الدرس : 06 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 90 - 102

1989-08-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من سورة الشعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

تقريب الجنة للمتقين:

 ربنا سبحانه وتعالى في أثناء الحديث عن قصة سيدنا إبراهيم بعد أن قال على لسان هذا النبي الكريم:

﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) ﴾

 أي قربت فقربوا منها.

﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾

ظهور جهنم للغاوين:

 برزت أيْ ظهرت.
 ومما يزيد السعادة سعادة أهل الجنة أن يكونوا على وشك الدخول فيها، وما يزيد ألم أهل النار أن يكونوا على وشك الدخول فيها، فأزلفت أي قربت، والإمام علي كرم الله وجهه يقول: كل متوقع آت، وكل آت قريب.
 يدخل الصيف وينتهي، يدخل الشتاء وينتهي، يدخل العام وينتهي، تدخل المرحلة المعينة خمس سنوات، وتنتهي، وليسأل أحدنا نفسه هذا السؤال: كيف مضت هذه السنون من عمري ؟ كيف مضت هذه الأربعون، أو هذه الثلاثون، أو هذه العشرون، أو هذه الخمسون ؟ وليسأل نفسه سؤالاً آخر: هل بقي بقدر ما مضى ؟ فإذا كان الذي مضى قد مضى فالذي بقي سيمضي، فكلمة كل متوقع آت وكل آت قريب يعني الزمن حينما يمضي ليس في صالح الإنسان، لكنه في صالح المؤمن، مجرد مضي الزمن ليس في صالح الإنسان، كلما تحرك عقرب الثواني ثانية واحدة نقص العمر، كلما مضت ساعة، كلما مضت ليلة، كلما مضى يوم، كلما مضى شهر... هكذا، لكن:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 (سورة العصر)

 الوقت، إما أن يستهلك وإما أن يستثمر، كالمال تماماً المال قد تنفقه فتستهلكه تشتري طعاماً وشراباً، وتصرف، وتنفق ثمن ألبسة، وحاجات، وألعاب انتهى، هذا مال مستهلَك، لكن المال قد يستثمر في مشروع يدر أرباحاً طائلة، فإذا دفعت المال في مشروع استثماري فإنك بهذه الطريقة لا تستهلكه، وإنما تستثمره، والوقت أثمن من المال، فإما أن تستهلكه، وإما أن تستثمره، فمن تعرف إلى الله وأخلص له، وجهد في طاعته، وبذل من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وفي كل حركة وسكنة نوى أن يتقرب إلى الله عز وجل، إما بالتفكر، وإما بالتدبر، وإما بالاعتبار، من جعل حياته كلها في حله وترحاله، في عمله، وفي بيته، في ليله، وفي نهاره ذاكراً لله عز وجل، إنه بهذا يستثمر الوقت، ولا يستهلكه.
 لأن الذي ورد في بعض الأحاديث أن ملك الموت ينبئ من حضرته الوفاة أنه يا فلان قد بقي من عمرك ساعة، فيبدي هذا العبد من الألم والحسرة ما لا يوصف، ويقول يا ملك الموت من شدة حسرته على مضي حياته لو أن له الدنيا بحذافيرها لتخلَّى عنها نظير أن يضم إليه في هذه الساعة المتبقية ساعة أخرى، فلعله يعتذر، لعله يستغفر، لعله يتوب، لعله يعمل صالحاً، طبعاً ملك الموت يقول فنيت الساعات لا ساعة، لذلك كل يوم يخاطب ابن آدم ويقول: يا ابن آدم ؛ أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود.

 

الفائدة من هذه الآية:

 الفائدة من هذه الآية أن الوقت أثمن شيء تملكه، لأنك أنت كلك وقت، أنت وقت، مجموعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، فأنت بين أمرين ؛ إما أن تستهلك الوقت، وإما أن تستثمره، إن استهلكته جئت يوم القيامة صفر اليدين وبدأت الحسرات والندم والألم.

 

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

 (سورة المؤمنون)

 وإما أن تستثمره فتسكن نفسك، تستريح نفسك، ينشأ عندك حالة اسمها التوازن، تتوازن، تشعر بالاستقرار والطمأنينة، تشعر أنك وفق الطريق الصحيح، تشعر أن حركتك اليومية مطابقة لهدفك، تشعر أن هذا الذي تفعله خلقت من أجله، هذا الذي يعرف الله، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

 

 ( مشكاة المصابيح عن أبي هريرة )

 صمتي فكراً أفكر، نطقي ذكراً، نظري عبرة، والمؤمن في علاقاته مع الناس كلها يبتغي وجه الله حتى لو جلس مع أهله، حتى لو داعب أبنائه، حتى لو أخذهم نزهة إنما يفعل هذا ابتغاء مرضاة الله، حتى عمله الذي يكسب منه رزقه يعد في ميزان الحساب يوم القيامة عبادة بمجموعة شروط تحدثنا عنها من قبل.

 

﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) ﴾

 

خمسة أيام في حياة الإنسان:

1 - يوم مفقود:

 دائما ضع في ذهنك أن هناك خمسة أيام في حياتك، يوم مفقود، هذا اليوم المفقود لا تبحث عنه إطلاقاً، ولا تفكر فيه، ولا تذكره لأن ذكره لا يقدم ولا يؤخر، يوم مفقود ما مضى فات.

 

2 – يوم مشهود:

 وهو أخطر أيام حياتك، في هذا اليوم يمكن أن تتوب، في هذا اليوم يمكن أن تعمل صالحاً، في هذا اليوم يمكن أن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، في هذا اليوم يمكن أن تحضر مجلس علم، في هذا اليوم يمكن أن تتقرب إلى الله، هذا اليوم المشهود أخطر أيام حياتك، بل إن الأيام اللاحقة إنما تتعلق بهذا اليوم، يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مولود ساعة المنية، لا بدّ من ساعة يوضع الإنسان في قبره، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت،

 

 

الليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر.
***

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول

فـإذا حملت إلى القبور جنازة  فاعلم بأنك بعدهـا محـمول

***

 ملك الموت تخطانا إلى غيرنا، فلان رحمة الله عليه، توفي والله شاب، كلما تنقلت من مكان إلى مكان تطالع هذه النعايا، يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا بدّ من يوم يطالع فيه الناس نعي بعضهم بعضاً، اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.

3 - يوم موعود:

 واليوم الموعود يوم القيامة، يوم الدين، يوم الحساب، يوم الجزاء، يوم الفصل، يوم تفنيد الأعمال، يوم الدينونة، يوم الطامة، هذا اليوم الذي يتحقق فيه اسم الله الحق، هذا الاسم يتحقق بشكل كامل يوم القيامة، لأن الحياة الدنيا دار ابتلاء، بينما الحياة الآخرة دار جزاء.
 كل إنسان له مادة يمتحن بها مع ربه، فالغي مادة امتحانه الغنى، هذا اسمه في الجامعة مقرر، الغني عنده مقرر الغنى، والفقير يمتحن بالفقر، والقوي بالقوة، والضعيف بالضعف، والصحيح بالصحة، والسقيم بالمرض وما شاكل ذلك، فإذا رسب الغني، ونجح الفقير انعكست الآية، إذا نجح الضعيف، ورسب القوي.

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) ﴾

 (سورة الواقعة)

 القوي صار ضعيفاً والضعيف صار قوياً،

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) ﴾

 ( سورة المؤمنون)

4 - يوم ممدود:

 واليوم الممدود إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفد عذابها، يعني أخطر شيء موضوع الزمن، الأيام تمضي، الإنسان لو ترك الدين لو أدار ظهره لكتاب الله، لو جعل القرآن وراء ظهره، ذلك أنه لم يبال بحرامه ولا بحلاله، يريد الدنيا وزينتها، يريد المال، يريد الوجاهة، يريد النعيم، المتع الرخيصة، يأتي قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ ))

 لو أنك تركت الدين، لو تركت الإيمان باليوم الآخر، لو هان الله عليك ماذا ينتظر الإنسان ؟ قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ؟ أَوْ السَّاعَةَ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

 (سنن الترمذي 2228)

5 - يوم مورود:

 فأنت بين خمسة أيام: يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود، وأنت بين أن تستهلك الوقت، أو تستثمره، والآية توضح هذه الحقيقة:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 الوقت يستهلكه إلا المؤمن فإنه يستثمره.

 

﴿ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91)﴾

 هذا الذي غوى يعني خرج عن طريق الحق، ربنا سبحانه وتعالى رسم منهجاً، أنزل كتاباً، وضع دستوراً، وضع قواعد، سنّ سنناً، هذه من عند الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي يحق لها أن تصدر تعليمات افعل ولا تفعل، لأنها أخبر جهة بصنعتها، والدليل قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

 (سورة البقرة 21)

 لا يصح أن تعبد غير الخالق، لأنك إذا عبدت غير الخالق خسرت خسارة لا حدود لها، لأن هذه الجهة التي تعبدها من دون الله لا تملك لك نفعاً ولا ضراً.

﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) ﴾

أين شركاؤكم اليوم ؟

 لا بدّ أن تعبد، فإما أن تعبد الله، وإما أن تعبد غيره، العبادة هي الطاعة والمحبة، غاية الطاعة مع غاية المحبة، غاية الطاعة لأن الله هو وحده الذي يجب أن تعبده، وغاية المحبة، لأنك كإنسان مفطور على حب ذاتك، وحب سلامتك، وحب استمرار وجودك، وحب كمال وجودك، وجودك واستمراره وكماله لا يتحقق إلا بالله عز وجل، إذاً الذي منحك الوجود ومنحك السلامة، ومنحك كمال الوجود، ومنحك الاستمرار هو الله سبحانه وتعالى، إذاً ينبغي أن تحبه قبل كل شيء، فالعبادة طاعة تامة ومحبة تامة، ومن خضع لله ولم يحبه ما عبده، ومن أحبه ولم يطعه ما عبده.

﴿ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾

 لا يليق بالإنسان، ولا ينبغي له أن يعبد غير الله عز وجل.

﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 الله عز وجل خالق الكون ومن دونه المخلوقات، هل يوازى الخالق بالمخلوق ؟

﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾

 (سورة النحل)

 هل هناك نسبة تجمع بينهما، أيوازى خالق الكون مع مخلوق ضعيف ؟ لئيم أحياناً، أتوازى الذات الكاملة مع ذات طارئة ؟

﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾

﴿ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 لذلك أندم الناس من باع آخرته بدنيا غيره.

﴿ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

عجز المعبودات عن نصرة عابديها:

 لا يستطيعون نصركم، لأنهم في الأصل لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، فما قولك بهذا الذي يعبده الكافر من دون الله، لا يستطيع نصره ولا أن ينتصر هو، لذلك الشيطان لما قضي الأمر يقول:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

 (سورة إبراهيم)

﴿ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا ﴾

إلقاء المعبودات من دون الله مع عابديها في جهنم:

 كلمات القرآن معبّرة، كبكب هذا فعل ثنائي مضعف مثل زلزل، قلقل، زعزع، عسعس، دمدم، هذه الأفعال فيها معنى التكرار، يعني الكافر حينما يدخل النار لا يدخلها بمراسم استقبال، كما لو وضعت مئة شخص في شاحنة، ونزل بعد أن انقلب صندوق الشاحنة.
 كُبكبوا فيها يعني يندفعون إلى النار بعضهم فوق بعض من دون ترتيب، من دون عناية، من دون اهتمام.
 أحياناً البضاعة التي لا قيمة لها لا تنقل من الشاحنة إلى الأرض واحدة وَاحدة، بل يقلب هذا الصندوق، فتأتي فوق بعضها بعضاً كالركام، فكلمة كبكبوا، أي دفعوا إلى النار بلا عناية ولا اهتمام، هذا الذي يليق بهم.

﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) ﴾

خطورة الشيطان:

 الحقيقة أنّ الإنسان أحياناً لا يعرف خطورة الشيطان، ربنا عز وجل حينما خلق آدم لو أن الله سبحانه وتعالى زوَّده بمنهج نظري، أو بدستور نظري لكان في الأمر مشكلة، ولكن الله عز وجل حينما خلق آدم زوده بدستور عملي، يعني كيف أن آدم عليه السلام كان في الجنة، وكيف أن إبليس وسوس له، وكيف أكل من الشجرة، وكيف عصى ربه في الظاهر، وكيف أنه هبط من الجنة، هذا درس عملي لسيدنا آدم ولذريته من بعده:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾

 (سورة فاطر)

 إن الله عز وجل أمرنا أن نتخذه عدواً، يقول ربنا عز وجل في سورة يس:

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) ﴾

مزالق الشيطان:

1 – إبعاد الإنسان عن الدين:

 الشيطان ماذا يفعل ؟ الشيطان عنده مجموعة مزالق، يبدأ بالأسهل، أكبر عقبة بين الإنسان وبين معرفة الله، أو بين الإنسان وبين النجاة هي عقبة الكفر، يقول لك هذا الدين تصورات الضعفاء في العصور السابقة، هذا الدين تعبير عن الضعف البشري، هذا الدين من صنع محمد، هو إنسان ذكي جداً وعبقري، التركيز على عبقريته لا على نبوته من أجل أن تكفر بالدين، ومن أجل أن تكفر باليوم الأخر، ومن أجل أن تكفر بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، فهذه إذا استطاع الشيطان أن يوسوس للإنسان أن هذا الدين لا صحة له، ولا قيمة له، ولا جدوى منه، إنه يفرق ولا يوحد، إنه تعبير عن ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة، هذا الدين يصلح لوقت كان العلم فيه متخلفاً، هذه شبكة الشيطان، فإذا ألقاها على الإنسان فرأى الدين شيئاً بعيداً عن الواقع، جعل الإنسان الدين وراء ظهره، وانطلق في الدنيا من أجل تحقيق ذاته، وإشباع رغباته، وشهواته بأي ثمن، وبأي طريق، إذا فعل الإنسان هذا فقد اصطاده الشيطان من العقبة الأولى.
 هناك أشخاص لهم اطلاعاتهم، ولهم ثقافتهم، لهم قراءاتهم، لهم تربيتهم، لهم بيئتهم يرفضون هذه المقولة، الدين حق، هذا دين الله، وهذا كتاب الله، وهناك دليل قطعي على أن هذا القرآن كلام الله.

 

2 - مزلق البدعة في العقيدة والعبادة وخطورته:

 إذاً الشيطان لا يستطيع أن يصل إلى الإنسان من خلال هذه الشبهة، يأتيه من شبهة ثانية ؛ شبهة البدعة في الاعتقاد والعبادة، يعتقد أن أمة محمد مرحومة لا يوجد تكليف، يعني الله عز وجل لن يحاسب أمة محمد، لأنها أمة اصطفاها الله عز وجل، تراه يفعل ما يشاء، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام بتفكير ساذج ضعيف سوف يسجد لله عز وجل، الحديث صحيح، ولكن له تفسير دقيق جداً، لأن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا ينالها إلا من مات غير مشرك، والذي لا يشرك لا يعصي الله عز وجل، أما هذا الذي يفعل ما يشاء على أمل أن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع له هذه بدعة في العقيدة، هي الذي يتمناها الشيطان، يتمنى أن تعتقد مجموعة عقائد فاسدة، لأن العقيدة الفاسدة من لوازمها السلوك المنحرف، فإذا لم يستطع الشيطان أن يصل إلى الإنسان من خلال الكفر أن يكفر بالدين، وأن يكفر باليوم الآخر، وأن يكفر بأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، من أن يكفر بالكتب السماوية، والأنبياء، والمرسلين، إذا لم يتمكن الشيطان أن يقنع الإنسان بهذه الضلالات الفكرية يقنعه ببدع في الاعتقاد.

 

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾

 (سورة البقرة 111)

 هذه بدعة من بدع الاعتقاد أملاها الشيطان على أهل الكتاب.

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾

 (سورة البقرة 80)

 هذه بدعة ابتدعها أهل الكتاب بوحي من الشيطان، فلو دخلت حتى في الأديان الأخرى ترى أن هناك بدعاً في الاعتقاد لا حدود لها لماذا ؟ حينما يعجز الشيطان عن أن يلقي الضلال والكفر في الإنسان يهبط درجة، ينتقل إلى إلقاء البدع في الاعتقاد، الإنسان مجبور على أعماله كلها، تقول: لِمَ لا تصلي، يقول: ترتيب سيدك، حتى الله يأذن، هذه بدعة في الاعتقاد، بدعة خطيرة، أصبحت مشلولاً، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، يعني إذا اعتقد أن الإنسان كريشة في مهب الريح.

 

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال  إيَّاك إيَّاكَ أن تبتلَّ بالـماء
* * *

 الجبر هو الاعتقاد بأن الإنسان مجبور على كل أعماله، وليس مخيراً إطلاقاً هذه بدعة تشل الإنسان، تشل حركته يقعد، ينتظر أن يحدث شيء خارق للعادة.
 إذاً الشيطان إما أن يلقي الضلالة الكبرى، وهي الكفر، وإما أن يلقي ابتداعاً في العقيدة.. انحراف في العقيدة، على مستوى الأنبياء مثلاً يقول تعالى في حق يوسف:

 

 

﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾

 نبي عظيم هم بها، أنا شاب وليس نبي، هذه بدعة في الاعتقاد يعتقد أن الأنبياء ليسوا معصومين هذه بدعة خطيرة جداً، هذه تغطي انحراف الناس، يعتقد أن في القرآن تكراراً وتناقضاً، يعتقد أن هذه الآية ليست لهذا الزمان، هذه كلها بدع في الاعتقاد يجب أن نحاربها، ويجب أن نتحرز منها.
 أو بدع في العبادة، قد يصبح الدين في النهاية زمراً وطبلاً ورقصاً، هذا الدين، بهذه الطريقة فتح أصحاب النبي العالم ؟! بهذه الطريقة عم الإسلام الخافقين ! مستحيل.
 إذاً حينما يعجز الشيطان عن أن يلقي الكفر والبهتان في الإنسان ينتقل إلى بدع في الاعتقاد وبدع في العبادة، يصبح الدين مثلاً كرامات، أو منامات فقط، أو يصبح الدين خرقاً للعادات، يعني الولاية كلها في أن يخترق سهم في البطن هذه الولاية كلها، أو مثلاً حركات، وسكنات، ورقص، واهتزاز، وإغماء، وأصوات، ومزامير، وطبول، هذا هو الدين ! هذه بدع في العبادة وبدع في الاعتقاد.
 فإذا كان هذا الإنسان منَّور الذهن، والشيطان ما استطاع أن يصل إليه بهذه البدع هناك الكبائر، يقول بعضهم لا يضر مع التوحيد سيئة، مادام هو موحّد ويقول لا إله إلا الله، يعني سبحان الله ‍! أيعقل أن يأتي إنسان أمضى حياته كلها في المعاصي، والبهتان، والانحراف، والكذب، والانغماس في الشهوات يكفي أن يقول لا إله إلا الله هكذا وينتهي كل شيء، هكذا الدين !
 هذا الذي أمضى حياته كلها في طاعة الله، وفي عبادته، وفي الصبر على ما أمر الله، وفي بذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، يأتي إنسان منغمس في شهواته إلى قمة رأسه يكفي أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله هكذا بهذه البساطة، هذه بدعة أيضاً، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قالوا: وما حقها، قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

 هذه بحقها، لا إله إلا الله حصني من دخلها أمن من عذابي، إذاً هذا الذي يفعل الكبائر ويقول: أنا مسلم، أنا أعلن الشهادتين، هذه أيضاً فرية من تضليل الشيطان، فالكبيرة كبيرة، وصاحب الكبيرة أمره خطير، السرقة، والكذب، والزنى، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وإيقاع الأذى بالناس، وترك الصلاة هذه كلها كبائر، فمن فعل الكبائر يجب أن ينتظر من الله الشيء الوبيل، أو أن يتوب إلى الله عز وجل، يكفي أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وينتهي الأمر هذه من ضلالات الشيطان.

 

 

3 – الصغائر باب من أبواب الشيطان:

 أحياناً الشيطان لا يستطيع أن يوسوس لهذا الإنسان الكفر والبهتان، ولا البدعة في الاعتقاد، والعبادة، ولا أن يحمله على الكبائر، يرضى الشيطان أن تقع في الصغائر، وأن تدوم عليها، وأن تستمر عليها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

((لا صغيرة مع الإصرار))

 مادام الإنسان مقيمًا على صغيرة، وهو مرتاح لها، ويظن أنه لا يحاسب عليها، هذه أيضاً من العقبات الكئود التي تقف بينك وبين الله عز وجل، الصغائر قال عليه الصلاة والسلام:

((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ))

 (مسند أحمد 3627)

 عودٌ وراء عود وراء عود أصبحوا حزمة، وأصبح هناك نار عظيمة، فالمصافحة، أكل لقمة من حرام، نظرة، سبحان الخالق ! بعدما ينظر إلى امرأة جميلة، هذه كلها صغائر، هذه إذا اجتمعت على الإنسان تهلكه، وإذا أصرّ عليها تصبح كبائر، يعني الصغيرة انحراف بالمقود سنتمترًا واحدًا، سميت صغيرة لأن تلافيها سهل جداً، لكن لو أن هذا الانحراف استمر وآخرته بالوادي، كان الطريق طريقاً مستقيماً على يمينه واد سحيق، وحرف المقود سنتمترًا واحدًا، هي صغيرة لأن بإمكانك أن تعيد المقود إلى ما كان عليه، أما لو أنك أصررت على هذا الانحراف هذه الصغيرة لا بدّ أن تلتقي مع الكبيرة في التدهور، لذلك لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
 الشيطان أحياناً يعجز عن إيقاع الإنسان في الكفر، ويعجز عن إيقاعه في فساد العقيدة، ويعجز عن إيقاعه في بدع العبادة، ويعجز في الكبائر وقد يعجز عن إيقاعه في الصغائر.

 

4 - مزلق المباحات:

 بقي مزلقان خطيران، مزلق المباحات، الطعام والشراب مباح، الاعتناء بالبيت مباح، التنقل من مكان إلى مكان ضمن المباحات، إذا صرف الإنسان وقته في المباحات فوت عليه الطاعات، وهذا مزلق خطير من مزالق الشيطان ؛ أن تنصرف إلى المباحات، إلى الشيء الذي سمح الله به تجعله أكبر همك، تجعله مبلغ علمك، تجعله كل شيء في حياتك، هذه المباحات إذا توسع الإنسان فيها، واهتم بها، وجعلها مبلغ علمه، ومنتهى آماله هذه المباحات تفوّت عليه الشيء الكثير.
 إذا أحب الإنسان أن ينام، والنوم مباح، وكنت في مكان بإمكانك أن تأخذ الجواهر الثمينة، بدلاً أن تأخذ الجواهر نِمْتَ نوماً عميقاً، أنت لا زنيت، ولا فعلت شيئاً، أما هذا النوم في مكان يسمح لك أن تأخذ الجواهر الثمينة فهذا النوم فيه خسارة كبيرة.

 

 

5 - مزلق الدفع إلى الطاعات المرجوحة:

 فإذا عجز الشيطان عن أن يحمل هذا الإنسان على أن يجعل هذه المباحات كل همه ومبلغ علمه، بقي هناك مزلق قبل الأخير، هذا المزلق يدفعه إلى الطاعات المرجوحة، هناك طاعة راجحة، وهناك طاعة مرجوحة، يعني يفضل عليها طاعة أخرى، يعني كل حياته يمضيها في طاعة جزئية جداً جِداً، ويضيع عليه الشيء الكثير.
 العبادات درجات وأنواع، هناك عبادة أرقى من عبادة، وعمل أرقى من عمل، وطاعة أرقى من طاعة، طلب العلم أرقى شيء، هناك من يكتفي من الدين بشيء محدود جداً، فهذا أيضاً عقبة بينك وبين النجاة في هذه الدنيا.
 صار مجمل ما ذكراه الكفر، والبدعة في الاعتقاد، والبدعة في العبادة، والكبائر، والصغائر، والمباحات، والأعمال المرجوحة أي الأعمال التي هناك أعمال أفضل منها، هذه كلها من فعل الشيطان، ولآتينهم عن أيمانهم، وأنت في طريق الإيمان هناك ألف وألف مدخل للشيطان.

 

 

6 – عقبة الامتحان:

 فإذا نجوت من كل هذه العقبات فهناك عقبة أخيرة هذه العقبة لا بدّ منها، عقبة الامتحان، لأن الله عز وجل يحب أن يرى من يحبه لذاته، ومن يحبه لما عنده، ومع أنك مستقيم على أمر الله، ومع أنك خاضع له، ومع أنك محب له قد تأتي الأمور على خلاف ما تشتهي ماذا تقول ؟ هل تجعل النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جاءت الأمور كما يشتهي يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا جاءت الأمور على خلاف ما يتمنى كان يقول الحمد لله على كل حال.
 وأنت في استقامتك التامة، وأنت في ورعك، وأنت في محبتك لله، وأنت في اندفاعك إلى الله قد تأتي الأمور على خلاف ما تريد ماذا تفعل ؟ أنت متّبع للدين مشارطة، أنا مستقيم فيجب أن تكون الأمور كلها كما أريد هذا شرط، الله عز وجل لا يشارط، ولا يجرب، أنت عبد، ومع أنك تسير كما أمر الله اختار لك هكذا ماذا تقول ؟ الحمد لله رب العالمين.
 هناك من الصحابة تحملوا من الشدائد ما تحملوا، النبي عليه الصلاة والسلام قال: أوذيت وما أوذي أحد مثلي، ماذا فعل النبي حتى يستحق هذا الأذى.
 هذه عقبة لا بدّ منها، لم ينج منها الأنبياء لماذا ؟ الله امتحنهم، في الطائف ذهب إليها ماشياً تلقاه أهلها بالكفر، والصدّ، والعدوان، والاستهزاء، والسخرية، والأذى، ألجؤوه إلى حائط فوقف النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى.
 أريد من الإخوة الكرام أن يوطن كل واحد منكم نفسه حتى لا يفاجأ، الله يحب أن يمتحنك أحياناً، يحب أن يمتحن صبرك، يمتحن عبوديتك، يمتحن محبتك له، مادام الأمور ميسرة صحة طيبة دخل كبير، سرور بسط أولاد زوجة كل شيء مرتب الحمد لله، الله يريد أن يراك في المصيبة ماذا تفعل ؟ ( تبرير ) المؤمن يقول: الحمد لله رب العالمين، يهبط على قلب المؤمن من السعادة إذا جاءه شيء يكرهه عندما يقول: الحمد لله رب العالمين، يا رب أنا عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدلٌ في قضاؤك، يا رب لك الحمد على كل شيء.
 هذه عقبة لا بدّ منها، ولا ينجو منها مؤمن، الأنبياء تحملوا هذه الشدائد، الإنسان أحياناً، وهو في قمة تألقه يفتقر ماذا يفعل ؟ يسرق ؟ لا يسرق، يأكل مالاً حراماً لا والله، يضغط على نفسه، ويضغط، ويضغط، ولا يأكل درهماً حراماً، هذا امتحان، هذه مصائب الامتحان والابتلاء، أحياناً يمرض الإنسان أو زوجته أو ابنه، تنشأ مشكلة ربنا عز وجل يحب أن يرى موقفك منها، ينظر ماذا تفعل، ماذا تقول، القضية دقيقة جداً.
 فالشيطان هذا الذي ساقنا لهذا المعنى كلمة:

 

﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)﴾

 كيف يغوي الشيطان الإنسان ؟ بهذه الطرائق، يغويه من خلال هذه المسارب، وهذه، المزالق، وهذه الشبهات، وهذه البدع، وهذه الترّهات، وهذه الوساوس، فمن نجا منها فقد نجح نجاحاً كبيراً.

﴿ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) ﴾

الخصومات يوم القيامة:

 الضلال واضح كالشمس.

 

﴿ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

 تنشأ خصومات يوم القيامة بين الذين عبدوا من دون الله وبين الذين عبدوهم، لأن الذين عبدوهم من دون الله كانوا في ضلال مبين، وأما الذين عبدوا من دون الله كانوا أيضاً مضلّين، هناك خصومات.

﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ(99)﴾

 هؤلاء الذين وسوسوا لنا ودفعونا، هؤلاء الذين قادونا إلى هذا الكفر، أو قادونا إلى هذا الانحراف، هؤلاء كبراؤنا، هؤلاء الذين كنا نرمقهم بالعيون، كنا نظنهم على حق فإذا هم على باطل.

﴿ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) ﴾

لا شفيع للمجرمين ولا صديق حميم يوم القيامة:

 في الآخرة لا يوجد شفيع، ولا يوجد صديق حميم، لكن لماذا جمع الله الشافعين، وأفرد الصديق الحميم ؟ قال بعض العلماء، وأظنه القرطبي: إن الشافعين لكثرتهم، والصديق الحميم لندرته، هناك من يشفع لك كثيراً، ولكن الصديق الحميم قلّما تجده.

﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 كل هذه الدروس من أجل ألا يقف الإنسان هذا الموقف، نحن في بحبوحة، القلب ينبض إذاً يوجد حياة، يوجد أمل، يوجد توبة في إصلاح، يوجد إنفاق، يوجد اعتذار، يوجد تحلل من الحقوق التي عليك، كل شيء يصحّح في الدنيا، أما إذا ختم العمل، وانتهى الأجل انتهى كل شيء، يعني هذا الكلام من أجل ألا يقع، يذكره الله عز وجل من أجل ألا يقع.

﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) ﴾

 إن شاء الله تعالى في الدرس القادم ننتقل إلى قصة نوح عليه السلام.