عقل وقلب - الندوة : 04 - محبة الله للإنسان تبعده عن المعيشة الضنك

2008-09-18

مقدمة :

الأستاذ جميل :
السلام عليكم ورحمة الله أيها الأخوة والأحبة ، أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في لقاء جديد في برنامجنا عقل وقلب .
نتحدث في هذه الحلقة بمشيئة الله عن صفات معينة تشقي أصحابها ، تهوي بهم في مهاوي الردى ، يحزنهم الفزع الأكبر يوم القيامة لأنهم فرطوا في حياتهم ، وما قدموا إلا السيئ من أعمالهم ، حديثنا عمن لا يحبهم الله ، جعلنا الله وإياكم من أحبابه وأصفيائه اللهم آمين .
ضيفنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية في كليات الشريعة وأصول الدين بدمشق ، أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور لاشك أن الخسارة جسيمة ، والمصيبة فادحة ، إن قدم العبد على ربه فوجده عليه غضبان ، بداية وقبل الخوض في صفات من لا يحبهم الله ، هل لك أن تحدثنا عن قيمة الحب ، ومعنى أن الله يحب فلاناً ، أو لا يحبه .

 

المعيشة الضنك تصيب أي مُعرض عن الله عز وجل :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

أستاذ جميل ، إذا أحبك الله هذا يعد قمة النجاح ، إذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء ، وإذا أحبك الله أحبك كل مخلوق ، وإذا أحبك الله وفقك ، وأيدك ، ونصرك ، وألقى في قلبك الأمن ، والأمن من الصفات التي تعز على معظم الناس ، إذا أحبك الله وهبك الحكمة ، إذا أحبك الله منحك الرضا ، إذا أحبك الله تولى حفظك ، إذا أحبك الله خدمك أعداؤك .
وتحدثنا عن هذا كثيراً في لقاءات سابقة ، والعكس فإذا وقع العبد في غضب الله وابتعد عن محبته فقد هويته ، فقد أمنه ، فقد استقراره ، شعر بالإحباط ، شعر بالضيق ، يتحرك حركة عشوائية ، ليست هادفة ، فقد نعمة الأمن ، فقد نعمة التوفيق ، فقد نعمة التأييد ، فقد نعمة النصر ، فقد السعادة النفسية ، فقد الرضا ، عاش حياة صاخبة لكنها في أعماق الإنسان حياة ليست صاخبة ، ولكنها مأساوية ، فلذلك :

(( ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

([تفسير ابن كثير]

يكفي أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

( سورة طه )

المعيشة الضنك تصيب أي معرض كائن من كان ، ولو كان غنياً ، وقوياً تساءل بعض العلماء : كيف تكون المعيشة الضنك للملوك الذين شردوا على الله ؟ وكيف تكون المعيشة الضنك لمن معهم أموال لا تفنى ؟ الجواب : ضيق القلب .

 

الإنسان يسعد بقلبه ويشقى بقلبه :


الإنسان يسعد بقلبه ، ويشقى بقلبه ، قد يكون في بيت متواضع جداً ، قد يكون في الغار كما كان النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد يكون في الكهف ، وقد يكون في النار كسيدنا إبراهيم ، وفي هذه الأماكن الصعبة كانوا في أسعد حالاتهم لأنهم مع ربهم ، وقد يسكنوا في قصر منيف ، وفي بحبوحة خيالية ، وفي قوة ما بعدها قوة ، وفي صحة تامة ، ويقول أنا أشقى الناس ،

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

هناك كلمة يرددها الدعاة كثيراً ، أنا كنت أرددها ثم أحجمت عن تردادها ، ثم عدت ورددتها ، هذه الكلمة هي كما يلي : لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها ، حجمت عن تردادها ، ثم وجدت الذي قال هذه الكلمة كان ملكاً ، هي كلمة صادقة من ملك ، هذا الملك مدفون في جبلة (إبراهيم بن الأدهم)قال : لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ، الشعر الذي يصح في هذا المقام :

ليتك تحلو والحياة مـــريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامـر وبيني وبين العالم خــراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
* * *

أنا لا أجد عقاباً في الأرض يصيب إنساناً كأي يكون محجوباً عن الله ، لأن الله لا يحبه .

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( سورة المطففين )

الحجب عن الله عز وجل أكبر عقاب يصيب الإنسان في الدنيا :


هذا المنحرف ، الظالم ، المعتدي ، الطاغي ، الذي يؤذي عباد الله ، الذي يبني مجده على أنقاض الناس ، يبني قوته على إضعافهم ، يبني حياته على موتهم ، يبني غناه على موتهم ، يبني عزه على إذلالهم ، هذا في غضب الله ، وفي مقت الله ، وفي لعنة الله والله لا يحبه ، وإذا أحبك الله أحبك كل شيء ، وإذا وقع الإنسان في عمل لا يرضي الله شعر بجفوة ، وشعر بوحشة ، وشعر بضياع ، وشعر بإحباط ، وشعر بقلق ، وشعر بتفاهة ، وهذا مصداق قوله تعالى مرة ثانية :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

أستاذ جميل ، الذي يشد الإنسان إلى الله هذه الصلة ، هذا الشعور بالود ، هذا الشعور أن الله يحبك ، هذا الشعور أن الله أقوى الأقوياء معك ، هذا الشعور أن الله أغنى الأغنياء معك ، هذا الشعور أن الله أرحم الراحمين معك ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

الكلام اللطيف :

(( حينما يرجع العبد إلى الله ينادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

([ورد في الأثر]

من أحبه الله عز وجل فاز فوزاً عظيماً :


أحياناً إنسان يعتصم بالله ، الله يعلم صدق نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض ، الله عز وجل يجعل له من بين ذلك مخرجاً ، وأحياناً إنسان لضعف إيمانه ، ولضيق أفقه ، ولشرك متمكن فيه ، يعتمد على مخلوق دون الله ، يعرف الله ذلك من نيته ، عندئذٍ يجعل الله الأرض هوياً تحت قدميه ، ويقطع أسباب السماء بين يديه ، أن يحبك خالق السماوات والأرض القوي ، الغني ، الرحيم ، الذي بيده كل شيء ، بيده مقاليد السماوات والأرض ، بيده كل الأقوياء ، إذا أحبك خالق السماوات والأرض فأنت في قمة النجاح ، وفي قمة الفوز ، وفي قمة التألق ، وفي قمة القوة .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور ، ذكرنا فيما مضى أن محبة الله سبحانه وتعالى لعباده محبة وصفية وليست شخصية ، من كانت فيه صفة التوبة ، صفة الطهارة ، صفة الإحسان ، أحبه الله ، كائناً من كان ، وفق هذا القانون ، فما هو قانون الكره ؟ من الذين لا يحبهم الله ؟

المفسد إنسان لا يحبه الله عز وجل :

الدكتور راتب :

والله ببساطة ما بعدها بساطة لو رجعنا إلى كتاب الله ، أو لو استخدمنا الحاسوب ووضعنا هذا السؤال : إن الله لا يحب ، تأتي قائمة تزيد عن عشرة أنواع من البشر لا يحبهم الله عز وجل ، من هذه الأنواع :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

( سورة القصص )

الماء صفاته الأساسية أنه لا لون له ، ولا طعم له ، ولا رائحة ، فإذا كان له لون ، أو كانت له رائحة كريهة ، أو كان له طعم غير مستساغ ، نقول ماء فاسد ، هذا مثل .
الله عز وجل خلق الإنسان طاهراً ، أي إفساد ، أن نعلمه الكذب ، أن نعلمه النفاق ، أن نعلم الفتاة التفلت ، أن نعلم الفتاة أن تحب من تشاء ، لا وفق منهج الله ، حينما نغري الإنسان بالخروج عن منهج الله ، حينما نغري الإنسان أن يأخذ ما ليس له ، حينما نغري الإنسان أن يعتدي على أعراض الآخرين ، حينما نغري الإنسان ألا يطيع ربه ، حينما نغري الإنسان أن يلتفت إلى الدنيا ، أن يغب منها ، أن يأخذ المال بأي طريق مشروع أو غير مشروع ، حينما نغري الإنسان ألا يعبأ بهذه القيم التي جاء بها الدين العظيم ، حينما نغري الإنسان أن ينغمس في الملذات إلى قمة رأسه ، عندئذٍ نكون قد أفسدناه .

 

من وفقه الله لهداية إنسان خير له من الدنيا و ما فيها :

يقابل ذلك :

(( يا علي لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

([ أخرجه الحاكم عن أبي رافع ]

(( خير لكَ من حُمْرِ النَّعَم ))

([أخرجه أبو داود عن سهل بن سعد الساعدي ]

خير لك من الدنيا وما فيها ، فكما أن الذي يوفقه الله لهداية إنسان هو في أعلى مقام عند الله ، الذي يفسد إنساناً ، يصرفه عن الله ، هذا وقع في أكبر خطأ يستحق مقت الله وغضبه ، ولعنته ، وبغضه .
فلذلك نعوذ بالله أن يكون الإنسان سبباً لإفساد الخلق .
الأستاذ جميل :
حديثنا اليوم خطر ، فقد يكون أحدنا متلبس بخلق ، بصفة تبعده عن ربه ، كنا نتكلم مع فضيلة الدكتور عن الإفساد ، فضيلة الدكتور ، أليس الإسراف ، المسرف أليس مفرط بالنعم ؟ أليس هو هادر للثروات ؟ والمسرفون هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فما هو السرف الذي لا يحب الله صاحبه ؟ .

 

التبذير و الإسراف :

الدكتور راتب :
هو نحتاج إلى تمهيد ، الشيطان يغري الإنسان بالكفر ، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك ، إن رآه على توحيد وسوس له بكبيرة ، إن رآه على طاعة وسوس له بصغيرة ، إن رآه على ورع حاول أن يكفر ، أو أن يُشرك ، أو أن يرتكب الكبيرة ، أو الصغيرة فلم يفلح ، بقي معه ورقتان
الأولى التحريش بين المؤمنين ، فإن لم يفلح بقي معه ورقة رابحة ، وحيدة هو الإسراف ، غرق في المباحات ، العلماء فرقوا بين التبذير والإسراف ، التبذير في المعاصي والآثام .

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 27 )

أما الإسراف في المباحات ، فالإنسان حينما يعيش في الدنيا لسنوات محدودة ويمضي كل وقته فيما هو مباح ، لكن يغرق فيه ، فإذا جاءه ملك الموت فقد كل شيء في ثانية واحدة ، فالبطولة أن لا تسرف .

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

( سورة الأعراف الآية : 31 )

لم يقل لا تسرفوا في الطعام والشراب ، قال :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾

في أي شيء .

 

الإسراف في أي شيء مذمة للإنسان :

لذلك الإنسان المتوازن معتدل ، في طعامه ، في لباسه ، في أوقات فراغه ، في العلاقات ، في الانطواء ، في أي شيء معتدل ، أما دائماً التطرف يشقي ، والاعتدال يسعد ، ودائماً الفضيلة وسط بين رذيلتين ، الآن التهور صفة ذم ، والجبن صفة ذم ، والشجاعة بينهما ، الإسراف صفة ذم ، والشحّ صفة ذم ، والاعتدال في الإنفاق بينهما ، فالإسراف :

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

الإسراف في أي شيء مذمة للإنسان

أمضى حياته في زينة حياته الدنيا ، جاء يوم القيامة مفلساً ، للتقريب :
شخص معه مئة مليون فاشترى بستين مليوناً بيتاً ، وبأربعين مليوناً مركبة ، ما عاد معه شيء ، لو اشترى بعشرة ملايين بيتاً ، وبثلاثة مركبة ، واستثمر بقية المئة مليون بربح ألف بالمئة ، يكون عاقلاً .
لك هذا المبلغ ، أو معك هذا الوقت ، فإن أمضيته كله في أشياء لا تنفعك بعد الموت فأنت خاسر .

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 15 )

الإسراف في أي شيء مذمة للإنسان .

 

الخاسر الأكبر من غفل عن سرّ وجوده وغاية وجوده :

الإنسان حينما يعرف هدفه ، حينما يعرف سرّ وجوده وغاية وجوده ، حينما يعرف حكمة وجوده في الدنيا ، وجد في الدنيا ليعرف الله ، وليعمل صالحاً يستحق بها جنة ربه يوم القيامة ، فأمضى طول حياته في الطعام والشراب ، وفي القيل والقال ، وفي إضاعة أقواته ، وفي أشياء لست راقية ، من سفاسف الأمور فهو الخاسر الأكبر ، هذا الذي غفل عن سرّ وجوده ، وغاية وجوده ، لا يحبه الله .

كم أن الأب الذي يرى ابنه في العام الأخير ، وفي فحص مصيري ، ويبنى على امتحانه اختيار فرع بالجامعة ، يمضي وقته مع أصدقائه ، ويأكل ويشرب ، وينام ويستلقي ويتنزه ، بدل أن يجلس ويدرس ، فهذا مسرف في حاجاته الجسدية ، الإنسان يأكل ووقته كله في الطعام ، والشراب ، والنزهات ، والنوم المديد ، فهذا مسرف ، إذاً ضيع مستقبله .
إذاً الإسراف صفة يمقتها الله عز وجل .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور ، أي الفرح هو المذموم ؟ ونحن نقرأ في القرآن الكريم فرحاً ممدوحاً ، كما هو حال الشهداء :

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 169 )

ونقرأ في القرآن الكريم فرحاً مذموماً ، كما هو حال المتكبرين .

 

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

( سورة القصص )

أي عطاء ينتهي بالموت لا يعد عطاء يليق بكرم الله :

الدكتور راتب :

هذا قارون ، الحقيقة الدقيقة : أن الدنيا منقطعة ، مهما بلغت من جمع الأموال الموت ينهي غنى الغني ، مهما بلغت من القوة ، سبحان من قهر عباده بالموت ، مهما بلغت من الاستمتاع بالحياة ، دائماً الموت ينهي قوة القوي وضعف الضعيف ، وغنى الغني وفقر الفقير ، ووسامة الوسيم ، ودمامة الدميم ، وقوة القوي وضعف الضعيف ، ينهي كل شيء .
أنا لا أتصور أن عطاء يكون في الدنيا فقط ينتهي بالموت يليق بكرم الله ، ما دام العطاء إلهي يجب أن يكون أبدياً ، سرمدياً ، فأي عطاء ينتهي بالموت لا يعد عطاء يليق بكرم الله .
فلذلك هذه الدنيا يعطيها لمن يحب ، ولمن لا يحب ، أعطاها لقارون وهو لا يحبه ، أعطاها لعبد الرحمن بن عوف صحابي جليل وهو يحبه ، أعطاها لفرعون وهو لا يحبه ، أعطاها لسيدنا سليمان وهو يحبه ، فهذه الدنيا لا يمكن أن تكون مقياس محبة من الله ، أو عدم محبة .

(( ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

([ أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

الأحمق من اختار الدنيا الفانية المنقطعة و نسي الآخرة العليا :

إذاً الدنيا منقطعة ، الآن : قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت
لو إنسان فرح بشيء طارئ ، وزائل ، وسينتهي يكون تفكيره محدود جداً ، إذا الإنسان فرح بشيء ثابت ودائم ، مثلاً لو خيروا إنساناً بين أن يقتني دراجة له ، وأن يركب هذه المركبة ساعة ، الدراجة أفضل لأنها باقية ، لو خُير بين أن يمتلك المركبة ، أو أن يركبها ساعة ، من دون سؤال ، لو خُير أن يركب الدراجة ربع ساعة ، ويمتلك مركبة فارهة ، هكذا .

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾

( سورة الضحى )

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

( سورة القصص الآية : 60 )

فلما الإنسان يختار الدنيا الفانية ، المحدودة ، ويزهد في الآخرة الممدودة يكون أحمقاً ويستحق غضب الرحمن ، لأنه اختار الأدنى ، اختار الحياة الدنيا ، ولم يختار الحياة العليا .
الأستاذ جميل :
فضيلة الدكتور ، لو أعملوا عقلهم لعرفوا ربهم ، ولأحبوه وأحبهم ، ويتكامل العقل مع القلب لينتج إنساناً سوي البنية ، متكامل الشخصية ، إلى المعرفة العقلية بالله سبحانه وتعالى الخالق البارئ المصور .

 

التلازم بين العقل و القلب :

الدكتور راتب :

بارك الله بكم أستاذ جميل ، دائماً أرى هناك تلازم بين العقل والقلب ، الإنسان إذا عرف الله بعقله أقبل عليه بقلبه ، إن عرف الله بعقله أطاعه بجوارحه ، إن عرف الله بعقله تقرب إليه بالأعمال الصالحة ، الإنسان وحدة لا يتجزأ ، نحن من أجل توضيح المنهج المدرسي نقول عقل وقلب ، هما متداخلان ، فأنت بقدر ما تعرف الله تحبه ، بقدر ما تعرفه تطيعه ، بقدر ما تعرفه تتقرب إليه ، بقدر ما تعرفه تبذل من أجله الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس .

غدة التايموس و وظيفتها في الجسم :

بالجسم غدة صغيرة إلى جانب القلب ، هذه الغدة لو راجعت كتب الطب لمئة عام سبقت وصف هذه الغدة أنه لا وظيفة لها إطلاقاً ، لأنها تضمر بعد سنتين ، ثم اكتشف قبل عشر سنوات أنها أخطر غدة في جسم الإنسان ، هي مدرسة حربية ، الكريات البيضاء المكلفة بالقتال ، نحن في لقاء سابق تحدثنا عن أن الكريات بعضها للاستطلاع ، فرق الاستطلاع ، بعضها فرق تصنيع السلاح ، بعضها فرق الخدمات ، بعضها فرق المغاوير ، وقلنا هناك فرق المقاتلين ، فرقة المقاتلين عنصر معه سلاح فتاك ، لكن لا يعرف من هو الصديق ، ومن هو العدو ، يسميها العلماء الخلية التائية الهمجية ، جاهلة ، الكريات البيضاء المكلفة بالقتال تدخل إلى هذه الغدة ، كُبرت آلاف المرات

غدة التايموس تدرب الكريات البيضاء لتدافع عن جسم الإنسان

فإذا هي كالمدرج الروماني ، وهذه الخلايا المقاتلة تجلس على مقاعدها وكأنها في مدرج ، تتلقى لسنتين معلومات دقيقة جداً ، علمية دقيقة ، من هو العدو ؟ ومن هو الصديق ؟ كي تستخدم هذا السلاح لقتل العدو والدفاع عن الصديق ، لكن هناك مدرسة وهناك جامعة ، يوجد امتحان ، هناك مخرجان امتحانيان ، تعطى هذه الخلية البيضاء سؤالاً ، أي عنصر عدو ، فإذا قتلته تنجح ، وإن لم تقتله ترسب ، وتُقتل ، لا يوجد رسوب ، هناك نجاح أو قتل ، ثم تعطى عنصراً صديقاً ، فإن قتلته ترسب وتقتل ، وإن لم تقتله تنجح .

 

غدة التايموس أخطر غدة في الجسم :

هذا الجيل المتخرج يتولى تعليم الأجيال إلى نهاية الحياة ، لذلك بعد سنتين ، بعد أن تعلم الجيل الأول تنتهي مهمة هذه الغدة ، وتضمر ، وتتلاشى ، الجيل الذي تخرج يتولى تعليم الأجيال اللاحقة ، تباعاً .

لكن للعلماء ملاحظة ، أنه بعد سن الستين أو السبعين ، يضعف التعليم ، إذا ضعف التعلم صار في ارتباك ، يسمونه خلل مناعي ، أو خرف مناعي ، أي حرب أهلية ، فهذا العنصر الذي معه سلاح فتاك بدل أن يوجهه للعدو يوجهه للصديق ، أحد الأمراض الناتجة عن هذه الحرب الأهلية ضمن الجسم عنصر معه سلاح فتاك ، معلوماته عن العدو والصديق ضعيفة ، فقد يتجه إلى الصديق فيقتله ، التهاب المفاصل الرثوي ، هذا مرض بسبب أن عناصر المقاتلة (الكريات البيضاء المقاتلة) تتجه لعناصر صديقة تقتلها .
فلذلك هذه الغدة التايموس الصغيرة ، التي إلى جانب القلب ، والتي ظنها الأطباء لمئة عام سابقة أنه لا وظيفة لها ، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في جسم الإنسان .

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

إنها تُعلم الكريات المقاتلة من هو الصديق ، ومن هو العدو ، وهذه الوجبة الأولى تتولى تعليم الأجيال الصاعدة حتى نهاية الحياة .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور وأحسن إليكم ، مشاهدينا الأعزاء نودعكم على أمل اللقاء ، نستودعكم الله .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .