عقل وقلب - الندوة : 07 - الحب ميل فكيف نحسن استخدامه ؟ ـ ظاهرة انتثار الضوء

2008-09-22

مقدمة :

الأستاذ جميل :
السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأحبة ، أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في لقاء جديد في برنامجنا عقل وقلب .
على المحبة نلتقي عقلاً وقلباً ، وفي رحاب الشريعة عقلاً ونقلاً ، ضيفنا هو فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
حديثنا اليوم أيها الأخوة ، حديث شوق ، حديث وجد ، نتكلم عن الحب وماهيته ونتعرف إلى حقيقة هذه العاطفة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في النفس البشرية ، فكانت المشاعر الدافئة هي التي تعزز وجود الإنسان في هذه الحياة ، هل لكم فضيلة الدكتور أن تحدثونا عن الحب ، وهل لنا أن نرده إلى أصوله ؟.

 

الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين وأمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

أستاذ جميل بادئ ذي بدء : عنوان هذه الحلقات المباركة إن شاء الله عقل وقلب ، وقد استنبط هذا العنوان من مقولة علمية رائعة أن الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، وغذاء العقل العلم .
إذاً في فقراتنا القادمة حديث عن العلم ، وعن دور العلم ، وعن أن العلم وسيلة من أكبر الوسائل فعالية لمعرفة الله ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، غذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب .

الحبّ حاجة أودعها الله في الإنسان إذا غُذيت أسعدت الإنسان وإن لم تلبَ شعر بالحرمان :


لنبدأ بالحب ، كلمة شغلت الناس جميعاً ، انحرف بها من انحرف ، واستقام بها من استقام ، ولكن الحب أساسه حاجة أودعها الله في الإنسان ، هذه الحاجة إذا غُذيت أسعدت الإنسان ، وإن لم تلبَ شعر الإنسان بالحرمان ، بالحاجة ، قال تعالى كما تفضلت وسألتني عن تأصيل الحب في الإسلام ، قال تعالى :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 14 )

كل إنسان على وجه الأرض خلق الله فيه حاجة إلى المرأة ،

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾


أن ينجب ،

﴿ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

المال ،

﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾

كانت خيلاً فأصبحت سيارة ،

﴿ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾

المزارع .

﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 14 )

فهذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، في الحقيقة الدقيقة أنه ما أودعها فينا إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات .
إذاً هذه الشهوات حاجة حيادية ، حاجة إما أن توظف في الخير ، وإما أن توظف بالشر ، حاجة ونحن نلبيها إما أن نرقى بها إلى أعلى عليين ، وإما أن نهوي بها إلى أسفل سافلين ، فأن تحب المال شيء مركوز في أصل كيانك ، أن تحب الطرف الآخر شيء مودع في أصل كيانك ، أن تحب الأنعام والحرث ، أن تحب مركبة فارهة ، هذه أشياء أودعها الله فينا .
فلذلك الإنسان كائن متحرك بسبب هذه الحاجات التي أودعها الله فينا .

 

الحبّ حاجة أساسية متغلغلة في أعماق نفس الإنسان :


الآن كلمة حب تأتي من ميل الإنسان لهذه الأشياء ، الحب ميل ، فهذه الطاولة لا تميل لا إلى امرأة ، ولا إلى طعام ، ولا إلى شيء آخر ، بينما الإنسان يميل إلى الطعام يميل إلى المرأة ، يميل إلى العلو في الأرض .
إذاً أساس الحب حاجة أساسية متغلغلة في أعماق نفسك ، هذه الحاجة تدفعك إلى تلبيتها ، في أثناء التلبية يكون الحب ، يكون الميل ، هذا في الأصل التكويني للإنسان ، أي إنسان كائن من كان في أي زمان ومكان ، في القارات الخمس ، من آدم إلى يوم القيامة هذا شأنه ، ولأن هذا شأنه جاءت إشارة قرآنية :

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 189 )

أنا حينما أسافر إلى بلاد الشرق والغرب أنطق بهذه الكلمة : الإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان ، كائن محتاج إلى حاجات أودعها الله فيه ، إما أن يلبيها وفق منهج الله فيرقى عند الله ، وإما أن يلبيها على هوى نفسه من دون ضابط من منهج ، أو من قيمة ، أو من دين .

 

الناس رجلان لا ثالث لهما :

لذلك أنا أرى أن الناس على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، وتياراتهم ، وميولهم ، كل هذه التسميات التي اصطنعناها نحن ، كل هذه التقسيمات ، دول الشمال ، دول الجنوب ، الأغنياء ، الفقراء ، الأقوياء ، الضعفاء ، الحاكمون ، المحكومون ، المستغِلون ، المستغَلون ، كل هذه التسميات ، أفرغت في القرآن الكريم في نموذجين ، النموذج الأول إنسان عرف الله ، فلما عرفه جعل هذه الحاجات التي أودعها الله فيه ، جعلها وفق منهج الله .

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

المعنى المعاكس ، لو أنه اتبع هواه ، اتبع شهوته ، لبى هذه الحاجة التي أودعها الله في أعماق كيانه وفق منهج الله لا شيء عليه ، يرقى بهذه التلبية .
إذاً الناس على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، ومذاهبهم ، وجميع التسميات التي اصطنعها الإنسان ، لا يزيدون عند الله عن نموذجين ، عن فئتين ، الفئة الأولى عرفت الله ، فلما عرفته أوقعت حركتها في الحياة بدافع من شهواتها ، وفق منهج الله ، وبنت حياتها على العطاء ، فسعدت في الدنيا والآخرة ، عرفت ربها ، وعرفت منهجه ، وأوقعت حركتها في الحياة وفق منهج الله ، أي هذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، لباها وفق منهج الله ، اشتهى المرأة فتزوج ، اشتهى المال فكسب مالاً مشروعاً من تجارة منضبطة ، أو من وظيفة أدى فيها واجبه ، أو من خدمة قدمها للمجتمع .
فالفئة الأولى عرفت ربها ، فانضبطت بمنهجه ، وأحسنت إلى خلقه ، بالتعبير المعاصر عندنا كلمة اسمها الاستراتيجية ، فالمؤمن استراجيته العطاء ، يعطي .

 

صنفان في القمة : الأقوياء و الأنبياء :


لذلك البشر على كثرتهم يقع على رأسهم نموذجان من البشر ، الأقوياء والأنبياء ، الأقوياء أخذوا ، بنوا حياتهم على الأخذ لا على العطاء ، الأنبياء أعطوا ، بنوا حياتهم على العطاء لا على الأخذ ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء عاش الناس لهم ، الأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء ملكوا الرقاب بسلطتهم ، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم والأنبياء يمدحون في غيبتهم .
لذلك الناس جميعاً من دون استثناء تبع لقوي أو لنبي ، الذي يدفع القوي سلاحه سلطته ، والذي يدفع النبي سلاحه كماله ، من هنا أحب الناس الأنبياء ، وخافوا من الأقوياء .
وكنت أقول دائماً للأقوياء : وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الناس .

الحبّ أن تحب ما سمح الله لك به :

إذاً هذه الحاجات التي أودعها الله في الإنسان بإمكان الإنسان أن يلبيها ، خلال 180 درجة ، جاء الدين أعطاه مئة درجة ، هذا الحيز المسموح به ، هذا الحيز المباح ، هذا الحلال ، فالمؤمن يوقع حركته في حياته ضمن الحيز المسموح به .

لذلك يشعر براحة نفسية وبطمأنينة ، أوضح مثل : تكسب مالاً وفيراً بوجه حلال تسعد بهذا المال ، وتنفقه ، وتسعد بإنفاقه ، المؤمن يلتقي مع زوجته التي أحلّها الله له ويصلي بعدها قيام الليل ، ويبكي في الصلاة ، فهذه الشهوات ما أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .
إذاً الحب أن تحب ما سمح الله لك به ، إن أحببت ما سمح الله لك به ارتقيت عند الله ، وإن أحببت شيئاً ما سمح الله لك به تسقط من عين الله ، لذلك قال تعالى :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

والقلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله ، ولا يعبد غير الله ، ولا يحكم غير شرع الله .
الأستاذ جميل :
هذه العاطفة الغزيرة فضيلة الدكتور لمن يصح أن أسلم قلبي فأحبه محبة خالصة؟

 

الإنسان مفطور على حبّ الكمال و الجمال و النوال :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم

كنا طلاباً في الجامعة ، في الدراسات العليا ، وكان عندنا أستاذ جامعي في علم النفس له شأن كبير ، وقد أحيل إلى التقاعد ، وأقمنا له حفلاً تكريمياً كبيراً ، قال كلمة لا أنساها قال : أي إنسان لا يجد حاجة إلى أن يُحِب ، أو إلى أن يُحَب ، ليس من بني البشر ، فالحب مركوز بعمق بالغ ، وبشمولية كبيرة في كيان الإنسان ، ولكن البطولة أن تعرف من تحب ، ما منا واحد لا يحب ، شاء أم أبى ، هكذا جُبل ، هكذا فُطر ، هكذا بُرمج ، هكذا ولف ، هذه مصطلحات حديثة ، لكن البطل أن يعرف من يحب ، البطل هو الذي يحب أصل الجمال ، وأصل الكمال ، وأصل النوال .
العلماء قالوا : الإنسان مفطور على حبّ الكمال ، الموقف الكامل ، موقف الوفاء ، موقف الصدق ، موقف الجرأة ، موقف مبدئي ، يشده أبصار الناس ، الإنسان جُبل على حبّ الكمال ، وعلى حبّ الجمال ، لكن نحن حينما نقول جمال لا يقفز إلى الأذهان إلا جمال المرأة هذا خطأ كبير ، هناك جمال الأفعال ، جمال التواضع ، جمال الفهم العميق ، جمال الرقة ، جمال حسن التصرف ، أنواع الجمال في حياتنا لا تعد ولا تحصى ، فالإنسان مفطور على حبّ الجمال ، وعلى حبّ النوال .

لو أن إنساناً أعطاك عطاء ثميناً ، لا تنساه ، تتحدث عنه ليلاً نهاراً ، فإذا أيقن الإنسان أن أصل الكمال ، وأن أصل الجمال ، وأن أصل النوال هو الله عز وجل ، فرق كبير بين أن تحب الأصل وبين أن تحب الفروع ، فرق كبير أن تحب كائناً سيفنى ، أو أن تحب الباقي على الدوام .
الإنسان لو أحبّ زوجته ، وهذا حبّ مشروع ، لابد من أن يفارقها بالموت ، أو لابدّ من أن تفارقه هي بالموت ، فلذلك :

(( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

في أي حب يتجه إلى كائن أرضي ، هذا الحب سينقطع ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي ، ولكن أخ وصاحب في الله حتى يجمع الله بيننا ))

[ابن إسحاق عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى]

محبة الله عز وجل أصل الحبّ و كماله :

إذاً البطولة أن تعرف من تحب ، المؤمن وفقه الله لمحبة الله ، لمحبة أصل الكمال ، لمحبة أصل الجمال ، لمحبة أصل النوال .

فلذلك خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً ، والموت نقطة على هذا الخط والصعود مستمر ، ما بعد الموت ؟ جنة عرضها السماوات والأرض ، نظر إلى وجه الله الكريم ، في بعض الآثار النبوية أن المؤمنين إذا نظروا إلى وجه الله الكريم يغيبون من نشوة النظر خمسين ألف عام ، النظر إلى وجه الله الكريم ، تؤكده الآية الكريمة :

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )

وفوق النظر إلى وجه الله الكريم :

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة التوبة الآية : 72 )

أنت إذا دخلت إلى قصر منيف ، فيه ما لذّ وطاب ، فيه طعام ، فيه بساتين ، فيه ورود ، وفوق ذلك لصاحب هذا القصر وجه يأخذ بالألباب ، وفوق ذلك ترحيبه بك يفوق النظر إلى وجهه ،

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

فالمؤمن عرف من يختار ، اختار الأبدي ، السرمدي ، اختار الحي الباقي على الدوام ، اختار ربه في جنة عرضها السماوات والأرض .

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

بطولة المؤمن وحصافته أن يسعى لمحبة الله ليكون معه في جنته :


أستاذ جميل ، بين الأرض والشمس156 مليون كم ، لو وضعنا واحداً في الأرض وأصفاراً إلى الشمس ، 156 مليون كم أصفار ، وكل ميليمتر صفراً ، كم هذا الرقم ؟! شيء لا يصدق ، هذا الرقم لو وضعناه صورة لكسر عشري ، والمخرج لانهاية قيمته صفر ، فالدنيا بأكملها ، لو عاش شخص 130 سنة ، لو كان أغنى بني البشر ، لو كان في أعلى مقام في بني البشر ، لو جمع أكبر ثروة في الأرض ، لو كان له أولاد نجباء ، زوجات صالحات ، قال هذا كله عند الله صفراً .

(( ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

من هنا بطولة المؤمن ، وذكاء المؤمن ، وتوفيق المؤمن ، وحصافة المؤمن أن يسعى لمحبة الله ، ليكون معه في جنة الله .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور بما أنكم ذكرتم هذه الأرقام نريد منكم أن ننتقل من القلب إلى العقل .

 

المعجزات شهادة الله لأنبيائه السابقين بأنهم أنبياؤه :

الدكتور راتب :
الحقيقة قبل أن نخوض في موضوع الأمور العلمية الرائعة التي تؤكد أن الذي خلق الأكوان ، هو الذي أنزل هذا القرآن ، لابدّ من مقدمة .

أستاذ جميل ، حينما يأتي إنسان ويقول للناس : أنا رسول الله ، معه منهج ، معنى المنهج افعل ولا تفعل ، في شيء حرام ، أكل مال اليتيم حرام ، أكل أموال الناس بالباطل حرام ، العدوان على أعراضهم حرام ، الخمر محرمة ، فالإنسان يقول : أنا رسول الله ومعي منهج ، لأن الناس ألفوا التفلت ، وألفوا أن يفعلوا ما يشاؤون ، من دون قيد أو شرط يرفضون هذه الدعوة :

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

( سورة الرعد الآية : 43 )

كيف السبيل إلى أن يشهد الله في عليائه ، الذي لا تدركه الأبصار ، كيف السبيل إلى أن يشهد الله لهذا الإنسان الذي أرسله ، أن يشهد له أنه رسوله ؟ اختار الله جلّ جلاله نظام المعجزات ، يجري على يديه خرقاً لنواميس الكون .

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

سيدنا إبراهيم ألقي في النار فلم يحترق ، هذه المعجزات هي شهادة الله لأنبيائه السابقين بأنهم أنبياؤه ، هذه مقدمة .

 

معجزة النبي الكريم معجزة حسية مستمرة لآخر الزمان


لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الأنبياء والمرسلين ، وخاتم الأنبياء والمرسلين ، ونبي إلى نهاية الدوران ، ونبي بعثه الله رحمة إلى كل الأمم والشعوب ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله للناس كافة ، وللعصور كافة حتى قيام الساعة ، فلابدّ من معجزة أخرى غير المعجزة الحسية .
أستاذ جميل المعجزة الحسية كتألق عود الثقاب يتألق ثم ينطفئ ، فيصبح خبراً يصدقه من يصدقه ، ويكذبه من يكبه ، ولكن النبي الكريم لأنه لكل الأمم والشعوب ، ولنهاية الحياة لابدّ من أن تكون معجزته معجزة مستمرة .
لذلك ورد في كتاب الله عدد كبير من الآيات ، من هذه الآيات إشارات علمية إلى اكتشافات سوف تكون بعد ألف عام ، فإذا وجدت كتاباً قبل ألف و أربعمئة عام يشير إلى حقيقة ما كان أحد يعرفها على الإطلاق ، ثم اكتشفت بعد ألف و أربعمئة عام هذا إذاً هذا رسوله .

 

ظاهرة انتثار الضوء :

 

الحديث طويل ، وفي حلقات قادمة إن شاء الله نفصل ، ولكن لآتي بمثل واحد :
حينما صعد الإنسان إلى الفضاء الخارجي ، ووصل إلى القمر ، طاقة الهواء 65 ألف كم ، في الهواء ظاهرة اسمها انتثار الضوء
يعني أشعة الشمس حينما تسلط على الهواء ذرات الهواء تعكسها على ذرات أخرى ، ففي الأرض ، وفي جو الهواء ، وفي أشعة الشمس مكان فيه أشعة الشمس ، مكان فيه ضياء الشمس ، هذه الحادثة الفيزيائية اسمها انتثار الضوء فلما الرائد الفضائي وصل إلى القمر ، وقطع مسافة 65 ألف كم (طبقة الهواء) ثم انتقل إلى طبقة ليس فيها هواء انعدم تناثر الضوء ، فأصبح الجو مظلماً ظلاماً كثيفاً ، فكان هذا الرائد الفضائي يصيح بأعلى صوته ، وكان بالمحطة الفضائية ناسا عالم قطري اسمه فاروق الباز ، قال هذا الرائد الفضائي : لقد أصبحنا عمياناً لم نرّ شيئاً ، افتح القرآن الكريم الذي نزل قبل ألف و أربعمئة عام ، واقرأ قوله تعالى :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

( سورة الحجر )

هذه آية فيها إشارة علمية إلى انعدام انتثار الضوء في الطبقات العليا من الفضاء هذا شيء عُرف الآن بعد أن أُرسلت مركبة فضائية إلى الفضاء .
فلذلك الذي أتمنى أن يكون واضحاً أن في القرآن الكريم عشرات ، بل مئات ، بل ألوف الآلاف فيها إشارات إلى حقائق علمية ، كُشفت الآن .
الملخص : أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
نحن على موعد إذاً فضيلة الدكتور في متابعة هذه الأمور في تربية العقل إن شاء الله في حلقة أخرى .
نشكر لكم فضيلة الدكتور هذا الكلام الطيب ، وشكراً لكم أيها الأخوة المشاهدون نراكم إن شاء الله في تمام الصحة والعافية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .