الترغيب والترهيب - الدرس : 013 - كتاب العلم - الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين -4

1997-03-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العلم شيء ثمين لا يوضع عند غير أهله و لا يبذل لغير طالبه :

 أيها الأخوة الكرام، حديث البارحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ ))

[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]

(( الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المؤمن ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 من منعها أهلها فقد ظلمهم، ومن منحها غير أهلها ظلمها، إما أن تظلم المتعلم إن منعت عنه الحكمة، وإما أن تظلم الحكمة إن بذلتها لغير أهلها، من هذا القبيل قول الله عز وجل:

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى ]

 العلم شيء ثمين لا يوضع عند غير أهله، لا يبذل لغير طالبه، لذلك الشيء الثمين إذا بُذل قلّت قيمته، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]

 لا بد من البذل، قال بعضهم: العبقرية 99% عرق ـ أي جهد ـ و1% إلهام، معنى ذلك أن الإنسان يجب أن يحفظ قيمة العلم.
 سُئل الإمام الحسن البصري بِمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي، حينما استغنى عن دنيا الناس كرم العلم، حينما احتاجه الناس، احتاجوا علمه بذله، أما إذا طمع في دنياهم سقطت قيمة العلم، فالعالم ينبغي أن يترفع.
 لذلك قيل: الورع حسن لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والتواضع حسن لكن في الفقراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
 إذاً:

(( وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ ))

[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]

عطاء الله عز وجل عطاء مطلق لا ينتهي :

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 أيها الأخوة، في الحياة الدنيا ما لم تدفع الثمن لا تأخذ المبيع، عند الله قانون آخر إن كنت في طريق طويل، لمجرد أن تضع رجلك في هذا الطريق، أو على هذا الطريق، ويأتي الأجل تعطى ثواب من سار كل الطريق، هذه نقطة دقيقة جداً في عطاء الله عز وجل، إنسان سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، بحياتنا الدنيوية لا بد من أن تدفع الثمن كاملاً لتقبض المبيع كاملاً، أما عند الله عز وجل يكفي أن تضع رجلك على أول الطريق لتأخذ ثمرة الطريق كله، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 قد يطلب ربع العلم، قد يطلب جزءاً من العلم، آية من كتاب الله، حديثاً من رسول الله، والعلم بحر ومع ذلك إذا جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله عز وجل وكأنه حصّل العلم كله، أنت لست آمناً إلا مع الله.
 أحياناً إنسان ينشئ بيتاً، قبل أن يضع اللمسات الأخيرة يأتيه ملك الموت، إنسان ينشئ تجارة قبل أن يفتتح محله التجاري يأتيه ملك الموت، إنسان يخطب فتاة قبل العرس يأتيه ملك الموت، بحسب مكتسبات الدنيا كل هذا الشيء الذي حصّله ذهب أدراج الرياح، أما عند الله إذا طلبت الآخرة، طلبت الحق، في اللحظة التي يأتي بها الأجل كأنك قد وصلت إلى نهاية الطريق، وكأنك نلت كل المطلوب، الطريق مع الله آمن فقط.

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 هناك أخوة كثيرون جاء أجلهم وهم في المسجد، هم يصلون، هم في مجلس علم، هم يطلبون العلم، هذا دليل رضاء الله عنهم.

 

درجة النبوة هي اتصال بالله عز وجل أما درجة الإيمان فإقبال وفتور :

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 الحقيقة درجة النبوة أن تكون متصلاً بالله عز وجل اتصالاً مستمراً.
 سيدنا رسول الله حينما جاءه سيدنا الصديق مع سيدنا حنظلة، وقد لقي الصديق حنظلة في الطريق يبكي، قال له: ما لك تبكي ياحنظلة؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولِمَ يا أخي؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، قال له الصديق رضي الله عنه بتواضع جم: وأنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقا إليه وحدثه ما جرى بينهما، فقال عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم.
 معنى ذلك أن درجة النبوة هي اتصال بالله عز وجل، درجة الإيمان إقبال وفتور، ساعة وساعة، ساعة إقبال، وساعة فتور، لكن بعض الناس يفهمون هذا على نحو آخر، بعض الناس يفهمون أن الإيمان ساعة طاعة، وساعة معصية، لا، ساعة إقبال، وساعة فتور في الإقبال، أما إذا اقترفت المعاصي صار هناك انقطاع، وصار مع الانقطاع بعد ، وقسوة قلب، فالمؤمن يقبل ويفتر في إقباله، أما في كل أحواله مطيع لله عز وجل.

 

 

 

المنهج الإلهي الذي جاء به الأنبياء منهج واقعي يسع الناس جميعاً :

 صار معنا شيء ثان: المنهج الإلهي الذي أمر به النبي أن يبينه لنا، المؤمن طبقه والنبي طبقه، يبدو أنه المؤمن لا يكذب والنبي لا يكذب، المؤمن يحسن النبي يحسن، إذاً :

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 لكن مقام النبي في إقباله على الله شيء آخر، المؤمن سلوكه كسلوك النبي.

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 المنهج الإلهي الذي جاء به الأنبياء منهج واقعي، هذا مكلف به أن يطبقه كل الناس، لو كان غير واقعي نقول: هذا خاص بالأنبياء، المنهج الذي جاء به الأنبياء منهج واقعي، يسع الناس جميعاً، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[ سورة البقرة الآية: 286]

 يؤكد هذا:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[سورة هود الآية: 112 ]

 يؤكد هذا قول النبي:

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 أحيناً ملك يقود سيارة، وأحياناً أقل إنسان في البلد يقود سيارة، حاجب، قواعد تحريك السيارة وإيقافها واحدة، لو قادها ملك ولو قادها حاجب واحدة، لأن هناك قواعد عامة، قواعد السلامة، وقواعد تحريك السيارة، وقواعد إيقافها، وصيانتها، وقواعد المحرك والزيت، والكهرباء، وما إلى ذلك.

 

الإنسان ليس نبياً لكنه مأمور أن يطبق شرع الله عز وجل :

 إذاً المنهج الإلهي دقيق جداً جاء به الأنبياء ليكون منهج الخلق جميعاً، أول كلمة يقولها الجهلاء: أنا لست نبياً، من قال لك أنك أنت نبي؟ المنهج الذي جاء به النبي لك، يجب أن تطبقه، فكل إنسان يدّعي ويحتج أنه لا يستطيع أن يطبق الشرع لأنه ليس نبياً نقول له: بالتأكيد أنت لست نبياً، لكنك مأمور أن تطبق شرع الله عز وجل.

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 هو النبي بمقامه عند الله، وإقباله العالي، أما أنت فبطاعتك لله، وتنفيذ منهج النبي، أنت كالنبي من حيث التطبيق، والنبي له عليك فضل درجة النبوة، والإقبال على الله، والمكانة العلية.
 لو فرضنا أننا كلفنا دكتور بالجامعة أن يلقي درساً في التعليم الثانوي، الدكتور الذي حصّل شهادة عليا يلقي هذا الدرس كما يلقيه مدرس في التعليم الثانوي، لكن مقام الأستاذ الجامعي في حقل العلم أعلى بكثير من أستاذ في التعليم الثانوي.
 إذاً يجب أن يكون المقام غير الأداء، أو بالعكس، أحياناً نكلف رتبة دنيا أن يقود لواء، أو أن يقود كتيبة، نقول: هذه القيادة مكانتها لواء، لكن لا يوجد عندنا الآن رائد يقوم بهذه المهمة.

 

من طبق منهج الله عز وجل سار على المنهج الذي جاء به النبي :

 هذا الحديث يؤكد أن الإنسان عندما يطبق منهج الله عز وجل، سار على المنهج الذي جاء به النبي، بعضهم يشطح ويقول: إن الخلق كله خلق من أجل محمد، هذه شطحة ليس لها أصل في الدين.
 لكن مرة كنت في العمرة، عالم جليل في مكة المكرمة له محبة كبيرة برسول الله عليه الصلاة والسلام، ألّف كتاباً عن رسول الله سماه:" الإنسان الكامل"، فلما وصل إلى هذه النقطة خرجها تخريجاً رائعاً، قال: إن الله خلق الخلق ليكونوا على شاكلة محمد، جعله قدوة، جعله هدفاً، وجعل كل الناس يقتدون به.
 إذاً أنت مكلف أن تفعل ما فعله رسول الله، بالتفصيل، في حله وترحاله، في مرضه وصحته، في إقامته وسفره، في زواجه، في غضبه، في رضاه، في عمله، في أفراحه، في أتراحه، منهج كامل، أما له عند الله مقام كبير جداً فلا يوجد علاقة بين المقام والمنهج، المنهج واحد للأنبياء ولغير الأنبياء، أما مقام النبي عند الله عز وجل مقام رفيع.

(( من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة ))

[الطبراني عن ابن عباس]

 وأوضح دليل على هذا الحديث:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

 هذا القرآن.
 الحديث:

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 المثل العملي قيادة المركبة لها قواعد، لو ركب هذه المركبة ملك يتقيد بهذه القواعد، لو ركبها خفير يتقيد بهذه القواعد، مقام الملك غير قيادة المركبة، لكن القيادة لها قواعد موحدة.

 

على كل إنسان أن يكون عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً :

 حديث آخر:

(( من علّم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيء ))

[ أخرجه ابن ماجة عن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه ]

 أخواننا الكرام، رواد المساجد كثيرون، يتلقون، نقول لهم: متى تلقون؟ أنتم تتعلمون، متى تُعلمون؟ أنتم تأخذون، متى تُعطون؟

(( من علّم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل شيء ))

[ أخرجه ابن ماجة عن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه ]

 مرة صادفت إنساناً، وجد نفسه أنه ليس أهلاً أن يلقي العلم، فاشترى شريطاً وقدمه هدية، راقت له هذه الطريقة، صار يدرس وضع الإنسان، هذا الإنسان عقله علمي يقدم له شريطاً متعلقاً بآيات كونية، هذا عقله انفعالي يقدم له شريطاً فيه قصة مؤثرة، فصار يوزع هذه الأشرطة بدل أن يلقي العلم، سبحان الله! بعد حين وجدت حوله عشرين أو ثلاثين إنساناً، كلهم جاؤوا إلى المسجد عن طريقه، والتزموا، وصاروا من المؤمنين المتفوقين.
 فالإنسان عندما ينوي أن يعلم يمده بمدد يعينه، فأنت تكلم، أو أعطِ شريطاً، اجلس وكن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكون الخامس فتهلك.

 

على كل إنسان أن ينتقل من طور التلقي إلى الإلقاء حتى يستفيد مما تعلم :

 إذاً يجب أن ننتقل من طور التلقي إلى الإلقاء، ومن طور التعلم إلى التعليم، ومن طور الأخذ إلى العطاء حتى نستفيد مما تعلمنا.

(( من علم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل شيء ))

[ أخرجه ابن ماجة عن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه ]

 في حالات كثيرة جداً كل إنسان له مفتاح تشغيل، أحياناً آية تدعه يغير مئة و ثمانين درجة، أحياناً حديث، أحياناً قصة.
 أنا مرة زارني أخ كريم ـ كنت في الطاووسية ألقي درساً ـ وقال: أنا الآن جئت من أمريكا، من عند أخي، قلت له: ماذا يعمل أخوك ؟ قال: يعمل في إنتاج الأفلام الإباحية، أي لا يوجد عمل أدنى عند الله من هذا العمل، قلت: ما قصته؟ قال لي: والله سمع شريطاً من أسماء الله الحسنى، أقسم لي بالله ـ وهو صادق عندي ويعمل أمين سر دار الأيتام ـ قال لي: والله سمع هذا الشريط خمسين مرة، وكانت توبته على هذا الشريط، وتاب من عمله، والتجأ إلى الله عز وجل، وأقلع عن هذا العمل، وهو الآن يبحث عن عمل آخر.
 لا تعرف كل إنسان متى يصحو، أحياناً على شريط، على شيء معين، على نصيحة، على خطبة، خطبة إذاعية.
 مرة قال لي صديق لي: هناك شخص شارب خمر، متفلت، لا يصلي، عقيدته بالله مهزوزة، يركب مركبته وفي طريقه إلى بلده في الشمال، له منصب رفيع، يقول لإنسان صديق له: أنا كانت توبتي على يد خطبة إذاعية سمعتها في الإذاعة، أقلع عن الخمر واستقام.
 فالإنسان لا يزهد، قد تجد إنساناً منغمساً بالمعاصي، أما إذا اصطلح مع الله بدل الله سيئاته حسنات، فالقصد أن الإنسان عليه أن يغير من التلقي إلى الإلقاء، من السماع للإعطاء، من التعلم للتعليم.

(( من علّم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيء ))

[ أخرجه ابن ماجة عن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه ]