الترغيب والترهيب - الدرس : 010 - كتاب العلم - الترغيب في سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

1997-03-04

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

علامة اتباعك لرسول الله أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

 فصل فيما جاء في تبليغ العلم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً فبلَّغَهُ كما سمعه، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

[ أخرجه أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه رحم الله امرأً عن ابن مسعود]

 أيها الأخوة، يوجد رواية رحم الله امرأً، ويوجد رواية نضّر الله امرأ، الرحمة مطلق عطاء الله، بدءاً من الصحة وانتهاءً بالجنة:

(( رحم الله امرأً ))

 أي الذي يبلغ الحق يستحق رحمة الله في الدنيا والآخرة، يستحق السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة.

(( نَضَّرَ الله امرأً ))

 هذا تعبير دعائي، فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو لهذا الإنسان الذي امتلأ قلبه رحمة على الخلق، فالذي عرفه من الحق نقله إلى الآخرين بطريقة أو بأخرى، لمجرد أن تنقل الحق إلى الآخرين هذا دليل رحمتك بالخلق، هناك أناس كثيرون حينما يهتدي إلى الله يكتفي، لا يشعر بحاجة إلى أن ينصح الناس، مثل هذا الإنسان لم يبلغ الإيمان الذي ينجيه، لأنه كما قلت قبل أسابيع: الدعوة إلى الله فرض عين إن كنت متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدعو إلى الله.

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف الآية: 108]

 علامة اتباعك لرسول الله أن تدعو إلى الله، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.

 

راوي الحديث يجب أن يتمتع بالضبط والعدل :

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً ، فبلَّغَهُ كما سمعه))

 طبعاً سمع من رسول الله، وبكل عصر هناك من ينوب عن النبي في إلقاء الحق، فأنت حينما تسمع حديثاً ممن أناب عن النبي في تبليغ العلم، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( العُلماءَ وَرَثَةُ الأنبياء ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 في تبليغ العلم.

(( فبلَّغَهُ كما سمعه))

 المنهج العلمي الإسلامي: إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، إن أردت أن تنقل عن النبي الشرط الوحيد أن يكون النقل صحيحاً، الدين في الأصل نقل، وأخطر ما النقل صحته، ما الذي فرق المسلمين وجعلهم شيعاً وأحزاباً؟ النقل الضعيف، أو الأحاديث الموضوعة، أو الضعيفة، فحينما تتحدث في أمر الدين أخطر شرط فيه صحة النقل، إن اعتمدت الحديث الصحيح الذي انتهى علماء الحديث من التدقيق في صحته فلا شيء عليك، أما حينما تروي الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، هؤلاء المسلمون يتشرذمون، كل حديث موضوع يغطي فئة، كل حديث موضوع يغطي رأي، كل حديث موضوع يغطي هوى، فإذا تناقلنا الأحاديث الموضوعة مزقنا الأمة:

((مَن كذب عليَّ مُتعمِّدا فليتبوأ مقعدَهُ من النار ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ]

(( مَنّ حدّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذِب، فهو أحد الكاذبين ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ]

 الدين في الأساس نقل وحي السماء، وتبيان النبي، الوحي هو القرآن، والتبيان هو السنة، هذا النقل خطاب الله إلى الإنسان، أخطر شيء في هذا الخطاب صحة هذا الخطاب.
 لذلك يقول الإمام الغزالي: "العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون".
 " إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ".
 بلغه كما سمعه دون زيادة أو نقصان، لذلك راوي الحديث يجب أن يتمتع بالضبط والعدل، الضبط صفة عقلية، والعدل صفة نفسية، يجب أن يتمتع بأعلى صفات الإخلاص للحقيقة، أعلى صفات الأمانة، الولاء للحق، هذا العدل، أما الضبط أن تكون له ذاكرة قوية، فراوي الحديث ينبغي أن يتمتع بالضبط و العدل في وقت معاً، بلغه كما سمعه.

 

 أخطر شيء في الدين أن يحذف منه أو أن يضاف عليه :

 الآن ننتقل إلى موضوع دقيق، هو قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ ))

[أخرجه الدرامي عن الزهري]

 الإنسان ينسى، متى يحفظ؟ الإنسان يحفظ ما يهتم به، وكل إنسان باختصاصه وعمله يحفظ أشياء عن ظهر قلب، لأنه مهتم بها، أو لأن رزقه متعلق بها، أو لأن مكانته أساسها هذا الاختصاص، فيحفظ، فالإنسان حينما يهتم يحفظ، وإذا أراد أن يحفظ فليكتب، وإذا أراد أن يثبت فلينطق، فثلاثة أشياء، تهتم، وتكتب، وتثبت ما تكتب بالإلقاء، فإنسان يحضر مجالس علم من أمد طويل، أليس من الواجب أن يحفظ أشياء كثيرة؟ يقولون في فن التعليم: لا يوجد معلم ماهر إلا ويستطيع أن يقول في موضوع ما حديثاً ممتعاً طويلاً من ذاكرته، لا بد من أن تحفظ شيئاً.
 فلذلك الإنسان إذا حضر مجلس علم حتى يستفيد منه فائدة كبرى بعد الدرس عليه أن يجلس خمس دقائق ليكتبه، مثلاً هذا الدرس فيه ثلاث نقاط، قيل عن الحديث كذا وكذا وكذا، لمجرد أن يكتب يحفظ، الشيء الذي تحفظه تملكه، لأن الإنسان يتعلم ليُعلم، يتلقى ليُلقي، يهتدي ليهدي، يتعرف إلى الله ليُعرف بالله، فكل إنسان يكتفي بالتلقي دون الإلقاء، بالتعرف دون التعريف، بأن يهتدي دون أن يهدي، هذا إنسان أعرج لأنه لم يستقر الإيمان في قلبه، لو استقر لعبّر عن ذاته بذاته بحركة نحو هداية الخلق.

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً فبلَّغَهُ كما سمعه ))

 هذه دقة النص، والدين أخطر شيء فيه أن يحذف منه، أو أن يضاف عليه، إن أردت لهذا الدين أن يستمر كما بدأ، كيف بدا الدين متألقاً، كيف أن أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله وصلت راياتهم إلى المشرقين والمغربين، هذا الدين يحتاج إلى دقة، دقته أن تحافظ على نصوصه، دون أن تزيد عليها، ودون أن تنقص منها، لو مررنا في أرجاء العالم الإسلامي لوجدنا العجب العجاب، أشياء كثيرة جداً جداً ليست من الدين في شيء، احتفالات المولد النبوي في مصر لا تمد للدين بصلة إطلاقاً، أكثر المعاصي ترتكب في هذه الاحتفالات، ليس هذا هو الدين، الدين يجب أن نحافظ عليه، دون أن نزيد عليه، ودون أن ننقص منه، بلغه كما سمعه.

 

أربح تجارة هي التجارة مع الله عز وجل :

 ثم يقول عليه الصلاة والسلام :

(( فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

 قد يبلغ الإنسان عن رسول الله حديثاً، هذا الذي بُلغه قد يعقله أكثر مما يعقله المبلغ، لذلك الناقل له أجر كبير جداً، الناقل غير الواعي له أجر كبير، أنت انقل هذا النص كما سمعته، الآن هناك شخص أحياناً يُسمع شخصاً شريطاً، لحكمة يريدها الله عز وجل هذا الشريط يكون مفتاح هدايته، فحينما يهدي الله على يديك إنساناً كل أعماله في صحيفتك، ولو بلغته تبليغاً بسيطاً، لو دللته على مجلس علم، لو دللته على كتاب، أو على شريط، أو على صديق، أنت حينما تنقل الحق لك كل أجر نتائجه.
 الحقيقة كَرَم الله عز وجل لا يصدق، الحقيقة كلنا لنا عقلية تجارية نشتري ونبيع، أما أربح تجارة على الإطلاق هي التجارة مع الله.
 أحياناً أقول لأخ كريم: كل تجارتك وكل حجمك المالي لا يساوي أن تهدي إنساناً واحداً، يقول: لماذا ؟ أقول: لأن كل هذا المال تتركه عند الموت، أما هذا الذي هديته إلى الله ذخرك إلى الجنة، هذا الذي هديته إلى الله زادك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أما هذه الأموال الطائلة التي حصّلتها هذه تنتهي عند الموت، أغنى أغنياء البشر يموت يوضع في قبره لا شيء معه.

 

أعظم تجارة مع الله أن تكون سبباً في هداية الناس :

 هذا الحديث للنبي عليه الصلاة والسلام يدفعنا دفعاً شديداً إلى نقل الحق للآخرين، أنا كنت أقول هذا الاقتراح الدائم: أنت بتلقي العلم في مجالس، مجالس تفسير، مجالس حديث، مجالس سيرة، مجالس فقه، لابد من أن تذاكر الدروس، المذاكرة مهمتها تثبيت الحقائق، وأنت حينما تذاكر تحفظ، وحينما تحفظ تملك، وحينما تملك تدعو، فأول ملاحظة لا بد من أن تسجل النقاط الأساسية في الدروس، حينما تسجل تحفظ، الآن أنت بدور الإلقاء، ما من إنسان إلا وله مناسبات كثيرة يلتقي بها مع الناس، كل أسبوع هناك عشر مناسبات، عيادة مريض، التوفيق بين شخصين، حضور وليمة، حضور عقد قران، زيارة قريب، عيادة مريض، لقاء عفوي، لقاء في سفر، لقاء في حضر، ماذا تقول في هذه اللقاءات؟ هذا الذي سمعته ألقه على الناس بطريقة لطيفة، بطريقة متواضعة، بأسلوب شيق، فهذه أعظم تجارة مع الله، أن تكون سبباً في هداية الناس.

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً ، فبلَّغَهُ كما سمعه ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

 هذا الناقل الغير واعٍ كل نتائج النقل بصحيفته، وهذا كرم كبير من الله عز وجل.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم الذين اهتدوا على يديه :

 الرواية الثانية:

(( رحم الله امرأً ))

 ورحمة الله هي عطاؤه المطلق، لما الله عز وجل قال لسيدنا موسى:

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

[ سورة طه]

 ما معنى

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

 ؟ أي هيأتك، ما دام أنت طلبت هداية الخلق أنا هيأتك لهذا العمل العظيم، وأحياناً الإنسان يسخر كل طاقاته، وكل إمكاناته، وكل وقته، وكل عضلاته، وكل طاقاته، وكل طلاقة لسانه، وكل إمكاناته الاجتماعية في سبيل خدمة الخلق وهدايتهم، هذا يمشي على أثر الأنبياء، الدعوة إلى الله صنعة الأنبياء، ويمكن أن تكون عند الله أمة، أنت حجمك عند الله بحجم الذين اهتدوا على يديك.

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النجل الآية: 120]

 كل هؤلاء الذين اهتدوا على يديه هم من أتباعه، وهناك إنسان يكتفي لوحده، وكما قلت لكم من قبل:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر]

 هذه آية تشير إلى أن أحد أركان النجاة التواصي بالحق، فعلى الإنسان ألا يبقى صامتاً.
 الله عز وجل أمر الملائكة أن يهلكوا قرية، قالوا: يا رب إن فيها صالحاً؟ قال: به فابدؤوا، لِمَ يا رب؟ قال: لأنه كان لا يتمعر وجهه إذا رأى منكراً، هو اهتدى فقط.

 

التناصح يُسبب المودة :

 الآن تلتقي بإنسان هناك تفلت كبير في بيته، يقول لك: أصلحهم الله، لا يتحرك، لا يوجد عنده غيرة إطلاقاً، أهله، أولاده، بناته، زوجته، هو اهتدى، هو يصلي بالمسجد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة، وكل إنسان ترك هذه الفريضة يستحق عقاب الله.

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود]

 ما قال صالحون، قال:

﴿ مُصْلِحُونَ ﴾

 أنت حينما تنكر المنكر وتأمر بالمعروف تكون قد أديت ما عليك.
 أعتقد مروان بن الحكم أحد خلفاء بني أمية، صعد المنبر ليخطب قبل صلاة العيد فأمسكه بعض النابعين ـ وأظن أنه سعيد بن المسيب ـ من ثوبه، وقال: إن رسول الله لم يفعل هذا، فما سمع منه، تابع صعوده إلى المنبر، وخطب قبل صلاة العيد، فقال أحدهم: أما هذا فقد أدى الذي عليه.
 أنت انصح، كل إنسان حوله أقرباء، له أخوات، له أخوات بنات، له بنات أخوات، بنات أخوة، إذا كان هناك تفلت تكلم، انصحهم، بيّن لهم، إذا نصحت أديت الذي عليك، والحقيقة التناصح يسبب المودة، هناك شخص يقول لك: أصلحهم الله، لا يبالي، أما المؤمن يبالي ويعلق أهمية كبيرة، وينصح، ويقنع، ويحمل على الطاعة.
 هذا الحديث أخواننا الكرام من أساسيات الدعوة إلى الله:

(( نَضَّرَ الله امرأً سمع منَّا شيئاً ، فبلَّغَهُ كما سمعه ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))