الدرس : 4 - سورة طه - تفسير الآيات 43 – 70

1988-02-12

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة طه ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

معية الله للمؤمنين :

 أذكِّركم أيها الإخوة بقوله تعالى :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

( سورة المائدة : من آية " 12 " )

 نريد أن نخرج من هذه الآية إلى قاعدة ، هي أن معيَّة الله سبحانه وتعالى معية نصرٍ ، وتأييدٍ ، ودفاعٍ ، ومعونة ، وهذه المعيَّة لكل مؤمن ، لكن لها ثمناً توضح الآية الكريمة :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

 لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ما من شيءٍ على وجه الأرض أعظم منالاً من أن يكون الله معك ، هل في الأرض كلها ، بل هل في الكون كله جهةٌ تستطيع أن تنال منك إذا كان الله معك ؟ إذا كان الله معك فأنت أقوى الأقوياء ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .
 يوضح لنا ربنا سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى ثمن هذه المعية ، الخلق كلهم سواء عند الله عزَّ وجل ، لا تنسوا أن سيدنا عمر رضي الله عنه ، حينما أرسل سيدنا سعداً بن أبي وقاص قال له : " يا سعد ، لا يغرَّنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له " ، الذي يرفعك عند الله طاعتك ، حجمك عند الله بحجم عملك .

(( أنا جد كل تقي ، ولو كان عبداً حبشياً ))

( سلسلة الأحاديث الضعيفة )

(( سلمان منا أهل البيت ))

( الجامع الصغير عن عمرو بن عوف بسند ضعيف )

(( نِعم العبد صهيب ))

 وقف أبو سفيان بباب الخليفة عمر رضي الله عنه ساعاتٍ طويلة فلم يؤذن له ، وكان يرى صهيباً وبلالا يدخلان ويخرجان من دون استئذان، آلمه ذلك ، فلما دخل على الخليفة عمر رضي الله عنه قال : " زعيم قريش يقف في بابك ساعاتٍ طويلة ، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان !! " قال : " أأنت مثلهما ؟! " ، عظمة الإسلام أن الناس كلهم سواسية كأسنان المشط ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات : من آية " 13 " )

(( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ))

( من صحيح البخاري عن أنس بن مالك )

(( أنا جد كل تقي ، ولو كان عبداً حبشياً ))

( سلسلة الأحاديث الضعيفة )

 هذه مبادئ الإسلام ، فإذا أردت معية الله عزَّ وجل ، إذا أردت نصره ، تأييده ، معونته ، توفيقه ، أن ينصرك على من عاداك فهذا هو الثمن فادفعه ، واقبض النتيجة .

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

 بشرط :

﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ ﴾

( سورة المائدة : من آية " 12 " )

 هؤلاء الذين جاؤوا بعد عصور التألُّق والازدهار وصفهم عزَّ وجل فقال :

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

( سورة مريم )

 غياً أي شراً ، أي قهرا ..

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا(141)﴾

( سورة النساء )

 إذا كنت معه ، وقد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وآمنت برسله ، ونصرتهم أيتخلَّى عنك ؟! والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من أن يكون ذلك .

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

( سورة المائدة : من آية " 12 " )

 هذا هو الثمن ادفعه واقبض النتيجة .

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

﴿ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)﴾

( سورة الإسراء )

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد : من آية " 4 " )

((يا موسى ، أتحب أن أسكن معك - صعق هذا النبي الكريم - وكيف ذلك يا رب ؟ " قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني ﴾

( ورد في الأثر )

﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

 هذا حال المراقبة ، يتحدَّث عنه بعض الصوفيين ، أن تشعر أن الله معك دائماً ، اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك .

﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾

 التلطُّف في الدعوة إلى الله ألاّ تواجه الإنسان بأخطائه ، استخدم ضمير الغائب ، هكذا فعل هذا النبي العظيم .

 

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾

 يا فرعون :

 

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾

ليس من الحكمة مواجهة الناس بأخطائهم :

 هذا الذي يواجه الناس بأخطائهم يقول له : أنت فاسق ، أنت كافر ، هذا أسلوبٌ لا يرضاه الله عزَّ وجل ، لأنه من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف .

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

 قل لـه : من يعصِ الله عزَّ وجل فسوف يحاسبه في الدنيا والآخرة ، استخدام ضمير الغائب ، ولا تستخدم الضمير المخاطب .

 

﴿ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾

 من ربكما يا موسى ؟ جاء الجواب بإيجازٍ رائع :

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

( سورة التين )

صورٌ مِن هداية الرب للمخلوقات :

1 – الإنسان :

 خلق له عينين ليرى بهما كل شيء ، ليرى الأشياء بأحجامها ، وألوانها ، وأبعادها ، الطولية ، والعرضية ، والعُمْقية ، يرى الإنسان بعينيه بالأبعاد الثلاث ، ولساناً وشفتين ، وباللسان ينطق ويعبِّر عن آرائه ، وعن أفكاره ، وعن مشاعره ، وبالشفتين يلتقم ثدي أمه ، خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم ، جعل له هيكلاً عظمياً ، وجعل له عضلاتٍ تحرِّك العظام ، وجعل لهذه العضلات أوتاراً ، وجعل الشرايين والأوردة ، وجعل القلب والرئتين ، وجعل المعدة والأمعاء ، وجعل جهاز الإفراز ، وبَثَّ في هذا الجسم الأعصاب والغدد الصماء ، حيث يُعدُّ الإنسان أعقد آلةٍ على وجه الأرض ، وأكثر الأعضاء تعمل ليلاً نهاراً بلا كلل ولا ملل ، تنام أنت والدماغ يقظان ، يقلبك في الليل ذات اليمين وذات الشمال ، الهضم يعمل وأنت نائم ، والتنفُّس يعمل وأنت نائم ، والقلب يضخ وأنت نائم ، وأعمالٌ معقدةٌ لا يعلمها إلا الله ، كلها تكون وأنت نائم .

﴿ مَنْ َرُّبُكَما يَا مُوسَى ﴾

 من جعل هذه العين ترى ثمانمئة ألف درجة من اللون الواحد ؟ عين الإنسان تستطيع أن تميز بين درجتين من ثمانمئة ألف درجة من اللون الواحد بدقة بالغة ، عين الإنسان ترى الشيء بحجمه الطبيعي ، أذن الإنسان تلتقط أدَقَّ الأصوات ، لك ذاكرةٌ سمعية تعرف بها أصوات كل من حولك ، تسمع هذه المكالمة الهاتفية فتقول لأول وهلةٍ : إنه فلان ، كيف عرفت أنه فلان ؟ لولا أن لك ذاكرةً سمعيةً ، وذاكرةً شميةً ، وذاكرةً بصريةً ، وذاكرة أسماء ، وذاكرة أرقام ، وذاكرة طعوم .

 

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 لماذا لم يجعل الله عزَّ وجل في الشعر أعصاباً ؟ لو كان في الشعر أعصابٌ حسية لكان الإنسان بشكلٍ مخيف ، لأنه لن يستطيع أن يحلق شعره، يحتاج إلى عمليه جراحية وإلى تخدير :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾

( سورة البلد )

﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

( سورة عبس )

 لـو اطلعتم إلى آلية الولادة لرأيتُم أعظم آيةٍ من آيات الله عزَّ وجل ، هذا الرحم الذي جعله الله في قرارٍ مكين ، وجعله يتمدد من( 7 سم3 إلى 3500 سم3 )، أي مئات ، بل ألوف الحجوم الكبيرة كي يتسع لهذا الجنين ، ثم يتقلَّص تقلُّصاً لطيفاً ليدفعه إلى خارج الجسم في الوقت المحدود ، فإذا خرج الجنين إلى خارج الرحم انقبض هذا الرحم انقباضاً شديداً ليسُدَّ الشرايين المفتوحة ، التي لولا انقباضه لماتت الأم من شدة النزيف ، من رَتَّبَ هذا ؟ من هيَّأ هذا ؟ من سيَّر هذا الجنين ؟ من جعل اللبن يخرج لهذا الطفل في الوقت المناسب ؟ معيراً في كل يومٍ من أيام نموه ، بارداً في الصيف دافئاً في الشتاء ، معقَّماً وفيه كل مناعة الأم .

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾

( سورة البلد )

 لو أمضيت الحياة كلها في الوقوف على دقائق خلق الإنسان لما انتهيت منها ، أليس خلقك أنت معجزة ؟ أليس خلق ابنك الذي تعرف كيف كان أكبر آيةٍ دالةٍ على عظمة الله عزَّ وجل ؟ .

 

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾

 يقول ربنا عزَّ وجل :

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49)﴾

( سورة القمر )

 هذه العين لها عتبةٌ تقف عندها ، لو أن هذه العتبة ارتفعت لرأيت في هذا الكأس من الماء ألوف الألوف من الكائنات الحية ، ولعزفت نفسك عن شربه ، لكن الله عزَّ وجل لحكمته البالغة جعل البصر يقف عند حد ، وجعل السمع يقف عند حد ، لو أنه أسمعك كل شيء لسمعت حركات الأحشاء فلا تنام الليل :

﴿ مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾

 الأعصاب جعلها بحساسيةٍ معينة ، فلو زادت لاختل نظام الحياة ، هذا خلق الله للإنسان ، فماذا عن خلقه للحيوان ؟

2 – الإبل :

 الجمل ..

﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)﴾

( سورة الغاشية )

 مَن جعل له هذا الخف ليستعين به على السير على الرمال ؟ من جعل لعينيه جفنين ، جفناً يقيه دقائق الرمل إذا ثارت ؟ مَن جعل لأذنه ساتراً أيضاً يقيه ثورة الرمال إذا ثارت ؟ مَن جعل الجمل يتحمَّل العطش أشهراً طويلة ؟

﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)﴿

 من جعل الجمل يستطيع أن يحيا سنواتٍ من دون طعام ؟ يستهلك سنامه كلَّه ، شيءٌ يأخذ بالألباب .

3 – الطائر :

 أنظر إلى الطائر كيف يكون ؟

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَانُ ﴾

( سورة الملك )

4 – السمك :

 انظر إلى الأسماك كيف تسبح في الماء ؟ لماذا خلق الله لها هذه الزعانف ؟ إنها أدوات توجيه ، وأدوات توازن ، وأدوات تحريك ، تحريك وتوجيه وتوازن ، من جعل لهذه السمكة مقياس ضغطٍ تعرف موقعها في الماء ، هل هي نحو السطح أقرب أم إلى القاع أقرب ؟ يقدر علماء الأحياء أن في البحر مليون نوع من السمك ، ألف ألْف ، لو اطلعتم على بعض كتب البحار ، أو على بعض المصوَّرات لرأيتم العجب العُجاب ، سمكٌ لطيف ، سمكٌ للزينة ، سمكٌ كبير ، حوتٌ ضخم يزن مئةً وخمسين طناً ، هو الحوت الأزرق ، أرقام خيالية ، يوجد خمسون طناً من الدهن في هذا الحوت ، يعطينا تسعين برميل زيتاً .

 

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 الطير ، السمك ، هذه الحيوانات الأليفة ، من جعلها مذللة ؟

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

( سورة يس : من آية " 72 " )

 لو أن الله عزَّ وجل ركَّب في الغنمة أخلاق الضَبع ، هل بإمكان الناس أن يرعوا الغنم ؟ من جعل هذه الغنمة مذللة ، وجعل هذا الجمل مذللاً ؟ من جعل للجمل له عينين تُريانه الصغير كبيراً ، والبعيد قريباً ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، ولو أمضينا الحياة كلها في الوقوف على آيات الله التي بثها في الأرض لما انتهينا من آيةٍ واحدة ، أليست هذه الآيات كلها دليلاً قطعياً على وجود الله وعلى ربوبيته ، وعلى ألوهيته ، وعلى عظمته ، وعلى أسمائه الحسنى ؟ إن الكون كله ما هو إلا تجسيدٌ لأسماء الله الحسنى ، وصفاته الفضلى ، فماذا أقول حول هذه الآية ؟ إن الساعات الطوال لا تكفي لشرح هذه الآية من الوجهة العلمية ..

 

﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 السمع له درجة ، البصر له درجة ، الحِس له درجة ، من خلق آلية النطق ؟ كيف تتكلم ، وكل حرفٍ يحتاج إلى سبعة عشر عضلة تأخذ وضعاً مُعَيَّنَاً حتى يخرج هذا الحرف ؟ إذا كانت الكلمة خمسة أحرف فهل بإمكان الإنسان المتكلم أن يضبط أمره هو ، أم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينطقه ؟ ولولا أن الله تولى عنه تحريك هذه العضلات لما أمكنه أن ينطق بكلمةٍ واحدة ؟ .

 

﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 أي أن الله جَهَّز كل مخلوقٍ ببنيةٍ ، وطبيعةٍ ، ونفسيةٍ ، وأجهزةٍ ، وأعضاء تناسب مهمته في الحياة ، الله ببنية كل مخلوقٍ من دون استثناء جهزٍ وطبيعةٍ ونفسيةٍ وقدراتٍ ، وإمكاناتٍ وأجهزة وأعضاء تتناسب مع مهمته تماماً ..

﴿ ثُمَّ هَدَى﴾

 وبعدئذٍ هداه إلى تحقيق مهمته على وجه الأرض ، زَوَّدَ الله الإنسان بهذا العقل الذي هو القوة الإدراكية ليهتدي به إلى الله عزَّ وجل ، وجهز الحيوان الله بهذه الغريزة ، وهي من أعقد الأفعال ، لكنها مجهَّزة تجهيزاً تاماً من دون جهدٍ أو تعلُّم .
 من جعل سمك السلمون مثلاً ينطلق من أعالي الأنهار في أمريكا ، ويسير باتجاه المحيط الأطلسي ، ثم يتَّجه نحو غرب أوروبا وهنا يفرخ صغاراً ، هذه الصغار بعد وقتٍ معلوم تتجه إلى مسقط رأس أمها ، من دل هذه السمكة العَجْماء إلى الطريق المؤدِّي إلى مصب الأمازون مثلاً ؟ شيءٌ فوق إدراك البشر ، تجد قبطاناً يحمل شهادة عُليا في علم البحار ، وتدرب في مدارس عالية المستوى ، وقد يضل الطريق ، وهذه سمكةٌ تحت الماء تتجه من غرب أوروبا إلى مَصَب الأمازون ، لو أضافت إلى زاوية اتجاهها درجة واحدة لجاءت في أمريكا الشمالية ، من هدى هذه السمكة إلى منابع الأنهار ؟
 يخرج ثعبان الماء من ينابيع النيل ، ويتجه نحو البحر المتوسط ، ثم يتجه غرباً إلى مضيق جبل طارق ، ثم يتجه شمالاً على سواحل إسبانيا وفرنسا ، ثم يدخل في بحر المنش ليستقر في بحر الشمال ، ثعبان ماءٍ يستطيع أن ينتقل هذه الانتقالات من دون دليل ؟! من دون بوصلة ؟! من دون خرائط ؟! .

 

﴿ ثُمَّ هَدَى﴾

5 – هجرة الطيور :

 هذه الطيور تهاجر عشرات الألوف من الكيلو مترات ، بعض أنواع الطيور يهاجر إلى منطقةٍ تبعد عن مستقره سبعة عشر ألف كيلو متر، يطير طيراناً متواصلاً يزيد عن ستٍ وثمانين ساعة ، من دون توقف ، هل في الأرض كلها طائرة تستطيع أن تطير ستاً وثمانين ساعة من دون توقُّف ؟ من دَل هذه الطيور إلى طريقها ؟ حـار العلماء في ذلك ، يا تُرى معالم الأرض ؟ فوجدوها تطير في ليلةٍ ظلماء ، يا ترى الشمس ؟ طارت في أيامٍ تحتجب فيها الشمس بفعل الغيوم ، بأي شيءٍ تطير ؟ أحدث نظرية أنها تطير وفق ساحةٍ مغناطيسية ، فلما وضعت في أماكن ذات ساحة مغنطيسية أخرى تشوَّشت ، هذه بعض النظريات ، لكن الجواب الشافي غير معروفٍ تماماً حتى الآن .

 

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

 هدى الإنسان إلى علة خلقه ، وهدى الحيوان إلى طعامه ، وإلى استطبابه ، وإلى قضاء حاجاته ، وإلى البحث عن طعامه .
 ثم قال فرعون :

 

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾

 فالآية الأولى :

﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾

 هذه آيةٌ لو أمضينا فيها دروساً طويلة إلى آخر هذا العام لا تنتهي ، لأنها بحثٌ في خلق كل شيء ، بدءاً من الإنسان ، مروراً بالحيوان ، انتهاءً بالنبات ، ثم إلى الكون ، كل شيءٍ مخلوقٌ في أبدع صورة ، وفي أدق ترتيب ، وقد هُديَ هذا المخلوقُ إما بالغريزة ، وإما بالفكر ، وإما بالكشف ، وإما بالإلهام ، وإما بوسائل عديدة ، إلى هدفه ، وحاجته ، وسُبل معاشه ، وعلَّة وجوده ، والإنسان أرقى هذه المخلوقات هداه الله إليه ، لذلك أنعم عليه بنعمة الإيجاد ، وبنعمة الإمداد ، وبنعمة الإرشاد ، نقف عند هذا الحد في هذه الآية ، ونتابع الآيات الأخرى ..

 

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾

إنه سؤال لصرف الأنظار عن الحقيقة :

 أراد فرعون أن يصرف هذا النبي العظيم عن موضوع الدعوة ، فشغله بموضوعٍ جانبي ..

 

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴾

 أو أنه أراد أن يستنبئه الغيب ، لأنه يظن أن النبي يعلم الغيب ، أو أراد أن يؤكِّد له أن هؤلاء القرون الأولى كانوا على ضلالٍ مثلي مثلاً ، على كلٍ جاء الجواب الشافي :

 

﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾

جوابٌ ما لهم به مِن دافعٍ :

 أي علمٌ يقيني ..

﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾

تفسير : لاَ يَضلُّ رَبّي وَلاَ ينسَى

 فسر بعض العلماء

﴿ لاَ يَضِلُّ ﴾

 بمعنى لا يخطئ ، أو لا يغيب عنه شيء ، فحكمته مطلقة ، هذا لا يضل .

﴿ وَلاَ يَنْسَى ﴾

 أي الله سبحانه وتعالى ، فكلُّ شيءٍ محفوظ عنده .
 وكلمة

﴿ كِتَابٍ ﴾

 تطمينٌ لنا ، فالله عزَّ وجل غنيٌ عن الكتاب ، ولكن هذا بحسب تصوراتنا ، فإنه تكون المعلومات عندنا مثبَّتة في الكتاب .

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ﴾

من خصائص الربوبية :

1 - تمهيد والأرض وبسطها :

 جعل هذه الأرض منبسطة ، كيف نعيش عليها لو جعلها منحدرات حادة ؟ فقد يعاني الإنسان أحياناً مشقةً بالغة في زرع سفوح الجبال ، يحتاج إلى مدرجات ، ويحتاج إلى مصاطب ، وتأتي الأمطار فتجرف التربة ، لو أن الأرض كلها سفوح مائلة ، هذه الأرض ليست مهداً ..

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ﴾

 والأرض لها تربة ، لو أن سطح الأرض كلَّه صخري كيف نزرعها؟ كيف نعيش ؟ كيف نأكل ؟ ماذا نأكل ؟ جعلها مُمَهَّدة بأن جعلها منبسطة ، وجعلها ممهدة بأن جعلها ذات تربة ، والتربة أنواع ، هذه التربة كلسية ، وهذه لحقية ، وهذه غُضارية ، وهذه تصلح لهذا الثمر ، وهذه تصلح لهذا الثمر ، نوَّع الله أنواع التُرَب ، ونوَّع النبات ، قال :

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾

 أي أنه جعل الطرق ، هناك طرق بين البلاد ، هناك طرق بين الجبال ، هناك طرق في الوديان ، هناك طرق بحسب سلاسل الجبال ، وجعل الأنهار طُرقاً أحياناً ، وجعل البحار طرقاً ، فالسُبل مطلق الطرق ، فالبحر طريق ، البحر كما يقولون : همزة اتصالٍ بين القارَّات ، لو أن البحر أرضٌ صلبةٌ لاحتجنا إلى تعبيد هذه الطرق ، ولدفعنا مئات ألوف الملايين ، ولكن البحر كله طريق ، تأتي هذه السفينة ، وتحمل ألف مليون طن ، الآن هناك سفن حمولتها مليون مليُون طن ، تسير في البحر كأنها جبلٌ شامخ لتبتغي من فضله ..

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾

2 – إنزال الماء وإخراج النبات المتنوّع :

 الطعام نبات ، القمح نبات ، القمح ، والحمِّص ، والعدس ، والبقول ، والمحاصيل ، والخضراوات بجميع أنواعها ، والفواكه بجميع أنواعها ، هذه كلها قوتٌ وطعام ، القوت الشيء الأساسي ، والطعام الشيء الثانوي ، لأن الله عزَّ وجل كرم بني آدم .

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ﴾

( سورة الإسراء : من آية " 70 " )

 رزقنا هذه الفواكه ، والثمار ، وهذه الخضراوات ، فنحن يمكننا أن نعيش دون بعض الخضراوات ، ودون بعض الفواكه ، ولكنها إكرامٌ لنا .
 اللباس .. القطن نبات تصنع منه بعض المنسوجات ، تحتاج إلى خشب لبناء السقف ، هناك نباتٌ مختصٌّ للأعمدة الطويلة ، تحتاج إلى خشب لصنع الأثاث ، تحتاج إلى خشب لصنع الأبواب والنوافذ ، تحتاج إلى شيءٍ تنظِّف به بدنك ، فالليف نبات ، تحتاج إلى شيءٍ تنظف به أسنانك ، السواك نبات ، تحتاج إلى شيءٍ تخلل به ما بين أسنانك ، نبات الخلَّة ، تحتاج إلى نبات يكون حاجزاً بينك وبين جارك ، نبات حدودي ، تحتاج إلى نبات للزينة لتمتع به النظر ، تحتاج إلى شجر يكون لك مظلة دائمة الخضرة ، شكلها جميلٍ جداً ، لو تأمَّلت في الأشجار وحدها ، هناك أشجار زينة ، هناك أشجار غابات ، هناك أشجار ثمار ، أشجار أخشاب ، حدثني بعض الإخوة النجارين قال : نتعامل نحن النجارين تقريباً مع مئة نوعٍ من الخشب ، هذا الخشب لا يتأثر بالماء ، بالمطر ، والبرد ، والحرارة ، هذا الخشب قاسٍ جداً لصنع الأثاث ، هذا الخشب طريٌ جداً لصنع بعض الحاجات ، الأخشاب أنواع منوعة .
 هناك أخشاب ذات منظر رائع لصنع الأبواب الخارجية ، أخشابٌ ذات قسوةٍ بالغة للأثاث ، أخشابٌ ذات ليونةٍ عجيبة ، حدثني بعض الإخوة أن معملاً اشترى بعض الآلات ، فلما وضعها على قاعدة من الإسمنت تقطَّعت الخيوط ، الآلات جديدة ، استقدموا خبيراً من دولةٍ أجنبية ، فماذا فعل ؟ جاء بأخشـاب التوت ، وجعلها قواعد لهذه الآلة ، قال : خشب التوت له أليافٌ متينةٌ مرنةٌ في وقتٍ واحد ، تمتصُّ هذه القواعد صدمة المكوك ، هكذا درس في ألمانيا ؛ أن قواعد آلات النسيج تفضل أن تكون من خشب التوت ، السِندان له خشب خاص يمتص الضربة القاسية ، المعاول لها أخشاب خاصة ، فإذا ذهبت إلى أنواع الخشب شـيءٌ يأخذ بالألباب ، إذا ذهبت إلى أنواع النبات :

﴿ مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴾

 الأصبغة أصلها نباتات ، الورود والرياحين أشياء جميلة محضة نباتات ، الغذاء الأساسي نبات ، الدواء نبات ، يكاد يكون النبات أكبر ظاهرةٍ في الأرض دالةٍ على عظمة الله عزَّ وجل ..

 

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾

﴿ أَزْوَاجًا ﴾

 لو أن الله سبحانه وتعالى خلق النباتات مرةً واحدة لفَنِيَت ولمات الناس جوعاً .

﴿ أَزْوَاجًا ﴾

 هذا النبات له بذر ، وهذا البذر يُزْرَع ، وليس هناك حدود لإمكانية التوالد ، في الإنسان ، والحيوان ، والنبات ، دائماً نستقدم الأشتال ، نستقدم الفسائل نزرعها ، بقدر جهد الإنسان يزرع هذه الأرض ، فإذا رأيتم أرضاً قاحلةً فهذا دليل كسل الإنسان ، الإنسان كسول ، لكن الله سبحانه وتعالى جَهَّزَ كل نبات بشيءٍ يكون استمراراً له ، كذلك الحيوان يتوالد ، الأبقار تتوالد ، الدجاج يتوالد ، الأغنام تتوالد ، وكل شيءٍ يتوالد .

 

﴿ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾

كُلُوا وارعَوا أنعامَكُم

 من أجل أن تأكلوا ، وأن تشكروا الله عزَّ وجل على هذا النبات الذي زوَّدكم به .

 

﴿ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾

 تتعلق حياتك بهذا الحيوان الذي تأكله ، وتتعلق حياة الحيوان بهذا الكلأ الذي ينْبُت ، أَلِفَ الناس أن يقولوا : ارتفعت أسعار مشتقات الحليب لجَدَبِ البادية ، فإذا جاءت الأمطار وفيرة في البادية تهبط أسعار هذه المشتقات من سمنٍ وجبنٍ لوجود الكلأ .

 

﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾

 حاجة الإنسان إلى الكلأ لا إليه بالذات ، ولكن إلى الحيوان الذي يعتمد عليه في غذائه ..

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾

إنّ في ذلك لآيات لأولي النُّهى

 لأصحاب العقول ، وسُمَّيَت العقول نُهى لأنها تنهى أصحابها عن فعل المنكرات ، من هو العاقل ؟ هو الذي يملك عقلاً يحجزه عن المعاصي ، يحجزه عن السقوط ، يحجزه عن أن ينحرف ، يحجزه عن أن يعصي الله ، يحجزه عن أن يأخذ ما ليس له .

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾

 أصحاب العقول ، فهذا الذي يرى كل هذه النعم ، وكل هذه الآيات ، ولا يفكر فيها ، هذا إنسانٌ ليس من أولي النُهَى ، وليس من أولي الألباب ، وليس من أصحاب العقول ..

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)﴾

( سورة المدثر )

 أي أنه من احتقار العقل أن تستخدمه في أغراض دنيئة ، أن تستخدمه في الإيقاع بين الناس ، أن تستخدمه في جَمع الدِرهم والدينار ، ولكنك تُشَرِّفُ العقل إذا عرفت الله به ..

 

الأرض أصل خلق الإنسان ومآل رجوعه ومبدأ بعثِه :

 

﴿ مِنْهَا ﴾

 من هذه الأرض :

 

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾

تفسير الآية :

المعنى الأول :

 على سبيل المثال التاريخي سيدنا آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام خُلِقَ من تراب ، فإذا قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا ﴾

 أي منها خلقنا أباكم آدم ، وأنت من ذُرِّيَتِهِ ، هذا معنى أول .

المعنى الثاني :

 وهذه النطفة التي يتخلَّق منها الإنسان إذا لقحت البويضة أساسها من التراب ، من الغذاء ، لولا أن الأب تغذَّى بكل أنواع الثمرات والمحاصيل ، والبقول ، والخضراوات ، والفواكه ، لما تشكَّل هذا الحيوان المنوي ، هذا الغذاء أصله من التراب ، هذا المعنى الثاني ، إما أنا خلقنا أباكم آدم من التراب ، أو أن الحوين المنوي الذي هو أصل الحياة إنما أصله من التراب .

 

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾

 كل الطموح تنتهي في القبر ، كل الثروات تنتهي في القبر ، كل الآمال تنتهي في القبر .. " عش ما شئت فإنَّك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به " .

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلةً حدباء محمولُ
فـإذا حملت إلى القبور جنازة ً فاعلم بأنك بعـدها محمـولُ
* * *

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾

 وحينما يوضع الإنسان في قبره أول مرة يقول الله عزَّ وجل :

((عبدِي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))

(ورد في الأثر )

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوُّد لسكنى القبور ، والتأهُّب ليوم النشور ))

( ورد في الأثر )

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾

 هذا يوم البعث والنشور .

 

﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾

إقامة الحجة والبرهان قبل الحكم :

﴿ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾

 لفرعون ، العصا ، واليد البيضاء ، وكيف أن هذه العصا أكلت كل الحيَّات التي صنعها سحرة فرعون ، بل هذه الآيات رآها فرعون ، وسمع البيان :

 

﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾

 طبعاً هذه الآية ملخَّص لبيان طويل ، سمع البيان من سيدنا موسى .

 

﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾

 آيات بيانية ، وآيات إعجازية ..

 

﴿ فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾

من صفات المكذبين : التكذيب ووسم الأنبياء بالسحر :

 هذا هو الكفر ، تكذيب وإعراض ، والإيمان هـو التصديق والإقبال .

 

﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾

 طبعاً كل إنسان عندما يتكلم يتخذ كلاماً عليه مسحة منطق ، أو مسحةٌ من القيم ، لأن الإنسان لا يتكلَّم الحقيقة غالباً ، يخفي أغراضه الدنيئة تحت ستارٍ من بعض القيم الزائفة ..

 

﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾

 هذا سحر ، هذه ليست معجزات ، هذا سحر تعلَّمته أنت ، ونحن عندنا سحرة يقفون في وجهك ، أنت لست نبيًّا ، وهذه ليست آيات دالة على نبوَّتك ، إنما هي ألعاب سحرية قُمت بها أمامنا ، ونحن قادرون على أن نرد عليك بسحرٍ مثله ، هكذا قال فرعون ..

محاولة فرعون مجابهة آيات موسى بسحرتِه :

 أي مكان متوسِّط يأتيه جميع الناس .
 و:

﴿سُوًى﴾

 بمعني مستوٍ ، و مكان منبسط ، فهو متوسط من حيث الموقع ، ومنبسط من حيث الطبيعة ، يا موسى أنت ساحر ، وأنا عندي سحرة مهرة سوف يقفون في وجهك ، وسوف يردُّون عليك ، لذلك اجعل بيننا وبينك موعداً ، الموعد أي وعداً ، بعضهم قال : الموعد اسم من الزمان ..

 

﴿ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾

 الموعد إما أن يأتي مصدراً ميمياً ، أي وعداً ، وإما أن يأتي اسم زمان ، قال :

﴿ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ ﴾

( سورة هود : من آية " 81 " )

 وإما أن يأتي اسم مكان ، موعدهم جَهَنَّم ، اسم مكان ، أو اسم زمان، أو مصدر ميمي ، يرجِّح علماء التفسير هنا أن تكون مصدراً ، لأن كلمة :

﴿ لاَ نُخْلِفُهُ ﴾

 قرينةٌ دالةٌ عليه .
 إذاً :

 

﴿ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى﴾

 مكان مستوٍ ومتوسِّط ..

 

﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾

ما هو يوم الزينة ؟

 إما أنه يوم العطلة الرسمية ، أو يوم السوق ، كان في كل بلد يومٌ للتبادل التجاري ، كما هي العادة في معظم الأرياف ، سوق الأربعاء مثلاً ، سوق الأحد ، سوق الجمعة الذي بجوارنا ، فهذا يوم الزينة إما أنه يوم السوق ، أو يوم العطلة ، حيث الناس يتزيَّنون ، ويرتدون أجمل ثيابهم ..

 

﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾

 وأنسب وقتٍ وقتُ الضُحى ، حيث الشمس ساطعة ، والأمور واضحة ، والناس مرتاحون .

 

﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾

 جمع السحرة من أطراف البلاد ، ومنَّاهم ، وأغراهم بعطاءاتٍ لا حدود لها ، وأغراهم أن يقرِّبَهُم منه فيجعلهم من وزرائه .

 

﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى *قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾

بدء المجابهة بين الحق والباطل :

 إنه نبيٌ مرسل ، ومعه معجزة ..

 

﴿ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ﴾

 يسحقَكُم بالعذاب ..

 

﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾

المفتري لا يفلح أبدا :

 وهذه آية عامة ، يجب على الإنسان ألاّ يفتري ، لا يتهم اتهامات باطلة ، لا يزوِّر الحقائق ، لا يتكلم بشيء وهو غير مقتنع به ، لا يردد الأقوال الباطلة .

 

﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾

تنازع واختلاف السحرة في أمر موسى واستقرار رأيهم في تهمة السحر :

 أي فرعون والسحرة :

 

﴿ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾

 أي عقدوا الاجتماعات ، واتفقوا فيما بينهم على خطط معيَّنة من أجل إحباط هذه الرسالة ..

 

﴿ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾

 اتفقوا واستقر رأيهم مجتمعين على هذه المَقولة ..

 

﴿ إِنْ هَذَانِ ﴾

 موسى وهارون ..

 

﴿ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ ﴾

 طبعاً إن هذان ، إن حرف مشبَّه بالفعل ، أما إن مخففة ـ تفيد التوكيد ـ هذان لساحران ، وفي ذلك أوجه في الإعراب ..

﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾

 الهدف مادي ، دائماً إذا أراد الكافر أن يتَّهم المؤمن يُسقط الأهداف المادية على دعوته ، يسقط الأهداف الدنيوية ، والمكاسب المادية على دعوته ، قال :

 

﴿ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ﴾

 يريدان المُلك ، يريدان أن يحلا وقومهما محلكم ..

 

﴿ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾

 إذاً هم يتصوَّرون أن طريقتهم في الحياة مُثلى . لذلك يقول ربنا عزَّ وجل :

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾

( سورة الكهف )

 فهذا هو الضلال البعيد أن تكون على خطأٍ كبير ، وتتوهَّم أنك على صواب .. " من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه " .. فهؤلاء ظنوا أنَّهم على طريقةٍ مُثلى ، وعلى شيءٍ بديع ، وعلى صراطٍ مستقيم ، وأن موسى له أهداف مادية يريد أن يحل هو وأخوه وقومهما محل فرعون ، أسقطوا على دعوته الطابع المادي ، وطابع المكاسب الأرضية .

 

﴿ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً ﴾

 يا أيها السحرة أجمعوا كيدكم ، كونوا يداً واحدة ، ثم ائتوا صفاً ..

 

 

﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾

 لكن السحرة فيما تروي الكتب تأدبوا مع موسى ، فقالوا :

 

 

 

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾

 فالخيار لكما ، اختر أنت يا موسى ..

 

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 أنتم ..

 

﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾

إنما صنعوا كيد ساحر

 أتوا بحبالٍ ، وأفرغوها من الداخل ، ووضعوا فيها زئبقاً ، ولوَّنوها بألوان الأفاعي ، ووضعوها على أرض حارةً ، فلما حمي الزئبق تمدد فتحركت فخُيَّل إلى الناس أنها تسعى ، شيء عجيب ، هو نبي ومعه آية ، وهذا الحبل يسعى ، ويتحرك وحده ..

 

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾

 خاف ..

 

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ﴾

 ألقِ العصا ..

 

﴿ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴾

وغُلب السحرة … ولا يفلح الساحر حيث أتى

 فإذا هذه العصا تنقلب في ثانيةٍ واحدة إلى أفعى عظيمة تأكل كل هذه العصي والحبال ..

 

﴿ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

 مبدأ عام ، لا يُفلح الساحر حيث أتى ، السحرة علماء بالسحر ، صنعوا حبالاً ، وزيَّنوها ، ولوَّنوها ، ووضعوا داخلها زئبقاً ، لكن هذا الذي رأوه أفعى حقيقية !! ..

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾

عودة إلى الرشد واعتراف بالحق :

 هذا ليس سحراً ، هذه نبوة ، لذلك :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر : من آية " 82 " )

 تعلَّم من أجل أن تخشى الله ، لا تعرف حقيقة الدين إلا إذا كنت متعلماً ، قال عليه الصلاة والسلام :

((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ))

( من سنن الترمذي عن أبي أمامة الباهلي )

 المسافة بين النبي الكريم وبين آخر مؤمنٍ هي نفسها بين العالم والعابد :

((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))

( من سنن ابن ماجة : عن " ابن عباس " )

((إن الله عالم يحب كل عالم))

( ورد في الأثر )

((اغْدُ عَالِمًا ، أَوْ مُتَعَلِّمًا ، أَوْ مُسْتَمِعًا ، وَلا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ))

( من سنن الدارمي عن عبد الله بن مسعود )

 هؤلاء علماء بالسحر ، عرفوا أن هذا ليس بسحر ، ولكنه نبوَّة ..

 

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى* قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ ﴾

 عليكم أن تستأذنوني ..

 

﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾

تهديد فرعون باستعمال لغة القوة والبطش :

 هو ساحر ، هو الذي علَّمكم هذا السحر .

 

﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

 قال فرعون عندئذٍ : ستعلمون من هو أشد عذاباً أنا أم رب موسى ..

 

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 لنا عودة إلى هذه الآيات الأخيرة ، ولا سيما موقف السحرة الأخير نتطرق إليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى .