الدرس : 04 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 69 - 81

1989-08-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة الشعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾

قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه:

 أي أيها النبي اتلُ على قومك نبأ إبراهيم، نبأ إبراهيم، أي قصة، أو خبر سيدنا إبراهيم، يبدو أن القصة الأولى في تفصيلاتها، وفي دروسها، ومواعظها كانت موجهة إلى بني إسرائيل، لكن كفار قريش يزعمون أنهم على دين إبراهيم، وأن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، فالله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتلو على هؤلاء المشركين قصة سيدنا إبراهيم، وكيف كان موحداً، وكيف كان يعبد الله وحده، وكيف كسر الأصنام.

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾

 يقاس على ذلك أن المؤمن أحياناً يرى، أو يستمع، أو يشاهد قصة بليغة تجسد آية قرآنية، قصة ذات موعظة بليغة، قصة ذات مدلول كبير، قصة تنير لنا الطريق، لو أن المؤمن قرأ قصة، أو شاهد أحداث قصة، وتأثر بها تأثراً كبيراً فقياساً على ذلك ينقل هذه القصة إلى من يثق بدينه، لمن يتوسم فيه الصلاح، لمن يتعظ لمن يفكر، لمن يتأمل، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾

 ودائماً الحقائق التي تستقى من القصة أبعد تأثيراً من الحقائق المجردة، الاستنباطات التي تستنبطها من رواية قصة أبلغ من الحقائق التي تعرض مباشرة من دون حدث، ومن دون شخصية، ومن دون حركة مؤثرة في النفس.
 ما قصة سيدنا إبراهيم ؟ واتل عليهم يا محمد، أي اقصص عليهم خبر إبراهيم، أبي الأنبياء، من أولي العزم، هو الذي بنى هذا البيت.

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ ﴾

 (سورة البقرة 127)

 هل يرضيه أن يرى أصناماً حول هذا البيت ؟ هل يرضيه أن تعبد من دون الله حجارةً لا تنفع، ولا تضر ؟

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾

 طبعاً إنَّ القصة في الأصل موجهة إلى قوم النبي عليه الصلاة والسلام، أو إلى مشركي قريش، ولكن القرآن الكريم موجه أيضاً إلى كل مؤمن إلى يوم القيامة.

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

إنكار إبراهيم عليه السلام على قومه عبادة الأصنام:

 انظر.. قف متأملاً، هذا الذي يعيش مع أهله دون أن يفكر، ودون أن يتأمل تستهلكه الحياة، يستيقظ، يعمل، ينام، يأكل، يسهر، يسمر، ثم ينام، ويأكل، ويشرب، أين الفكر الذي أودعه الله فيه ؟ لِمَ لمْ تقف موقف المتأمل ؟ لِمَ لمْ تسأل نفسك أهي على حق أم على باطل ؟ هم مصيبون أم مخطئون ؟ هذا الذي يقول: إني وجدت هكذا، أهلي هكذا، بيئتي هكذا، مجتمعي هكذا، ظروفي هكذا، هذا ليس مهتدياً، بل يجب أن تقف موقف المتأمل، يجب أن تقف موقف الفاحص، لو كان في البيت اختلاط أو في البيت معاصٍ، لو كان هناك مخالفات تقول: ماذا أفعل هكذا أهلي، سيدنا إبراهيم سأل قومه:

 

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

 ما الذي تعبدونه ؟ رأى أصناماً تُعبد من دون الله، لا تنطق، ولا تسمع، ولا تستجيب، ولا تنفع، ولا تضر، فلم يعجبه ذلك، لم ير ذلك متوافقاً مع المنطق، ولا مع العقل، ولا مع الواقع، ولا مع عظمة الكون، هذا الذي خلق السماوات والأرض أيُعبد حجر من دونه !
 الإنسان يجب من حين لآخر أن يقف وقفات تأملية، هل عملي صحيح ؟ هل كسبي لمالي صحيح ؟ هل إنفاقي لهذا المال صحيح ؟ هل علاقاتي الاجتماعية وفق ما يرضي الله ؟ لا تكن ممن تستهلكه الدنيا، تستهلكه الدنيا فجأة يصحو على قرع ملك الموت، هذه ساعة عصيبة.

 

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

 (سورة الطور)

 حينما يلاقي الإنسان هذه الساعة ينتقل من كل شيء إلى لا شيء، فالإنسان العاقل قبل أن تأتي هذه الساعة يُعِدُّ لها العدة.

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) ﴾

 يبدو أن الإنسان في فطرته لا ترتاح نفسه إلا إذا عبد الله وحده، فإذا ضلّ يعبد سواه، يعبد شمساً أو قمراً، مما قرأت في هذه الأيام أن أحداثاً دانية في جنوب شرق آسيا، أو غيرها أنّ قومًا يعبدون القمر، فلما وطئت قدم الإنسان أرض القمر انقسموا أقساماً ثلاثة: قسم نفى هذا الحدث، وقسم وجد له تبريراً، أن القمر سمح أن يطأ الإنسان عليه، وقسم آخر كفر بهذا الإله، إن الإنسان في فطرته مفطور على أن يعبد خالق الكون، فإما أن يعبد الله عز وجل، وفي هذا انسجام مع فطرته، وإما أن يعبد من دونه أشياء لا تنفع ولا تضر، أليس هناك قوم عبدوا البقر ؟ قد تقف البقرة في عرض الطريق فتقطع الطريق، أهذا دين ! أليس هناك قوم عبدوا الشمس ؟ أليس هناك قوم عبدوا صنماً اسمه بوذا ؟ أليس هناك قوم عبدوا الميكادو، كما يزعم أهل اليابان، إذاً:

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴾

 هذا استفهام الإنكار، ما هذه الأصنام التي تعبدونها ؟ ما الذي تعبدونه من دون الله ؟

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً﴾

جواب قوم إبراهيم: نَعْبُدُ أَصْنَامًا

 هذه المصيبة، لم يقولوا نعبد آلهة، قالوا نعبد أصناماً يعني نعرفها أصناماً، نعرفها أحجاراً، نعرفها أشياء لا تنفع ولا تضر.

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾

 نعبدها بشكل مستمر، معنى نظل أي نعبدها على الدوام، وكأنهم عطلوا تفكيرهم، وكأنهم مسخوا عقولهم، وكأنهم أناس لا يعرفون شيئاً ولا يهتدون.

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾

 هنا جاء السؤال الدقيق:

﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾

من صفات الإله المعبود الحقيقي السمع:

 يعني من صفات الإله الذي ينبغي أن تعبده أن يسمعك، لأنك ضعيف في الأصل، إن الإنسان خُلق هلوعاً، بُنْيتُك الخَلْقية أساسها الضعف، وحينما خلقك الله ضعيفاً فهذا لمصلحة إيمانك، لأنك إذا كنت قوياً استغنيت بقوتك، واستغناؤك بقوتك يعني أن تشقى بالبعد عن الله عز وجل، تشقى باستغنائك، تستغني بقوتك فتشقى باستغنائك، لكن الله سبحانه وتعالى خلقك ضعيفاً كي تفتقر بضعفك إلى الله فتسعد بافتقارك، لو أن الله عز وجل خلقك قوياً لاستغنيت بقوتك عن الله فشقيت باستغنائك.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

 (سورة المعارج)

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) ﴾

 تعبد الله أم ماذا ؟ لأنك عبد ضعيف، أنت معرَّض للهم والحزن، معرض لمرض عضال، معرض لأزمة مالية، معرض لشبح مصيبة جاثم على صدرك، معرَّض لما لا يُعد ويحصى من المشكلات، فالمؤمن له ركن ركين يلجأ إليه، المؤمن يشعر أن قوة كبيرة ترعاه، أنه بعين الله، أن الله يحفظه، فلذلك:

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) ﴾

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

((الدعاء مخ العبادة ))

 

 ( الترمذي عن أنس )

 يعني أنك عبد فقير، وأن الله غني قدير، وهو يسمعك دائماً في كل مكان، الإنسان أحياناً يكون له شخص ذو أهمية في المجتمع، لكن لا يستطيع في بعض المواقف الحرجة أن يصل إليه، اتَصَل به في الهاتف فقيل له: مسافر، هذا الذي عقدت عليه الآمال مسافر، هذا الذي تقول: أنا فلان حينما أطلب منه شيئاً يلبيني فوراً.. هو مسافر، هذا الذي عبدته من دون الله مسافر، أو قد يكون مريضاً، أو يكون خارج المنزل، أو قد يكون نُحِّيَ من عمله الذي أنت عقدت عليه الآمال.
 فربنا عز وجل من لوازم الإله الذي يجب أن تعبده أن يسمعك في أي وقت، في خلوتك وفي جلوتك، في حِلّك في ترحالك، وأنت مسافر، وأنت مقيم، وأنت صحيح، وأنت مريض، وأنت قوي، وأنت ضعيف.

﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾

 لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾

فائدة مسلكية: سؤال الله ودعاءه:

 هل دعوت الله عز وجل ؟ هل سألته الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل ؟ هل استعذت به من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل؟ هل سألته أن يكفيك بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عن من سواه ؟ هل سألته العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ؟ هل سألته أن تحبه، وأن تحب من يحبه ؟ هل سألته عملاً صالحاً يقربك إليه ؟ هل سألته تفكيراً سديداً، ولساناً صادقاً، وقلباً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً ؟ هل سألته عصمة في الدين ؟ هل سألته صلاح الدين والدنيا ؟ ماذا تفعل ؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو دبر كل صلاة، وكان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

 

 ( الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه مقال )

(( وإن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع ))

 ( الترمذي عن أنس )

 و:

(( الدعاء مخ العبادة ))

 ( الترمذي عن أنس )

 لكن قال الله عز وجل:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾

 (سورة النمل 62)

 أنت إذا كنت مضطراً تدعو الله بقلب متأجج، تدعو الله بدعاء حار، تشعر كأن كل خلية تدعو الله عز وجل، اجعل دعاءك دعاء المضطر، اجعل طلبك من الله طلباً ثميناً، اسأله كل شيء، اسأله خير الدنيا والآخرة، اسأله الحفظ، اسأله كل ما تطمح إليه، لذلك الله عز وجل يحب من عبده أن يسأله.

﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾

 هذه الأصنام التي تدعونها لا تسمعكم إذ تدعون.

﴿ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾

الأصنام لا تنفع ولا تضر:

 الحقيقة: لا يسمعونكم إذ تدعون، لا ينفعونكم أو يضرون فقط، لكن هنا صفات الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي أن تعبده له أسماء حسنى كثيرة، وله صفات فضلى كثيرة، لماذا اكتفى ربنا سبحانه وتعالى بقوله: يسمع عباده إذا دعوه، وأنه يملك نفعهم وضرهم ؟
 الحقيقة أن أول صفة من صفات الإله الذي ينبغي أن تعبده أن يكون هناك اتصال بينك وبينه، ما دام الاتصال مقطوعاً فهذا ليس إلهًا، سيدنا إبراهيم لما رأى كوكباً قال: هذا ربي، فلما أفل وانقطع الاتصال قال: لا أحب الآفلين، لا يعقل أن يكون هذا رباً ما دام قد أفل، إذاً ينبغي أن يكون هناك اتصال دائم بينك وبيت الخالق، وينبغي أن يكون الخالق قديراً على كل شيء، على أن ينفعك، أو على أن يعاقبك، إذا أيقنت أن الله يسمعك، وأن الله يراك، وأن الله قادر على أن ينفذ فيك حكمه نفعاً كان أم ضراً، إذا أيقنت ذلك حق اليقين تستقيم على أمره حق الاستقامة، هذا شيء ثابت، أنت في علاقاتك مع بني البشر إذا كان ثمة من هو أعلى منك، وكان مطلعاً على أعمالك بطريقة أو أخرى، وكان يفعل ما يقول بإمكانه أن يعطيك شيئاً ثميناً، وبإمكانه أن يسلبك شيئاً ثميناً، تجد نفسك بشكل أو بأخر منساقاً إلى طاعته، أما إذا كان الاتصال مقطوعاً أمره شديد، وعقابه كبير، لكن لا يراك فإنك تعصيه، يراك، ولكنه أضعف منك فإنك تعصيه، لكن متى تطيعه قطعاً ؟ إذا رأيته يعلم ورأيتَه يقدر، لذلك:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

 

 (سورة الطلاق)

 إذا أيقنت بعلمه وبقدرته استقمت على أمره، إذا نظرت فهو ينظر إليك، إذا أكلت مالاً حراماً ربما يُتلف مالك، إذا تطاولت ربما أهانك، إذا أخذت ما ليس لك ربما أخذ ما ليس لك، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث المروية عنه:

 

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

 

 (الجامع الصغير عن البراء)

﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾

من صفات الإله الحق السمع والنفع والضر:

 من صفات الإله الضرورية أنه يسمعك إذا دعوته.

﴿ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾

 لماذا تعبد الله ؟ لأن روحك بيده، حياتك بيده، أعضائك بيده، نقطة دم في مكان من الدماغ تسبب شللاً تاماً، بمكان آخر تسبب عمى، بمكان آخر فقدان ذاكرة، بمكان رابع فقدان عقل، نقطة دم لا يزيد حجمها عن رأس الدبوس لو تخثَّرت في بعض شرايين المخ لأصيب الإنسان بعاهة خطيرة تقلب حياته جحيماً، والمعدة بيده، والأمعاء بيده، والكبد بيده قد ينمو هذا الكبد نمواً سرطانياً، قد ينمو أي مكان في جسمك نمواً سرطانياً تنتهي الحياة، فحياة الإنسان بيد الله عز وجل، من بيده صمامات القلب ؟ من بيده الشريان التاجي في القلب ؟ من بيده حركاتك وسكناتك ؟ من بيده سمعك وبصرك ؟ من بيده سلامة عقلك ؟ من بيده سلامة أعضائك ؟ الله عز وجل ينفع ويضر، قد يحفظك فتعيش حياة آمنة مطمئنة طويلة مديدة بسعادة ورفاه ورضًى وسرور وتوكل، وقد تعيش حياة كلها متاعب.
 فالإله يسمع، ويعلم، وينفع، ويضر، فما لك من طاعته بدّ، وما لك من محبته بدّ، وما لك من الإقبال عليه بدّ، فأته طائعاً قبل أن تأتيه خاضعاً، ائته طائعاً قبل أن تأتيه بالسلاسل، إذا جئته طائعاً من دون سلاسل فهذا موقف نبيل وشريف، هذا موقف حر.

﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾

الاحتجاج بالبيئة وتقاليد الآباء:

 هكذا البيئة، انظر إلى صرعات العصر الحديث، بيئة تفاعل الإنسان مع البيئة، مرحباً بالبيئة إذا كانت نقية من كل معصية، أما بيئة كلها معاصٍ تفاعل مع البيئة، الواقع هذا فكره واقعي، الواقع يجب أن يكون وفق الشرع، فإذا كان خلاف الشرع فلا قيمة لهذا الواقع، كلمات البيئة، والواقع، والمعطيات، والظروف المحيطة بالإنسان هذه كلها فيها الحق، وفيها الباطل، فيها الخير، وفيها الشر، يجب أن تقبل منها ما هو خير، وما هو صحيح، ما هو مشروع، ما هو متوافق مع كتاب الله، أما عادات أساسها المعاصي، أساسها الاختلاط، أساسها أكل مال الناس بالباطل، أساسها تجاوز حدود الآخرين، هذه معاصٍ، تقول عادات تقاليد بيئة معطيات ظروف كل هذا كلام فارغ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، يعني هكذا التقاليد أن الشاب يظهر أمام النساء هذه تقاليد بالية، تقاليد فاسقة، تقاليد ليست من الحق في شيء.
 فلذلك التقليد ليس إله، والعادات، والأعراف، والواقع، والبيئة، والظروف، أخي نحن ظرفنا هكذا، ليس عندنا حجاب، هكذا تربينا، ما معنى هكذا تربينا ؟ ليس لها معنى، يوجد إله خلقك يقول لك: افعل، ولا تفعل، يجب أن تفعل ما أمرك أن تفعله، وألاّ تفعل ما أمرك أن لا تفعله.

﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾

 فكل واحد يقول: أنا بيئتي هكذا، هكذا تربينا، هكذا يفعل أبي، يُدعون جميعاً رجالاً ونساءً يوم العيد على مائدة واحدة هذا خلاف السنة، خلاف القرآن، الاختلاط أصبح كثيراً، هكذا يفعل أبي، هكذا الجيران، هكذا الحي، هكذا أسرتنا، هكذا بيئتنا، هكذا الواقع، هكذا الظروف، هذه الظروف، والبيئة، والمعطيات، وما إلى ذلك من هذه الأصنام التي عبدها الناس من دون الله، هم يعبدون المظاهر، فهو سمعته عند الناس أغلى عليه من سمعته عند الله، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

 

عدم عذر الإنسان بما وجد عليه الآباء:

 أردت من هذه الآية أن الإنسان ليس معذوراً إذا قال: التقاليد هكذا، هكذا بيئتي، هكذا نشأتُ، هكذا علمنا أبونا رحمه الله، نعم رحمه الله، وأدخله الجنة، ولكن هل علَّمك وفق الشرع ؟ إذا كان كذلك ليس هناك مانع، إما إذا كان خلاف ذلك، لو أن أباك له محل تجاري، والتعامل على أساس ربوي، فأنت ماذا تفعل ؟ هكذا علمني، هل أبوك إله ؟ لا.. أبوك عبد لله، يخطئ، ويصيب، فإذا أصاب فمرحباً بهذا الصواب، أما إذا أخطأ فيجب ألا تبقى على خطئه.

 

﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) ﴾

 هذه الأصنام.

﴿ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) ﴾

عداوة إبراهيم لعبادة الأصنام:

 هذه العداوة قد يسميها بعض العلماء عداوة المآل، يعني لو كانت لك قضية بمكان معين، وإنسان أوهمك أن بيده حل هذه المشكلة، وابتز من مالك الشيء الكثير، ثم اكتشفت فجأة أنه ضعيف لا يستطيع أن يحرك ساكناً، بعد هذه المدة الطويلة، وهو يبتزّ مالَك، وهو يقول لك: أنا أفعل كذا، وكذا، وبإمكاني أن أفعل كذا وكذا، وفلان مفتاحه عندي، وفلان لا يعصي لي أمر، ونمْ مطمئنًا، وادفع هذا المبلغ، ثم اكتشفت فجأة أن هذا الذي ابتز مالك ليس بإمكانه أن يفعل شيئاً، ألا ينشأ عداوة منك تجاهه ؟ طبعاً.
 فهؤلاء الذين عبدوا الأصنام، وظنوها أنها تحفظهم، وأنها تنجيهم، وأنها تنقذهم، حينما اكتشفوا عند الموت أنها لا تنفع ولا تضر، وأنهم أخطؤوا خطأً كبيراً بعبادتها عندئذ ينشأ في نفوسهم عداوة لا حدود لها تجاه هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله.
 والآن لو أن إنساناً دلّك على عمل لا يرضي الله عز وجل، ووافقته على هذا العمل، وجاءك العلاج الإلهي، ألا تشعر بعداوة بالغة تجاهه ؟ بلى، لو أن إنساناً دلَّك على معصية، أو دلك على خرق حدود الله، أو دلك على عمل يسخط الله، أو دلَّك على ظلم الآخرين، أو شجعك على أن تخشى الناس، أو حملك على أن تأخذ مالاً ليس لك، لو أن إنساناً دفعك إلى هذا ثم دفعت الثمن باهظاً جاء العلاج الإلهي ألا تشعر أنه عدو لك ؟ عندئذ تعاديه أشد العداء، هكذا.

 

﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)﴾

 

معنى قوله: إِلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ:

 بعض المفسرين قال: إلا من يعبد رب العالمين، هذا القول، وهذا التفسير خطأ، لأنه لا يتناسب مع تتمة الآية:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 والأوجه أن تقول: إلا رب العالمين، وإلا من يعبد رب العالمين، أنت تحب الله رب العالمين الذي أسبغ عليك نعمة الوجود.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾

 (سورة الإنسان)

 والذي أسبغ عليك نعمة العقل، وأسبغ عليك نعمة البيان:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

 (سورة الرحمن)

 وسخر لك ما في الكون جميعاً لك، وهبك نعمة العقل، وهبك نعمة البيان، أرسل لك الأنبياء، وأنزل عليهم الكتاب من أجلك، إذاً ينبغي أن تحبه، لأنه أنعم عليك بنعمة الوجود، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد.

﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

وصف إبراهيم لرب العالمين:

 من رب العالمين ؟

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 هذه هو، تقول مثلاً: فلان أحضر طعاماً، هذا كلام لا ينفي عن الآخرين أنهم لم يحضروا طعاماً، وجدت أمامك طعاماً كثيراً، من جاء بهذا الطعام ؟ يقول لك: فلان أحضر طعاماً، هذا الكلام يعني أنه أحضر طعاماً، وربما فلان آخر أحضر طعاماً أيضاً، ولكن إذا قلت: الذي أحضر الطعام هو فلان، هذه صيغة قصر.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

من لوازم الربوبية الخَلق والهداية:

 أي أن الهداية لا تكون إلا من الله، لو قرأت مذهباً وضعيَّاً، لو قرأت كتاباً لفيلسوف كبير، لو اطَّلعت على نظرية معينة من صنع البشر هذا كله ضلال في ضلال، لأن الذي خلقك هو وحده الذي يهديك، إن الله هو الصانع، كمثل آلة معقدة جداً ليس في الأرض كلها جهة واحدة مخولة أن تعطيك تعليمات التشغيل والصيانة إلا الجهة الصانعة، وأنت تفعل كذلك عندك آلة معقدة لك جيران، لك جار موظف وجار صانع، وجار عنده محل تجاري، تبحث عن التعليمات المطبوعة التي جاءت مع هذه الآلة ولا تسأل أحد من هؤلاء لأنهم لا يعرفون، الجهة المخولة بإصدار تعليمات التشغيل، والصيانة هي الجهة الصانعة.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 فإما أن تكون مهتدياً من قِبل الخالق، وإلا فأنت في ضلال مبين قولاً واحداً، قولهم الإنسان أصله قرد هذا ضلال، وقولهم الإنسان كل شيء في حياته الجنس هذا ضلال، المادة كل شيء في حياة الإنسان الماديين هذا ضلال، اللذة كل شيء في حياة الإنسان الشاذ هذا ضلال، هذا كله أرضيّ، الفكر الذي ينكر وجود الخالق ضلال.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 إما أن تهتدي بالهدى الذي أنزله الله على أنبيائه فأنت مهتدٍ، وإلا فأنت ضال، الذي خلقني هو وحده يهديني، هذه العبارة فيها قصر في البلاغة، الذي جاء بهذا الطعام هو فلان، كلمة هو فلان أي وحده.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 لذلك كتاب في علم النفس مثلاً يقول: إن الشاب لما يكون في حياته الاجتماعية مع شابة تتهذب مشاعره وترق، يتهذب كلامه، هذا ضلال، لأنه خلاف القرآن، لا يوجد كتاب خلاف القرآن فيه حق إلا أن يكون مستقى من القرآن، فأصبح حقاً، كتاب أخذ أفكاره من كتاب الله، كتاب جاء بالدليل من القرآن فهو حق، أيّ كتاب جاء بأفكار مدعومة من القرآن والسنة فهو صحيح، وهو حق، أما كتاب آخر جاء بأفكار بحث علمي أن قليل من الخمر تنعش القلب، كلام فارغ، لأنه خلاف القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي من عند الله، قولهم: هذا النبيذ يبعث في الجسم الحرارة، فهو ضروري في الشتاء، هذا كلام فارغ، لأنه خلاف القرآن، مما أسكر كثيرُه فملء اليد منه حرام، وانتهى الأمر، أنت عندك مقياس، وعندك منهج، وعندك دستور، عندك قاعدة هذا الخالق العظيم هذا الكون خلقه، وهذا القرآن كلامه، وكلامه مطابق لخلقه، هذه التعليمات لهذه الآلة، الصانع واحد الذي صنع هذه الآلة أصدر هذه التعليمات، إذاً هذه التعليمات تضمن سلامة الآلة وأداء مردودها أعلى أداء.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾

 يعني هدى من كتاب يبتعد عن الدين، يبتعد عن القرآن، يبتعد عن أمر الله عز وجل ضلال في ضلال، لكن يكون الباطل أحيانا في زخرف، له بريق مصطنع، الإنسان قد يؤخذ بظاهره، ولكن إذا طبقته على المدى البعيد تكتشف الخلل الخطير في داخله.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) ﴾

من لوازم الربوبية: الرزق

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ(23)﴾

 (سورة الذاريات)

 لكن هناك سؤال دقيق: لماذا قدم الله الهدى على الإطعام والسقي ؟ لأن الهدى أخطر في حياتك من الطعام والشراب.

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

 (سورة الرحمن)

 كيف قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان ؟ لأن المنهج مقدم على الحياة، والهدى مقدم على الإطعام والسقي.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

 هو يطعمني، أنت إذا اشتريت فاكهة فإياك أن تتوهم أن هذا المال ثمن الفاكهة، هذا المال ثمن خدمة الفاكهة، ثمن خدمتها فقط، لو أن الله عز وجل لم يخلق هذه الفاكهة ولا هذا القمح ولا هذه الخضار.

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾

 (سورة الملك)

 الله عز وجل، إذا امتنعت السماء عن أن تنزل المطر بأمر الله عز وجل فكل هذه الأشجار المثمرة تصبح حطباً، وهذا رأيناه بأم أعيننا في إفريقيا، مساحات شاسعة يبست، الغابات، يبست الأشجار، ماتت الأبقار والأغنام، وهجر الناس الأرض، وهاموا على وجوههم، وصاروا يقفون وراء بعضهم بعضاً ينتظرون قطرات الماء تأتيهم من جهات بعيدة.

﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾

 العام الماضي الله عز وجل تفضل علينا بأمطار غزيرة، فكان كيس القمح إذا بذر يعطي سبعين كيساً، السنة اثنين أو ثلاثة أو أربعة، هو الرزاق، المحصول يكثر، ويكثر فتحار كيف تستخدمه، وكيف تخزنه، وماذا تفعل به، ويقل، ويقل حتى لا تدري ماذا تفعل به.

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

 إذا جلس الإنسان إلى مائدة، وأكل يقول: هذه مائدة الله عز وجل، لو أنه أعطاك هذا التفكير في خبرة تعمل بمصلحة أو بمهنة، لو أن هذا الفكر تعطل أخذ إلى المصحة أين الرزق ؟ تعطل الرزق، إذا معك مال فهذا من فضل الله عز وجل، يعني مكنك من عمل يدر عليك مالاً، خلل في الصحة يتعطل العمل، فلذلك الله عز وجل هو الرزاق الذي مكنك من كسب الرزق، هو الرزاق الذي خلق الرزق، وهو الرزاق الذي ساقه إليك مكنك من طلبه وخلقه وساقه إليك، هو الرزاق. فإياك أن تقول:

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

 

 (سورة القصص 78)

الرزق رزق الله

 لا، هذا رزق الله عز وجل، فإذا أكلت، أو شربت فاشكر المولى عز وجل على أنه خلق هذا الطعام، وعلى أنه جعلك سليماً معافى بإمكانك أن تأكل هذا الطعام، وعلى أنه يسر لك عملاً يدر عليك مالاً تشتري به هذا الطعام، كم مرة: خلق هذا الطعام، أعطاك صحة سليمة بإمكانها أن تأكل هذا الطعام، يسر لك عملاً يدر عليك مالاً تشتري به هذا الطعام، لذلك قل الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وإليه النشور.
 النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من الخلاء قال:

 

(( الحمد الله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه ))

 

 ( سلسلة الأحاديث الضعيفة )

 يعني الطعام، أذاقني لذته، السيروم ليس فيه لذة، حقن في الوريد اثني عشر ساعة، وتنتهي، لكن بوجود صحتك فإنك تأكل تفاحة، أو بطيخًا، أو خضر، أو فواكه، أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه، مسالك البول جارية، لو أنها انسدت لاحتاج إلى عمليات، وبحصة، وكلية تعطلت شيء صعب، أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه.

﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾

 كلمة هو يعني إياك أنَّ تتوهم أن مالَك وحده يكفي لأن تأكل وتشرب، أو أن قوتك وحدها تكفي قوتك العضلية، أو أن خبرتك في هذا الموضوع، أو أنك متقن لهذه الحرفة، أو أن لك باعاً طويلاً في هذا المجال، فتقول: أنا تاجر عريق، صناعي كبير، طبيب لامع، محامٍ لامع، إياك أن تظن أن خبراتك ومعلوماتك وذكاءك ومالك هذا كله جعلك تأكل هذا الطعام، هذا الطعام من فضل الله سبحانه وتعالى، هو خلقه، ومكنك من أكله، وألهمك عملاً كسبت منه مالاً فدفعت ثمن هذا الطعام، أما قارون فقال:

 

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

﴿فَخَسَفْنَا بِهَ وَبِدَاِرهِ الأَرْضَ ﴾

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

من لوازم الربوبية: الشافي هو الله:

 أحياناً يمرض الإنسان، فيزور الطبيب، يصف له الدواء يشفى، ينسى أن الله عز وجل هو الذي شفاه، يتوجه بكل طاقته إلى بالشكر طبيب، الطبيب يشكر إذا خدمك لكن لا تنسَ فضل الله عز وجل.

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

إن الطبيب لـه علـم يدل بـه  إذا كان للناس في الآجال تأخير
أما إذا ما انتهت أيام رحــلته  حـار الطبـيب وخانته العقاقير
* * *

 غلطة صغيرة من الطبيب تودي بحياة المريض، يعطيه دواءً، وما سأله سؤالا صار معه صدمة فتوقف قلبه فمات، واسأل أي طبيب تريد، هناك ما يسمى عند الأطباء الشفاء الذاتي، يعني الله عز وجل أحياناً مع أن الأطباء حكموا على هذا المرض بأنه عضال، وأنه لا شفاء له، وأن هذا المريض لن يعيش إلا أسبوعين، فإذا هو يعيش عشرين عاماً بعد قولهم، وإذا هذا الذي قال: لن يعيش إلا أسبوعين مات بعد خمس سنين، وبقي المريض يعيش بعد ذلك خمس عشرة سنة.

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

 لذلك اليأس كفر.

 

﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسٌ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾

 مهما كان المرض عضالا.

 

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

 مهما كانت المصيبة مؤلمة فإنّ الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، إذا أعطى أدهش.
 هذه الآية تبث الأمل في النفس، مهما كانت القضية ليس لها حلّ، وأحياناً ربنا عز وجل من لوازم العلاج النفسي يلهم الطبيب أنه ليس هناك دواء هذه قضية معصية لا تتعب نفسك، وطن نفسك عليها طوال حياتك، إذا بهذا الطبيب رأى شيئاً أدهشه.

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

 تقول لي: الطبيب قال: هذه علة دائمة، وهذه ليس لها دواء، هذا علمه، ذلك مبلغه من العلم، ولو علم العلم الكامل والشامل لقال لك: معلوماتي التي درستها تقول: كذا، وعند الله ما ليس عندي، الطبيب هكذا يقول، أنا الذي أعرفه هذا المرض لا شفاء منه، ولكن الله عز وجل قادر أن يشفيك منه، فتوجه إلى الله بالدعاء، هذا الطبيب المؤمن هكذا يقول، أما إذا جزم هذا الطبيب فهو لا يعرف ما عند الله.

﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾

 لأن الناس قد يتوهمون الهدى من غير الله جاءت هو تؤكد، وقد يتوهمون الرزق من غير الله فجاءت هو تؤكد، وقد يتوهمون الشفاء من الأطباء فجاءت هو لتؤكد، ولكن الناس قاطبة مؤمنهم، وكافرهم يعتقدون أن الذي يحي، ويميت هو الله، لذلك:

﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾

الإحياء والإماتة من صفات الله:

 ما الموت ؟ الموت هو أن يريد الله أن يموت هذا العبد، لكن مهما تكن العلل كبيرة، والموت لم يَحن بعدُ فهو في فسحة الحياة، لذلك لا خوض غمار الحرب يقرِّب الأجل، ولا أي شيء آخر يقرب الأجل، ينهي الأجلَ اللهُ سبحانه وتعالى، هذا المعنى يبث في النفس الشجاعة، الإنسان له أجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر.

﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) ﴾

من معاني الموت:

 الخطيئة هنا لها معنىً دقيق، في بعض التفسيرات الإشارية لهاتيتن الآيتين الأخيرتين أن بعض المفسرين يقول: إذا مرضت بمخالفته شفاني الله برحمته، وإذا مرضت بمقاساة الخلق شفاني الله بمشاهدة الحق، وإذا مات العبد بالمعاصي أحياه الله بالطاعات، وإذا مات بالخوف أحياه الله بالرجاء، وإذا مات بالطمع أحياه الله بالقناعة، وإذا مات بالعدل أحياه الله بالفضل، وإذا مات بالجهل أحياه الله بالعلم، وإذا مات بالفراق أحياه الله بالتلاقي.

المعنى الأول:

 الحقيقي الموت هو الموت، وهو انفصال الجسد عن الروح، يعني نهاية الحياة الدنيا، هذا هو المعنى الحقيقي الأول.

المعنى الثاني:

 من معاني الموت: الذي يعصي ربه كأنه ميت، والخائف كأنه ميت، الخائف بسبب الشرك كأنه ميت، والطامع في الدنيا ميت القلب، والبعد عن الله موت، والجهل موت، والعلم حياة، واللقاء مع الله حياة، وفضل الله حياة، والقناعة والرجاء والطاعة حياة.
 في الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾

 إن شاء الله نفصل فيها في الدرس القادم.