الدرس : 06 - سورة الروم - تفسير الآيات 22-24

1991-03-01

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس السادس من سورة الروم.

تعبير الله عز وجل عن الكون في القرآن بكلمة السماوات والأرض:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

( سورة الروم )

 هذه الآيات التي تَرِدُ تِباعاً، والتي يبيِّن الله تعالى فيها بعضاً من آياته، لأن (من) كما تعرفون للتبعيض:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا (21) ﴾

 وقال:

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (22) ﴾

 

( سورة الروم )

 وقال:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

 كلمة السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون، فنحن اليوم نستخدم مصطلح الكون، في القرآن عَبَّرَ الله عنه بكلمة السماوات والأرض، السؤال الأول هو: أن هذا الكون ما حجمه ؟ شيءٌ لا يعقل، فكلما مرت سنة أو سنتان اكتشفت مجرةٌ تبعد عنا عشرات بل مئات بل ألوف بل ألوف الملايين من السنوات الضوئية.

 

السماوات والأرض خلقت للإنسان بالدليل القطعي:

 الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) ﴾

( سورة الذاريات )

 معنى موسعون أي هذا الكون لا نهاية لاتساعه، أو يزداد اتساعاً، إما لا نهاية لاتساعه، كلما تقدم العلم اكتُشفت آفاقٌ جديدةٌ لم تكن معروفةٌ من قبل، أو أن هذا الكون يزداد اتساعاً قال تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) ﴾

 

(سورة الذاريات)

 ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، مجرة اكتشفت حديثاً، لذلك يا ترى ما حجم الكون ؟ لا نهاية لحدوده، يا ترى ما عدد مجراته ؟ بعضهم يقول: مئتا ألف مجرة التي أُحصيت حتى الآن، وقرأت في كتابٍ آخر مليون ملْيون مجرة، وفي كل مجرة مليون ملْيون نَجم، وفي كل نجم أبعادٌ وأقطار لا يعلمها إلا الله، بعض النجوم يزيد حجمه عن حجم الشمس بمئتي مليون مرة، وبعض النجوم يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذه النجوم بعضها كواكب، وبعضها نجوم، بعضها ملتهب، وبعضها مُبَرِّد، بعضها مُذَنَّبات، بعضها عناقيد، بعضها كازارات، بعضها كواكب، بعضها جُزُر، بعضها كويكبات، أي أن المعلومات عن الفلك شيءٌ لا يصدق، وكل هذا الكون، أو أن السماوات والأرض خلقت للإنسان بالدليل القطعي، الآية الأولى:

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 29 " )

 الآية الثانية:

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾

 

(سورة الجاثية: من آية " 13 " )

الأرض ذُكرت في القرآن للتخصيص لأننا عليها وهي من أرقى الكواكب:

 الآن ربنا عزَّ وجل يشير:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (22) ﴾

 طبعاً الأرض ذكرها على التخصيص لأننا عليها، ولأنها من أرقى الكواكب، الحياة، الهواء، النبات، الحيوان، الليل، النهار، الجاذبية، القوام، هذه خُلِقَت خصيصاً للإنسان، لأن الله تعالى يقول:

 

﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ(10) ﴾

 

(سورة الرحمن )

 حينما قَدَّمَ الأرض هذا على سبيل التخصيص والقصر:

 

﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ(10) ﴾

 

(سورة الرحمن )

 الأرض بحجمها، بقوامها، بكثافتها، بجبالها، بأنهارها، ببحارها، بكائناتها، بأطيارها، بأسماكها، بحرارتها، برياحها، بكل شيءٍ فيها، وضعت خصيصاً للإنسان، أو صممت بحيث تُلَبِّي حاجات الإنسان، أبسط هذه الحاجات أن الإنسان له طاقة على العمل، له طاقة فلا بدَّ من أن يرتاح، الليل في الأرض لا يزيد عن عشر ساعات، إلى اثنتي عشرة ساعة، إلى ثماني ساعات، الليل يتناسب مع حاجة الإنسان، أما أي نجم آخر، الليل ثلاثين ليلة، فثلاثين يوم تساوي ليلةً واحدة، فالإنسان نام ثمانية ساعات أو عشر ساعات، استيقظ فوجد أن الدنيا ليل، عمل في الليل، رجع فنام، تحس أن هذا الكوكب لا يتناسب مع طبيعة الإنسان، فحجم الأرض ودورتها حول نفسها وحول الشمس، وطبيعة الحرارة عليها، والرطوبة، والماء، والهواء، والحيوانات، والنباتات، هذا كله مصممٌ للإنسان.

من تكريم الله للإنسان أن جعله فرداً لا يتكرر:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

 قد يسأل سائل: ما وجه التناسب بين خلق السماوات والأرض وبين اختلاف ألسنة الإنسان وألوانه ؟ الشيء الثابت الآن أن الإنسان فردٌ لا مثيل له، كنا قبل عشر سنوات نعتقد أن للإنسان بصمةٌ لا تتكرر، ثم ظهر حديثاً أن لكل إنسان تركيبٌ خاص في قُزَحِيَّة العين لا يتكرر أبداً، فقزحية العين هويةٌ له، وبصمته هوية له، فهاتان هويتان، الآن اكتشف أن هناك زمراً نسيجية غير الزمر الدموية، وأن إنسانان في الخمسة آلاف مليون، أي أن أكثر من إنسانين لا يتشابهان في الخمسة آلاف مليون، هذا أحدث بحث ألقي في بعض المؤتمرات الطبية، أي ألفين وخمسمئة مليون زمرة نسيجية، وقد يقال بعد ذلك: أن كل إنسانٍ له زمرةٌ نسيجيةٌ خاصة، فبصمة اليد هويةٌ للإنسان، قُزحية العين هويةٌ للإنسان، بلازما الدم هويةٌ للإنسان، رائحة الجلد هويةٌ للإنسان، كل إنسان له رائحة خاصة، وعلى أساس هذه الرائحة الخاصة تكتشف بعض الكلاب البوليسية المُجْرِم، يُعطى هذا الكلب جزءاً من أدوات المجرم ؛ من سلاحه، من ثيابه، من أماكن بصماته، والكلب يتَّتبَّعُ رائحة هذا المجرم إلى أن يصل له، إذاً للإنسان رائحة جلد خاصة، وللإنسان كيمياء دم خاصة، وللإنسان قزحية خاصة، وللإنسان نبرةٌ صوتيةٌ خاصة لا تتكرر، فالله عزَّ وجل من باب التكريم لهذا الإنسان أنه خلقه على صورته في بعض تفسيرات هذا الحديث، أي أن الله فرد ومن تكريم الله للإنسان أن جعله فرداً لا يتكرر ؛ لك وجهٌ، ولك ملامح، ولك صوت، ولك رائحة، ولك قُزَحِيَّة، ولك بصمة، ولك كيمياء للدم.

اختلاف اللغات والألوان والأصوات من آيات الله الدالة على عظمته:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ (22) ﴾

 بعض العلماء فسر اختلاف الألسنة على اختلاف اللغات ؛ هذا لغته عربية، وهذا لغته فرنسية، وذاك إنكليزية، وذاك إسبانية، وهذه لغة هندية، وكُرْدِيَّة، وباكستانية، وإفريقية، وصينية، وعدد اللغات بالآلاف، عدد اللغات التي يتكلَّمَهُا الإنسان على وجه الأرض بالآلاف لكل لغةٍ مفرداتها، وأفعالها، وأسماؤها، وقواعدها، ونحوها، وصرفها، ولهَجاتها، وحروفها، إذاً اختلاف اللغات هذا من آيات الله الدالة على عظمته.
 بعضهم قال: لا، اختلاف نبرات الصوت، اختلاف إيقاعات الصوت، اختلاف الموجات الصوتية، والدليل أنك حينما تستمع إلى مكالمة هاتفية تقول: فلان حدَّثني، من دون أن يذكر اسمه، إذاً إنك تملك ذاكرةً صوتية، تعرف من خلال هذه الذاكرة الصوتية نبرات كل شخصٍ يتصل بك، وهذا من آيات الله.
 الألوان، آلة التصوير تصور لك مئة شخصٍ بلونٍ واحد تقريباً، أو بفارق بسيط جداً، لكن لو نظرت بعينك الطبيعية إلى ألوان هؤلاء المئة لرأيت كل واحدٍ منهم يتميَّز بلونٍ غير لون أخيه، إلى أن نقول: إن كل إنسانٍ له لون، إذا كانت العين البشرية تُفَرِّق بين ثمانمئة ألف لون أخضر، لو أن لوناً واحداً دَرَّجْنَاهُ ثمانمئة ألف درجة، فالعين البشرية تفرِّق بين لونين، لذلك اختلاف الألوان، واختلاف الأصوات، كأن اللون يعطي الإنسان هويةً خاصة، وكأن الصوت يعطي الإنسان هويةً خاصة، هذا شيء ثابت وواقع.

القرآن يعطي الإنسان عناوين للمواضيع وعلى الإنسان متابعة الموضوع:

 لكن ما علاقة خلق السماوات والأرض باختلاف الألسنة والألوان، هناك تفسيرين مثلاً الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى(1)وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2) ﴾

(سورة الليل)

 كلام جميل، آيةٌ كونية، آية الليل والنهار، وقال:

 

﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(2) ﴾

 

(سورة الليل)

 ما علاقة الليل والنهار بالذكر والأنثى ؟ يجب أن تكتشف أن هناك علاقةٌ بينهما، يبدو أن الليل والنهار متكاملان، وأن الذكر والأنثى متكاملان، كما أنك بحاجةٍ ماسةٍ إلى ليل ترتاح فيه، تسكن فيه، أنت بحاجةٍ ماسةٍ إلى نهار تعمل فيه، كذلك الأنثى تُهَيِّئ للرجل السَكَن، والرجل يهيئ للأنثى الرزق، إذاً متكاملان، إذاً من طبيعةٍ واحدة ولكنهما مفترقان ومتكاملان، يبدو أن الله عزَّ وجل حينما قال:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ (22) ﴾

 إن اختلاف الألوان له علاقةٌ بخلق السماوات والأرض، الذين في المنطقة الحارة لهم لون، في المنطقة المعتدلة لهم لون، في المنطقة الباردة لهم لون، كأن لون الإنسان له علاقةٌ ببيئته، في الصحراء أم في الحضر، في الساحل أم في الداخل، في المرتفعات أم في المنخفضات، في المنطقة الحارة أم في المنطقة المعتدلة أم في المنطقة الباردة، هناك علاقةٌ بين اللون وبين البيئة التي يحياها الإنسان، بل إن لون الإنسان يُعَدُّ وسيلةً من وسائل الدفاع عنده، ففي المناطق الحارة اللون الداكن أقرب إلى التكيُّف مع هذه البيئة، وفي البلاد الباردة اللون الفاتح أقدر على تكيُّف أصحابه مع بيئتهم، إذاً موضوع اللون موضوعٌ دقيقٌ جداً هو من آيات الله الدالة على عظمته، القرآن أحياناً يعطينا عناوين للموضوعات، وعلى الإنسان أن يتابع الموضوع.

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

 

السماع هو اليقينٌ الإخباري الحسي:

 الحقيقة قبل قليل:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾

 بعد ذلك:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) ﴾

 بعد ذلك:

 

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) ﴾

 يا ترى ما حكمة الله عزَّ وجل في هذه النهايات التي انتهت بها الآية الكريمة ؟ في آية انتهت لقوم يعقلون، ولقوم يتفكرون، ولقوم يسمعون، وللعالمين، وغير ذلك.
 كلمة ( يسمعون ) الشيء الذي لا يستطيع عقلك أن يدركه لا يمكن أن تدركه إلا بالسماع، السماع إذاً هو اليقينٌ الإخباري، أنت كإنسان عندك يقينٌ حسي، وعندك يقينٌ عقلي، فكري، استدلالي، وعندك يقينٌ إخباري، اليقين الحسي حينما ترى الشيء بعينك، أو تسمع صوته بأذنك، أو تلمسه بيدك، هذا يقين حسي، هذه المحسوسات، والإنسان وغير الإنسان بإمكانه أن يدرك المحسوسات، أما اليقين الفكري أو الاستدلالي هذا يقين من نوع آخر، بمعنى أن الإنسان يرى شيئاً ويحكم على صانعه، يرى نظاماً يحكم على مُنَظِّمِهِ، يرى تسييراً يحكم على مسيِّره، يرى كوناً يحكم على مُكَوِّنه، يرى خلقاً يحكم على خالقه، هذه مهمة العقل، الاستدلال، أن تستدل بشيءٍ مادي على شيءٍ مُغَيَّبٍ عنك، هذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ ألم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾

 

( سورة البقرة )

مهمة العقل الاستدلال:

 ما معنى الإيمان بالغيب ؟ أنك رأيت الشمس قلت: من خلقها ؟ من أودع فيها هذه الحرارة ؟ من جعلها تسير بسرعة مئتي كيلو متر في الثانية ؟ من جعل هذه الطاقة متتابعة وليست خامدة ؟ من جعلها بهذا الحجم ؟ من جعلها بهذه الكثافة ؟ هذا يقين استدلالي، وهذا سر الإيمان فيه، فلا تستطيع أن تعرف الله عزَّ وجل إلا باليقين الاستدلالي، باليقين الحسي لا تستطيع لقوله تعالى:

﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 103 " )

 لكن باليقين الاستدلالي، يقولون: ( لم يُرَ الله بالعين ولكن بالعقل عرف )، الإنسان بعقله يستطيع أن يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، ذات الله، وصفاته، أسماؤه.
 الماضي السحيق، المستقبل البعيد، هذه أشياء لا يمكن أن يعرفها العقل، العقل يحتاج إلى شيء أمامه مادي، من هذا الشيء يصل إلى الخالق، يحتاج إلى نظام، من هذا النظام إلى مُنَظِّم، أما إذا أردت أن تبحث في ذات الله بعقلك لا تستطيع، تهلك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 

[ورد في الأثر]

 في منطقة، في خط أحمر، إذا أردت أن تفكِّرَ بعقلك في ذات الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن تهلك، لأن طبيعة الإنسان، وطبيعة عقله، وطاقة عقله، وقدرة عقله، لا تؤهِّلُهُ أن يتعرف إلى الله مباشرة إلا من خلال الكون، فلو ألقينا بورقة دخينة ـ هذه رقيقة جداً ـ بفرن لصهر الحديد، قلنا ماذا حل بها بعد ساعتين، أية ساعتين هاتين ؟ هي من الوهج تبخَّرت.

لا يجوز البحث في ذات الله بعقلك مباشرةً:

 قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين(143)﴾

( سورة الأعراف )

 تجلى الله عزَّ وجل على الجبل جعله دكاً، إذاً الإنسان لا يستطيع أن يرى الله عزَّ وجل في الدنيا، حواسه عاجزة، لا تحتمل، تحترق، سيدنا جبريل في المعراج قال لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم: أنا إذا اخترقت احترقت، كل إنسان له مقامٌ معلوم.
 لقد أردت من كلمة: مرة لقومٍ يتفكرون، مرة لقومٍ يعقلون، مرة لقومٍ يسمعون، ومرة للعالمين، سماع الموضوعات المتعلقة بذات الله عزَّ وجل، بذاته، بصفاته المتعلقة بالماضي السحيق، بالمستقبل البعيد، بالذي غَيَّبَهُ الله عنا، فإنسان ذكي جداً قد يوضع أمامه جهاز يكشف أسراره واستعماله، جهاز مُعَقَّد جداً في حلب حدثنا عنه، مهما كان الإنسان ذكياً، مهما كان عبقري لا يستطيع، فلا بدَّ من شيءٍ أمام عينيك تفكر فيه وتستنبط منه، لذلك لا يجوز البحث في ذات الله بعقلك مباشرةً، إن فعلت هذا احترقت، أو هلكت، وهذا يؤكِّده قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 

[ورد في الأثر]

 هلاك مُحَقَّق، إذاً هذه المعلومات التي تتحدث عن ذات الله، وعن الماضي، وعن المستقبل، هذه جاءت أخباراً في القرآن الكريم، ربنا أخبرنا عن الملائكة، عن الجن، عن ذاته، عن ما بعد الموت ؛ من برزخ، من نشور، من صراط مستقيم، من حَوْض، من ملائكة عذاب، من ملائكة رحمة، وما شاكل ذلك.

الذي يستخدم عقله في ذات الله عزَّ وجل فيهلك فلا يلومن إلا نفسه:

 أخبرنا عن الماضي السحيق:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 72 " )

 إذاً يجب أن تعرف حدودك، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، ميزان صنعته أعلى شركة في العالم ؛ لكن كتب عليه خمسين كيلو، ما دمت تستخدمه في حدود خمسين كيلو فهو من أدقِّ الموازين، فإذا وزنت به مئة كيلو كسرته، فإذا كسرته لا ينبغي أن تتهم الصانع بأن صنعته ليست متقنة، لا، فأنت أسأت استعماله، فالذي يستخدم عقله في ذات الله عزَّ وجل فيهلك فلا يلومن إلا نفسه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 

[ورد في الأثر]

 هناك خط أحمر، لهذا قال سيدنا الصديق: " العجز عن الإدراك إدراك "، وقال العلماء: " عين العلم بالله عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به "، أي أنك إذا قلت: أنا أعرف الله فأنت لا تعرفه، وإذا قلت: أنا لا أعرفه إذاً فأنت تعرفه، إذ شعرت بعجزك أمام قدرته فأنت تعرفه، فإذا قلت: أنا أعرفه، أعرف كل أفعاله هذه كذا وهذه كذا، إذاً أنت لا تعرفه لأنه:

 

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾

 

(سورة البقرة: من آية" 255" )

معرفتك بالله عزَّ وجل على قدر تفكيرك بالكون:

 قال:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85) ﴾

(سورة الإسراء)

 إذاً عندنا يقين إخباري، وعندنا يقين استدلالي، عندنا يقين حسي، عندنا يقين إشراقي، اليقين الإشراقي هذا ثمنه باهظ، معرفةٌ بالله عزَّ وجل من خلال الكون، استقامةٌ على أمره تماماً، أعمالٌ صالحة هذه:
من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، هذا اليقين الإشراقي، من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعمل.
 أما الاستدلالي أنت والكون، كل شيءٍ في الكون يدل على أن الله عزَّ وجل واحد وعلى أنه كامل، على أنه موجود، لذلك يعد الكون كتاباً مفتوحاً بين يديك، ما عليك إلا أن تقرأ فيه، وكلما قرأت منه صفحةً ازداد علمك بالله درجةً، فمعرفتك بالله عزَّ وجل على قدر تفكيرك بالكون، معرفتك بالله عزَّ وجل وأسمائه الحسنى على قدر جولات فكرك في هذا الكون، لهذا آياتٌ كثيرةٌ جداً تَحُضُّنا على التفكير، وما هذه الدروس الأربعة:
 ومن آياته، ومن آياته، من آياته، إلا حضٌ لهذا الإنسان على أن يُجِيلَ فكره في ملكوت السماوات والأرض:

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3) ﴾

 

(سورة الملك )

في الآية التالية الفاء تفيد الترتيب على التعقيب إلا في مرحلة واحدة:

 اليوم في الخطبة تحدَّثنا عن أن الله عزَّ وجل حينما قال:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13) ﴾

(سورة المؤمنون)

 انظر إلى ثم:

 

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ﴾

 

(سورة المؤمنون)

 من علقة إلى مضغة، من مضغة إلى عظام، من عظام إلى لحم، فاءات، فاء، فاء، والفاء تفيد الترتيب على التعقيب إلا في مرحلة واحدة:

 

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً(14) ﴾

 

(سورة المؤمنون)

 أحدث مكتشفات علم الأجنة أن النطفة حينما في الأسبوع الثاني والثالث يتباطأ نموها، يتباطأ لأنها منشغلة في تأمين مصادر رزقها من جدار الرحم، هذا التباطؤ عَبَّرَ الله عنه بكلمة (ثم)، إذاً هذا الكلام كلام خالق الأكوان، كلام الذي يخلق الأجنة في بطون الأمهات، كلامه.

(العالَمين) أي كل الناس مكلَّفون وكلهم مدعوّون إلى الله عزَّ وجل:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

 قال: (للعالَمين) هكذا جاءت، وفي قراءةٍ (للعالِمين)، للعالِمين جمع عالِم، وللعالَمين جمع عَالَم، الفرق بين العالِمين والعالَمين العالَمين أي أن هذا القرآن لكل الناس، كل الناس مكلَّفون، كل الناس مدعوّون إلى الله عزَّ وجل، الإنسان يولم وليمة، فيختار بعض أصدقائه، يدعون بعضهم، والباقون غير مدعوِّين لأسبابٍ كثيرة، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ودعاهم جميعاً إلى الهُدى، خلقهم من نفسٍ واحدة، ودعاهم جميعاً إلى الهدى والسعادة، يؤكِّد هذا قوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 21 " )

 إذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

 أي لكل الناس، لكل العوالم، القريب والبعيد، المُثقف وغير المثقف الأمي، العالم والجاهل، الغني والفقير، القوي والضعيف، المتخلف والمتقدم، المتحضر وغير المتحضر.

 

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) ﴾

 أنت مطلوبٌ أكثر مما أنت طالب، أنت مطلوب، لأن الله سبحانه وتعالى خلقك ليسعدك، أنت مطلوب، مطلوبٌ لحضرة الله عزَّ وجل، مطلوب ليرحمك، مطلوبٌ ليغفر لك.

 

 

بعض الأحاديث النبوية الشريفة عن رحمة الله بعباده:

 

 إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائلٍ فأجيبه، هل من داعٍ فألبيه، هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له، هل من مستغفرٍ فأغفر له حتى ينفجر الفجر.

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ صحيح مسلم: عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ "]

 وقال:

 

(( فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ؟ وَقَالَ فِيهِ: حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ))

 

[ مسند أحمد: عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ]

 مطلوب، ولا أدل على ذلك من قلب الأم، ما مطلب الأم الأساسي ؟ أن يكون ابنها في أسعد حالة، أن يأكل أطيب الطعام، إذا ترك طعاماً نفيساً وتناول طعاماً خَشِنَاً تغضب عليه، لأنه فوت عليه هذه الأكلة اللذيذة، هذا قلب الأم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى امرأةً تقبِّل ولدها قال لأصحابه:

 

((أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا.))

 

[مسند البزار: عن "عمر بن الخطاب"]

 والله عزَّ وجل حينما قال:

 

(( إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ))

 

[ورد في الأثر]

السعادة تكون بمعرفة الله عز وجل والشقاء بالبعد عنه:

 أيها الأخوة الأكارم لا يوجد شر بالكون، شر مقصود لذاته لا يوجد، دائماً دع في نفسك هذا المثل: أب طبيب جراح، ينطوي على قلبٍ كله رحمة وعقل، كله علم، فإذا شعر أن ابنه يعاني من التهاب الزائدة، الأب بنفسه أخذ ابنه، ووضعه على المشرحة، وخدَّره، وجاء بهذا المبضع، وجرح الجلد، وفتح الجلد، ونفر الدم، واستأصل هذه الزائدة الدودية، هل يقال: هذا العمل شر ؟ إطلاقاً، أما فتح البطن فيما يبدو للناظر الساذج شر، كذلك المصائب التي ترد على الناس تكون سبباً لهدايتهم، سبباً لتوبتهم، لعودتهم، كأن الله يري آياته، إما أن تراها وأنت في الرخاء، وإما أن تراها وأنت في الشدة.
 ومن آياته الدالة على عظمته أيضاً منامكم بالليل، كأنك وأنت نائم تنفصل نفسك عن جسدك، قد ترى مناماً مُسْعِدَاً، كأن ترى أنك في منطقةٍ جميلةٍ، ترى أنك قد نجحت في الامتحانات، ترى أنك قد ارتفعت إلى أعلى المقامات، تشعر أنك سعيدٌ سعادة كبرى وأنت على سريرٍ خشبيٍ متقشفٍ خَشِن، فما سر هذا المنام ؟ كأن المنام دليلٌ على أن سعادة الإنسان في الآخرة حق، تستيقظ وأنت في غاية السعادة، وأنت في نشوةٍ ما بعدها نشوة، لو أن إنساناً رأى النبي عليه الصلاة والسلام، يقول لك: بقيت شهراً وأنا غارقٌ في نشوة هذه الرؤيا، معناه أن النفس لها عالم آخر، لها قوانين، أنت في المنام تنتقل، تسافر إلى أقصى البلاد، تلتقي مع أبعد الناس، تطمح إلى أعلى الدرجات ؛ وقد ترى مناماً كابوساً، ترى أنك في وضعٍ سيئ، ترى أنك في حالةٍ متدهورة، ترى أنك في مرضٍ عُضال، ترى أنك في حادث سيارةٍ مخيف، ترى أن الذين حولك قد فقدتهم، تقوم مُنْزَعِجاً، هذه آيةٌ من آيات الله، كأن الله يؤكِّد لنا أن فيك نفساً، وهذه النفس تسعد وتشقى، وأنت أنت، قد يَسْعَدُ إنسان في منامه وهو في أشقى حالاته، وقد يشقى إنسان في منامه وهو في أسعد حالاته، إذاً لك نفسٌ تسعد بعملها الصالح، وتشقى بعملها السيئ، تسعد بمعرفة الله عزَّ وجل وتشقى بالبعد عنه، لذلك:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ (23) ﴾

 هذه بعض الآيات.

 

النوم دليل على أن هناك موتاً أبدياً:

 

الآية الثانية: أن هذا الجهاز العصبي الذي يعمل طوال عشر ساعات أو أكثر، في تلقِّي الصور، والأصوات، والمشمومات، والمسموعات، وتحليلها، وإدراكها، وإصدار أوامر معاكسة استجابة لهذه الصور، في نشاط دائم، في حالات من النشاط عالية جداً، يأتي ينام فيرتاح، لو أن إنساناً قاد مركبة في الليل يقول لك: تحطمت أعصابي، هذه الأضواء الباهرة، والتجاوزات، والمخاطرات، دائماً في حالة يقظة دائمة، يأتي النوم، يكون النوم نعيماً له، ماذا في النوم ؟ هذه الأعصاب تتباعد، فإذا تباعدت انقطعت السيَّالة العصبية، يستيقظ الإنسان بعد يوم عملٍ مُضْنٍ وهو في أشد حالات النشاط، نعمة النوم، من آيات الله الدالة على عظمته، وتَدُلُّ على عظمته حياة الإنسان النفسية التي يعيشها، يسعد بها أو يشقى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ (23) ﴾

 النوم موتٌ مؤقَّت، أيضاً النوم علامة أو دليل على أن هناك موتاً أبدياً، فالنبي الكريم كان يدعو فيقول:

 

(( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا ))

 

[ مسند أحمد: عن " أبي هريرة " ]

 اليوم أحد إخواننا الأكارم توفي رحمه الله، البارحة كان لا يشكو شيئاً، وقد استمع إلى شريطٍ من دروس جامع العثمان، ثم فجأةً وقع ميتاً، الموت قريب جداً، النبيِّ الكريم كان يقول:

 

(( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا حَفِظْتَ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ))

 

[ مسند أحمد: عن " أبي هريرة " ]

النوم موتٌ مؤقَّت وهو من آيات الله الدالة على عظمته:

 النوم موت مؤقت:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾

(سورة الأنعام: من آية " 60 ")

 معنى يتوفاكم أي أنت في النهار مُخَيَّر، في الليل أخذ منك اختيارك، أعطاك الاختيار في النهار، وسلبه في الليل، أما عند الموت أخذه نهائياً، مغادرة بلا عودة عند الموت، أما كل ليلة تموت موتاً مؤقتاً، فالإنسان عليه أن يعلم أن هذا النوم من آيات الله الدالة على عظمته، أولاً هو موت مؤقَّت، وثانياً النوم يؤكِّد الحياة النفسية التي تسعد وتشقى من دون أن يكون للجسد علاقةٌ بهذه السعادة والشقاء، أليس كذلك ؟ تسعد إلى أعلى الدرجات وتشقى إلى أخفض الدرجات وأنت أنت.

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (23) ﴾

 بعض المفسرين قالوا: بالليل والنهار، النهار نوم القيلولة، النبي الكريم قال:

 

 

((قيلوا فإن الشياطين لا تقيل))

 

[أخرجه الطبراني: عن "أنس بن مالك"]

 القيلولة نوم بعد الظَهيرة، وبعضهم قال: لا، ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله في النهار.

 

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا(11) ﴾

 

( سورة النبأ )

 في الليل ترتاح، وتسكن، وتعبد الله، وتفكر، وتقرأ القرآن ؛ وفي النهار تعمل وتكسب الرزق.

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (23) ﴾

 

على الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح لأن الله تعالى هو الرزَّاق:

 أشار العلماء إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿ مِنْ فَضْلِهِ (23) ﴾

 أي إيَّاك أن تتوهم أيها الإنسان أن هذا المال الذي بين يديك إنما هو من كسبك، بجهدك، بذكائك، بخبرتك، بتعبك، بكَدِّك، بعرق جبينك، لا أبداً، إنه من فضل الله عزَّ وجل، فلو أن الله عزَّ وجل أخذ شيئاً من عقلك لأودعك أهلك في مَصَحٍ عقلي، بواسطة، بجهد جهيد، أين رزقك ؟ أين معملك ؟ أين دكانك ؟ أين وظيفتك ؟
 رجل كان يعمل بمنصب رفيع جداً، معاون وزير، فقد بصره، خلال شهر كانوا يأتونه بالمعاملات إلى البيت ليوقّعها، فقد منصبه، قال كلمةً لا أنساها، قال: والله أتمنى أن أجلس على قارعة الطريق وأمد يدي للناس وأن يرد الله لي بصري.
 إذا الإنسان الله رزقه لا يقول: هذا جهدي، ذكائي، خبرتي، باعي الطويل في التجارة، تصميمي، جَلَدي، متابعتي، لا، هذا من فضل الله عزَّ وجل، بحركةٍ بسيطة يفقد الإنسان ذاكرته، صديق قال لي: خرج صاحبي من معمله إلى بيته، نسي بيته، بقي في الطريق ساعة أو أقل يبحث عن بيته في الشام، إلا أنه يذكر بيت ابنه، فذهب إلى ابنه، قال له: يا بني أين بيتي ؟ فالإنسان عاجز، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (23) ﴾

 أي أنك تسعى، على الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح، الله سبحانه وتعالى هو الرزَّاق، أعطاك القدرات، والإمكانات، والذاكرة، فلو طبيب نسي ذاكرته، خسر شهادته كلها، كل الخبرات مكانها في الذاكرة، إذا الإنسان فقد ذاكرته، كان في صيدلي له ابن بأمريكا، فدخل عليه قال له: من أنت ؟ لا أعرفك، كان فاقداً لذاكرته.

 

من عاش تقياً عاش قوياً:

 قال تعالى:

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ(67) ﴾

(سورة يس)

 رجل كان يحتل منصباً كبيراً جداً ـ القصة من أربعين سنة ـ اتصلت زوجته بمخفر للشرطة: أن زوجي خرج ولم يعد، وجدوه في أحد أحياء دمشق (بالقنوات)، وقد ضل الطريق، لذلك:

 

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

 

( سورة الحج: من آية " 5 " )

 هناك مقولة قالها شيخ وقور: " يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً." فهي منهاج قويم وقول سديد.
 عندي كتاب عن ألفاظ القرآن الكريم، ألفه أحد علماء الأزهر، هذا العالِم عاش مئة وثلاثين عاماً متمتعاً بكل ملكاته العقلية والجسمية، من عاش تقياً عاش قوياً، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، المؤمن له شيخوخة رائعة جداً، تكريماً له لأن له ماضٍ مشرف في طاعة الله عزَّ وجل، من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهاية مشرقة.

تشكل البرق والرعد من آيات الله الدالة على عظمته:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(24)﴾

 كلكم يعلم أنك إذا دَلَّكْتَ شيئاً بشيء ينتج ما يسمَّى بالكهرباء الساكنة، فالسيارة حينما تسير من احتكاكها بالأرض تشحن بكهرباءٍ ساكنة، فإذا وضعت بها مفتاحاً تشعر بشرارة، أي هذه المركبة مشحونةٌ بكهرباءٍ ساكنة، كذلك هذه السُحُبَ في أثناء حركتها تشحن بكهرباءٍ ساكنة، فإذا صدف أن كان أعلى السحابة كهرباء إيجابية موجبة وفي أسفلها كهرباء سالبة وحصل تفريغ ينشأ البرق، البرق كما يقول العلماء: ينشأ من تفريغ شحنات كهربائية ساكنة في السحب، إما في سحابة واحدة وهذا هو البرق الطولي، أو في سحابتين وهو البرق العرضي، أو إذا لامست كتل السحب رؤوس الجبال المؤنَّفَة، هل تصدقون أن البرق ينشر حرارةً تزيد عن ستة آلاف درجة، هذه الحرارة إذا وصل البرق إلى الأرض كانت صاعقة، الصاعقة تُحْرِقُ كل شيء، لذلك بعض البيوت يوضع لها جهاز أو عمود حديدي ليأخذ هذه الصاعقة ويفرغها في باطن الأرض، كذلك بعض الشاحنات يضعون لها سلسلة حديدية تجري على الأرض من أجل تفريغ الصاعقة، هذا معنى البرق، البرق تفريغ الشحنات الكهربائية في السحب، لكن هذا البرق ينشر حرارةً تزيد عن ستة آلاف درجة، الأمر الذي يجعل الهواء يسخن إلى درجة الانفراغ.
 ما يفرغ الهواء بفعل هذه الحرارة العالية تأتي كتل الهواء لتملأ هذا الفراغ، من تصادم هذه الكتل ينشأ الرعد، فلا رعد بلا برق، ولا برق بلا رعد، وكل برقٍ معه رعد، ولكن الشيء الذي يلاحظ أنك ترى البرق وبعد حينٍ تسمع الرعد، لأن الصوت ينتقل بسرعة ثلاثمئة وثلاثين متراً بالثانية، بينما البرق ينتقل بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو بالثانية، ترى البرق أولاً ثم ترى الرعد ثانياً، فالبرق ظاهرة طبيعية شهيرة، أحياناً ترى أن الأفق كله أضاء والتمع بالبرق.

المؤمن يعبُد الله خوفاً وطمعاً:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا (24) ﴾

 تخاف البرق كصاعقة، وترجوه كسحابٍ مُمْطِر، تخشى شره وترجو خيره، والله سبحانه وتعالى دائماً يحبك أن تخشاه وأن ترجوه، فإذا خشيته فقط يَئست من فضله، وإذا رجوته بلا خشية تجاوزت حدوده، فالموقف المعتدل بقدر ما تخشاه بقدر ما ترجوه، لذلك المؤمن يعبُد الله خوفاً وطمعاً قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (24) ﴾

 البرق الخُلَّب هو البرق الذي لا يمطر، قال بعض الشعراء:

 

 

حـرٌ ومذهب كل حـرٍ مذهبي  ما كنت بالغاوي ولا المتعصبِ
يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى  حـبُّ الأذية من طباع العقربِ
لي أن أرد مساءةً بمـسـاءةٍ  لـو أنني أرضى ببـرقٍ خُلَّبِ
***

 البرق الخُلَّب البرق الذي لا مطر في سحابه، برق ورعد ولا توجد أمطار، والحقد في اللغة انحباسٌ المطر، سماءٌ كلها غيوم ولا مطر.

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (24) ﴾

 كأن الأرض كائن حي يموت بالعطش ويحي بالرِيّ، لذلك هذه الأمطار التي أكرمنا الله بها، وهذه الثلوج التي أكرمنا الله بها، جعلت المياه لا تنقطع عن دمشق في هذه الفترة، ولولا ذلك لكان كأس الماء مهدداً بالخطر، هذه من آياته.

 

بعض الآيات تتفكر بها وبعضها تعقلها وبعضها تسمعها:

 إذاً البرق ظاهرة جغرافية يعرفها كل إنسان، أما في أساسها تفريغ شحنات كهربائية، تصل الحرارة إلى ستة آلاف درجة، يحدث انفراغ في الهواء، تأتي كتل الهواء كي تملأ هذا الفراغ فتصطدم، من اصطدامها ينشأ الرعد، وفي سورة بالقرآن اسمها سورة الرعد.

﴿ وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12) ﴾

(سورة الرعد )

 وقال:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) ﴾

 إذاً نُلَخِّصُ هذه الآيات ؛ بعض هذه الآيات تتفكر بها، وبعضها تعقلها، وبعضها تسمعها، ولا بدَّ من أن تسمع ومن أن تعقل:

 

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ(11)﴾

 

( سورة الملك )