكذب له، ولا أن تكذب عليه، والحق لا يستحى به، والحق لا يبقى في دوائر مغلقة، الإسلام يلقى تحت ضوء الشمس، لأنه دين الله.
 وقد ذكرت لكم من قبل وهذا طبعاً مثل صارخ، يسمونه العلماء حاد، لو أن الجامع الأموي يتسمع لمئة ألف مصلٍّ، والتقينا أعظم خطيب في البلد ليخطب، إذا أغلقنا الباب، أو أرتجنا الباب فالصلاة باطلة، مئة ألف مصلٍّ، ومعهم أعظم خطيب فالصلاة باطلة، لأنه لا يمكن أن يكون الإسلام محدوداً، الإسلام للكل، الحق للكل، ديننا دين الله، كتابنا وسنة نبينا ينبغي ألا نستحي بهم، لا تخشى البحث، وابحث ما شئت فيه، الحق يجب أن يلقى على رؤوس الأشهاد وتحت ضوء الشمس، الكمال كمال، والنقص نقص.

الدين لا يحتمل أي زيغ :

 لذلك أيها الأخوة، هذا الحديث أرجو الله سبحانه وتعالى أن يأخذ منا أعظم مأخذ، هناك كثير من الأشخاص يهملون الوظيفة التي أقامهم الله بها، ويبحثون ليرتقوا في عين الناس بشكل آخر، كل إنسان أقامه الله بشيء، أتقن عملك، أتقن وظيفتك تبلغ أملك، أما أن أتعدى على اختصاص الآخرين لأظهر، لأعلو أمام الناس، هذا مرفوض.
 لذلك هناك دنيا وسط الدين، الآن هناك شخص لا يقبل أن يتبرع، حتى تعمل له رخامة، أنه: أنشأ هذه المئذنة المحسن الكبير فلان، هذه دنيا، دنيا وسط الدين، والحقيقة الدين لا يحتمل أي زيغ.

(( إن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلح له إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما منحتموه ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 الإنسان قدر ما يستطيع أن يبقى في الظل، يبقى بالتعتيم، ويقدم غيره، وقلت لكم: وكبار العلماء كانوا لا يصلون أئمة، الإنسان إذا صلى وقَبِل الله له صلاته فهذا عمل عظيم جداً.