دروس حوارية - الدرس : 01 - الاهتمام بالأولاد - أخلاق الجهاد - فن الحوار - الذكاء العاطفي

2006-02-26

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مقدِّمات هامة

 أيها الإخوة الكرام : لابد من بعض المقدمات .

المقدمة الأولى : عليكم بالأعمال المتاحة السهلة

 كم عمل يمكن أن تعمله في ظل الظروف الراهنة الصعبة القاهرة الضاغطة دون أن تساءل إطلاقاً ؟ مئات الأعمال ، ملايين الأعمال .
 الذي أتمناه عليكم أن نبقى في الأعمال التي إن فعلتها لن يسائلك أحد ، لا قريب ولا بعيد ، ولا كبير ولا صغير .
 أقول لكم مرة ثانية : يمكن أن تفعل مئة ألف فعل ، ولا أحد يستطيع أن ينطق بكلمة ، إذا دخلت إلى بيتك ، وجلست مع أولادك ، وعلمتهم بعض الحق هل يحاسبك أحد ؟ لو دخلت إلى عملك ، وكنت صادقاً أميناً متقناً لعملك هل يسائلك أحد ؟ مستحيل .
 إنّ من تلبيس إبليس أن الشيء الذي بين يديك ، وبإمكانك أن تفعله ، وترتقي به إلى أعلى الدرجات يزهدك به ، وأن الشيء الذي لا تستطيعه لا أنت ، ولا الدول يقحمك فيه ، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، الشيء الذي لا تستطيع أن تفعل فيه شيئاً يصرفك إليه ، يدفعك إليه ، و الشيء الذي تستطيع أن تفعله مئة بالمئة دون أن تساءل يزهدك به .
 الآن افعل ما تستطيع ، أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك .
 ثمة كرة تحت سيطرتك ، أمْرك نافذ فيها ، وأنت جزء من كرة كبيرة جداً فيها قوى ضاغطة قاهرة ، ولا تستطيع أن تواجهها ، القاعدة الذهبية : أقم أمْرَ الله فيما تملك يكفك ما لا تملك ، الدليل ، ولولا الدليل لقال ما شاء من شاء :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد : 11]

 الكرة الكبيرة التي فيها قوى رهيبة وخطيرة وضاغطة وقاهرة ، هذه الكرة الكبيرة :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد : 11]

 ملخص الكلام : أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك ، والمسلمون الصادقون في كل الظروف ، وفي كل الأزمات ، وفي كل الضغوط يفعلون آلاف الأفعال الإيجابية التي ترفع شأن الأمة ، ولا أحد يسائلهم ، هذه الحكمة البالغة نستطيعها جميعاً ، ولا نحاسب عليها .
 مثلاً : أقول دائماً : إن الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيت في أيدينا هي أولادنا ، هذه الأمة بشبابها ، هذا الشاب له بيت ، لو أن كل أب اهتم اهتماماً بالغاً بأولاده ، ونشأهم تنشئة إسلامية ، ودلهم على الله ، وضاعف اهتمامه بهم ، وجلس معهم ، وعلمهم ، وكانوا معه دائماً حتى نشؤوا نشأة علمية إسلامية أخلاقية جمالية ، هذا يكون قد أعدّ للطرف الآخر ما أمرك الله أن تعده له ، أعدوا لهم ، أعد للطرف الآخر أولادك ، نحن نُعجب دائماً ، وأنا واللهِ أُعجب لمن يموت في سبيل الله ، لكن لا نحض شبابنا على أن يعيشوا في سبيل الله ، طبعاً هذا الذي ضحى بحياته في سبيل الله إنسان عظيم جداً ، لكن هو واحد فَقَده المجتمع ، تأثرنا ، ترنمنا ببطولته ، أشدنا به ، خلدنا اسمه ، كل هذا رائع ، لكن نحن فقدنا واحداً ، كما أنك تطمح إلى أن يموت الإنسان في سبيل الله يجب أن تطمح أن تعيش في سبيل الله ، لا أن تكون واحداً ، أن تكون أمة :

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 

[ سورة النحل : 120]

 فكّر كيف نعيش في سبيل الله ؟ كيف نبني أنفسنا ؟ كيف ننفع من حولنا ؟ كيف نُجمع طاقاتنا ؟ كيف نتقن أعمالنا ؟
 والله حدثني أخ حديثًا يكاد لا يصدق ، استطاع أن يبيع دولا عظمى برامج كومبيوترية بأرقام فلكية ، وينفع بهذه الأموال الموظفين الذي عنده ، عنده عشرون أو ثلاثون موظفًا ، كلهم تزوجوا ، واشتروا بيوتاً ، مليون عمل إيجابي بإمكانك أن تفعله في ظل هذه الظروف الصعبة ، ضغوط ، تهديدات ، حصار ، كله موجود ، الله موجود ، وأقول دائماً : لو استمعت إلى الأخبار ، وقرأت التحليلات ، أعجبك بعضها ، ورفضت بعضها فلا تنس لحظة واحدة أن الله موجود ، و أن الله بفعل من أفعاله يقلب موازين القوى كلها ، وليس في الكون إلى الله :

 

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 18]

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة البروج ]

 نقيم أمر الله فيما نملك حتى يكفنا ما لا نملك .
 نحن الآن في أول موضوع تربية الأولاد ، وأنا والله أرى أن هذا أخطر موضوع على الإطلاق .
 والله أيها الإخوة ، حينما ترى ابنك كما تتمنى فأنت أسعد الناس ، وحينما لا ترى ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
 ذهبت إلى بلد بعيد ، وقلت لهم هناك : لو كنت في منصب ـ في ذلك الزمان كان كلينتون ـ لو بلغت منصباً ككلينتون ، وثروة كأوناسيس ، أتكلم بلغتهم هناك ، أوناسيس أكبر أغنياء أميركا سابقاً ، طبعاً الآن يوجد بيل غيت ، لو كنت في منصب ككلينتون ، ولك ثروة كأوناسيس ، ولك مرتبة علمية كأنشتاين ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
 لا يوجد شيء يسعد الأب كأن يكون ابنه صالحاً ، لكن هذا تمنٍّ ، والتمنيات بضائع الحمقى ، دقق :

 

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[ سورة الإسراء : 19]

 لن يقبل الله من عبد عملاً إلا إذا سبقه سعي له ، الله عز وجل ما قبل التمنيات أبداً ، قال تعالى :

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة النساء : 123]

 بجهدكم وسعيكم .
 إذاً أول موضوع تربية الأولاد في الإسلام .

المقدمة الثانية : بين أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد

 موضوع آخر ، الحقيقة أن هناك أخلاق الجهاد ، قال الله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة : 73]

 هذه أخلاق ساحة المعركة فقط ، أما في الحياة المدنية :

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 بعض المسلمين اختلطت عندهم الأوراق ، فيستخدمون قواعد الجهاد في الحياة السلمية ، الآخر إنسان ، وعبد من عباد الله ، وأنت مكلف أن تكون معه في أرقى حالة ، دقق في قوله تعالى :

 

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾

[ سورة المائدة : 8]

 يجرمنكم أي لا يحملنكم ، الشنآن البغضاء الشديدة ، أي هؤلاء الذين تبغضونهم هم الكفار لا يحملكم كراهيتكم لهم أن تظلموهم :

 

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : الآية 7]

فـــن الحـــوار

 فن الحوار ، الآن يوجد كلام أسمعه كثيراً ، قبول الطرف الآخر ، الطرف الآخر موجود ، وهو إنسان ، وهو ينظر إليك بالموازين التي يعرفها ، فكل بطولتك أن تكون عنده كبيراً بموازينه أيضاً ، بالموضوعية .
 مثلاً : نحن بعيدون عن القرآن ، مع أنه بين أيدينا ، والآية الكريمة :

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾

[ سورة سبأ : 24]

 إنسان سيد الخلق ، حبيب الحق ، معه وحي السماء ، أول مخلوق بالكون يقول للطرف الآخر الكافر : الحق معنا أو معكم ، وقد يكون معكم :

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾

[ سورة سبأ : 24]

 ما هذا الأدب ؟
 لا تستعلِ ، لا تنظر للطرف الآخر من منظار عال ، لا تستخدم الفوقية ، الفوقية والاستعلاء والكبر ، أنه أنا مسلم ، أنا معي الحق :

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة سبأ : 24]

 أي نحن أو أنتم ، هذا أسلوب :

 

﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة سبأ : 25]

 النبي الكريم مجرم ؟ قال : ولا تسألون هكذا حاورهم :

 

﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة سبأ : 25]

 هذا فن الحوار :

 

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

[ سورة النحل : 125]

الموعظة الحسنة

 الموعظة التي كُلفت أن تستخدمها يجب أن تكون حسنة :

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

[ سورة النحل : 125]

 الفرق بين حسنة وأحسن ، أن حسنة صفة ، أما أحسن اسم تفضيل ، أي إذا أردت أن تعظ الناس فاستخدم الموعظة الحسنة ، أما إذا أردت أن تجادلهم ، أو أن تحاورهم لو أن هناك ألف عبارة حسنة فأنت مكلف أن تختار الأحسن ، لذلك دائماً هناك فرق بين التوضيح والسباب ، كقولك : " لا تفهم " ، هذا ليس توضيحاً ، هذا سباب ، ومعظم المحاورات تخفق لأن المحاور حينما ينفعل يستخدم الشتيمة ، ولا يستخدم الدليل أبداً ، وأقلّ الشتيمة قولك : " لا تفهم " ، ائت بالدليل ، فأنا أقول لكم : ابتعدوا عن السباب ، وعن ( لا تفهم ، لا تعرف ، ماذا فهمك ، ماذا عرفك ، من أنت أمامي ؟ ) ، هذا كله كلام الغوغاء ، وليس كلام العلماء ، الحوار يحتاج إلى أدب ، ما هذا الأدب فقال عليه الصلاة و السلام :

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ الجامع الصغير عن ابن مسعود بسند فيه ضعف]

 موضوع الحوار موضوع جميل جداً .
 ثمة طالبان سوريان في لندن لهم صديق بريطاني ، كلما اقترب منهم يقطعون الحديث و يتكلمون بالإنكليزية ، هو انتبه مرة ، مرتين ، فسألهم : ما الأمر ؟ فقالا له : نبينا عليه الصلاة و السلام نهانا أننا إذا كنا ثلاثة أن يتناجى اثنان دون الثالث ، فإن ذلك يحزنه ، فنحن نتحدث بالعربية ، فلما قدم هذا الصديق قطع العربية ، وتكلم بالإنكليزية ، هذا الموقف انتهى به إلى أن يسلم ، قال بالحرف الواحد : نبيكم حضاري .
 فنحن لا نريد أن نستخدم في الدعوة إلى الله أسلوب الجهاد ، الجهاد في ساحة المعركة فقط :

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 73]

 أي ليس من المعقول أن تقول له في المعركة : آسف ، سامحني ، قد أكون أزعجتك ، هذا لا يتكلم بالمعركة ، في المعركة السيف والقتل ، لكن وأيضاً في الحياة المدنية لا يوجد حوار عنيف ، لا يوجد تكفير .
 أقول لكم أيها الإخوة الكرام : أنا لا أسمح لإنسان أن يكفّر بالتعيين ، ما معنى بالتعيين ؟ يقول : فلان كافر ، من أنت ؟ أنا أُكفّر من دون تعيين ، من قال كذا فقد كفر فقط ، أما فلان كفر ، هذا فوق طاقة الإنسان ، أقول دائماً : تقييم الأشخاص من شأن الله وحده فقط .

 

الـــذكـــاء

 

 موضوع آخر : هناك موضوعات كثيرة بالذكاء .
 أولاً : الذكاء بتعريف جامع مانع هو التكيّف .
 المتكيف هو الذكي ، أخطر حدث مستقبلي قطعي اليقين في وقوعه هو الموت ، قمة الذكاء أن أتكيف مع هذا الحدث ، أن أصل إلى الموت ، وأنا في أعلى درجات القرب من الله ، حتى يغدو الموت عرساً لا مصيبة .
 بصراحة كل بطولة الإنسان أن يجعل من مغادرته للدنيا عرساً لا مأساةً ، هناك من ينجح نجاحاً باهراً في الدنيا ، لكن عند الموت يندم أشد الندم ، فالبطولة أن لا تندم ، لذلك دائماً في البرمجة اللغوية العصبية يقولون : ابدأ من النهاية دائماً .
 إن عند بعض الإخوة الكرام وهمٌ ، أنه إذا تحدثنا عن الموت صرنا في تشاؤم ، والموت سلبي ، أقسم لكم بالله العظيم ما من موضوع تصبح بواسطته إيجابياً إلى أقصى الحدود كالموت ، الموت يضبطك ، الموت يسرع خطاك إلى الله ، الموت إذا كنت في كثير قلّله في عينك ، وإذا كنت في قليل كثّره في عينك ، إذا كان الدخل محدودًا جداً ، وأنت مؤمن ، ولك أعمال صالحة يغلب على ظنك الأعمال الصالحة ، والمستقبل ، والوعود الإلهية ، فترضى بالوضع الذي لم تستطع أن تغيّره ، فإذا كنت في قليل كثره لك ، وإذا كنت في كثير ، ملايين مملينة ، ولا يوجد استقامة ، هذا المال كله ينتهي بدقائق .
 مرة كنت في المغرب ، وفي طريقي إلى دمشق وقفت الطائرة في تونس ساعة ، وأنا أنظر من النافذة ، فإذا بنعش نازل ، هذا النعش بضاعة له أوراق تخليص ، وله وثائق معينة ، إنسان يسافر بالطائرة كراكب فيرجع بضاعة بصندوق له أوراق التخليص ، ورسوم وبراءة وفحوص ، في الذهاب إلى هناك صار معي تساؤلات : ما قيمة هذه الحياة ؟ كل مكانتك على ميليمتر وربع من شريانك التاجي ، فإذا ضاق هذا الشريان دخلت في متاعب لا تنتهي ، تبدأ بالقسطرة ، يقال لك : خمسة شرايين مسدودة ، وتحتاج إلى عملية زرع شرايين تؤخذ من الفخذ ، وتوضع في القلب ، والعملية تبدأ بعد أن يخدر ، يأتي المشرط فيفتح الجلد ، يأتون بمنشار صاروخ ليقصوا عظم القص ، ثم بكلابات مع ساعد يد ، يفتحون الصدر ، ثم تُشق الأغشية التي حول القلب ، فيظهر القلب ، هذا الإنسان بثانية يفقد حياته .
 والله هناك أعمال أمام الأغنياء شهد الله لو يعلم الأغنياء ما بإمكانهم أن يصلوا إليه بأموالهم لذابوا محبة لله ، لكن قد يقيمون عرسًا بخمسة وثمانين مليونًا في فندق الشيراتون فقط ليفتخروا :

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾

[ سورة القصص : 79]

 ثمة فندق خمس نجوم بدمشق ، أرباحه من عقود القران فلكية ، فقرر أن يقيم دعوة لمن أجرى عقداً في هذا الفندق حتى يكرمه ، ويشجع البقية أن يقيموا عقود القران في الفندق ، فالإدارة المالية أعطتهم عقودًا تمّت في ستة أشهر ، وهي ستة عشر عقداً ، دعي هؤلاء جميعاً إلى حفل تكريمي ، مضى على زواجهم ستة أشهر ، المفاجأة أن ثلاثة عشر عقداً من هذه العقود آلت إلى الطلاق قبل الستة أشهر ، فإذا بني الزواج على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، أما إذا بني على معصية الله تولى الشيطان التفريق بينهما .
 قلت : الإنسان يعمل ، ويجمع مالاً ، وينفق هذا المال ليكون في أعلى مراتب الجنة ، والمؤمن الغني متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح للملايين المملينة ممن حولك ، الغنى قوة كبيرة ، لكن الغنى في نظر التائهين والشاردين الاستمتاع بالحياة فقط .

 

الــــذكــــاء العاطفي

 الموضوع الثالث : الذكاء العاطفي .
 أنا قلت : إن الذكاء التكيف ، وهناك ذكاء تحصيلي ، كإنسان معه دكتوراه ، هذا ذكي ، لكنه ذكاء تحصيلي ، وهناك ذكاء فطري ، كإنسان أمي أذكى من أستاذ جامعة ، هذا عنده ذكاء فطري ، شيخ قبيلة ينتقل عبر الصحراء فقَد خمسة وعشرين ليرة ذهبية ، البريطاني كيف يعرف من الذي أخذ هذا المال ؟ حدثهم عن أسطورة مضحكة ، قال : هو ينبئه حماره بمَن أخذ هذا المبلغ ، وضعه في خيمة ، وكلف كل واحد أن يدخل إلى الخيمة وحده ، وأن يمسك بذيل الحمار ، فالذي أخذ المبلغ يصيح الحمار في الخيمة أن هذا الذي لمس ذنبي الآن هو الذي سرق ، شيء جميل ، كلهم دخلوا ، وخرجوا ، الحمار ما أعلن ، فقال : مدو أيديكم ، فشمّ أيديهم ، قال له : أنت السارق ، لأنه وضع النعنع الحاد في ذنب الحمار ، فالسارق ما مسكه ، فرأى يده ما فيها رائحة نعنع قال : له أنت السارق .
 هنا كذكاء فطري ، وذكاء تحصيلي ، وذكاء اجتماعي ، وأعتقد الذي قصدته الذكاء العاطفي الاجتماعي ، هذا يعبر عنه بالبرمجة اللغوية العصبية : ممكن أن ترفع إنتاجك عشرة أضعاف عن طريق دفتر ، أحياناً دفتر صغير ، كلما خطر شيء في بالك تكتبه ، دائماً أنت أمام قائمة أعمال ، فيتضاعف إنجازك عشرة أمثال بهذا الدفتر ، من دون دفتر تحتاج القضية أن تفعلها فتذكرها في وقت غير مناسب ، الوقت الذي تحتاجها فيه تكون أنت في البيت ، أريد أن أشتريها اليوم ، فيمضى شهرين وثلاثة ولا تشتريها ، متى تذكرها ؟ في وقت أنت لا تستطيع أن تشتريها فيه ، أما إنْ كتبتها فتنتهي العملية في ساعة .
 هذه ثلاث موضوعات .
 إن لله عز وجل في كل عصر أناس يقيمون الحجة على الناس ، وقد فحدثني مدير السجن أن قاضيًا يأتي كل أسبوع ، يركب المركبة العامة مع الناس ليلتقي مع المذنبين المسجونين ليستوضح منهم حقيقة الأمر ، لئلا يقع في خطأ في حكمه ، قال لي : إنسان فقير يركب السيارة العامة ، ويضيع ست سبع ساعات ليصل إلينا ، ويجلس مع هؤلاء المتهمين ، وهو غير مكلف أن يفعل ذلك ، لكن في كل سلك واحد يقيم الحجة ، هذا إنسان بطل ، إنسان مستقيم ، إنسان ورع ، إنسان معطاء ، لكن القدوة قد يزداد العدد في عصور كعصر النبي عليه الصلاة والسلام عصر أبطال ، وقد يقلّ ، أما الانعدام الكلي فمشكلة كبيرة جداً ، ونحن دائماً نقول : نحن نحتاج إلى مسلم متحرك ، كيف أن الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ؛ نحن نريد مؤمنًا يمشي ، وصدقوني أن أثر مسلم معاصر مستقيم منضبط ورع يفوق حد الخيال ، وهو أبلغ من الكتب ، لأن هذا الإنسان حقيقة مع البرهان عليها .
 إن إنسانًا في تركيا وجد مئتي ألف أورو بمطعم ، وسلّمها للشرطة ، وجاء صاحب المبلغ ، وهو ألماني ، وعرض عليه خمسمئة يورو كمكافأة ، ورفضها ، قال : أنا أعمل عشر ساعات كي أطعم أولادي طعاماً حلالاً .
 أحياناً موقف فيه استقامة ، فيه أخلاق ، فيه إنصاف ، فيه تواضع ، يشد الناس إليك ، على كلٍّ : القدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان .
 الحقيقة أن ثمة فسادًا الآن ، لكن البطولة ألاّ ينفرد الباطل في الساحة ، لا بد من بقعة ضوء صغيرة ، مسجد صغير فيه حق ، فيه صدق ، فيه إخلاص ، فيه انضباط ، فيه التزام ، فيه تعاون ، فيه محبة ، هذه البقعة تكفي ، وتتوسع دوائرها ، لكن أين الخطر ؟ أن ينفرد الباطل في الساحة ، أما إذا لم ينفرد فهناك حق ، ونحن بخير ، ولو كان الحق ضعيفاً فالضعيف يقوى ، لكن ما ليس هناك حق إطلاقاً هذه مشكلة ، والإنسان ليس مكلفاً أن يتقصى الأحوال ، لكن هناك أعمال بطولية كثيرة ، وأطمئنكم أن هناك إخلاصًا شديدًا ، وبطولات كثيرة جداً .
 حدثنا أخ تزوج امرأة من كندا ، لكنها مسلمة ، وحسن إسلامها ، وهي تمشي مع ابنها في الطريق أعطته حبة سكر ، بعد ثلاثمئة متر سألته : أين الورقة ؟ قال لها : قد رميتها ، رجعت معه ثلاثمئة متر ، وقالت له : خذها ، وضعها في السلة ، انظر التربية ,
 عندما نهتم بأولادنا هل يوجد أحد يسائلك ؟ هل يوجد أحد يحاسبك ؟ هل يوجد أحد يتهمك ؟ هذا عمل بين أيدينا ، علم ابنك ، ربِّه ، فهمه ، اجلس معه ، تحمله ، خذه معك دائماً ، علمه السنة ، هذه حلال ، هذه حرام ، فعندنا أعمال كثيرة نحن مقصرون فيها ،
 أنا أقول مرة ثانية : إن هناك مليون عمل يمكن أن تفعله ، و أن تصل به إلى أعلى عليين في ظل هذه الظروف الصعبة .
 لي قريبة توفيت ـ رحمها الله ـ لها ابن مقيم بأمريكا ، زارها مرة بالصيف ، ومعه ابنه الصغير ، يبدو أن حركته زائدة في البيت ، قالت له جدته اجلس وآخذك في المساء للنزهة ، فجلس ، عند المساء لم تأخذه ، قال لها : أنت كاذبة .
 إنّ مجتمعاتنا فيها كذب كثير ، كيف يقص الحلاق مئة قصة في الهواء وواحدة على الشعر ، تسع و تسعون كلمة لا معنى لها ، كلها كذب ، و كلها مجاملات فارغة والله ، فالطفل ينشأ على الكذب ، يقول والده لوالدته : هل ذهبت لمكان ما ؟ قالت له : لا ، و هي ذهبت هي وإياه ، كذبت أمامه ، يأتي الأب فيقول له : قل : أبي ليس هنا ، أنت تشربه الكذب مع حليب أمه ، أما إذا انعدمتْ كلمة الكذب في البيت فإنك ترتاح وتريح .

الاحتجاج بتسلط الغير هروب من الواقع

 يوجد شواهد كثيرة ، أنا دائماً أميل إلى اتهام الذات ، و يوجد أشخاص كثيرون يتهمون الآخرين ، يقول لك : صهيونية عالمية ، ماسونية ، استعمار ، لا يوجد استعمار ، و لا يوجد أحد ، لا يوجد غير كلمة : ( نحن مخطئون ) فقط ، هذا الواقع ، هذا النوع مثل النعامة ، كلما كانت لنا مشكلة نعزيها إلى الاستعمار ، فالكلام أصبح لا معنى له إطلاقاً .
 كنت مرة في بلد جميعهم كانوا بدوًا ، وقد اعترفوا بهذا ، قالوا : نحن بدو ، لكن أنتم لم تبدؤوا بعد ، أحياناً تشعر بنفسك أنك متخلف عن البدو تخلفاً كبيراً ، فهذه استعمار وماسونية ، هذه جميعها كلام فارغ ، الخطأ كله منك ، واجه الحقيقة المرة .

الاحتجاج بالتوحيد لا يلغي مسؤولية الإنسان

 هناك إنسان يقفز على المشكلة ، وهناك إنسان يواجهها ، المنافق دائماً يقفز عليها ، أهم شيء أن يلصقها بغيره ، إذا قلت : طالب لم ينجح ، و كان كسولاً ، سبحان الله ! لا يوجد نصيب ، فقط لا يوجد نصيب ؟ أنت لست كسولاً ؟ لا يوجد نصيب ، أو إذا كان الطبيب جالسًا يدير حديثًا عاطفيًّا غزليًّا مع ممرضة ، و جاء مريض يحتاج إلى إسعاف فوري ، وقال له : انتظر قليلاً ، ويوجد كأس من الشاي بيده ، وجريدة وممرضة ، ذهب إليه بعد مدة فوجده ميتاً ، يقول : سبحان الله !! انتهى أجله !!! لا ، أنت قاتل ، الاحتجاج بالتوحيد مرفوض ، والدليل :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

[ سورة النور : 11]

 الإفك خير ؟ واللهُ سمح به ؟ حتى لا تقول : أنا لست مسؤولاً ، قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 11]

 التوحيد لا يعفيك من المسؤولية ، هذه الحقيقة ، أحياناً يكون المأخذ الكهربائي والتيار مئتين و عشرين ، والمأخذ سيئ ، والقطعة المعدنية ظاهرة ، وفي الحمام ، والحمام فيه ماء ، هل تعلمون أن شخصاً إذا مشى من دون عازل على الماء ، ومسك المأخذ يموت فوراً ، فإذا مات شخص تقول : سبحان الله ! نصيبه ، لا ، ليس هذا نصيبه ، هذا جزاء التقصير .
 في كثير من الأيام يسافر شخص ، ولا يراجع سيارته ، فيقع في حادث يموت فيه ، هو مات بأجله ، لكنه محاسب كالذي ركب ناقة جموحًا فمات ، فالنبي e رفض أن يصلي عليه لأنه عاص ، وإذا نام شخص على سطح ، ثم وقع على سيارة شخص وهي تسير ، فجاء تحت الدولاب يموت عاصياً ، نحن فهمُنا للدين فهم طوبائي ، فهم طقوسي ، لكن ليس فهماً علمياً ، أنت محاسب .
 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))

[ النسائي ]

 مثلا : أعطى الطبيب مريضًا دواء ونصحه به ، هل أنت طبيب ؟ هذا الإنسان قد يكون معه حساسية ، أو أعطى مريضة إبرة فماتت فوراً ، لأنه يمكن لم يسألها إذا كان معها حساسية ، يوضع في السجن ، نحن فهمنا للدين فهم : كُلْ و سَمِّ بالله .
 بالمناسبة أنا متألم جداً من مواقف من أنفلونزا الطيور ، أولاً : يوجد جهل شديد ، وهذا الجهل سبب دماراً لأسر ، أسر بأكملها تعيش على الدجاج ، لا يوجد عندنا شيء حتى الآن ، الحمد لله ، كل ما في الأمر خوف تشنجي من دون مبرر ، هذا خلَق مشكلة كبيرة في البلد ، ويوجد أناس عندهم محلات للدجاج ، لا يوجد عنده غيره ، من أين سيأكل ؟

نــصيحــة ورجــاء

 كل إيجابيات الغرب إسلامية ، لكن لا عن تدين أبداً ، لأنهم يعبدون المال من دون الله ، تقتضي مصلحتهم الصدق والأمانة والإتقان واحترام الإنسان .
 أنا قلت مرة كلمة في ندوة تلفزيونية : أعط المواطن رغيف خبزه وكرامته ، وخذ منه كل شيء ، أنت كمدير معمل ، كمدير مؤسسة ، كأب ، أعط ابنك حاجته ، أعطيه حاجته وكرامته يعطِك روحه ، هذا قانون ، أعط الإنسان رغيف خبزه وحاجته وكرامته ، وخذ منه كل شيء .
 أحياناً يهين أب ابنه أمام أخواته البنات ، أحياناً يهين أب ابنه أمام رفاقه ، أحياناً يهين أب ابنه أمام الناس ، هذا الأب لم ينتبه ، الابن يقبل منك مليون نصيحة ومليون قسوة ومليون تعنيف ، لكن بينك و بينه ، له كرامة ، و لو كان صغيرًا ، لذلك ورد في الأثر أنه : " لا تحمروا الوجوه " ، أي دعك لطيفاً ، علموا ، ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف .
 لقد سافرت كثيراً ، والذي يؤلم أشد الألم أنهم منضبطون أشد الانضباط ، والجاليات الإسلامية متفلتة أشد التفلت ، التصريح الكاذب ، يُدخل فرضاً قطعة معدنية لا ثمن لها ، يحضر بها حاجات بشكل مزور ، والله شيء مؤلم جداً .
 ببلاد مثل أستراليا إذا حدث الطلاق وكان الشخص بلا عمل يعطونه خمسة آلاف دولار أسترالي ، تكفيه تماماً ، وإذا حدث الطلاق بهذه الأسرة يعطون خمسة بخمسة ، لكن تسعين بالمئة من المسلمين يقدّمون تصريحًا أنهم طلقوا بعضهم ، فيفاجئوهم ، من هذه ؟ يقول له : أختي ، لا ، هذه زوجتك ، أين هويتك ؟ فتظهر أنها زوجته ، ألم تطلقها أنت ؟ كيف يحترموننا ؟
 قبل أن أمشي من أستراليا قلت كلمة في الإذاعة ، قلت لهم : هذا الأسترالي مستحيل أن يفهم الإسلام من كتاب القرطبي ، أو من كتاب فتح الباري ، هذا الأسترالي لا يفهم الإسلام إلا منك أيها المسلم ، وجدك صادقاً متقناً ، وعدك صحيح ، فهو يحترمك ، يحترم دينك ، وخذوا عني هذه الكلمة : الآن و الله لا يُحترم ديننا إلا إذا تفوقنا في دنيانا ، الآن من دون دليل مستحيل أن يحترموا دينك ، وأنت متخلف ، و كل شيء عندك استيراد ، وما عندك عملة قوية أبداً ، و تأكل ما لا تزرع ، و تلبس ما لا تنسج ، و تستخدم آلات لا تصنعها ، و تشتري السلاح شراء ، إذاً لا قرار لك ، لا يحترموننا ، أما إذا كان عندك قوة فإنهم يحترمون القوي فقط ، نريد أن ينتفض هذا المخ كله ، كل أساليبنا غلط ، حياتنا كلها غلط ، يوجد نفاق كثير ، يوجد كسب مال حرام كثير .
 هل من المعقول لمواطن بدولة نامية أن يعمل سبعًا وعشرون دقيقة في اليوم ، أقول لهم بالتعبير العلماني : عندهم ( بيزنز إز بيزنز ) عندنا بيزنز هو خمول وبطالة وغش وسرقة ، لا يوجد عمل .
 الشرقي اسمه بأوربا آي بي إم ، آي إن شاء الله ، لا ينوي أن يعطيك ، لا ينوي أن يأتي ، فيستخدم إن شاء الله غير إسلامية ، غير قرآنية ، بكرة ، غداً ، تأجيل ، لا بأس ، ماذا حصل ، هذه وصمة عار في حقنا .
 ربِّ ابنك على الصدق والأمانة ، والجهد و العمل الدؤوب ، و ابنِ أمتك ، ويمكن أن نفعل كل شيء ، لكن لا نجد كل شيء خلال يومين أو ثلاثة ، هذا على النفَس الطويل ، و هؤلاء الأقوياء عمرهم مئتان أو ثلاثمئة سنة من الاستقرار ، ومن العمل ، حتى ملكوا الدنيا ، فنحن مستحيل أن نجد ثمرة سريعة ، لكن نبدأ فقط أن نبدأ ، ألم يقولوا : نحن بدو ، لكن أنتم لم تبدؤوا بعد .