الدرس : 3 - سورة طه - تفسير الآيات 25 – 50

1988-02-05

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من سورة طه ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾

الحكمة من عدم وقوع المعجزة أمام الملإ :

 أولاً : هذا النبي الكريم .. سيدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أتم الصلاة والتسليم .. يجب أن يعلم هو قبْلَ غيره أنه نبي ، فحينما أمره الله عزَّ وجل أن يلقي العصا التي بيده فصارت حيَّةً تسعى ، فهذه معجزة ، قد يقول قائل : لِمَن ؟ هذه أولاً لسيدنا موسى ، ليعلم سيدنا موسى أنه نبيٌّ مُرْسَل ، وأن هذه معجزة أيَّده الله بها لتكون حُجَّةً له على الذين يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى .
 وقد يسأل سائل : لماذا كانت هذه المعجزة فيما بين موسى وبين ربِّه ، ولم تكن أمام الملأ ؟ هذه أولاً ليتعرَّف النبي بشكلٍ قطعي أنه نبيٌّ مُرْسَل ، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه جبريل في غار حِراء ، عرف النبي يقيناً أنه نبي وأنه مُرْسَل .

من فقه الفتوى : جواز إجابة السائل بأكثر مما سأل :

 وشيءٌ آخر : استنبط العلماء من هذا ، حينما سأل الله عزَّ وجل نبيَّه فقال :

 

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾

 فإذا كان الجواب على قدر السؤال ينبغي أن يقول : هي عصاً ، فلمَّا قال :

 

﴿ هِيَ عَصَايَ﴾

 نسبها إلى نفسه .. فاستنبط بعض العلماء أنه يجوز أن يكون الجواب أكبر من السؤال ، أو أطول ، أو أوسع ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام سُئلَ عن البحر فقال عليه الصلاة والسلام :

(( هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ))

( من سنن الترمذي عن أبي هريرة )

 فالنبي عليه الصلاة والسلام أجاب أكثر من السؤال ، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن هذا النبي الكريم أراد أن يطيل المُناجاة مع الله عزَّ وجل لما في هذه المناجاة من سعادةٍ لا توصف ، فقال :

 

﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾

 وكيف أنه قد شعر لعلَّه أطال ، وأساء الأدب ، فقال :

 

﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾

 فإذا كان الله يحبُّ أن يتابع نبيُّه الحديث والحوار والكلام يقول له : وما هذه المآرب الأخرى يا موسى ؟ على كلٍ كانت الحكمة من هذا السؤال أن يُلْفِتَ الله نظر سيدنا موسى إلى أن هذه التي بيده هي عصاه ، أنها بعد قليلٍ سوف تكون حَيَّةً تسعى ، لتكون المفارقة حادَّةً بين ماضي هذه الحيَّة ، وبين حاضرها .
 لذلك تَروي كتب الأدب أن الحجَّاج لقي أعرابيًّا فقال له : " من أين أقبلت يا أعرابي ؟ " ، قال : " من البادية " ، قال : " وما في يدك ؟ " وكان في يده عصا ، قال : عصايَ أركُزها لصلاتي ، وأجعلها سترةً لي ، وأعدُّها لِعُداتي ، وأسوق بها دابَّتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد عليها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثِبُ بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي .. أي ردائي .. فيقيني الحر ، ويدفئني من القر .. القر هو البرد .. وتدني إليَّ ما بَعُدَ عني ، وهي مَحمل سفرتي .. طعامه .. وعلاَّقة إداوتي.. أي محفظة كتبه .. أعصي بها عند الضِراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عَقور الكلاب ، وتنوب عن رمحي في الطعان ، وعن السيف في منازلة الأقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني .

 

﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾

 المئارب كثيرةٌ لا تُحصى ، فهذا هو التفصيل ، ما هي هذه المآرب ؟ مآرب كثيرة ، كان السلف الصالح يحمل بيده عصا يستعين بها في المشي ، ويقرع بها الباب ، ويقتل بها الحيوان العقور ، وهكذا ..

 

﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾

معجزة انقلاب العصا إلى ثعبان مبين :

 ليس القصد إخافتك يا موسى ، خذها ، تروي بعض الكتب أنه خاف منها ، فأمسكها بطرف عباءته ، فقال : خذها بيدك ، ولا تخف ..

 

﴿ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾

الخوف من طبيعة البشر :

 والخوف من طبيعة البشر ..

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

( سورة المعارج )

﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)﴾

( سورة النساء )

﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا(11)﴾

( سورة الإسراء )

 فأن يكون الإنسان عجولاً ، وأن يكون ضعيفاً ، وأن يكون هلوعاً، وأن يكون جزوعاً فهذه من طبيعة البشر ، إنها ضعفٌ في بنيتهم ، ولكن هذا الضعف لصالحهم ، ولأن الإنسان حينما خُلقَ ضعيفاً من أجل أن يستعين بالله عزَّ وجل ، وأن يلتجئ إليه ، وأن يتوكَّل عليه ، فلو أن الله عزَّ وجل خلقه قوياً لاستغنى بقوَّته ، وشقي باستغنائه ، ومن حكمة الله عزَّ وجل أن الإنسان خُلِقَ هلوعاً .

 

﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾

 آيتان : الآيةُ الأولى العصا ، وكيف أنه إذا ألقاها تصبح حيَّةً تسعى ، والآية الثانية يده حين أدخلها تحت إبطه ..

 

﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾

 لا تؤْذَى أنت ، ولا تؤذِي بها ، لكنها تخرج متألِّقَةً منيرةً كالشمس ..

 

﴿ آَيَةً أُخْرَى* لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى *اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾

شرح الصدر مُقَدَّمٌ على التيسير في الأمر :

 وبيَّنت في الدرس الماضي كيف أن شرح الصدر مُقَدَّمٌ على التيسير في الأمر ، لأن الإنسان ينطلق أول ما ينطلق من حاجةٍ نفسيَّة ، فإذا كان هناك انشراحٌ لإبداء هذا الأمر أقدم عليه ، فإذا كان هناك انشراحٌ لإمضاء هذا الأمر ، ولم تكن وسائلهُ ميسَّرةً لم يحقَّق الهدف ، لذلك لابدَّ من شرح الصدر ، وتيسير الأمر ..

 

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾

 وبعض الآيات تؤكِّد أن هذا النبي الكريم .. في هذه الآية طبعاً ، وفي آياتٍ أخرى أن في لسانه عقدةً ، أي لم يكن طليقاً في الكلام طلاقة أخيه هارون .

الفصاحة الجنان لا فصاحة اللسان :

 وحول هذا الموضوع قصَّةٌ طريفة جرت بين واعظٍ ونحوي ، فقد جلس نحويّ .. أي عالمٌ بالنَّحوِ .. في مجلس واعظ ، فَلَحَنَ الواعظ .. أي أخطأ في حركة بعض الكلمات .. فقال النحوي : " أخطأت " ، هكذا قالها أمام تلاميذه ، فقال له الواعظ : " أيها المُعرض في أقواله ، اللاحن في أفعاله ، أكلُ هذا لأني رفعتُ ، ونصبت ، وخفضت ، وجزمت ؟ فهلاَّ رفعت إلى الله يديك بالدعاء ؟ ونصبت بين عينيك ذكر الممات ؟ وخَفَضْتَ نفسك عن الشهوات ، وجزمتها عن فعل المحرَّمات ، أفلا تعلم أنه لا يُقال للمسيء يوم القيامة : لِمَ لَمْ تكن فصيحاً مُعْرِبَاً ؟ وإنما يقال له : لِمَ كنت عاصياً مذنباً ؟ ولو كان الأمر بالفصاحة لجعل الله الرسالة في هارون ، ولم يجعلها في موسى ، فقال تعالى إخباراً عنه :

﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ﴾

( سورة القصص : من آية " 34 " )

 فجعل الله تعالى الرسالة ـ في موسى ـ لفصاحة جنانه لا لفصاحة لسانه ، فالأمر تابعٌ للجنان .. أي للقلب .. لا للسان " .
 فالفصاحة وحدها لا قيمة لها ، أما إذا أضيفت الفصاحة إلى قلبٍ مُفْعَمٍ بذكر الله عندئذٍ تؤتي ثمارها ..
 دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين ، فقام غلامٌ لا تزيد سنُّه على إحدى عشرة سنة ، فقال الأمير : " اجلس أيها الغلام ، وليقُم من هو أكبر منك سنَّاً " ، فقال : " أصلح الله الأمير ؛ المرء بأصغريه ؛ قلبه ولسانه ، فإذا وهب الله العبدَ لساناً لافظاً ، وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس " ..
 فلذلك جعل ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة في أنبيائه مجتمعين أشياء كثيرة ، تكون هذه الأشياءُ دروسًا بليغة ، جعل في لسان نبيٍّ مُرسلٍ من أولي العزم عُقْدَةً ، وجعل لنبيٍّ آخر ابنًا ضالاًّ .. سيدنا نوح .. وجعل لنبيٍّ آخر زوجةً ليست مؤمنةً برسالته ، وجعل نبياًّ فقيراً ، وجعل نبياً ملكاً ، فحينما تدور الأمور كلُّها مع الأنبياء هذا من أجل أن يُفْصَل الإيمان عما يلابس بعض الناس من حالاتٍ متفاوتة ..

﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾

 طبعاً التسبيح والذكر المقصود به الكثرة ، لقوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا(42)﴾

( سورة الأحزاب )

 فلذلك المطلوب هو الكثرة ، ومن علامة المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أكثر ذكر الله عزَّ وجل فقد برئ من النفاق ))

( الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف )

﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً *قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾

 يا أيُّها الإخوة المؤمنون ... المؤمن حينما يدعو الإنسان دعاءً يتعلَّق بصلاح آخرته ، أو صلاح نفسه ، أو تطهيرها ، أو تحليتها بالكمال ، فهذا الدعاء دُعاءٌ طيِّبٌ جداً ، والله سبحانه وتعالى يستجيب له ..

 

﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾

 فإذا دعوت الله عزَّ وجل أن يهديك سواء السبيل ، وأن يجعلك هادياً مهتدياً ، وأن يحفظك من شرِّ ما خلق ، فلذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

( من سنن الترمذي عن أنس بن مالك )

 و:

(( الدعاء هو العبادة ))

(الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه عن النعمان بن بشير)

 و :

(( ومن لا يدعني أغضب عليه ))

( ورد في الأثر )

 و :

(( وإن الله يحبُّ الملحِّين في الدعاء ))

( الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه مقال )

 و :

(( لا يردُّ القضاءَ إلاّ الدعاءُ ))

( الترمذي عن سلمان بسند حسن )

 القضاء الذي نزل يُرَدُّ بالدعاء .

 

﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾

 أي أنك هُنا سألتنا فأجبناك ، لكنَّنا في الماضي مَنَنَّا عليك مِن فضلنا من غير أن تسألنا ، فلأن نُجيبك هذه المرَّة فمن باب أولى ، وإذا كنت قد سألتنا فأجبناك ، لكنَّه في الماضي لم تسألنا فأعطيناك .

 

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾

أنواع الوحي :

1 - وحي الإلهام :

 قال العلماء : " هذا وحي الإلهام " .

2 - وحي الغريزة :

 وهناك وحي الغريزة .

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾

( سورة النحل : من آية " 68 " )

 وهناك وحي الإلهام .

3 - وحي الرسالة :

 وحي الرسالة عن طريق سيدنا جبريل .
 وأغلب العلماء على أن هذا الوحي لأم موسى هو وحي إلهام ..

 

﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾

عناية الله وحفظه لموسى عليه السلام منذ ولادته :

 أي في الصندوق ..

 

﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾

﴿ فَلْيُلِقِهِ ﴾

 هذه اللام لام الأمر ، والبحر مأمورٌ أن يُلقي هذا الصندوق على شاطئ قصر فرعون ، فإذا كانت أمواج البحر أو ذرَّاتُ مياه البحر مؤتمرةً بأمر الله عزَّ وجل فهل في الحياة شيءٌ أكبر من ذلك يستعصي على الله عزَّ وجل ؟ إذاً الأمر كلُّه بيدِ الله .

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : من آية " 123 " )

 وهذه الآية جزءٌ أساسيٌ من مغزى القصَّة ..

 

﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

معنى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي

المعنى الأول :

 من أوجه تفسيرات هذه الآية أن الله أحبَّه وحبَّبه إلى خلقه ، لذلك إذا أحبَّك الله ، فمن لوازم محبَّة الله عزَّ وجل أن الخلق كلَّهم يحبُّونك ، فإذا أحبَّك الخلق فهذه علامة محبَّة الله لك ..

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

 والحديث القدسي الذي أتلوه على مسامعكم كثيراً هو قول سيدنا داود :

(( يا رب مَن أحبُّ الناس إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ فقال : يا داود أحب الناس إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحبَّ من أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي ))

( ورد في الأثر )

 فدور العبد الصالح مع ربِّه أنه يحبُّ الله ، ويحبُّ أحبابه ، ويُحَبِّب الخلق إليه ، إذا أحبَّك الله عزَّ وجل حبَّب الناس إليك ، وإذا أحببته أنت يجب أن تحبَّه ، وأن تحبَّ من يحبَّه ، وأن تحبِّب الناس إليه .. فقال :

(( أحبُّ الناس إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحبَّ من أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي ، فقال داود : يا رب إنك تعلم أني أحبُّك ، وأحبُّ من يحبُّك ، فكيف أحبِّبك إلى خلقك ؟ قال : ذكِّرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي ))

( ورد في الأثر )

 إذا ذكَّرت الخلق بآلاء الله ، وبنعمائه ، وببلائه فقد حببت الخلق إليه ، إن ذكَّرتهم بآلائه استعظموه ، وإذا استعظموه طبَّقوا أمره ، وإنك إن ذكَّرتهم بنعمائه أحبُّوه ، وإذا أحبُّوه طبَّقوا أمره ، وإنك إن ذكَّرتهم ببلائه خافوا منه ، وخوفهم منه يحملهم على تطبيق أمره ، فالهدف واحد ، وهو أن يطيعوه ، إما أن يطيعوه عن طريق التعظيم ، وإما أن يطيعوه عن طريق المحبَّة ، وإما أن يطيعوه عن طريق التخويف ..

(( ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ))

المعنى الثاني :

 قال بعض المفسِّرين :

 

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

 أيْ رَحِمْتُكَ فأحبَّك الناس ، فإذا تجلَّى الله على قلب الإنسان بالرحمات انصرفت قلوب الناس إليه ، لأن قلبه يصبح مهبطاً لتجلّي الله عزَّ وجل ، وعندئذٍ تهفو القلوب إلى هذا القلب المتصل ، فلو أن الإنسان أُتيح له أن يلتقي بنبيٍّ عظيم فلا توصف مقدار السعادة التي تتأتَّى من مجرَّد اللقاء ، ولو لم ينطق بكلمة ، إن هذه النفوس العظيمة التي أقبلت على الله عزَّ وجل ، واستنارت بنوره فكانت مهبطاً لتجليَّات الله عزَّ وجل ، فإذا كان هناك لقاءٌ ، أو اتصالٌ ، أو محبَّةٌ ، أو محاككةٌ بينك وبين قلب المتصل سَرَت هذه الصلة إلى قلبك ، لذلك :

 

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

 من معانيها أنني أحببتك ، وجعلت الخلق كلَّهم يحبونك .

المعنى الثالث :

 أنني تجلَّيت على قلبك فهفت القلوب إليك ، ولذلك يقال : إن النبي عليه الصلاة والسلام كان أصحابه لا يطيقون فراقه أبداً ، كان بعض أصحابه يخدمه ، فلمَّا حان وقت الانصراف بقي على عتبة داره لشدَّة أُنسه ، وسعادته بهذا القُرْب ..

 

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

 أي أحببتك ، وجعلت الخلق يحبُّك ..

 

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

 أي تجليت على قلبك فهفت القلوب إليك .

 

﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾

المعنى الرابع :

 شيءٌ آخر ـ أي معنى آخر ـ أحياناً يلقي الله عزَّ وجل على إنسان محبَّته فيحبُّه الناس ، وهكذا قال بعض المفسِّرين ، أي أنه ألقى عليه مسحةً من جمالٍ أخَّاذ ، فإذا كلُّ مَن النظر إليه هفا إليه ، وكان غلاماً صغيراً فألقى عليه مسحةً من جمال ، فلمَّا رأته امرأة فرعون أحبَّته ، وقالت : لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا ، فلمَّا رآه فرعون قَبِلَ أن ينجوَ هذا الغلام مِن القتلِ ، أي أنه ألقى عليه مسحةً من جمال .
 والمرأة التي تُخْطَبُ ، ويتزوَّجها زوجها ، ويكرمها ، ويجعلها في موضع تكريمه ورعايته ، ويسكنها في بيتٍ مريح ، ويأتيها بالطعام ، والشراب ، واللباس ، إيَّاها أن تظنَّ أن هذا ضروريٌّ لها ، لولا أن الله عزَّ وجل ألقى عليها مسحةً لما خطبها أحد ، فالفضل لله عزَّ وجل ، لو تَعْلَم المرأة أن الذي جعل الناس يُقْبِلون على خطبتها هو الله عزَّ وجل ، لأنه جعلها كاملةً مرضيَّةً في أعينهم ، ولو لم تكن كذلك لما أقدم أحدٌ على خطبتها ، إذاً هذه محبَّة الله أيضاً .
 آتى الله الإنسان عقلاً ، وآتاه حواس تامَّة فبجَّله الناس ، وعظَّموه ، واحترموه مثلاً ، فهذا فضل الله عزَّ وجل ، ولو أن في العقل خللاً لما أقبل أحدٌ عليك ، لو أن في الخَلْقِ عيباً خطيراً لما أقبل أحدٌ عليك ، ولنفر الناس منك ، إذاً إذا أقبل الناس عليك فهذا من فضل الله عزَّ وجل ، وعلامة المؤمن أنه يرى فضل الله عليه دائماً ..

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾

 هذه كنايةٌ أن الله عزَّ وجل رعاه رعايةً تامَّة ، فحينما يكون الابن في قلب أمِّه تراها تنظر إليه دائماً حيثُما انتقل ، فالآية إشارةٌ إلى أن الله عزَّ وجل هو الذي ألقى عليه مسحةً من جمال ، وهو الذي ألقى عليه محبَّته ، وهو الذي أوحى إلى أمِّه أن اقذفيه في التابوت ، وهو الذي أمر الموج أن يسوق هذا الصندوق إلى شاطئ القصر ، وجعل الجواري يأخذن هذا الصندوق إلى امرأة فرعون ، وهو الذي ألقى في قلب امرأة فرعون محبَّة هذا الغلام ، وجعل فرعون يرضى أن ينجو هذا الغلام من الذبح ، هو الذي جعله يتربَّى في قصر فرعون ، كل هذه الحوادث إنها..

 

﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾

 إنّ الله سبحانه وتعالى هو الرب المُمِدّ ، الذي يَهَبَ الجميل ، ويثيب عليه ، والدليل أن هذا الأمر كلَّه بيدِ الله ..

 

﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾

 أي دخلت أختك إلى قصر فرعون ، وقد تروي بعض الأخبار أنها وضعت أخاها على ثديها فالتقمه ، بينما لم يرض أن يلتقم ثدي أي امرأةٍ أخرى ، وربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

( سورة القصص : من آية " 12 " )

 فقال العلماء : " هذا تحريمُ منعٍ لا تحريم شرعٍ " .

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

 إلى أن جاءت أخته ، ووضعته على ثديها فالتقم ثدي أخته ، لكنَّ أخته ليس في ثديها حليب ، قالت : أنا آتيكم بأمِّي ، أمي في ثديها حليب ، فجاءتهم بأمِّه فالتقم ثديها ..

 

﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾

 إذاً :

 

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾

وقتلتَ نفسًا فنجيناكَ من الغمِّ :

 وقد جاء في صحيح مسلم أن هذا القتل هو قتل خطأٍ ، وليس قتل عمدٍ ، وتصوُّر ، إنه قتل خطأٍ ، وقد ظهر من هذا القتل حِرْصُ هذا النبي الكريم على أن يكون مع الحق ، وليكن الثمن ما يكن ..

 

﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ﴾

 من غمِّ القِصاص ، ومن غمِّ المُلاحقة ، ومن غمِّ السجن ..

 

﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾

 جئت في الوقت المناسب ، أو جئت على القدر الذي قدَّرناه نحن لك..

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

تفسير : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنفْسِي

 الاصطناع من الصَنيع ، والصنيع هو المعروف ، فأولاً اخترتك ، ثم جعلتك محلَّ إكرامي ، وعطائي ، اخترتك ، وأعطيتك ، وكرَّمتك لتكون هادياً إليَّ ..

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

 فأنت قد هُيِّئت ، وأُعطيت كل الوسائل التي تستطيع بها أن تكون هادياً إليّ ، وذلك لأن الله عزَّ وجل عَلِمَ منه الصدق ، وعلم منه الذوبان في محبَّة الله عزَّ وجل ..

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

 إنها أعلى مرتبةٍ يبلغها إنسان على وجه الأرض ، أن يكون هادياً إلى الله عزَّ وجل ..

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾

اذهبا إلى فرعون إنه طغى

﴿ لاَ تَنِيَا ﴾

 أي لا تتباطآ في ذكري ..

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾

 تجاوز الحدَّ المعقول ، فخرج عن دائرة القبول ..

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف :

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))

( ورد في الأثر )

 وقال تعالى :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))

 قال رجل لأمير : " سأعظك بغِلْظَة " ، فكان هذا الأمير أفقه من الواعظ ، قال له : " لِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني ، أرسل موسى إلى فرعون ، فهل أنت كموسى ؟ لا ، وأنا كفرعون ؟ لا ، لمَ الغلظة يا أخي ؟ " .

 

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

 حتى إن بعضهم قال : " يا رب إذا كانت هذه رحمتك بمن قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾

 فكيف رحمتك بمن قال : سبحان ربي الأعلى ؟! وإذا كانت هذه رحمتك بمن قال : ﴾ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 

، فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله ؟! المرسل إليه هو فرعون ..

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

 وقال بعض العلماء : " القول الليِّن أن تناديه بلقبه ، أو بكنيته ، أو بالاسم الذي يُحِبُّه ، هذا من القول اللين ، فإذا كنتَ مع إنسان ، وترجو منه الخير ، فإذا ناديته باسمٍ يحبُّه ، أو لقبٍ علميٍّ يحبُّه ، أو رتبةٍ يحبُّها ، أو كُنِيَةٍ يحبُّها فهذا من القول الليِّن ، وإذا ناديته باسمٍ يحبُّه ، أو لقبٍ ، أو مرتبةٍ ، أو شيءٍ من هذا القبيل ، فهذا من القول الليِّن ، وسوف ترون معي بعد قليل كيف كان قول هذا النبي العظيم لفرعون ؟

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

 إذاً الأمل واسعٌ وقائمٌ ، وفرص الهداية متوافرةٌ في فرعون ، وإلا لَمَا كان هناك من معنى أن يُرْسِل الله عزَّ وجل موسى إلى فرعون .

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

تفسير : يَفْرُطَ عَلَيْنَا

 أيْ أن يسارع بالعقوبة ، أن يسارع في قتلنا ، أو في تعذيبنا ، أو أن يزداد طغياناً ، حينما يعارض فرعون الحق يزداد طغياناً على طغيانه ..

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

الخوف من جِبلّة الإنسان :

 ورد في بعض الكتب : " أن الخوف من الأعداء سُنَّة الله في أنبيائه وأوليائه ، مع معرفتهم به ، وثقتهم بنصره " ، الخوف من طبيعة البشر ، يا ترى هل يُعَدُّ خوف هذا النبي الكريم من مواجهة فرعون نقصاً في إيمانه ، أو نقصاً في توكُّله ، أو ثغرةً في ثقته بالله عزَّ وجل ؟ قال بعض العلماء : " لا " ..
 فقد روي أن رجلاً اسمه عامر بن عبد الله نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء ، فحال سبعٌ مفترسٌ بينهم وبين الماء .. أي هم يبتغون هذا الماء ، وبينهم وبين الماء سبعٌ مفترس .. فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته .. هذا عامر بن عبد الله توجَّه إلى الماء ، ولم يبال بالسبع ، وأخذ منه حاجته .. فقيل له : " لقد خاطرت بنفسك يا عامر ، وغامرت ، فقال : " لأنْ تختلف الأسنَّة في جوفي أحبُّ إليَّ مِن أن يعلم الله أني أخافُ شيئاً سواه " ، بعضكم أُعْجِب بهذا الموقف ، أما سيدنا الحسن البصري ردَّ عليه فقال : " لقد خاف يا عامر من هو خيرٌ منك" ، وجاء بالآيات التي ذكرت قول مؤمن آل فرعون لسيدنا موسى ..

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ(20)فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

( سورة القصص )

الآيات التي أثبتت خوف موسى من فرعون وقومه :

 نبيٌّ عظيم ، نبيٌّ مُرْسَل ، من أولي العزم .. ومع ذلك :

الآية الأولى :

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

الآية الثانية :

﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

( سورة القصص : من آية " 18 " )

الآية الثالثة :

﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67)قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴾

( سورة طه )

 فإذا كان النبي المُرْسَل الذي هو من أولي العزم يخاف فهذا الخوف من طبيعة البشر ، وليس قدحاً في إيمانه ، ولا في توكُّله ، ولا في ثقته بنصر الله عزَّ وجل ، ولكنَّ طبيعة البشر هكذا ، والخوف من طبيعة البشر ليكون الخوف دافعاً لهم إلى التوكُّل على الله ، والالتجاء إليه ، والثقة بنصره .

 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا ﴾

 أفرط عليهم أي أسرع بعقوبتهم ..

 

﴿ أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

 الطغيان تجاوز الحد ..

 

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا ﴾

معية الله : معكما أسمع وأرى :

 أين أنا ؟ أنا معكما ..

 

﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

 من هنا قال بعضهم : " إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ " ..

إذا كنت في كل حالٍ معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

( سورة المائدة : من آية " 12 " )

 أي أن معيَّة الله ليست حكراً على أحد ، لكنَّها لكل الناس بهذا الشرط ، معيَّة الله لكل مؤمنٍ بشرط أن يكون مقيماً للصلاة ، مؤتياً للزكاة ، يرعى حقوق الله ، مُعَزِّراً لرسله وأنبيائه .

 

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

 لقد طمأنهما ربنا عزَّ وجل ..

 

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ﴾

إيذاء فرعون لقومه :

 يبدو أن هؤلاء القوم كان قد عذَّبهم فرعون كثيراً ؛ ذبَّح أبناءهم ، واستحيا نساءهم ، وجعلهم يعملون عملاً بلا أُجرة ، أرهقهم في الأعمال ، وانتهب منهم الأموال ، وقتَّل أبناءهم ـ وهكذا ـ

 

﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾

السلام على من اتبع الهدى :

 لم يقولا : " السلام عليك " ، السلام على من اتبع الهدى ، الذي اتبع الهدى وحده يستحقُّ السلام ، والسلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل ، من منحه الله السلام لا يستطيع مخلوقٌ على وجه الأرض أن ينال منه .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ﴾

( سورة فصلت : من آية " 30 " )

 مُنِحوا السلام ..

﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ﴾

( سورة الأحزاب : من آية " 44 " )

﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾

من أساليب الدعوة : التوجيه الليّن اللطيف :

 هذا من التوجيه اللطيف ، وهذا من القول الليِّن ، لم يقل سيدنا موسى: أن يا فرعون سوف يعذِّبك الله عزَّ وجل ، لا ..

 

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾

 فإذا أردت أن تنصح إنساناً غارقاً في المعاصي فلا تقل له : أمامك مصائب ، وأمامك عقوبات شديدة ، بل قل : الله عزَّ وجل يعاقب المنحرف ، ويعاقب العاصي ، ولا تتوجَّه إليه بالذات ، بل بيِّن له بعض القواعد ، بعض السُنَن ، والقوانين في كتاب الله من دون أن تجعله هدفاً لموعظتك ..

 

﴿ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾

حوار حول إثبات الربوبية :

 من ربكما ؟ ..

 

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 أي أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم أعطاه فكراً ، وقوَّةً إدراكيَّةً يعرف بها الخير من الشر ، والحقَّ من الباطل ، وما ينفعه ، وما يضرُّه ، هداه إلى طريق سعادته ، وخلقه خلقاً كاملاً ، وأعطاه قوَّةً إدراكيَّة يهتدي بها إلى طريق سعادته ، أعطاه وهداه ..

 

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

مِن صورِ هداية الله لمخلوقاته :

1 - هداية الله للحيوان :

 الحيوان خلقه في أبدع تكوين ، ثم هداه إلى طعامه وشرابه ، وهداه إلى بناء عشِّه ، وإلى رحلةٍ طويلةٍ ، لا يزال العلم حتى الآن حائراً في طريقة اهتداء الطيور إلى أهدافها البعيدة ، أعطى السمكة الخَلق الأكمل ، ثم هداها لرحلةٍ تقطع بها عشرات الألوف من الأميال ، كل مخلوقٍ هداه الله إلى سُبُلِ العيش ، كيف يعيش ، وكيف يأكل ، وكيف يأوي إلى عشِّه أو إلى جحره ، هذه هداية الله عزَّ وجل ، عبَّر عنها بعض علماء الغرب "بالغريزة " ، والغريزة كلمة لا معنى لها ، فالحيوان يقوم بأفعال ذكيَّة جداً من دون تعليم .

2 - هداية الله للطفل الرضيع :

 فهذا الطفل الصغير الذي يولد لتوِّه يلتقم ثدي أمِّه ، التقام الثدي عمليَّةٌ معقَّدة ، فيها إحكام شفتيه على حلمة الثدي ، وفيها سحب الهواء كي يخرج له الحليب ، وفيها أشياء كثيرة ، العلماء قالوا : " هذا منعكس المص يولد مع الإنسان " ..

 

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 فلو أن هذا الطفل الصغير لا يعرف كيف يلتقم ثدي أمِّه لمات جوعاً، وليس في الإمكان أن تُعَلِّمه ، وهو دون أن يُعَلَّم ، فليس عنده إدراك ، ولا لغة ، ولا قدرة على الاستيعاب ، ولذلك لولا منعكس المصِّ الذي خلقه الله عزَّ وجل في الطفل الصغير لما عاش إنسان على وجه الأرض .
 وهذه الآية يمكن أن تؤلَّفَ حولها مجلَّدات ..

 

﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

 أعطى الإنسان خلقه الكامل ، ثم هداه إلى طريق الخير والشر ، وأعطى الحيوان خلقه الكامل ، ثم هداه إلى كسب رزقه وإلى عيشه ، أما قوله تعالى :

 

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾

سؤالٌ من فرعون : فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى

 قال بعض العلماء : " أراد فرعون من هذا السؤال أن يصرف موسى عن هدفه من المناقشة ، وأن يحوِّله إلى موضوعٍ آخر ، أو أنه أراد أن يقول له : هؤلاء الأقوام الذين جاؤوا قبلنا لِمَ لمْ يهدهم الله عزَّ وجل كما تقول أنت ؟ أو أنه أراد بهذا أن يسأله عن غيب الماضي لتوَهُّمه أن هذا النبي الكريم يعلم الغيب " ..

 

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى *قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾

جوابُ موسى عليه السلام :

 أنا عبدٌ فقير لا أعلم من الغيب شيئاً ..

 

﴿ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾

تفسير قوله : فِي كِتَابٍ

 إنّ الله عزَّ وجل لا يحتاج إلى كتابٍ يكتُب فيه الماضي ، ولكنَّ العلماء قالوا : " إن الكتاب هنا بمعنى أن يؤكِّد لعباده أن علم هذه القرون الأولى لا يخفى عليَّ منه شيء " ، أي هو بحسب تصوُّر الخلق ، الله عزَّ وجل غنيٌّ عن أن يكتب ، أو أن يثبت هذا في كتاب ، لكن كلمة كتاب هنا جاءت لتبيِّن أن الله عزَّ وجل بحسب تصوُّرِ الناس أنه شيءٌ مكتوب ..

 

﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾

 هذه الآيات تحتاج إلى تفصيلٍ ، أرجو الله سبحانه وتعالى في الدرس القادم أن يوفقني إلى توضيح بعض الأمثلة التي تعمِّق فهمنا لهذه الآيات ، ولاسيما الآية التي كما قلت قبل قليل يمكن أن يفصَّل فيها تفصيلاً كافياً .

 

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾