الدرس : 8 - سورة طه - تفسير الآيات 115 – 128

1988-03-25

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثامن من سورة طه ، وصلنا في الدرس الماضي من هذه السورة إلى قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى  فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾

حال المؤمن في الجنة :

 هذه الآيات لابدَّ أن تنقلنا إلى موضوع الجنَّة ، فالإنسان في الجنَّة له حالٌ خاص تختلف اختلافاً بيِّناً عن حاله في الدنيا ، فإنه في الجنَّة نفسٌ مرتكزةٌ إلى جسد ، فالنفس ترى مباشرةً لا من خلال عينين كما هي الحال في الدنيا ، إن النفس كلها أعينٌ ، لمجرَّد أن تتجه إلى جهةٍ معيَّنة حتى ترى كل شيء ، والنفس كلُّها آذانٌ ، إنها نورٌ مركَّبٌ على جسده ، لذلك في الجنَّة لا شقاء ولا تعب ، ولا سعي ، ولا كدَّ ، ولا إرهاق، ولا جهداً يُبْذَل ، ولا أي شيء مما يُحِسُّه الإنسان في الدنيا .
 فربنا سبحانه وتعالى لابدَّ أن يجعل من هذا النبي العظيم سيدنا آدم الذي بدأ به الخلق خليفته في الأرض ، وقبل أن يجعله خليفته أراد أن يعطيه درساً بليغاً ، إن نزول سيدنا آدم من الجنَّة إلى الأرض نزولٌ محقَّق ، ولكن كان بطريقةٍ فيها تعليمٌ له ولنا على مرِّ العصور والدهور .
 والإنسان في الجنَّة نفسٌ مركَّبةٌ على جسد ، لكنَّه في الدنيا على الأرض جسدٌ في داخله النفس ،و هذا الجسد يشغل حيِّزاً إذ يحتاج إلى غذاء ، وإلى ماء ، ومتى تناول الغذاء ، والماء يحتاج إلى إخراج الفضلات ، وإلى سعيٍ ، فطبيعة الحياة على وجه الأرض طبيعةٌ فيها سعيٌ وكدٌ ، وتعبٌ ، وجوعٌ وعطشٌ ، يحتاج إلى طعامٍ ، وإلى شرابٍ ، ولباسٍ، ومسكنٍ ، وزوجةٍ ، بينما هو في الجنَّة لا يحتاج إلى أي شيءٍ من هذا ، فإن النفس تسعد فيها مباشرةً لا عن طريق الوسائط .

حكمةُ المحظور من أجل تربية الإرادة البشرية :

 فربنا سبحانه وتعالى أراد أن يربي هذا الإنسان من خلال هذا الدرس البليغ الذي علَّمنا إياه ، فما هذه التربية ؟ لابدَّ من محظور ، ولماذا المحظور ؟ أنه من أجل تربية الإرادة ، وإن أثمن ما يملكه الإنسان الإرادة الحرَّة التي منحها الله إياه ، وهذه الإرادة الحرَّة لا قيمة لها إلا إذا كانت منضبطةً وفق القواعد والأصول ، فمن أجل أن تُرَبَّى هذه الإرادة لابدَّ أن يكون في الحياة شيءٌ محظور ، فهذا الذي ينساق وراء شهواته ضعيف الإرادة ، وليس أهلاً أن يكون خليفة الله في الأرض ، وهذا الذي يستجيب لكل رغبة ، وينساق مع كل شهوة ، يفعل كل ما يخطر بباله هذا إنسان ساقط ، مُتهافت ، ضعيف الإرادة ، إنه كتلةٌ من الشهوات تتحرَّك ، لكنَّ الإنسان الذي أعدَّه الله ليكون خليفةً في الأرض لابدَّ أن تنمو عنده الإرادة .
 و لذلك فربنا سبحانه وتعالى فيما ترويه التفاسير عَهِدَ إلى سيدنا آدم أن لا يأكل من هذه الشجرة ..

﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾

[ سورة البقرة الآية: 35 ]

 من أي شيءٍ كُلا إلا هذه الشجرة ، إذاً في هذه إشارةٌ إلى أن المُباحات أكثر بكثير من المُحَرَّمات ، وأن الإنسان حينما يدع جميع المُباحات ، ويقترف المحرَّم فقد أساء وظلم ، لأن الله سبحانه وتعالى أباح كل شيء ، وقد قال علماء الأصول : " الأصل في الأشياء الإباحة:

﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 35 ]

 نهيٌ واحد مع إباحةٌ لكل شيء ..

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

تفسير الآية ومعناها وما يُستنبَط منها :

 أوجه التفاسير أن هذا النبي الكريم الذي قال عنه سيد المرسلين :

(( آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلا فَخْرَ ))

[ سنن الترمذي أبي سعيد]

 فاستنبط من هذا الحديث أن سيد ولد آدم هو النبي عليه الصلاة والسلام ، ويأتي بعده سيدنا آدم ، فهو أعظم النبيين صلى الله عليه وسلَّم ..

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾

 أي وصَّيْنا ..

﴿ إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ ﴾

 أي من قبل أن يأتي إلى الأرض ، ومن قبل أن يهبط إلى الأرض ، حينما كان في الجنَّة ، أبحنا له كل شيء عدا هذه الشجرة ..

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ ﴾

 لكنَّ هذا النبي الكريم ما كان يعرف الكذب ، ووَسْوَسَ إليه الشيطان أن:

﴿ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى َةً﴾

 يبدو أن هذا النبي الكريم كان في حالةٍ من القرب شديدة ، وأنه أراد أن يبقى في هذه الحالة ، وأن يخلُد فيها ، ولم يكن يعرف ما الكذب ..

﴿ فَنَسِيَ ﴾

معاني : وَلم نجِدْ لَهُ عَزْمًا

المعنى الأول : معصيةُ آدم معصيةُ نسيان وسهوٍ :

 إنه ما عصى عن تصوُّرٍ وتصميم ، لكنَّ معصيته جاءت عن نسيانٍ وسهوٍ ، ولذلك قال العلماء : " إن هذه الآية لا تقدح في عصمة سيدنا آدم ، " ولله عزَّ وجل أن يقول ما يشاء عن سيدنا آدم ، أما نحن البشر فليس لنا أن نقول عنه : إنه عصى ربَّه بالمعنى الذي يفهمه عامَّة الناس ، لأن الله سبحانه وتعالى برَّأه من أن تكون معصيته عن تصورٍ وتصميم ..

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ﴾

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( وضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))

[ سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس]

 إذاً نسيان هذا النبي هذا الحظرَ الإلهيَ لا يعني أنه عصى ربَّه بالمعنى الذي نفهمه نحن ، أي عصاه عن تصورٍ وتصميم ، ولكنَّ هذه المعصية جاءت عن نسيانٍ وسهوٍ ..

﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

المعنى الثاني : عدمُ العزم على المعصية :

 أيضاً من أوجه التفاسير أن هذا النبي الكريم ما كان يملك العزيمة على معصية الله ، فما كان عازماً على معصيته ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى سرعان ما غفر له ، واجتباه وقَرَّبه ، ولو أنه عصى عن تصورٍ وتصميم ، أو كان يملك العزيمة الأكيدة على معصية الله عزَّ وجل لما كانت عودته واجتباؤه وتكريمه بهذه السرعة الفائقة ..

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

من فوائد الآية المسلكيةِ : لا بد في الحياة من المحظور :

 إذاً هذه الآية تعلِّمنا أنه لابدَّ أن يكون في الحياة شيءٌ محظور، لأن هذا الشيء المحظور يربِّي الإرادة في الإنسان ، ولماذا الإرادة ؟ لأنها أثمن ما يملكه الإنسان ، فإنه بالإرادة يرقى إلى الله سبحانه وتعالى ، فالإنسان مخيَّر ، وإن مشيئة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يكون الإنسان ذا مشيئةٍ حرَّة ، وإن الله سبحانه وتعالى منحه الاختيار ، فمنحه الإرادة الحرَّة ، والمشيئة الحرَّة ، وهذه المشيئة والإرادة لابدَّ لهما من تربية ، وتربيتهما تكون في أن هناك في حياة الإنسان شيئاً محظوراً .
 فالصيام مثلاً ونحن على أبواب رمضان ، يربِّي في الإنسان الإرادة القويَّة ، فشيءٌ مباح ، شربةُ الماء ، وليست محرَّمة ، ولكنَّها في هذا الشهر محرَّمة من أجل أن تُربَّى في الإنسان الإرادة الصُلبة المتينة ، إذاً لا يمكن أن تكون الإرادةٍ ذات قيمةٍ إلا إذا كانت منضبطة لا وفق الهوى ، ولكن وفق الحق والقيم ، فهذا الذي يعطي نفسه ما تشتهي ، ومقاومته أمام الشهوات هَشَّة ، ضعيفةٌ ، فسرعان ما ينهار أمام كل شيءٍ مُغْرٍ ، وهذا الذي تجذبه المغريات ، وتخيفه الضغوط هذا إنسانٌ ضعيف الإرادة ، لا يصلح أن يكون خليفة الله في الأرض ، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يعلِّمنا في نزول هذا النبي الكريم من الجنَّة إلى الأرض درساً لا يُنْسَى ، وهو أن الإنسان أثمن ما يملكه في حياته الإرادة الحرَّة ، وأن هذه الإرادة الحرَّة لا ترقى إلا بالمحظورات .

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا ﴾

 أي وصَّيْنا ..

﴿ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ ﴾

 من قبل أن يهبط إلى الأرض ..

﴿ فَنَسِيَ ﴾

 هذا العهد ، ونسي تلك الوصيَّة ..

﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

 لأنه لو لم ينسَ لبقي في الجنَّة ، ولابدَّ أن يهبط إلى الأرض ..

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾

سجود الملائكة لآدم :

 وأيضاً هذا السجود ليس سجود العبادة ، ولكنَّه سجود التعظيم ، فهناك سجود التكريم ، وهناك سجود التعظيم ، وهناك سجود العبادة ، أما سجود العبادة فهو لله وحده ، ولا ينبغي لبشرٍ أن يسجد لبشر إلا أن يكون السجود كنايةً عن التكريم والتعظيم كما ورد في بعض آيات القرآن الكريم .
 نسي وصيَّتنا ، أو نسي أمْرنا ، ولم تكن عنده عزيمةٌ على المعصية ، فهذا تعليلٌ لطيف ، وتخريجٌ يتناسب مع مقام هذا النبي الكريم ، ومع عصمة النبي ..

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾

الحكمة من تكليف الملائكة بالسجود لآدم :

 لماذا كُلِّفَ الملائكة السجود لسيدنا آدم ؟ لأن سيدنا آدم حمل الأمانة، والذي يحمل الأمانة يفوق بها من لم يحملها ..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً َةً﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 72]

 رُكِّبَ المَلَكُ من عقلٍ بلا شهوة ، ورُكِّب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل ، ورُكِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ، فالمؤمن إذا أخذ الأمانة بحقِّها ، وعرف ربَّه يفوق بهذا الملائكة المقرَّبين.
 ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب ..

﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ ﴾

درس بليغ :

 درسٌ بليغٌ له ولذريَّته ، وهو على وشك أن يكون خليفة الله في الأرض ..

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

[ سورة البقرة الآية: 30]

 علَّمه أن الشيطان عدوٌ له ولذريَّته ..

﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾

 أي إذا أخرجك من الجنَّة تشقى ، بمعنى أنك عندئذٍ تحتاج إلى سعيٍ لكسب الرزق ، وتحتاج إلى عمل ، وإلى كدٍّ ، ودأبٍ ، وجهدٍ تبذله من أجل أن تأكل ، إنك في الجنَّة تتنعَّم ، وتأكل بلا وسائط ماديَّة ، أي أن هذه التفَّاحة يمكن أن تتصل بها نفس الإنسـان فتأخذ كل ما فيها من طعمٍ طيِّب ، وهذا في الجنَّة ، فالإنسان في الجنَّة يمكن أن يأكل أعداداً لا حصر لها من الفواكه والثمار من دون أن يُضطرَّ إلى أن يُدخلها إلى جسـده ، إذ يأخذ طعمها الطيِّب ، ويبتعد عن مادَّتها التي هي عبءٌ على جسده ، لكنه في الأرض لا يستطيع أن يذوق طعم هذه التفاحة إلا إذا وضعها في فمه ، فإذا وضعها أصبحت عبئاً على جهازه الهضمي ، فكانت هناك التُخمة ، وهناك أمراض الجهاز الهضمي ، أي أن الحياة في الأرض تحتاج إلى جهدٍ كبير ، فمن أجل أن تأكل طبقاً من الطعام تحتاج إلى ساعاتٍ لإعداده، ومن أجل أن تصل إلى هذا الشيء تحتاج إلى سنوات ، وهكذا فسَّر بعض المفسِّرين معنى تشقى .

لماذا تشقى وحدك فقط ؟

 والشيء الذي يجذب النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لم يقل : فلا يخرجنَّكما من الجنَّة فتشقيا ، بل قال : فتشقى ، لأن السعي والكدّ في نظر الدين على الرجل ، ولأن الأمومة والتربية على المرأة ، فالرجل يعمل ليكسِبَ الرزق ، والمرأة تربِّي الأولاد وتنشـئهم تنشئةً عالية ، من هنا المرأة التي شـكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام زوجها ، والتي قال الله في حقِّها :

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة المجادلة الآية: 1]

 هذه المرأة حينما خاطبت النبي عليه الصلاة والسلام قالت له : يا رسول الله إن فلاناً تزوَّجني وأنا شابَّة ذات أهلٍ ومالٍ وجمال ، فلمَّا كَبِرَتْ سني ونثر بطني وتفرَّق أهلي وذهب مالي قال : أنتِ عليَّ كظهر أمي ، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا .. فهو لا يربيهم .. وإن ضممتهم إلي جاعوا .. فأنا لا أطعمهم ولكني أربيهم ، وهو لا يربيهم ولكنَّه يطعمهم .. " فهذه المرأة حدَّدت بالضبط مهمَّة الرجل في الحياة ، فالرجل يعمل خارج البيت لكسب الرزق ، والمرأة تعمل وأخطر عملٍ تقوم به المرأة على وجه الأرض وهو تربية الأولاد ، فمن أجل أن يكون الأولاد في المجتمع صالحين لابدَّ لهم من أمٍ رؤوم تحنو عليهم ، وتعطي وقتها من أجلهم ، فلذلك:

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾

 فتشقى وحدك ، هي في البيت ، وأنت خارج البيت ، وإنك مكلَّفٌ بكسب المال ، فالرجل أحياناً قد يأتي إلى البيت مُتْعَبًا ، وليس التعب تعباً مادياً ، فحسب بل هو تعبٌ نفسي ، فإن صعوبات الحياة ، وإن المتاعب ، وإن العقبات كلَّها يواجهها الزوج بشكلٍ صارخ ، بينما الزوجة هي في بيتها ناَعِمَة البال يأتيها رزقها رغداً ، فلذلك على الزوجة أن تقدِّر أحياناً ظروف كسب المال ، وظروف الحياة الصعبة ، فلا تثقل على زوجها ، ولا تُحمِّله ما لا يطيق ، وقد كانت الصحابيِّات رضوان الله عليهن يقُلن لأزواجهن : " يا فلان نصبر على الجوع ، ولا نصبر على الحرام ، فاتَّقِ الله فينا " ، فالمرأة التي تُحمِّل زوجها فوق ما يطيق هذه امرأةٌ لا يحبها الله ورسوله ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً ))

[ مسند أحمد عن عائشة]

 وأقلَّهُنَّ مهراً ، فهذه المرأة اليسيرة التي ترضى باليسير ، والودود الولود السـتيِّرة ، التي تكتم نقاط الضعف في زوجها عن الناس ، ولا تفضحه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يكره المرأة التي تخرج من بيتها ، وتشتكي زوجها ، هذه امرأةٌ لا يحبُّها الله ورسوله ..

(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ))

[ سنن بن ماجة عن ثوبان]

 فإذا أسكنها في بيت ، وأطعمها ، وكساها ، وأمورها ميسورة ، وكل حينٍ تقول له : طلقني ، فهذه امرأةٌ لا تروح رائحة الجنَّة ، ولا ينظر الله إليها، والمرأة الصالحة تكون عوناً لزوجها على الشيطان ، ولا تكون عوناً للشيطان على زوجها .
 أراد رجل أن ينصح امرأته فقال : إن في خُلُقي سوءاً ، فقالت له زوجته : إن أسوأ خُلُقاً منك من حاجكَ لسوء الخُلُق.

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا ﴾

 أي إن إبليس ..

﴿ عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾

 وبالتالي لذريِّتك ..

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى  إِنَّ لَكَ ﴾

 في الجنَّة ..

﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾

مشاهد ما في الجنة من النعم :

 وربنا سبحانه وتعالى وصف الجنَّة ، فلك ألا تجوع فيها ، وإنك لست مضطرًّا أن تُدخل الطعام إلى فمك كي تحيا ، وإنك تحيا من دون أن تكون محتاجاً إلى الطعام ، وإن الطعام في الجنَّة لا من أجل أن تحيا به ، بل من أجل أن تتمتَّع به ، ولذلك حيثما اتجهت نفسك في الجنَّة إلى أية فاكهةٍ تأخذ كل اللذَّة منها من دون أن تأكلها .. ولذلك ..

﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾

 وهذه النفس التي هي الأصل في الجنَّة مركَّبةٌ على الجسد كلهيب الشمعة كيف أنه يحيط بالفَتيل ، وإنها عيون ، وآذان ، ومشاعر ، وأحاسيس ، خَطَرَ بباله فلان .

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

 فأنت في الدنيا من أجل أن تلتقي بفلان لابدَّ أن تسافر إليه ، وتركب المركبة الساعات الطِوال ، ولكنَّك في الجنَّة لمجرَّد أن يخطر ببالك تطلع عليه ، فالحياة في الجنَّة كما قال النبي عليه الصلاة والسـلام فيما يرويه عن ربِّه :

(( أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فما في بالجنَّة تقدُّم في السن ، ولا ضعف في القلب ، ولا بالأعضاء ، ولا خرف ، ولا ضعف في البصر ، ولا تشمع في الكبد ، ولا صمم ، ولا وهَن ، ولا أمراض ، بل شبابٌ دائم ، نقص مواد لا يوجد ، ولا غلاء . فالجنَّة مبذولةٌ للمؤمنين في أبهى مظاهرها ، فلذلك :

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ))

 وفي قوله تعالى :

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة السجدة الآية: 17]

 أما الدنيا .. فهي " دار التواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ ، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء .. لأنه موقت .. ولم يحزن لشقاء .. لأنه موقَّت .. قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضَاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي " ..

﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾

من ضروريات العبد في الدنيا : الطعام واللباس :

 فأساس الحياة أن تكون شبعان البطن ، مكسوَّ البدن ، الثانويات أن تكون في مأوى ، وأن تكون في رِيّ ، فربنا سبحانه وتعالى فصل المتلازمين ، فكان بعضهم يقول : لو كان الله عزَّ وجل قال : إن لك ألا تجوع وألا تظمأ ، وألا تعرى وألا تضحى ، ومعنى ألا تضحى أي أنك لست بحاجةٍ إلى سكنٍ يحجُبُ عنك أشعَّة الشمس ، وضحَا بمعنى بَرَزَ إلى الشمس ، وهنا كنايةٌ عن المسكن ، لست في الجنَّة محتاجاً إلى طعامٍ وإلى مأوىً ، وإلى لباسٍ وإلى ماءٍ تطفئ به ظمأك ..

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ﴾

الشيطان أصل في الوسوسة والإضلال :

 أي أنك في هذه الحالة الطيِّبة هل تحبُّ أن تستمرَّ بها ، وهل تحبُّ أن تخلُد في هذه الحالة ، هذه أول كذبةٍ يكذبها إبليس على أبينا آدم ، ما كان هذا النبي الكريم يعرف الكذب ، فحينما عصى لم يعصِ وهو يعلم أنه يعصي .. فنسـي .. وحينما عصى لم يعصِ وهو عازمٌ على المعصية ..

﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

 والذي أغراه بهذا أن الشيطان توصَّل إلى نقطة الضعف فيه ، هل تحبُّ أن تكون خالداً في هذه الحالة ؟ قال : بلى ، قال : كل من هذه الشجرة ..

 

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى  فَأَكَلَا مِنْهَا﴾

آثارُ الأكل من الشجرة : العصيان وظهور السوءة :

 وحينما أكلا من هذه الشجرة ، أي حينما وضعا التفَّاحة في الفم أصبحت لهما طبيعةٌ خاصَّة ، وأصبحت النفس داخل الجسد ، وصار الجسد محيطاً بالنفس كما هي الحال في الدنيا ، إذن بَدَت العورات ..

﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا ﴾

 يخصفان أي يضعان ..

﴿ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾

 معنى غوى أي خرج من هذه الحالة المُريحة في الجنَّة ، الغَوِيِّ الخروج عن الطريق ، وهذه الحالة المريحة في الجنَّة خرج منها ..

﴿ فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا ﴾

 صار هناك عورات ، ويحتاج إلى لباس ، واللباس يحتاج إلى خياطة ، والخياطة تحتاج إلى نسيج ، والنسيج إلى خيوط ، والخيوط إلى غَزْل ، والغزل إلى قطن ، والقطن إلى زراعة ، وإلى حرث أرض ، فمن أجل أن يرتدي هذا الثوب لابدَّ من جهودٍ كبيرة ، وليضع هذه اللقمة في فمه يحتاج إلى زراعة ، وإلى أمطار ، وإلى بِذار ، وإلى حصاد ، وإلى دراسـة ، وإلى طحن ، وإلى عجن ، وإلى خبز ، وإلى نقود ، وإلى عمل..

﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾

انتقال آدم من درا النعيم إلى دار الفتن :

 إنَّ هذا هو الدرس الأوَّل ، فانتقال هذا النبي الكريم من حالة أهل الجنَّة إلى حالة أهل الأرض ، وأهل الأرض جاؤوا إلى الدنيا للابتلاء ، والإنسان يُبْتلى بكسب رزقه ، وبزواجه ، وبالفقر ، وبالصحَّة ، وبالمرض ، وبالقوَّة ، والضعف ، وبالعُلوِّ في الأرض ، وبالذلَّة ، إنه دخل إلى دار البلاء ..

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 2]

 دخل إلى دار الفِتنة ، ودخل إلى دار السَعْي ، والتكليف ، فهذا حلال ، وهذا حرام ، فهو الآن في الأرض ، وعلى الأرض بحاجةٍ إلى طعام ، والطعام يحتاج إلى كَسْب ، وكيف يكسب المال ؟ هل يكسبه حراماً ليأكل ، أم يكسبه حلالاً ليأكل ؟ دخل في الابتلاء ، وأصبحت فيه رغبةٌ إلى النساء لبقاء النوع ، فهل يُلَبِّي هذه الرغبة وفق الشريعة التي جاء بها الأنبياء أم وفق الشهوة العمياء كيف يلبي هذه الرغبة ؟ دخل آدم عليه السلام في حالة الابتلاء ، ودخل في حالة السَعي والشقاء ..

﴿ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾

 فإذا قلت : فلان عصى بمعنى خالف الأمر ، بصرف النظر عن دوافع المعصية ، فهناك من يعصي ساهياً ، أو مخطئاً ، ومن يعصي متعمِّداً ، أو متحدّياً ، أو فاجراً ، فكلمة عصى تعني الخروج عن الأمر ليس غير من دون أن يدخل الباعث على المعصية ، فإذا كان الباعث هو النِسيان فلهذه المعصية حُكْم ، وإذا كان الباعث هو المعرفة فلهذه المعصية حكم ، وإذا كان الباعث هو التحدِّي فهذا هو الفجور ، ولذلك ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَعَصَى ﴾

 أي أنه خرج بسلوكه عن الأمر الذي أمرناه به ، فهبط من الجنَّة إلى الأرض ، ولأن هذا النبي الكريم عصى ناسياً ولم يعصِ عازماً ..

﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾

توبة الله على آدم :

 سريعاً جداً ، ولذلك فالإنسان إذا وقع في مخالفةٍ من دون قصدٍ ، أو من دون تصميم ،ٍ وإرادةٍ ، ودون أن يكون راغباً في هذه المخالفة توبته سهلةٌ جداً ، أما إذا فعلها عن تَصَوُّرٍ وتصميم ، وإذا فعلها ، وهو يعلم أنه يعصي فهذه مشكلةٌ كبيرة ..

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾

 أي اهبطا ، وكأن حالة أهل الجنَّة أرقى بكثير من حالة أهل الأرض ، حالةٌ كلُّها نعيم ، وكلُّها راحة ، أما الإنسان على وجه الأرض فحياته شاقَّة .

 

﴾يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾

 

[ سورة الانشقاق الآية: 6]

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

[ سورة البلد الآية: 4]

 أي أن طبيعة حياته تحتاج إلى جهدٍ كبير ، ونحن في الدنيا يسكن أحدنا في بيت يكون أمامه زوجة وأولاد ، ويكون له دخل معقول ، ويقول: أربعون سنة وأنا أسعى ، وقد شقيت كثيراً حتى وصلت إلى هنا ، وهكذا طبيعة الحياة ، فيها ابتلاء ، وفيها امتحان في كل شيء ..

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾

 والإنسان في بعض الأحيان تكون امرأته عدوةً له إذا حملته بطلباتها على معصية الله ، وقد يكون الزوج عدواً لامرأته إذا حملها على معصية الله رغبةً في شهوته ، وقد يكون الابن عدواً لأبيه إذا سمح له الأب بشيءٍ يرفع مقامه في الدنيا على حساب دينه ، ويأتي يوم القيامة يقول : " يا رب لا أدخل النار حتى أُدْخِلَ أبي قبلي " .

﴿ الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية: 67]

 فكل إنسان حمل إنساناً على معصية ، أو دفعه إلى مخالفة ، أو كلَّفه ما لا يطيق فعصى الله عزَّ وجل فهذه هي العداوة الحقيقيَّة ..

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

 ومع أن الإنسان في الدنيا مُبْتَلى ، وهو في الدنيا صاحب إرادةٍ حُرَّة ، لكن الله سبحانه وتعالى نَصَبَ الآيات ، فكل شيءٍ ينطق بحمده ، وكل شيءٍ دالٌ عليه ، ومع ذلك ..

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

 والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكَفَتْ ، فكلنا جميعاً هذه الآية تَبُثُّ في قلوبنا الطمأنينة ، فإذا اتبعت هُدى الله في كل شيء لا تضلُّ ولا تشقى ، ولا يضلُّ عقلك ولا تشقى نفسك ، بل تسعد ، وترقى ، وتنجح ، وتتفوَّق ، وتفلح ، وتحقِّق الهدف مِن خلقك على وجه الأرض ..

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

اتباع الهدى نفي للضلال والشقاء :

 طمأنينة عقليَّة ، وهذا الذي لم يعرف الحق فيه خلل ، وعنده اختلال توازن ، وقلق ، وهذا الذي يعتقده لا يطمئن إليه ، دائماً في حالة غليان ، أو قلق ، أو خوف ، لكنَّ الذي اعتقد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فجاءت عقيدته مطابقةً لهدي الله عزَّ وجل ، يطمئنُّ عقله أنه على حق ، وكم من البشر من سار في دربٍ ثم اكتشف في نهاية المطاف أنه طريقٌ غير صحيح ! وكم من إنسانٍ ظنَّ أن هذا الشيء هو كل شيء ، وفي نهاية الحياة عرف أنه شيءٌ يسير لا قيمة له ! ضيّع من أجله حياته ، ولذلك فخيبة الأمل في خريف العمر شيءٌ لا يُحتمل ، تكون قد أمضيت أربعين عاماً من حياتك في طريقٍ غير صحيح ، تسعى للمال والمال عَرضٌ زائل ، وتسـعى لاقتناص اللذَّة ، واللذَّة مُنقطعةٌ بالموت ، ولذلك :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

 وهنيئاً لمن وافق سلوكه الهُدَى الربَّاني ، في زواجه ، وبيعه ، وشرائه ، وعقيدته ، ومعاملاته ، وعلاقاته ، ومشاعره ، وعواطفه ، ومن جاءت أحواله ، وأقواله وأفعاله مطابقةً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فقد اطمأن عقله إلى أنه على الحق ، وأحياناً الإنسان يُفَسِّر حادثة ، فإذا كان تفسيره مطابقاً للواقع ترتاح نفسه ، فإذا اكتشف أن هذا التفسير غير صحيح يحتقر نفسه ، ويحتقر عقله ..

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

 الآن الناس على صنفين ، إما أن تتبع الهدى فلا تضل ولا تشقى..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

من نتائج نتائج الإعراض :

1 - المعيشة الضنك :

 هذا القرآن هو ذكر الله عزَّ وجل ، الذِكْرُ الذي أنزله الله ، إنه الدستور ، والمَنهج ، والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه :

﴿ فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾

معنى الإعراض وصوَرُه :

 ما معنى أعرض عنه ؟ أي قد يقرؤهُ ، ولكنَّك إذا أعرضت عن تطبيق أحكامه ، فالله عزَّ وجل قال لك :

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 221]

 فهذا المشرك عنده معمل ، وله مركبة فخمة ، وعنده بيت فسيح ، ودخله كبير ، وشكله جيِّد ، وجاءك خاطب مؤمن أقل من هذا المشرك بكثير ، إذ لا يملك ثمن البيت ، ودخله محدود ، فأنت إذا آثرت المؤمن على إيمانه ، ورفضت المشرك على دنياه العريضة فقد عرفت أن هذا الكلام حقٌّ من عند الله ، لكنَّك إذا خالفت كلام الله عزَّ وجل فهذا نوعٌ من أنواع الإعراض عن الله ..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

 إذا قال الله لك :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور الآية: 30]

 وأنت لم تلتزم بهذه الآية ، فأطلقت لبصرك العِنان وأنت بهذا أعرضت عن ذكر الله ، وجعلت أحكام القرآن وراء ظهرك ُ مع أن المؤمن ليس هذا شأنه ..

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 36]

 فإذا حرَّم الله الربا انتهى الأمر ، ولا يوجد رأي ثالث ، ولا محاولة لإقناع الناس أن الربا مقبول ، وإذا حرَّم الله الاختلاط انتهى الأمر ، وإذا حرَّم الله النظر إلى الأجنبيَّات انتهى الأمر ، لذلك ..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

 أي أنه أعرض عن تطبيق هذا القرآن الذي جعله الله تذكرةً للإنسان..

﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

ما هو الشيء الضنك ؟

 والشيء الضَنك هو الشيء الضَيِّق ، ضيقٌ ماديٌّ أو ضيقٌ نفسي ، أي إما أن يكون الضيق ماديًّا يكاد يُعْصَر ، وإما أن يكون الضيق نفسياً ، فلو أنه يملك أكبر ثروة في العالَم ، لمجرَّد أن هذا الإنسان أعرض عن ذكر الله إنه في ضيقٍ نفسي لا يعلمه إلا الله ، ولذلك سْئل بعض العلماء: هذه الآية كيف نفسِّرها في حقِّ الأغنياء الفَسَقَة ، أو أولي الحول والطول؟ فقال بعضهم : " إن الآية تعني ضيق النَفْس " ، ففي قلبه ضيق لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم ، ولو وزِّع على أهل الأرض لماتوا همَّاً وغمَّاً ..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

لا سعادةَ لمعرض أبدا :

 ويا أيُّها الإخوة المؤمنون ... هذه الآية لو أن على وجه الأرض إنساناً واحداً أعرض عن ذكر الله ، وهو في سعادةٍ فهذا شيءٌ مستحيل ، مستحيل أن تترُكه وتسعد ، فهذه النفس لا تسعد إلا به ، ولا تطمئنُّ إلا بذكر الله ، ولا ترضى إلا بقضاء الله ، ولا ترتاح إلا لمشيئة الله ..

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

 فما كانت له صلةٌ بالله عزَّ وجل كان في نور ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الصَّلاةُ نُورُ ))

[ صحيح مسلم]

 وبهذا النور ترى به الحقَّ حقَّاً فتتبعه ، وترى به الباطل باطلاً فتجتنبه ، ولكنَّ الإنسان المُنْقَطِع عن الله عزَّ وجل أعمى ..

2 – العمى يوم القيامة :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ﴾

 كنت ذا عينين في رأسي ..

﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾

 كنت أعمى القلب
 فلذلك :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾

 هذا الذي جعل هذا القرآن وراء ظهره ، واشتغل بالدنيا ، إذا حُشِر يوم القيامة يُحْشَر أعمى ، لأنه لو كان يصلي لكان في قلبه نور ، وكان مقطوعاً عن الله سبحانه وتعالى ، وكانت الدنيا أكبر همِّه ، ومبلغ علمه لذلك كان أعمى ..

﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ﴾

 أنت لم تكن في الدنيا بصيراً ، لك بصرٌ ، ولم تكن لك بصيرة ، ولك عينان ترى بها صور الأشياء ، ولم تكن لك بصيرةٌ ترى بها حقائق الأشـياء ، غَرَّتك الحياة الدنيا ، فرأيتها كل شيء ، مع أنها ليست كل شيء ، ورأيت المال كل شيء ، ورأيت المباهج الدنيويَّة كل شيء ، ورأيت العُلوَّ في الأرض كل شيء ، ورأيت الشهوة كلَّ شيء ، بل إن معرفة الله هي كل شيء ..

﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا ﴾

لا هلاك ولا عذاب إلا بعد إقامة الحجة :

 الآيات بثَّها الله في الأرض ، وبثَّها في السـماء ، وجعلها في خلقك، وفي أولادك ، وفي زوجتك ، وفي طعامك وشـرابك ، وفي عملك، وأوجدها بتتابع سِنِيِّ ، حياتك من طفولةٍ إلى شبابٍ ، إلى رجولةٍ إلى كهولةٍ، إلى شـيخوخةٍ إلى ضعفٍ ، فإلى موت ، وكل ما حولك آيات ، وبعث لك الأنبياء ، وأنزل معهم الكتاب بالحق ، وبعث من يَدُلُّك عليه ..

﴿ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ﴾

 جعلت الدنيا أكبر همِّك ومبلغ علمك ..

﴿ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾

الجزاءُ مِن جنس العمل : وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى :

 أي كذلك اليوم تُتْرَك ، لم تستكمل موجبات الرحمة ، ولم تتعرَّف لي في الدنيا حتى تسعد في الآخرة ، ولم تجعل الدنيا دار ابتلاء ، بل جعلتها دار عطاء ، لم تجعل الدنيا مزرعة الآخرة ، لم تجعلها دار تكليف ، بل جعلتها دار تشريف ، ومع أن الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ﴾

 أسـرف على نفسه ، أي أنه أعطى نفسه ما تشتهي فحرمها كل الخَير ، واستهلك وقته استهلاكاً رخيصاً ، وأمضى الساعات الطِوال في القيل والقال ، وفي لغو الحديث ، وفي التَمَتُّع بما لا يرضي الله عزَّ وجل..

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾

وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأبْقَى

 عذاب الدنيا ما أخذ من عذاب الآخرة شيئاً ..
 نارٌ محرقة ، تَلْفَحُ الوجوه ، وتشوي الجلود ، ومع ذلك فهو في ضيقٍ نفسي ، وفي عذابٍ نفسيٍّ لا يُحتمل ، لهذا ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان إذا اطلع على مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا ، وربنا سبحانه وتعالى يؤكِّد هذا المعنى :

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾

[ سورة الطور الآية: 45]

﴿فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾

 لذلك هنيئاً لمن أَعَدَّ العدَّة لهذا اليوم العصيب ، هنيئاً لمن عرف أنه سيموت قبل أن يموت ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز اختار أحد كِبار العلماء ليكون مرافقاً له ، قال : << يا مُزاحم ، وظيفتك إذا رأيتني ضللت أمسكني من تلابيبي ، وهزَّني هزًّا شديداً ، وقل لي : اتق الله يا عمر ، فإنَّك ستموت >> ، هذه وظيفتك .
 وقد قيل :

((إنَّ أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدُّكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوِّد بسكنى القبور ، والـتأهُّبِ ليوم النشور))

 وسيدنا علي رضي الله عنه يقول : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> ، فلا يُسَمَّى الغني غنياً في الدنيا ، بل إنه مبتلى بهذا المال ، ولا يسمى الفقير فقيراً ، فإن الله سبحانه وتعالى وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ، فالغني امتُحِنَ بالغنى ، فإما أن ينجح ، وإما أن يرسب ، والفقير امْتُحِنَ بالفقر ، فإما أن ينجح به فيصبر وإما أن يضجر فيرسب ، والصحيح امتحن بالصحَّة ، والسـقيم امتحن بالسَقَمِ ، والقوي امتحن بالقوَّة ، والضعيف امتحن بالضعف ، فهذه الحظوظ وزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف توزَّع في الآخرة توزيعاً آخر ، إنها توزَّع توزيع جزاء ، فكم من غنيٍّ لم ينجح في امتحانه ! وكم من فقيرٍ نجح في امتحانه ، فأصبح الفقير في الآخرة غنياً والغني فقيراً والآية عُكِسَت ، لذلك :

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

[ سورة الواقعة الآيات: 1-3]

 قد ينجح الفقير في الامتحان فيصبر ، وقد يرسب الغني في الامتحان فيُسْرِف ، ويتكبَّر ، ويبخل ، وعندئذٍ تكون الحظوظ في الآخرة موزَّعةً توزيعاً آخر ، وربما كان الغني فقيراً ، والفقير غنياً ، ولذلك العبرة لما بعد الموت ، وهذه الدنيا عرضٌ زائل يأكل منه البَر والفاجر ،

((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

[ سنن الترمذي عن سهل بن سعد ]

((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ))

[ سنن الترمذي عن أنس بن مالك ]

 فليسعَ الإنسان إلى جوهر الحياة ، وجوهرها أن تعرف الله ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تتقرَّب إليه ، فإذا كنت كذلك فأنت الفالح .

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة المؤمنون الآية: 1]

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 71]

 الآية الأخيرة :

 

﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾

 كفَّار قريش يذهبون صيفاً وشتاءً إلى الشام ، وفي طريقهم إلى الشام مدائن صالح ، وديار لوط ، وديار عادٍ وثمود ، وهؤلاء الأقوام الجبابرة الأقوياء الذين طغوا في البلاد ، والذين جابوا الصخر بالوادي ، والذين فعلوا ما فعلوا ، والذين أكثروا فيها الفساد ، أين هم الآن ؟ .

﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾

 لأصحاب العقول ، فالإنسان السعيد من يتعظ بغيره ، والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .