مكارم الأخلاق - الندوة : 09 - الاستقامة، التمويه عند الفراشات

2008-03-10

مقدمة :

الأستاذ عدنان :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله، وأرحب بكم في برنامج:" مكارم الأخلاق"، وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً.
الأستاذ عدنان :
دكتور الاستقامة كلمة نسمعها في الناس، وفي المجتمع، وفي أخلاق الناس كثيراً، في الحقيقة المصطلح في تعريف الاستقامة هو الذي نطلبه، ولا نطلب التعريف اللغوي، الاصطلاحي هو الذي أود أن تبينه للأخوة المشاهدين.

المعنى الاصطلاحي للاستقامة :

 

الدكتور راتب :
المعنى الاصطلاحي للاستقامة سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، لأن استقامة فعل مزيد على الثلاثي، من قوم، وقوم أي اعتدل، واستقام طلب سلوك الطريق المستقيم، والطريق المستقيم هو الطريق إلى الله، هو منهج الله، هو افعل ولا تفعل، هو المنهج الذي رسم للإنسان من أجل سلامته وسعادته، هو تعليمات الصانع، هو تعليمات الخبير، هو الطريق الذي يصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، هو الطريق الذي يحقق سلامة الإنسان:

 

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

[ سورة المائدة الآية :16 ]

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية :9 ]

الاستقامة بالمعنى الدقيق :

الاستقامة بالمعنى الدقيق: سلوك الصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو طريق الدين القويم، هو الطريق إلى الله، هو الطريق الذي يفضي إلى الجنة، هو الطريق الآمن، هو طريق السعادة، هو طريق الأمن:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآيات : 81-82]

هو طريق الحكمة، هو طريق الرحمة، هو طريق العدل، هو طريق الإنصاف، هو طريق الخير، هو طريق الجمال، هو طريق العطاء، المنهج القويم الذي رسمه الله لهذا الإنسان كي يحقق علة وجوده، وغاية وجوده، هو الصراط المستقيم، والاستقامة أن تمشي على طريق يوصلك إلى الله، والآية الدقيقة:

﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 6]


إن سرت على طريق الدين وصلت إلى الله،

﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾

كيف أنك في الدنيا تسلك طريقاً يوصلك إلى هذه المدينة، وهذا الطريق يوصلك إلى مكان آخر،

﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ﴾

إن سرتم على منهج الله وصلتم إلى الله في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا رحمة، وحفظ، وتأييد، ونصر، وتوفيق، وفي الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض، فالمعنى الاصطلاحي للاستقامة أن تسلك المنهج الذي رسمه لك خالقكم:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 21]

الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تطاع هي الجهة الخالقة، الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، فلذلك الاستقامة أن تمشي على صراط الله.
الأستاذ عدنان :
دكتور:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]

الأمر الإلهي للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين الذين مع الرسول أن يستقيموا كما أمروا، رغم أن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام رعته يد العناية الإلهية فهو مخلوق على الاستقامة كيف يكون ذلك؟

 

الاستقامة تجب على كل المؤمنين :

الدكتور راتب :

لا بد من التوضيح أستاذ عدنان، أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، ولولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود الآية : 112]

هناك من يتوهم أن هؤلاء الأنبياء صفوة الله في خلقه، هم في كمال وهبي، نقول: لا:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

أوضح لك هذه الحقيقة بمثل، لو أراد أعلى طبيب جراح قلب أن يعطي مريضاً حقنة فيجب أن يعقمها، يجب أن يعقم المكان، يجب ويجب هناك تعليمات دقيقة، ولو أراد أقل ممرض أن يعطي هذه الحقنة يجب أن يطبق تعليمات أعلى طبيب
المؤمنون والأنبياء يشتركون في تطبيق منهج الله، أما مقام الأنبياء شيء، ومقام المؤمنين شيء آخر، إذاً الاستقامة تجب على كل المؤمنين:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

ولا تضعف،

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

لئلا يتوهم المسلم أن الذي فعله النبي ليس مطالباً به، الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام منهجاً لنا، ونحن مطالبون بتطبيقه، ولولا أن الشريعة ضمن وسع الإنسان لما كان لهذه الآية من معنى:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 286 ]

الأستاذ عدنان :
استقم وكما أشرتم أن الاستقامة هي الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الخالق وعبادته، لا يمكن أن يكون الاتجاه إلى الطريق المغاير، فالحق إذاً واحد، لكن إذا كان الحق واحداً فهل الباطل هو الذي يكون واحداً باتجاه معاكس أم الباطل يكون متعدداً؟

 

الحق واحد لا يتعدد :

الدكتور راتب :

الحقيقة أنني مضطر لاستخدام بعض المصطلحات الهندسية، بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، ولو حاولنا أن نرسم مئات المستقيمات بين نقطتين تأتي كلها فوق بعضها، لذلك الحق لا يتعدد، الحق لا يتعدد لأن الحق كالخط المستقيم، الباطل يتعدد، بين نقطتين يمكن أن نرسم مليون خط منحن، بين نقطتين يمكن أن نرسم مليون خط منكسر، لكن بين نقطتين لا يمكن إلا أن نرسم خطاً واحداً، لذلك من لطائف القرآن الكريم أن الحق جاء مفرداً، وأن الباطل جاء متعدداً:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 153 ]

 

﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 257 ]

الظلمات جمع، إلى النور، قد يقول أحدهم: لمَ لم يقل الله عز وجل من الظلمات إلى الأنوار؟ من الظلمات إلى النور، الحق لا يتعدد، ويقاس على هذا أن المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حقٍ وباطل لا تدوم، لأن الله مع الحق، والمعركة بين باطلين لا تنتهي، لأن الله تخلى عن كل منهما، بقيت القوة وحدها هي الحكم.
الأستاذ عدنان :
الإنسان إذا أردنا أن ننظر إلى أعماله أهي مستقيمة أم لا، نجد الإنسان ـ وأنا أعمم هذا ـ يسير على الاستقامة الكاملة من خلال المصطلح الذي عرفتم به الاستقامة في بدء هذه الندوة، ونجد إنساناً على غير ذلك، وهذا في مرده لذات الإنسان، تكمن بواعث هذا التعدد في مستوى الاستقامة، ما هي البواعث التي تدعو فلاناً إلى الاستقامة وما هي البواعث التي تجنبه طريق الاستقامة؟

 

الإيمان بالله هو الباعث الأول للاستقامة :

الدكتور راتب :

الحقيقة أن المستقيم كما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 30 ]

قبل أن تؤمن بالآمر لا تبحث عن الاستقامة، قبل أن تؤمن بالآمر لا تبحث عن الأمر، قبل أن تعرف الله لا يمكن أن يهمك قضية طاعته أو عدم طاعته، لأن الإنسان حينما يكذب بالحسنى، والحسنى هي الجنة:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات الآيات : 40-41 ]

الآية التي تقول في قوله تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]


الإنسان حينما يكذب بالجنة، يكذب أن هناك حساباً وعقاباً، وجنة وناراً، حينما يكذب بالحسنى يستغني عن طاعة الله:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 74]

إذاً ما هو الباعث الأول للاستقامة؟ الإيمان بالله، أن تؤمن أن الله يعلم وسيحاسب وسيعاقب، أنت حينما تقف بمركبتك أمام إشارة حمراء، والشرطي واقف، والضابط واقف، وأنت مواطن عادي، لا يمكن أن تخالف، لأن واضع قانون السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك من خلال حجز المركبة، أما قد تتخطى هذه الإشارة في الساعة الثالثة ليلاً، أو تتخطاها إذا كنت لك مكانة أكبر من واضع القانون مثلاً، لكن حينما تكون منضبطاً، وتعلم أن واضع هذا القانون يطولك علمه، وتطولك قدرته، لا يمكن أن تعصيه.

الله عز وجل علمه يطولنا وقدرته تطولنا :

لذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 30 ]


ربنا يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، علمه يطولنا، وقدرته تطولنا:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾

[ سورة الطلاق الآية : 12 ]

بواعث الاستقامة أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب :

الآن: الله عز وجل اختار من بين أسمائه كلها اسمين:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق الآية : 12 ]


علمه يطولك، وقدرته تطولك، لذلك لا تنتظر من إنسان لم يؤمن بالله أن يستقيم، لا تنتظر من إنسان لم يعرف ماذا عند الله لو أطاعه، وماذا ينتظره لو عصاه، الاستقامة متعلقة بالإيمان:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 74]

إذاً ما هو الباعث الأول على الاستقامة :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 30 ]

ربنا الله، وإلهنا، ومسيرنا، أسماؤه حسنى وصفاته فضلى، يعلم، يطولنا علمه، وتطولنا قدرته، يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، هذه بواعث الاستقامة، لذلك أنا لا أصدق كثيراً أن يكون إنسان عنده رادع داخلي من دون أن يكون مؤمن، قد يتعفف عن شيء لا يريده.
الأستاذ عدنان :
دكتور هنا في هذه الناحية بالذات كنت أود أن أسأل مثل هذا الأمر الذي فتحتم الباب إليه، تحدثتم فيما مضى عن الفطرة، والفطرة يمكن أن تكون مقومة، ويمكن أن تكون سليمة، ويمكن أن تكون كما أرادها الله عز وجل، في هذه الحالة دون أن تنطمس ألا تكون باعثاً للاستقامة؟

 

الفطرة باعث معرفة الله عز وجل إذا بقيت سليمة :

الدكتور راتب :
طبعاً إذا بقيت سليمة، الفطرة أيضاً باعث معرفة الله والرجوع إلى الفطرة، هناك إيمان فطري، وهناك إيمان كسبي، فالإيمان الكسبي باعث على الاستقامة، والإيمان الفطري باعث، لكن مع كثرة الضلالات، والشبهات، والشهوات المستعرة، والفتن، هذا كله يضعف قيمة الفطرة، ويقوي قيمة الإيمان الكسبي
لكن أريد أن أقول أستاذ عدنان الباطل لا يمكن أن نستوعبه، قبل قليل ذكرت أن بين نقطتين يمر مليون خط منحن، ومليون خط منكسر، أي عمر الإنسان أقل بكثير من أن يستوعب الباطل كله، مضيعة وقت، طريق مسدود، ما يطبع في يوم واحد، بلغة واحدة، نحتاج إلى قراءته في مئتي عام، أن نستوعب الباطل طريق مسدود، وشيء مستحيل، وعمرنا قصير، والوقت محدد، لكن البطولة أن نستوعب الحق، لو استوعبنا الحق كان الحق مقياساً، وكان الحق ضابطاً يمكن أن تقيس كل شيء تسمعه، أو تقرأه على الحق الذي استوعبته من وحي السماء، لأن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه
الأستاذ عدنان :
دكتور أنت ضربت مثلاً من خلال النقطتين وبينهما خط مستقيم، وهذه هي الاستقامة اصطلاحاً، وضربت في نفس المثل ليصل الإنسان إلى النقطة الثانية يستطيع أن يمر من خلال خط منحن بملايين الخطوط، أو منكسر بملايين الخطوط، قال قائل: أنا منذ ولادتي في النقطة الأولى إلى نهايتي في النقطة الثانية إن سرت على الخط المستقيم إلى أن أصل نهايتي، أو سرت على الخط المنكسر ومتى أتت نهايتي فليكن، ماذا يكون الجواب؟

الاستقامة توصل إلى الجنة :

الدكتور راتب :
نقطة النهاية نقطتان جنة ونار، فإن سار على الخط المستقيم أوصله الطريق إلى الجنة، أما إذا سار على الخط الآخر أوصله هذا الخط الآخر إلى النار، يتوهم أن النقطة الثانية يصلها بالانحناء مستحيل، طبعاً ينهي الانحناء إلى النار.
الأستاذ عدنان :
أهداف الاستقامة.

أهداف الاستقامة السلامة و السعادة :

الدكتور راتب :
أهداف الاستقامة ما من إنسان على وجه الأرض من الستة آلاف مليون إلا ويحرص على سلامته وسعادته، والذي يشقي الإنسان جهله، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
الأستاذ عدنان :

الاستقامة منجية في هذه الحالة، إذا أردنا أن نرى نتائجها على الفرد وعلى من حول الفرد أي في المجتمع.

لغة العمل أبلغ من لغة القول :

الدكتور راتب :
الحقيقة:

(( استقيموا يستقم بكم ))

[أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]


هذه الدعوة الصامتة، بإمكانك أن تكون صادقاً، وأميناً، وعفيفاً، صدقك وحده دعوة للاستقامة، أمانتك وحدها دعوة إلى الأمانة، عفتك وحدها دعوة إلى العفة، نحن بحاجة لا إلى دعاة ناطقين بقدر ما نحن بحاجة إلى دعاة صامتين، لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول، وهذا الإسلام بدأ وانتشر بالتطبيق لا بالكلام، ولو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة المكرمة، فهموه تطبيقاً، فهموه بذلاً وعطاءً، فلذلك:

 

(( استقيموا يستقم بكم ))

 

[أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]

كيف أن القرآن الكريم كون ناطق، وكيف أن الكون قرآن صامت، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، نحن بحاجة الآن إلى مسلم يمشي أمامنا، فإن تكلم فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذا الذي ينجي:

(( استقيموا يستقم بكم ))

[أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب ]

الأستاذ عدنان :
إذا أردنا أن نخصص أكثر لنرى ميادين الاستقامة، هذا عن المجتمع والإنسان بشكل عام، فيما يتصل بالقلب والجوارح عند الإنسان.

 

من استقام قلبه استقامت جوارحه :

الدكتور راتب :

إذا استقام قلب الإنسان استقامت جوارحه، الإيمان لا يتجزأ، الإيمان ما وقر في القلب، وأقرَّ به اللسان، وصدَّقه العمل، فإنسان مستقيم من خارجه هذا منافق، أما الاستقامة تبدأ من القلب، يستقيم القلب يعرف الله، يتوجه إليه، يرجو جنته، يخشى ناره، يُحسن إلى خلقه، هذه المشاعر الداخلية، الحقيقة الاستقامة هي بيان داخلي، الاستقامة في حقيقتها سلوك، وانضباط، ووقوف عند الحق، وإنصاف، وإذعان للحق، وردّ للباطل، وإحسان، ورحمة، هذه كلها مظاهر، كيف أن الحب شعور يعبر عنه بالود، كذلك الاستقامة موقف داخلي، اعتقاد، يقين، إيمان بالله عز وجل، رغبة في خدمة الخلق، هذه كلها مشاعر داخلية تنعكس خدمة لبني البشر، لذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159 ]

أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً معهم، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، معادلة رياضية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159 ]

إذاً الاستقامة مبعثها داخلي؛ القلب، لذلك :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

استقامة اللسان تأتي من استقامة القلب، واستقامة الجوارح تأتي من استقامة القلب، والحقيقة الإيمان كله قرار داخلي، موقف داخلي، عظمة المؤمن أو هذه الشخصية الفذة سره كعلانيته، ظاهره كباطنه، خلوته كجلوته، هي مرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، ومرتبة جمالية.
الأستاذ عدنان :
دكتور هذه من ثمار الاستقامة في ذات الإنسان، قلبه نظيف، جوارحه نظيفة، لسانه نظيف، الآن ما يندرج من هذه الاستقامة ثماراً في الدنيا.

 

ثمار الاستقامة في الدنيا :

الدكتور راتب :
أستاذ عدنان الحقيقة هناك حديث أسأل الله أن يمكنني أن أوضحه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]


والمطلق على إطلاقه، وحينما يحذف المفعول به يطلق معنى الفعل، لن تحصوا ثمار الاستقامة أهي سكينة؟ أهي راحة؟ أهي سعادة زوجية؟ أهي سمعة متألقة؟ أهي توفيق في العمل؟ أهي إنجاز كبير؟ أنها بركة في العمر؟ أنها كسب مال حلال؟ أنها أسرة سعيدة؟ أي استقيموا ولن تحصوا الخيرات في الدنيا قبل الآخرة:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن الآية : 46]

في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، استقيموا ولن تحصوا الخيرات من الاستقامة.
الأستاذ عدنان :
دكتور الحقيقة أن الكرامة التي كرّم الله تعالى بها الإنسان هي الاستقامة من جملة أمور كثيرة، والاستقامة كما ذكرتم أن يكون الإنسان على الطريق المستقيم الذي يؤدي به إلى عبادة الله عز وجل، واتباع أوامره، والانتهاء عما نهى عنه، إذا انتقلنا إلى الموضوع العلمي وما فيه من تمويه الحيوان في أموره حتى يكسب أمور نجاته، وحياته، وبقائه، ترى هل الإنسان إذا ما موه يستطيع أن يموه على ربه؟ الجواب: لا، لنرى ما يتصل بالتمويه في ميدان الحيوان.

 

الموضوع العلمي :

التمويه عند الفراشات :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحقيقة هناك آيات دالة على عظمة الله في خلقه، والحيوان مع أنه غير عاقل لكن يقوم بأعمال تفوق عقول الأذكياء، لأنه مُسير من قبل الله عز وجل.

هذه العنكبوت البيضاء في طرف الزهرة في انتظار فريستها، تحط الفراشة وسط الزهرة، يرى بزاويتها العنكبوت بلون أوراق الزهرة تماماً، ولشدة التمويه تحط الفراشة على العنكبوت نفسه ظناً منها أنها زهرة، للفراشات مكانة خاصة بين الكائنات، هذه الفراشة تجيد التمويه في الطبيعة بشكل معجز، بعض أنواع الفراشات رسمت عليها عيون كبيرة، هذه العيون الكاذبة أهم تكتيك دفاعي للفراشات، فعند مواجهة أي خطر كمقابلة عصفور يبحث لنفسه عن طعام ما عليها إلا أن تفتح جناحيها كاملاً لتبدو للعصفور أنها مخلوق كبير، وهذا مثال حي لهذا التكتيك.

في الحقيقة هذه الفراشة التي تقف على الشجرة فريسة سهلة للعصفور، إلا أن الفراشة ما تلبث أن تفتح جناحيها فتبرز عينان كبيرتان، ليبدو الخطر على العصفور كبيراً، يفر العصفور من هناك بسرعة وكأنها بومة، هي تقلد شكل البومة، وهذه طريقة تنجو منها من خطر أن يلتهمها العصفور.
لندقق في روعة النقوش التي على هذه الفراشة، شكل العين، الأهداب التي تحتها، الأنف، القزحية، الضوء المنعكس في الحدقة، حتى بريقها، وضعت كل التفاصيل، على جناح آخر نرى الأنف، والآذان، والظلال فوق العين، كأنه مكياج، و شكل العين، وحدقة العين، وحتى البريق المنعكس في الحدقة، تعطي صورة حيوان كبير، فالفراشة المتواضعة الصغيرة شكل أجنحتها على شكل بوم، فإذا رأت عصفوراً فتحت أجنحتها، فخاف العصفور فولى هارباً.

التصميم على جناح الفراشة يدلنا على بديع خلق الله سبحانه وتعالى :


في هذا التمويه تفصيل مهم، ألد أعداء الفراشات صنفان: حشرات كاليعسوب، وعصافير صغيرة تتغذى عليها، وتعد البومة ألد أعداء هذين الصنفين، وفي هذه النقطة معجزة خارقة جداً، ذلك لأن الصورة التي على جناح هذه الفراشات غالباً صورة بومة، أي أن الفراشة تحمي نفسها بتقليد عدو عدوها، لأن الطيور الصغيرة تخاف من البومة كثيراً، إلا أن الفراشة قطعاً لا تعرف أن البومة عدو عدوها، من علمها ذلك؟
ولا تقدر على رسم صورتها على جناحيها، وليس لها وعي لتخطيط مثل هذا التكتيك، ولكن في الواقع الصورة الدقيقة هذه موجودة بلا شك، لم يأتِ هذا الرسم مصادفةً، بل خلق لغاية معينة، فلمن يرجع التصميم الموجود على الفراشة يا ترى؟ تصميم كهذا لا يمكن أن يحدث كما زعم التطوريون، فكل تصميم يدل على مصمم، وهذا التصميم الذي على جناح الفراشة يدلنا على بديع خلق الله سبحانه وتعالى، قال تعالى :

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة الحشر الآية : 24]

وإلى جانب الأعين الكاذبة للفراشات لها إمكانيات للتمويه محيرة، فكأن الفراشات استقطعت ألوان الأيكة ثم أنتجت هذه الألوان على أجسامها، من خلال نظام دقيق تناسب ألوان هذه الأيكة، إلا أن الفراشة لا يمكنها قطعاً عمل كل هذه الذي عددناه، هذا التصميم في الفراشات دليل واضح على خلق الله تعالى.

 

التفكر في آيات الله عز وجل طريقة معرفته :


مرة ثانية أستاذ عدنان: الإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض عرف جانباً من أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، الله عز وجل حينما أمرنا أن نعبده رسم لنا طرقاً سالكة وواضحة إليه، لذلك طريقة معرفة الله التفكر في آياته، له آيات كونية؛ خلقه، وله آيات تكوينية؛ فعله، وله آيات قرآنية؛ كلامه، الله عز وجل يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾

[ سورة المائدة ]

من وسائل معرفة الله آياته الكونية؛ خلقه، فراشة ليس لها عقل يمكن أن تظهر على شكل بوم، هل هي صنعت لنفسها هذه الرسوم الدقيقة؟ العين، والحدقة، والظل فوق العين، وبريق حدقة العين، شيء مستحيل، إذاً التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى معرفة الله وأوسع باب ندخل منه على الله.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان :
إذاً أستطيع أن أقول: أيها الإنسان عندما تطلع على إعجاز الله عز وجل في خلقه، وقد تحدثتم عن التمويه، فيما وضحتم وبينتم، لكن عليك أيها الإنسان أن تعلم أن هذه الحيوانات مُسيرة والتمويه يفيدها، أما إذا أردت أن تموه على ربك في أخلاقك، وتدعي أنك على طريق مكارم الأخلاق، وأنت ليس كذلك، فالتمويه لا يفيدك أبداً.
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة و أصول الدين، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.