الدرس : 08 - سورة الروم - تفسير الآيات 30-32

1991-03-15

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثامن من سورة الروم.

هذه الآية من أبرز آيات هذه السورة فهي من أصول الدين:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

( سورة الروم )

 هذه الآية أيها الأخوة من أبرز آيات هذه السورة ؛ بل هي من أدقِّها، بل إنَّ هذه الآية من أصول الدين، ما علاقتها بالتي قبلها ؟ بعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى آياته الدالَّة على عظمته:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ﴾

 إلى آخر الآيات، وبعدها:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 إذا تيقَّنت أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وأنه هو الرب، وأنه هو المسيِّر، وأن أسماءه كُلَّها حُسنى، وأنه كاملٌ كمالاً مطلقاً، موجودٌ وواحدٌ وكامل، وأنَّ الأمر كلَّه بيد الله ؛ أمر حياتك، وأمر من حولك، وأمر ما حولك، إذا رأيت أن الله بيده كل شيء فماذا أنت صانع ؟ ماذا أنت فاعل ؟ إلى أين ينبغي أن تتجه ؟ ماذا تعمل ؟ ما المطلوب منك ؟ أبعد كل هذه الآيات تتوجَّه إلى غيره ؟ أبعد كل هذه الآيات تعقد الأمل على غيره ؟ أترجو غيره ؟ أتهاب غيره ؟ أتخشى غيره ؟ أتطمع في غيره ؟ أتطيع غيره ؟

 

على الإنسان الاتجاه إلى الله وحده و لا أحد سواه:

 مثلاً لو أن لك معاملةٌ أو قضيَّةٌ في ملف، إذا وقِّعت بالموافقة فسوف يتحدَّد مصيرك في الحياة، كأن تكون بعثةٍ دراسيَّةٍ سوف تعود وأنت تحمل أعلى الشهادات وتحتل أعلى المناصب، توجَّهت إلى هذه الوزارة، فيها آلاف الموظَّفين، توجَّهت إلى الأول فقال لك: لا أستطيع أن أوقِّع لك هذه المعاملة، توجَّهت إلى الثاني اعتذر، إلى الثالث لا يملك حقَّ التوقيع، إلى أن ثبت لك أن من بيده توقيع هذه المعاملة هو فلان، ماذا عليك أن تفعل ؟ أن تدع كل هؤلاء، أن تُعْرِضَ عن كل هؤلاء، أن تهمل كل هؤلاء وتتجه إليه، وحالك مع الناس أن تتركهم، وأن تتجه إلى الله وحده، فهنا الله عزَّ وجل بيَّن آياته ونفى الشرك:

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ(30)﴾

 معنى ذلك أنك بعد هذه التحقيقات، وبعد هذا التدقيق، وبعد هذا الفَهْمَ، وبعد هذا البحث، وبعد هذا التأمُّل، وبعد السؤال والجواب، وبعد التوضيح، وبعد التبيين، وبعد كل هذه الأدلَّة القائمة على وجوده، وعلى وحدانيَّته، وعلى كماله، واحدٌ في ذاته، في أسمائه، في صفاته، في تصرُّفاته، أمرك كلُّه بيده، ماذا أنت فاعل ؟

الآية التالية كأنَّها جوابٌ لكل هذه الآيات:

 قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 كأنَّها جوابٌ لكل هذه الآيات، ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، ومن آياته، كلها آياتٌ دالَّةٌ على وجوده، ووحدانيَّته، وكماله، وإن أشركت غيره تكن كهذا الذي بيَّنه الله عزَّ وجل:

 

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ(28)﴾

 بعد أن بيَّن وحدانيَّته، وربوبيَّته، وألوهيَّته، وأن الأمر كله بيده، وأن الشرك ظلمٌ عظيم قال لك:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 

على الإنسان أن يبذل ما في وسعه في التوجه إلى الله:

 أيها الأخوة هذه الآية كما قلت قبل قليل آيةٌ من أصول الدين، من أبرز آيات هذه السورة، ولو فهمناها حقَّ فهمها، ولو وقفنا على دقائقها وأبعادها ما وسعنا إلا أن نتوجَّه إلى الله وحده:

﴿ فَأَقِمْ (30) ﴾

 كلمة فأقم، الإنسان كما يقولون لا يكون قادراً على أن يحقِّق كل أفعاله إلا إذا كان قائماً، وهو مضجع له حركة محدودة، وهو قاعد له حركة محدودة، أما إذا كان الأمر يعنيه وكان الأمر ذا بال، الأمر خطير، الأمر مصيري يقف، قال:

 

﴿ فَأَقِمْ (30) ﴾

 إذاً معنى القيام هنا معنى كمال القدرة، أي يجب أن تبذل كل ما في وسعك، يجب أن تستنفد قدرتك، يجب أن تعطي كل ما عندك:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (30) ﴾

 

الانصراف الكلي إلى الدين مثَّله الله عزَّ وجل بالآية التالية: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا:

 كيف عندما يكون مع الإنسان ضغط مرتفع وخطير، وهو يقيس ضغطه تجد أن عينيه مركَّزتان على ساعة الضغط، لا يلتفت عن المؤشِّر، كيف إذا كان يقود سيارة بسرعة فائقة عيناه على الطريق لا يمكن أن يلتفت، لأن الالتفات يعني الهلاك، كيف إذا كان معه ورم وأخذ خزعة للتحليل، حينما يمسك بالتحليل ويفتح الورقة كيف يركِّز عينيه على هذه الورقة ويقرأ إذا كان ورماً طبيعياً أو غير طبيعي، كأن الله سبحانه وتعالى عبَّر ـ الفكرة دقيقة ـ كأن الله سبحانه وتعالى عبَّر عن التفات الإنسان إلى ربِّه، وعن تفكُّره في آلائه، وعن طاعته التامَّة له، وعن أعماله الصالحة، وعن اهتمامه الشديد بعباداته، عن اهتمامه الشديد بأوامر الله عزَّ وجل، هذا الانصراف الكلي، هذا الاستغراق في كمال الله عزَّ وجل، هذا الانصياع إلى أمر الله، هذا الإقبال على الله، هذا التركيز، هذا الاهتمام، هذا الصدق، هذا الانصراف، هذه الحالة وما فيها من تفكُّر، ومن عبادات، ومن صلوات، ومن أدعية، ومن حضور مجالس علم، ومن اهتمام بأمر الله في مأكله، ومشربه، ومتجره، ومصنعه، هذا الانصراف الكلي إلى الدين مثَّله الله عزَّ وجل بصورة فقال:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

رأي بعض المفسرين بإقامة الوجه:

vقال بعض المفسِّرين: إقامة الوجه أي إقامة الوجْهَةِ، أي اتجاهك إلى الدين، وقال بعضهم: إقامة الوجه أي تصويب العمل وفق ما أمر الله عزَّ وجل، والأصحُّ أن هذه الكلمة تجمع بين المعنيين، أن تتجه بكليَّتك إلى الله عزَّ وجل، وأن تجعل من عملك مطابقاً لأمر الله ونهيه تماماً، أي تصحيحٌ في الوجهة وفي السلوك، تصحيحٌ في الوجهة إلى الله عزَّ وجل وفي السلوك:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ (30) ﴾

 والوجه يُعَبَّر به عن ذات الإنسان:

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ(27) ﴾

 

(سورة الرحمن )

 وقال:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ (30) ﴾

 الله سبحانه وتعالى يخاطب من ؟ يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، أي يا محمد أقم وجهك للدين، هناك إنسان يجعل الدين وراء ظهره، لا يبالي أكان مطعمه من حلال أم من حرام، لا يبالي أصلى أم لم يصلِ، لا يبالي أوقع في معصيةٍ أم لم يقع، لا يبالي أكان الله راضياً عنه أم ساخطاً، لا يبالي، لا يدقِّق، ليس معنياً بهذا الموضوع، ليس مهتماً به، لا يعلِّق عليه كبير أهميَّةٍ، فسيَّان إن كان مستقيماً أو منحرفاً، طائعاً أو عاصياً، مخلصاً أو خائناً، مقبلاً أو مدبراً، ليس عنده ذلك الصدق وهذا الاهتمام.

 

سمي الدينُ ديناً لأن كل الخلق يدينون له ويخضعون له:

 ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (30) ﴾

 كلمة دين ماذا تعني ؟ دان إلى الشيء أي خضع له، ويوم القيامة يسمى يوم الدينونة، يوم الخضوع، والإنسان لما أودع الله فيه من عقلٍ ولما أودع الله فيه من فطرة عالية لا يدين إلا للحقِّ والكمال ـ دقِّق ـ الإنسان بما أودع الله فيه من عقلٍ وما فطره عليه من فطرة عاليةٍ لا يدين ولا يخضع إلا للحق وإلا للكمال، فأنت لن تحترم إنساناً كاذباً، لن تخضع له نفسياً، لن تبجِّله، لن تعظِّمه، لن تنساق له، لن تنقاد له ما دام كاذباً، ما دام محتالاً، ما دام خائناً، ما دام متلوِّناً، ما دام له وجهان، له موقفان، الإنسان غير الأخلاقي لا يُلْفِتُ نظرك، لا يجذب اهتمامك، لا يصرفك إليه، إذاً:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (30) ﴾

 سمي الدينُ ديناً لأن كل الخلق يدينون له، يخضعون له، ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بشيءٍ وقال العقل: لا، ولا نهى عن شيءٍ وقال العقل: نعم، الدين كله حق قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 

( سورة الإسراء: من آية " 9 " )

 النبي عليه الصلاة والسلام عرفه الصحابة للنجاشي بقولهم: "حتَّى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه... "، لو كان مخطئاً، لو كان منحرفاً ـ لا سمح الله ـ ما دان الناس له، ولا خضعوا لسنَّته، ولا عظَّموه، ولا أحبَّوه بعد مماته بألفٍ وخمسمئة عام.

الإنسان يخضع للحق ويخضع للكمال:

 إذاً بالدين يوجد شيئيان الصحة العقلية والكمال النفسي، وأنت أيها الإنسان لا تخضع ولن تخضع إلا لما هو صحيحٌ عقلياً ولما هو كاملٌ نفسياً، فسمي الدينُ ديناً لأنه نظام الله عزَّ وجل، لأنه دين الله، لأنه من عند الله، لأنه نزل على أكمل الخلق وحبيب الحق، فسمَّاه الله ديناً أي يُدانُ له، يُخْضَع له، أنت لا تخضع لقوله وتقول: اثنان زائد اثنين يساوي خمسة بل تقول: لا، بملء فمك، لكن إذا قيل لك: اثنين زائد اثنين يساوي أربع تقول: نعم هذا صحيح، إذاً أنت لا تخضع إلا للحق لأن الله أودع فيك عقلاً، ولا تخضع إلا للكمال لأن الله فطرك فطرة عاليَةً، إذاً عندما سمَّى الله هذا النظام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ديناً فهو اسمٌ على مسمَّى، لأن النفوس تخضع له، تخضع لتعاليمه، تخضع لما في القرآن من آياتٍ كونيَّة، تخضع لما يتصف به النبي من صفاتٍ أخلاقيَّة، فالإنسان يخضع للحق ويخضع للكمال:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 إذاً إقامة الوجه تعني الإقبال على الله عزَّ وجل، والانصراف عمن سواه، إقامة الوجه للدين تعني أيضاً أن تجعل عملك مطابقاً لمنهج ربك في كل حركاتك اليوميّة، عندنا منهج افعل ولا تفعل، عندنا أمر وعندنا نهي، يجب أن تجعل من سلوكك اليومي مطابقاً لهذا الأمر والنهي، هذا معنى:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ (30) ﴾

 أي أن تركِّز عينيك في شيء لا تحيدُ عن هذا الشيء مهما حدث من ظروف صعبة، فهذه استعارةٌ تمثيليَّة لحالة المؤمن مع ربِّه، الدين عنده هو كل شيء، طاعة الله هي كل شيء، إقباله على الله هو كل شيء، رغبته في الدار الآخرة هي كل شيء، توقيع أعماله وفق الشرع هو كل شيء، حبُّه لله هو كل شيء، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (30) ﴾

 

العبادة هي طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة:

 أما حنيفاً، الأحنف هو الذي يميل في سيره، حنيفاً أي مائلاً، فما الفرق بين طاعة الله عزَّ وجل وطاعة إنسانٍ قوي ؟ طاعة الإنسان القوي قد لا يُرافقها مَيْلٌ له، في نفور لكنه قوي، تطيعه وأنت لا تحبُّه، وإذا أحببته ولم تطعه لست عابداً له، فمن تعاريف العبادة أنها طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة، مما يميِّز الدين عمَّا سواه أن الإنسان يطيع الله ويحبُّه، فمن أحبَّه ولم يطعه ما عبده، ومن أطاعه ولم يحبَّه ما عبده، لا تكون العبادة عبادةً إلا إذا كانت طاعةً ممزوجةً بمحبَّة، أو العبادة نهاية الطاعة مع نهاية المحبَّة، أن تطيعه إلى أقصى درجة، وأن تحبَّه إلى أقصى درجة، إذاً:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 قلنا: القيام هو التعبير عن كمال القدرة، أي ابذل كل جهدك، ابذل كل طاقتك، ابذل كل وقتك، ابذل كل مَلَكَاتك في معرفة الله وفي طاعته وفي التقرُّب إليه، الوجه أي يجب أن تتجه إلى الله وأن توقِّع أعمالك وفق أمر الله:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ (30) ﴾

 لمَ يُدان له ؟ لأنه حقٌ وكمال، هذه قاعدة مهمَّة جداً: النفوس جميعاً لا تخضع إلا للحق، لا تدين إلا للكمال، ما الذي يجعل الناس يحبونك ؟ أخلاقك، ما الذي يجعل الناس ينصاعون لك ؟ علمك الذي لا شائبة فيه، إذاً:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 مائلاً إليه مُعْرِضَاً عمن سواه، هذا معنى حنيفاً بدقَّةٍ بالغة، مائلاً إليه معرضاً عمن سواه.

 

الآية التالية تؤكِّد تطابق الدين تطابقاً تامَّاً مع الفطرة:

 الشيء الذي يلفت النظر أنه قال:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾

 هذه الآية تؤكِّد تطابق الدين تطابقاً تامَّاً مع الفطرة، ما يأمُرك به الدين هو ما تحتاجه فطرتك، لو فرضنا أعطينا أمراً بشرب الماء أنت ظمآن، فحينما تعطش، تظمأ تشعر أن كل خلية في جسمك تقول لك: أنا بحاجةٍ إلى الماء، حينما يظمأُ الإنسان يشعر أن كيانه كله مهزوز، وأنه في أمسِّ الحاجة إلى شربةِ ماء، فإذا جاءت التعليمات من جهةٍ ما: عليك أيها الإنسان أن تشرب وأنت في أمسِّ الحاجة إلى الشرب، نقول: هناك تطابقٌ دقيقٌ بين هذه التعليمات وبين حاجة الجسم، هذا مَثَل.
 أي أمر إلهي الفطرة في أمسِّ الحاجة إليه، وأي نهيٍ إلهي الفطرة في بُنْيَتِها أبعدُ شيءٍ عنه، فالإنسان إذا كان باراً بوالدته أو بوالديه يشعر بطمأنينة، يرتاح، إذا أدَّى ما عليه من واجبات، كانا في حالة مرضٍ فعالجهما، ينام مرتاح الضمير، هذه فطرته، الله عزَّ وجل حينما أمرك ببرِّ الوالدين نفسُك لا ترتاح إلا إذا كنت باراً بوالديك، فإذا كنت عاقاً لهما تشعر بالضَجَر، والتمزُّق، واختلال التوازن، إذاً أمر الله لك ببرِّ والديك يقابله حاجة فطرتك إلى برِّ الوالدين.
 حينما يأمرك الله بالعدل وأنت تعدل في قسمتك، في معاملتك لأولادك، في معاملتك لموظَّفيك، في معاملتك لإخوانك، في معاملتك لجيرانك، فطرتك، بنيتك النفسيَّة ترتاح لهذا العدل وتأبى الظلم، إذاً إذا فعلت شيئاً أمرك الله به تشعر أن هذا العمل يريحك، يجعلك في سلام مع نفسك، يرتاح ضميرك، يرتاح خاطرك، ترتاح أعصابك، تطمئن نفسك، تشعر بثقة، تشعر بتفوُّق، إذاً ما هذا التطابق الدقيق بين الفطرة وبين أحكام الدين ؟

أمر الله ونهيه متطابقان تطابقاً تاماً مع الفطرة:

 كنت ضربت من قبلُ مثلاً أعيده مرَّةً ثانية: هناك خارطة لسوريَّة نافرة، مجسَّمة، لو ضربنا حولها إطاراً وصببنا فوقها جبساً سائلاً، وبعد أن جفَّت هذه المادَّة أصبح هناك قالب لها، لو وضعنا هذا القالب على هذه الخارطة هناك تطابق مئة بالمئة، هكذا الدين مع الفطرة تطابق تام، أحياناً تشتري قطعة لمركبتك من المعمل الصانع، تضع هذه القطعة في مكانها على مستوى ميليمترات، في أماكن القطع الثانويَّة تأتي في مكانها الطبيعي لماذا ؟ نقول لأن هذه القطعة من المعمل الذي صنَّعَ هذه المركبة، تطابق مئة في المئة، لذلك يجب أن تؤمن بهذا التطابق.
 أنت إذا نفَّذت أوامر الدين فقد حقَّقت فطرتك، لبَّيت نداء فطرتك، أعيد عليكم المثل الأول: إذا كنت في عطشٍ شديد، أو في ظمأٍ شديد، وشعرت أن كل خليِّةٍ من خلاياك تقول لك: أريد أن أشرب، وجاءتك تعليمات: عليك أن تشرب، فهذا الذي تحس به في كل حُجَيْرَةٍ في جسدك إنما هو مطابقٌ لما في هذه التعليمات، إذاً الذي يسلك سبيل الله عزَّ وجل في زواجه يسعد ؛ أما الزاني يشقى، يشعر بالكآبة، يختل توازنه، يشعر كأنه ارتكب جريمةً وأن الأرض تضيق من حوله، يشعر أن السماء لا تسعه، وهذه المرأة إذا تزوَّجت وفق كتاب الله وسنة رسوله تشعر بالطمأنينة ؛ فإذا زَلَّت قدمها تشعر بالانهيار، هذه هي الفطرة.
 لنا أن نوسِّع الموضوع ؛ الهرَّة إذا أطعمتها قطعة لحمٍ تأكلها أمامك، هي مطمئنة أنها لا تفعل شيئاً مخالفاً للفطرة، فإذا خطفتها فإنها تأكلها بعيدةً عنك، إذاً هي تشعر، فالذي يريد أن ترتاح نفسه عليه أن يحقِّق السلام معها، الإنسان أحياناً ضميره يعذِّبه، ينهار من داخله، الإنسان أحياناً يختلُّ توازنه، الإنسان أحياناً يحتقرُ نفسه، الإنسان أحياناً يشعر بشقاءٍ ما بعده شقاء، لماذا ؟ إذا خالف فطرته، أو إذا خالف أمر ربّه، أبداً، هذه حقيقة مسلَّمٌ بها، أنت إذا اتبعت أمره وابتعدت عن نهيه تشعر بسلام مع نفسك، لأن أمر الله ونهيه متطابقان تطابقاً تاماً مع فطرتك، هذا الذي قاله الله عزَّ وجل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

كلمة (فطرة) هي مركز الثقل في الآية:

 إن فعلت هذا فقد حقَّقت فطرة الله:

﴿ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾

 إن فعلت هذا فقد لزمت فطرة الله التي فطر الناس عليها، فهذه المركبة صُمِّمَت لتسير على طريقٍ مُعَبَّد، فإذا سرت بها على طريقٍ وعرة كأنها تناديك وتقول لك: اجعلني على طريقٍ مُعَبَّدة، تصميم هذه المركبة لطريقٍ معبَّدة، فإذا خالفت ما صمِّمت له وسرت بها في طريقٍ وعرٍ كله حفر وأكمات تشعر أنها لم تُخْلَق لهذا الطريق، فأنت خالفت تعليمات الصانع، هذه الكلمة هي مركز الثقل في الآية:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾

 أي يا عبادي أنا خلقتكم وفق بُنْيَةٍ مُعَيَّنة، وهذا الدين الذي أنزلته على محمدٍ عليه الصلاة والسلام متطابق تطابقاً تاماً مع بُنْيَتِكُم، فإن ائتمرتم بأمر الله وانتهيتم عما نهى عنه الله عزَّ وجل فقد لزمتم فطرتكم، وحقَّقتم هذه الفطرة، فسعدتم في الدنيا والآخرة:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾

 

الفطرة أن تحبَّ الكمال أما الصبغة أن تكون كاملاً فالفطرة شيء والصبغة شيء آخر:

 بالمناسبة: الفطرة شيء والصبغة شيءٌ آخر، الفطرة أن تُحِبُّ الكمال، أن تحب العدل، أن تحب الرحمة، أن تحب الإحسان، وأما الصبغة أن تكون محسناً، أن تكون عادلاً، أن تكون رحيماً، كل مولودٍ يولد على الفطرة، فالسارقون إذا سرقوا شيئاً ثميناً يحبون أن يقتسموه بالعدل، فقد يقول بعضهم لبعض: " لا يجوز أن تفعل ذلك يا أخي، هذه لي "، شيء جميل والله، فكلُّكم سارقون، هؤلاء الذين يسرقون يقتسمون سرقاتهم بالعدل، هذه فطرة، هم ليسوا عادلين بهذا العمل ولكن تنقصهم الصبغة، الفطرة شيء والصبغة شيءٌ آخر، الفطرة أن تحبَّ الكمال، أما الصبغة أن تكون كاملاً:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

( سورة البقرة: من آية " 138 " )

 الصبغة أن تكون رحيماً، أن تكون عادلاً، أن تكون مُنْصِفَاً، أن تكون رقيقاً، أن تكون عطوفاً، هذه الصبغة، أما الفطرة أن تحبَّ العدل والرحمة والإنصاف وإلى ما هنالك:

 

﴿ فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾

 هكذا خُلِقَت النفوس:

 

 

(( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. ))

 

[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]

الآية التالية صيغت صياغةً خبريَّة يُراد بها الأمر والنهي:

 قال تعالى:

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 الآية دقيقة جداً، أي أيها الناس لا تبدِّلوا خلق الله، هذه آيةٌ صيغت صياغةً خبريَّة يُراد بها الأمر والنهي، الصياغة الإنشائيَّة، أي لا تبدِّلوا خلق الله، لا تخترعوا أوامر ونواهي تتناقض مع الفطرة، لا تحدثوا في حياتكم نظاماً يتناقض مع الفطرة، لا تبدِّلوا الدين تبديل يتناقض مع الفطرة، فهذه فطرة الله في دينه وفي خلقكم فإيَّاكم أن تحيدوا عن هذه الفطرة:

 

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 المعنى الأول: أن هذه الفطرة ثابتة في كل إنسان، وفي كل زمان، وفي كل مكان، قديماً وحديثاً، الآن وغداً وبعد غد وإلى يوم القيامة، المحسن محبوب والمسيء مبغوض، المنصف محبوب والظالم مبغوض، من الآن إلى يوم القيامة، الذي يعطي للناس ما لهم ويأخذ ما له محبوب، والذي يأخذ ما ليس له مبغوض، هذه الفطرة:

 

 

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 عندنا ثوابت في الكون، الآن أكبر نظريَّة فاسدة: أن الأخلاق تتبدَّل بتبدُّل الظروف، هناك ثوابت في الحياة الإنسانية، هناك ثوابت فوق المكان والزمان وفوق كل شيء، نبدِّل نظام حياتنا، نبدل أثاث بيوتنا، نبدل ثيابنا، مثلاً أنماط طعامنا وشرابنا، أنماط السكن هذه متبدِّلة بحسب الظروف، بحسب الأماكن، بحسب البرودة والحرارة، بحسب الغنى والفقر، بحسب المواد الأوليَّة في كل منطقة، نوع الأثاث، نوع البيت، نوع الثياب، نوع الطعام، أنظمة التعليم تتبدَّل، أنظمة التجارة تتبدَّل، أنظمة الزراعة تتبدَّل، أما في قيَم ثابتة، أن يسيء الإنسان إلى أمَّه هذه قيمة ثابتة، هذه طبعاً قيمة مدانة في كل العصور، وفي كل الظروف، وفي كل الأحوال، أن يكون الإنسان صادقاً هذه قيمة ثابتة، أن يكون الإنسان رحيماً هذه قيمة ثابتة، أن يكون الإنسان مُنصفاً هذه قيمة ثابتة.

 

السنن ثابتة في الدين وفي الخلق:

 قال:

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 قواعد الفطرة، مبادئ الفطرة، هذه أشياء ثابتة فوق المكان والزمان، فوق التبدُّلات، فوق الظروف، فوق المُعْطَيات، فوق المُنْعَطَفات، فوق التحوُّلات:

 

﴿ فطرت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 هذا المعنى الأول، أما المعنى الثاني: أي أن كل الناس وفق هذه الفطرة، لو جئت بإنسان مشرك ملحد، أحسن إليه تجد أنه يحبُّك، هكذا الفطرة، لو سألت امرأة غير مستقيمة إن كانت صادقة لقالت: إنني أحتقر نفسي لأنني أعرض مفاتني على الجمهور، لو سألتها بلسان الفطرة وكانت صادقةً مع نفسها لاحتقرت نفسها، وأنَّ هذه المرأة الساقطة تشتهي أن تكون مثل المرأة الكاملة لأن هذه فطرة، فلو دقَّقت في أوامر الدين، كل أوامر الدين مُتَفِقَة مع الفطرة، فأنت إذا أطعت الله عزَّ وجل لا تزيد عن أن تحقِّق فطرتك، وتشتري راحة نفسك، فالصادق محترم، والزاهد والعفيف في غنى، عنده حالة غنى:

 

 

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 إذاً:

 

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 أولاً هذه السُنَن ثابتة إن في الدين وإن في الخَلق، وشيءٌ آخر، ليس هناك فرق بين أمة وأمة، شعب وشعب، بلد وبلد، زمن وزمن، هذه الفطرة ثابتة منذ آدم وحتى يوم القيامة، البشر جميعاً هكذا فطرتهم، والدليل أنك تقرأ قصَّةً وقعت حوادثها في أقصى الدنيا تشعر أن الإنسان واحد، الإنسان هو الإنسان في كل مكانٍ وفي كل زمان ؛ مشاعره، قِيَمَهُ، تمزُّقه، صراعاته، نداء شهوته، نداء عقله، الإنسان واحد، البُنية واحدة، التصميم واحد، القواعد واحدة، القيم واحدة، الخصائص واحدة.

 

كل إنسان يتطابق مع أي إنسان آخر تطابقاً كاملاً من حيث القواعد النفسيَّة:

 قال تعالى:

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أي أنهم يضعون لأنفسهم قواعد يحرِّمون فيها الحلال أو يحلِّلون فيها الحرام، إنهم يشقون بهذه القواعد، فإذا وجد الاختلاط وجد الشقاء، ووجد النفور الزوجي، وكانت البيوت كالجحيم ؛ ومع الانضباط السعادة الزوجيَّة، هذه قاعدة، ومع التعامل الصادق العزَّة، ومع الكذب في ظُلم، أبداً هذه قواعد عامَّة ثابتة مطلقة:

 

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أي أنهم غفلوا عن هذه الحقيقة أنهم إذا أطاعوا ربَّهم حقَّقوا فطرتهم، حقَّقوا بنيتهم النفسيَّة.
 علم النفس يقوم على قوانين، وما سرُّ هذه القوانين ؟ سرُّها أن الإنسان له بُنية واحدة في كل مكان، قضية الخَجَل، والغضب، والرضا، والصراع الداخلي، ومعنى علم نفس أي في قواعد ثابتة، هذا مبني على أن الإنسان له بُنية ثابتة، فكلمة:

 

 

﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾

 أي أن الناس جميعاً، كل إنسان يتطابق مع أي إنسان آخر تطابقاً كاملاً من حيث القواعد النفسيَّة، فالنفوس جُبِلَت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، فإذا كنت مُربياً، إذا كنت زوجاً، إذا كنت أباً يجب أن ترعى هذه القواعد وإلا فأنت لا تدري شيئاً من العلم، فالسنن ثابتة.

 

الأكثريَّة دائماً بعيدة عن الحق والأقليَّة هي التي على الحق والصراط المستقيم:

 الشيء الآخر:

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

 الإنسان إذا كان مع الحق لا يشعر بوحْشة، بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء:

 

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

 

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

 مرَّة خليفة سأل عالِماً: ما قولك في هذه القضية ؟ أنا أقول كذا وفلان يقول كذا، قال له: " يا سيدي أكثر الناس مع قولك "، ففرح الخليفة وظنَّ أن هذا مَدْحٌ له، لكن الله تعالى قال:

 

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أي أن الأكثريَّة دائماً بعيدة عن الحق، والأقليَّة هي التي على الحق والصراط المستقيم:

 

 

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (31) ﴾

 

المؤمنين بإقامة وجههم للدين القيِّم أنابوا إلى ربِّهم:

 هنا يوجد سؤال، كيف قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 الخطاب موجَّه للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ ثم يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (31) ﴾

 إذاً هذا الخطاب موجَّهٌ للنبي وبالتالي لكل المؤمنين:

 

 

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (31) ﴾

 أي أن المؤمنين بإقامة وجههم للدين القيِّم أنابوا إلى ربِّهم:

 

 

﴿ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) ﴾

 ربنا عزَّ وجل اختار من الطاعات الصلاة ؛ ومن المعاصي الشرك، لأن الصلاة هي أُمُّ العبادات، هي أصل العبادات، هي سيدة العبادات:

 

 

(( لا خَيْرَ فِي دِينٍ لا رُكُوعَ فيه ))

 

[ مسند أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاص]

 الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أٌقام الدين، جوهر الدين اتصالٌ بالخالق:

 

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) ﴾

 

ربنا عزَّ وجل أمرنا بأول الطاعات ونهانا عن أخطر الذنوب:

 قال تعالى:

﴿ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13) ﴾

(سورة لقمان)

 ربنا عزَّ وجل أمرنا بأول الطاعات، ونهانا عن أخطر الذنوب:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾

 

(سورة النساء: من آية " 48 " )

 من هؤلاء المشركون ؟

 

﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾

 أخطر ما في الحياة أن نتفرَّق، أن نصبح شيعاً وأحزاباً، أن نصبح جماعات ؛ متناوشة، متعادية، متباغضة، هذا من عمل الشيطان، الدين يجمع ولا يُفَرِّق لأن الإله واحد والنبي واحد والقرآن واحد، إذاً لا بدَّ من أن نجتمع، فإذا تفرَّقنا جَماعات جماعات، وتخاصمنا، وتبادلنا التُهَم، وأصبحنا كقوله تعالى:

 

 

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾

 

من الخطر أن يكون انتماؤك لجماعتك على حساب انتمائك لمجموع الأمَّة:

 حينما يكون انتماؤك لجماعتك على حساب انتمائك لمجموع الأمَّة فهذا خطرٌ كبير لذلك إن رأيت مؤمناً من غير جماعتك ولم تحبَّه فأنت لست بمؤمن، يجب أن يكون الانتماء لكل المؤمنين، لكل المسلمين، أما أن تُضَيِّق الأمر مثل الشخص الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام، ووقع في تصرُّف شاذ، فالصحابة قاموا له، فالنبي أبعدهم عنه فقال: " يا ربي ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً "، هذا مثال حال بعض الجماعات، ارحمنا ولا ترحم معنا أحداً، المؤمن يحب كل المؤمنين، يحب كل المسلمين، يجب أن يكون انتماؤك لمجموع المؤمنين، لمجموع المسلمين، لا انتماءً خاصَّاً ضَيِّقاً يجعلك تتعصَّب، وتبتعد، وتحقد على الآخرين، وتتهمهم بشتَّى التُهَم:

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(32)﴾

 أما (منيبين إليه) لا بدَّ من أن نعود إليه، نعود إليه بقلوبنا وبأعمالنا:

 

﴿ وَاتَّقُوهُ (31) ﴾

 التقوى هنا تعني الطاعة، أي في النهاية:

 

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 لا بدَّ من أن تطيع الله.

 

الصلاة تحتاج إلى إقامة وإقامتها طاعتك لله عزَّ وجل:

 

 قال تعالى:

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (31) ﴾

 فكيف:

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30) ﴾

 الصلاة تحتاج إلى إقامة، وإقامتها طاعتك لله عزَّ وجل، إنَّ طاعتك تُؤَهِّلك كي تصلي:

 

 

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ (32) ﴾

 كإنسان جعل الدين شريعة فقط وأغفل القلب، إنسان بالغ في الاعتناء بالقلب على حساب الشريعة، إنسان رأى الدين ثقافةً ليس غير، إنسان رأى الدين نشاطاً اجتماعياً ليس غير، لا، إنَّ الدين عقيدة، والدين شريعة، والدين طُهْر، والدين إقبال، والدين مكارم أخلاق، والدين خدمة، الدين هو كل هذه الأشياء، أي إنسان يظنُّ أن الدين جانب واحد وينمي هذا الجانب على حساب جوانب أخرى ويهمل بقيَّة الجوانب بل ويحتقرها هذا فرَّق الدين وجعله شيعاً، فالدين مجموعة أجزاء.

 

لا يفلح إلا من أحاط الدين من كل جوانبه:

 الدين انفتاح على المجتمع، هو عمل صالح، ومعلومات دقيقة، وحقائق علميَّة، يجب أن تجمع كل هذه الأشياء، أما إذا نما عندك جانبٌ على حساب جوانب أخرى فهذا هو العَرَجَ، أو هذا هو التفريق الديني، فليس الدين معلومات وثقافة، يقول لك: فكر إسلامي، ولكن أين السلوك ؟ أين الاستقامة ؟ أين الطهر ؟ أين العفاف ؟ الدين ليس قلباً طاهراً فقط ؛ ولكن معلومات دقيقة ؟ أين العلم ؟

(( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه ))

[من كشف الخفاء]

 عند بعض الناس تنمو المعارف النظريَّة على حساب الطهر النفسي والكمالات الأخلاقيَّة، وعند غيرهم تنمو العناية بالقلب على حساب المعلومات الدقيقة والعقيدة الصحيحة، لا بدَّ من أن تنمو كل هذه الأجزاء جنباً إلى جَنب، لا يفلح إلا من أحاط الدين من كل جوانبه، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ (32) ﴾

 فرَّقوه، الدين عند أناس أناشيد وطرب، وفرق أناشيد فقط، وعند غيرهم الدين نشاط اجتماعي فقط، وعند فئة ثالثة الدين زخرفة فقط، الدين خُلُق، الدين عبادات، الدين علم، الدين عقيدة، الدين صدق، الدين أمانة، الدين إخلاص، فلا بدَّ من أن نحوطَ الدين من كل جوانبه.

 

 

((إنَّ هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صاحبتموه ))

 

[من الدر المنثور عن جابر بن عبد الله]

 قال تعالى:

 

﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾

 

علامة الإيمان الصحيح أن تنتمي إلى مجموع الأمَّة لا أن تكون متعصِّباً وضيق الأفق:

 تمزُّق الأمَّة أساسه أنكم أنتم على حق ونحن على باطل، أنتم على باطل ونحن على حق، هذه المُشاحنات، الدين له جذع واحد موحِّد، فإذا عدنا إلى منابعه حُلَّت كل مشكلاتنا وانتهت هذه البغضاء والشحناء والخصومات، فلذلك علامة الإيمان الصحيح أن تنتمي إلى مجموع الأمَّة لا أن تكون متعصِّباً، لا أن تكون ضَيِّق الأفق، لا أن تكون بعيداً عن الروح العامَّة:

﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾

 البطولة أن تكون فَرِحَاً بعد الموت، لأن الفرح في الدنيا لا قيمة له، فرحون في الدنيا، هناك تجمُّع ولكن ليس على أساس من الحق، أي تجمُّع له فوائد كثيرة، أما لا بدَّ من تَجَمُّعٍ أساسه الحق، أساسه هذا المنهج الصحيح الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.