الترغيب والترهيب - الدرس : 031 - كتاب الصلاة - الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظلم وما جاء في فضلها -2

1997-05-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله تعالى أراد أن يكون الإنسان اجتماعياً لأنه من خلال الجماعة يسمو :

 أيها الأخوة الكرام، فصل في الترغيب في صلاة الجماعة، وفضل من قصدها وإن لم يدركها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( صلاةُ الرجل في الجماعة تُضعَّف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثم خرجَ إلى المسجد، لا يُخرِجُه إلا الصلاةُ، لم يَخْطُ خُطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تَزَل الملائكة، تُصلِّي عليه ما دام في مُصلاه، اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدُكم في صلاة ما انتظرَ الصلاةَ ))

[ متفق عليه ـ وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة ]

 الإنسان أيها الأخوة، فيه نوازع فردية، ونوازع اجتماعية، النوازع الاجتماعية تصميم حياته مبني على الجماعة، الله عز وجل مكّن الإنسان من شيء، وجعله مفتقراً إلى ألف شيء، فأنت تتقن صنعة، تتقن حرفة، تتقن اختصاصاً، لكنك بحاجة إلى آلاف الذين حولك، تحتاج إلى من ينسج لك الثياب، من يخيط لك الثياب، من يحلق لك الشعر، من يزرع لك النبات، من يجلب لك الماء، من يبني لك البيت، أنت معلم، طبيب، مهندس، مدرس، تاجر، لك اختصاص واحد، لكنك بحاجة إلى آلاف الاختصاصات، معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى أراد الإنسان أن يكون اجتماعياً، لأنه من خلال الجماعة يسمو.
 اجعل إنساناً يسكن في مكان وحده، هل هو صادق؟ يحدث من؟ هل هو أمين؟ كل الفضائل تتوقف، لو أن الإنسان عاش وحده كل الفضائل تتوقف، أما حينما يعيش في جماعة يظهر صدقه أو كذبه، أمانته أو خيانته، إخلاصه أو عدم إخلاصه، استقامته أو انحرافه، إنصافه أو زوره، الفضائل والرذائل تتبدى في الجماعة، فالله سبحانه وتعالى أرادنا أن نكون في جماعة.

 

الجماعة رحمة والفرقة عذاب :

 لكن هنا الجماعة في الصلاة شيء آخر، الصلاة صلاة، الله عز وجل معنا في كل مكان، فلو صليت في البيت هو معك، تذكره وتناجيه، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النجم ]

 بيّن أن صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، السبب أنك في المسجد تلتقي بإخوانك المؤمنين، أول شيء تتعرف إليهم.

(( والجماعة رحمة والفرقة عذاب ))

[أخرجه الطبراني عن النعمان بن بشير ]

 ثاني شيء: لعلهم يعينونك، أو تعينهم، يسترشدونك، أو تسترشدهم، يأخذون بيدك أو تأخذ بيدهم، يعاونوك، أو تعاونهم، صار هناك علاقة، لعلك تستأنس بهم ويستأنسون بك، لعلك تتقوى بهم، ويتقوون بك، فكل الخير من الجماعة، الإنسان لو عاش وحده، نشأ عنده أوهام ورؤى غير صحيحة، وقد يفتي لنفسه، وقد ينجرف نحو الهلاك دون أن يشعر، لكن مع أخوانه يسددون خطاه، يوقظونه من غفلته، ينصحونه إذا ضلّ.
 إذاً صلاة الجماعة ليس منها الصلاة نفسها، القصد منها أن تلتقي بإخوانك، أن تنشأ علاقة، أن تأخذ بيدهم وأن يأخذوا بيدك.

 

دليل قوي على وجوب صلاة الجماعة :

 والحقيقة أقوى دليل على صلاة الجماعة هو أن المؤمنين لو كانوا في حرب وكانوا في خط المواجهة الأول، وكانوا يلتحمون مع العدو، عليهم أن يصلوا جماعة، يقف النبي، ويقف أصحابه وراءه صفاً، وصف آخر يحرسهم، فإذا أدّوا معه ركعة تنحوا للحراسة، وجاء الذين حرسوا ليصلوا مع النبي الركعة الثانية، هكذا شرع الله صلاة الجماعة في الحرب، فنحن في السلم، إذا كانت صلاة الجماعة واجبة مفروضة في الحرب، وفي خط المواجهة الأول، وفي أثناء الالتحام مع العدو، فلأن تكون واجبة ألف مرة في السلم من باب أولى:

(( وذلك أنه إذا توضأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثم خرجَ إلى المسجد، لا يُخرِجُه إلا الصلاةُ، لم يَخْطُ خُطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تَزَل الملائكة، تُصلِّي عليه ما دام في مُصلاه، اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدُكم في صلاة ما انتظرَ الصلاةَ ))

[ متفق عليه ـ وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة ]

 أي انتظار الصلاة صلاة، ما دام دخل المسجد معتكفاً فهو في صلاة إلى أن ينتهي من صلاة المسجد.

 

من أَلِف الصلاة في جماعة شعر برحمات قلّما يشعر بها الآخرون :

 سبحان الله ! الشيء الثاني: إذا الإنسان ألف صلاة الفجر في المسجد يشعر برحمات قلّما يشعر بها الآخرون.

(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 والإنسان حينما يفتتح نهاره بعبادة، وبسماع موعظة، نهاره كله في ذمة الله.

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ))

[مسلم عن جندب بن عبد الله]

 هناك مطبات في الحياة، و ورطات، و حوادث قاهرة، و مشكلات تنشأ وأنت بريء منها، هذا اليوم أنت في ذمة الله.
 لي صديق موظف بوظيفة حساسة، أقسم لي بالله: أنه إذا فاتته صلاة الجماعة في المسجد لا يداوم في وظيفته، يخاف، يقدم إجازة، يشعر أن هذا اليوم فيه مشكلة، هو حينما يصلي، وينطلق إلى عمله مطمئناً أن الله معه، اليوم في حفظ الله، وفي ذمة الله.

(( ابن آدم لا تعجز عن ركعتين قبل الفجر أكفك النهار كله ))

[ ورد في الأثر]

 أنت اليوم مضمون، أنت اليوم في ظلّ الله، يوم لا ظل إلا ظله، في رعايته ، سبحان الله ! تجد مسجداً ضمن أبنية، كل بناء اثنا عشر طابقاً، وكل طابق ثماني شقق، تجد صفين أو ثلاثة، لو أنهم صلوا جميعاً لامتلأ المسجد، رواد الفجر قلائل جداً بالقياس إلى مجموع السكان في أي المنطقة، معنى ذلك هذه رحمة من الله عز وجل، الذي مكنه الله أن يصلي الفجر في جماعة، وأعانه عليها، وأيقظه، قال: لا تعصه في النهار يوقظك في الليل، فالإنسان إذا ارتكب مخالفات تجده ينام ويغط ولا يستيقظ، لا تعصه في النهار يوقظك في الليل وهذه رحمة:

وسر نحونا في الليل لا تخشى  وحشتنا فالأنس في طيب ذكرنا
* * *

من سلك عبادة تقربه من الله فليحافظ عليها :

 حديث آخر:

(( صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاة الفَذِّ ـ أي الواحد ـ بسبع وعشرين درجة ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 هناك نقطة دقيقة: هو أن الذين يصلون الفجر في جماعة ينشأ بينهم علاقة خاصة، مودة خاصة، هذا رفيق صلاة الفجر، هناك دروس، وهناك صلوات أخرى، لكن رفيق صلاة الفجر إنسان متميز، هناك عزيمة، وهناك خروج من البيت وقت النوم، وقت الراحة، وقت الاسترخاء، كل إنسان في بيته مرتاح، هذا ينزع عنه الغطاء، ويقوم ليصلي الفجر في جماعة، هؤلاء رفقاء ينشأ بينهم مودة خاصة، وعلاقة متميزة.
 فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(( عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عِتْقاً مِنْ النَّارِ ))

[ ابن ماجه عن عمر بن الخطاب]

 والعبرة المداومة، أحياناً الإنسان يفور، ينطلق، يتألق، جميل جداً، لكن الأجمل من ذلك الاستمرار.

(( وأنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]

 الأجمل من ذلك ألف مرة الاستمرار، الثبات نبات، أنت لا تنمو إلا بالثبات، فالإنسان يعاهد نفسه، إذا سلك عبادة، أو فعل شيئاً جديداً يقربه إلى الله عز وجل أن يحافظ عليه.

 

من وصل إلى المسجد بعد فوات الأوان أدرك نفحة من نفحات الإيمان :

 هناك نقطة جديدة، الإنسان أحياناً له درس علم، لأمر قاهر جداً فاته نصف الدرس، نظر وقال: لن أستطيع أن ألحق به، في بعض الأخوة رغم أنه فاته نصف الدرس، وبقي نصف ساعة حتى ينتهي الدرس، والطريق يحتاج إلى نصف ساعة يقول: يجب أن آتي إلى الدرس، يدخل بعدما يقول المدرس والحمد لله رب العالمين، ما الذي يحدث؟ الذي يحدث أن الله سبحانه وتعالى يخصه برحمة خاصة، رغم أنه لم يسمع ولا كلمة، يدخل للمسجد، يرى أخوانه، ويسلم عليهم، ويستأنس بهم، وكأنه حضر الدرس، من هنا جاء الحديث دقيق:

(( من توضأ فأحسن وضوءه، ثمَّ راح إلى الصلاة، ووجد الناس قد صَلَّوْا أعطاه الله مثل أجر من صلَّى تلك الصلاة وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ))

[ رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة ]

 أدرك شيئاً، أدرك نفحة من نفحات الإيمان.
 لو وصلت إلى المسجد بعد فوات الأوان لك من الله نصيب، نظير على هذا الحرص، على حضور الدرس، أو حضور الصلاة، وهذا الدرس دقيق.

(( من توضأ فأحسن وضوءه، ثمَّ راح إلى الصلاة، ووجد الناس قد صَلَّوْا أعطاه الله مثل أجر من صلَّى تلك الصلاة وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ))

[ رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة ]

 هذا المعنى يقودنا إلى معنى آخر أن الإنسان عندما يمرض، طبعاً له عبادات تتوقف أثناء مرضه، أو يسافر، فالمؤمن المريض، والمسافر يُكتب له أجرُ المقيم الصحيح، كأنه مقيم، وكأنه صحيح، فكل العبادات التي يؤديها وهو مقيم، وهو صحيح، يُكتب له أجرها تماماً من دون أن ينقص من أجورهم شيئاً.

 

الفرق بين صلاة الفرد و صلاة الجماعة :

 الأحاديث اليوم عن صلاة الجماعة.

(( وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))

[أخرجه الطبراني عن النعمان بن بشير ]

(( وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ))

[ الترمذي عن ابن عمر]

 والإنسان بالجماعة تعلو همته، وهو فرد تضعف همته، الآن تصلي لوحدك تقرأ صفحتين؟ لا، تقرأ قل هو الله أحد، أما هنا تسمع صفحة بأكملها، وثاني ركعة صفحة ثانية، في همة، في إمام مجود، يقرأ بشكل متسلسل، فسماع صفحة مع الخشوع غير قراءة سورة قصيرة بغير خشوع، أنت تصلي وإلى جانبك السرير كمن يصلي في مسجد؟ هنا يوجد يا الله سوف أذهب وأنام، أما هنا يوجد مسجد، يوجد درس، يوجد ذكر، يوجد ورد، يوجد صلاة، فهناك فرق بين صلاة الفرد وصلاة الجماعة، أنت تصلي بالبيت، الأولاد يتشاجرون بالغرفة الثانية، وسمعت كل شجارهم، لماذا فعل هذا ابني؟ أنت تصلي وتحدثهم بنفسك، ما هذه الصلاة؟ أما بالمسجد لا يوجد شيء، لا يوجد مشكلة، ولا زوجة، ولا دق الباب، من جاء يا ترى؟ وأنت تصلي، البيت فيه حركة، أما الجامع للعبادة، هناك فرق بين البيت وبين المسجد، حتى الإنسان إذا صلى بالبيت، أنا أتمنى أن يصلي بغرفة الضيوف لوحده، يدخل لغرفة لا يوجد بها أحد، لا يصلي بغرفة الجلوس، جالسون، ويتكلمون، ويتحركون، أنت معهم شئت أم أبيت، تصلي بالبيت صلِّ في غرفة نائية حتى يصبح هناك وجهة إلى الله عز وجل، هذا بعض ما في صلاة الجماعة.