الدرس : 03 - سورة الروم - تفسير الآيات 17 –19

1991-02-08

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الثالث من سورة الروم.

كلمة (سبحان) من التسبيح:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(19)﴾

( سورة الروم )

 الحقيقة أنه قبل أن نشرح هذه الآية والآيات التي تلي هذه الآية لا بدَّ من مقدمة، كلمة (سبحان) من التسبيح، والآية الكريمة التي تعرفونها جميعاً:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا(46)﴾

( سورة الكهف )

 أجمع أكثر المفسرين على أن الباقيات الصالحات هُنَّ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، الحقيقة التي أتمنى أن أضعها بين أيديكم هو أن تقول: الله خالق الكون، هذا شيءٌ يعرفه كل الخلق.

أي عقيدةٍ تعتقدها إن لم تحملك على طاعة الله لا تكفي:

 قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه ﴾

( سورة لقمان: من آية " 25 ")

 أن تقول إن الله خالق السماوات والأرض، وأن تكتفي بهذا القدر من المعرفة البسيطة، هذه المعرفة البسيطة لا تَحْمِلُكَ على طاعة الله، هذه المعرفة البسيطة لا تحملك على أن تستسلم لله، هذه المعرفة البسيطة لا تحملك على توحيد الله، ولا على تكبير الله، ولا على حمد الله، فما مشكلة الناس جميعاً ؟
 أنهم يعرفون الله معرفةً بسيطة، يرونه في السماء إلهاً ؛ ولا يرونه في الأرض هو الإله، يتعاملون بقوانين الأرض بمعزلٍ عن قوانين السماء، فالذي أتمناه على كل أخٍ كريم أن لا يكتفي بمعرفةٍ بسيطةٍ تناهت إلى سمعه من خلال درس دينٍ، أو خطبة جمعةٍ، أو توجيه أب، لا بدَّ من أن يوسع حجم معرفته بالله عزَّ وجل، الذي يجب أن نعلمه جميعاً أن طاعتك لله منوطةٌ بمعرفتك به، فإذا كان في السلوك تقصير، إذا كان هناك معصية، فاعلم علم اليقين أن المعرفة بالله ليست كافية لذلك رافقها معصية، إذا كان هناك خوف شديد من قوى الأرض تَيَقَّنَ واعلم علم اليقين أن معرفة الله عزَّ وجل ليست كافيةً لبث الأمن في قلبك.
 نحن نريد النتيجة، الثمرة، ما ثمرة الإيمان ؟ أن تشعر بالطمأنينة، أن تسعد بالله، أن تقبل عليه، أن تطيعه، أن تسير على منهجه، ما دام هناك خروج عن منهج الله، ما دام هناك قلق، ما دام هناك رؤية لقوى عديدة في الكون، ما دُمْتَ ترى أن في الكون قوىً كثيرة، وكل قوةٍ تملك ذاتها، وتفعل فعلها، فأنت لا تعرف الله عزَّ وجل، فكأن الله عزَّ وجل من خلال هذه الآيات لا يرضى منا أن نقول: هو خالق الكون، لا يرضى منا هذه الأفكار البسيطة التي هي القَدْرُ المشترك بين عامة الناس، أي عقيدةٍ تعتقدها إن لم تحملك على طاعة الله لا تكفي معناها، لا أقول لك: ليست صحيحة، أقول لك: لا تكفي.

 

كلما نما حجم معرفتك بالله نمت خشيتك منه:

 

 لا يكفي أن تقول: الله خالق الكون وأنت مقيم على مخالفات في بيتك، وفي عملك، وفي كسب رزقك، وفي إنفاق مالك، لا يكفي أن تقول: الله خالق الكون ولست مستسلماً له، ولست راضياً بقضائه، ولست خاضعاً لمنهجه، لا يكفي أن تقول: الله خالق الكون وترى أن الأمور في الدنيا ليست صحيحة.
 لذلك أيها الأخوة هناك دعوةٌ من الله عزَّ وجل إلى مزيدٍ من معرفة الله، كيف تعرفه ؟ في هذه الآيات التي سوف نأتي على ذكرها وشرحها إن شاء الله تعالى دليلٌ قويٌ قطعيٌ على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا في أن تجول في كون الله، فالكون مظهرٌ لكماله، حقيقةٌ خطيرة هي:
 الله موجود، والله واحد، والله كامل، موجود وواحد وكامل، لذلك الإيمان بوجود الله، والإيمان بوحدانيَّته ـ لا يوجد معه شريك ـ والإيمان بذاته الكاملة، كلما تأملت في خلق الله في السماوات والأرض عُدَّتَ من هذا التأمل بمعرفةٍ جديدة.
 الذي أريد أن أقرره في هذا الدرس أنه كلما نما حجم معرفتك بالله نمت خشيتك منه، مثل بسيط: أنت تخشى هذا الأمر الخطي على حجم الموقِّع، كلما ارتفعت رتبة موقِّع القرار تزداد تأدباً معه، وانصياعاً له، ومبادرةً إلى تطبيقه، إذاً ربنا سبحانه وتعالى لا يرضى منا أن نعترف بوجوده، يريدنا أن نعرف عظمته، يريدنا أن نعرف وحدانيته، يريدنا أن نعرف كماله، من هنا جاءت هذه الآيات الكريمة كي تُعَرِّفُنا بذاته، وكما يقولون: العلم حرف والتكرار ألف، ربنا ذكر بعض الآيات ؛ لكن أنت يجب أن تستنبط أن كل شيءٍ تقع عينك عليه هو آية من آيات الله عزَّ وجل، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَسُبْحَانَ (17) ﴾

 هذه سبحان مصدر من سَبَّحَ، وسَبَّحَ فعل مُضَعَّفَ الوسط، أساسها سَبَحَ، والإنسان إذا سَبَحَ ابتعد عن شيء وأوغل في شيء، ابتعد عن الشط وأوغل في لُجَجِ البحر، فكلمة سَبَّحَ فيها معنيان في وقتٍ واحد، المعنى أن تُنَزِّهَ الله سبحانه وتعالى عن أن يشابه مخلوقاته، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ؛ ليس بصورةٍ، ولا جسمٍ، ولا متبعضٍ، ولا متجزِّئٍ، ولا متناهٍ، ولا متلونٍ، وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك.
 بل إن الأبلغ من ذلك أن الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن صفات الكمال لدى مخلوقاته، أي أن الله كريم لا ككرم عباده، عفوٌ رحيم لا كعفو عباده ورحمتهم، أرقى من ذلك بكثير.

أصل الدين معرفة الله:

 الجانب الأول من (سبحان) التنزيه، أن تنزه الله عن كل ما لا يليق بذاته الكاملة، عن كل نقصٍ، عن كل مشابهةٍ لمخلوقٍ، والشق الثاني الإيجابي، أن تجول، أن توغل في البحر، أن تمخر عُبابَهُ، أن تبتعد عن الشاطئ، أن تغوص في أعماقه، هذا هو التسبيح، لذلك:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ (46) ﴾

( سورة الكهف )

 ربنا يتكلم كلام خالق، تصور بنون بلا مال شيء لا يطاق، عندك أولادٌ كُثُر ولا تملك مالاً تنفق عليهم، أو عندك مالٌ طائل وليس عندك ولدٌ تنفق عليه، شيءٌ مؤلمٌ جداً، فربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾

 

( سورة الكهف )

 لما قال:

 

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ (46) ﴾

 

( سورة الكهف )

 كأنه وصف المال والبنون:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾

 

( سورة الكهف )

 إذا كانت الباقيات الصالحات ؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي أن تُسَبِّحَهُ، أي أن تنزهه عن كل نقص، وأن تمجده في كل كمال، وأن تَحْمَدَهُ، وأن توحِّدَهُ، وأن تُكَبِّرَهُ، فإذا سبَّحته، وحمدته، ووحدته، وكبرته فقد عرفته، فقد عرفته معرفةً تليق به، أو عرفته معرفةً تحملك على طاعته، أو عرفته معرفة تدعوك إلى أن تسلِّمَ له، عرفته معرفةً أرتك أنه لا إله إلا هو، عرفته معرفةً أرتك حكمته، رحمته، عدالته، عطفه، عرفته معرفةً هذا الذي نبحث عنه، أصل الدين معرفة الله.

معرفة الله من خلال خلقه باب كبير من أبواب معرفة الله:

 ماذا نستفيد لو عرفنا أمره قبل أن نعرف ذاته ؟ عرفنا أمره ولم نعرف عظمته، ما النتيجة ؟ نحتال على أمره، نتلافى تطبيق أمره، نفعل أشياء مضحكة لأننا عرفنا أمره قبل أن نعرف ذاته.
 لذلك ربنا عزَّ وجل في هذه الآيات والتي تليها يدعونا إلى معرفته من خلال خلقه، هذا بابٌ كبير من أبواب معرفة الله، يدعونا إلى معرفته من خلال خلق السماوات والأرض، ويمكن أن تعرفه ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ من خلال أفعاله، لو تتبعت مصير الظالم، لو تتبعت مصير المُرابي، لو تتبعت مصير الزاني، لو تتبعت مصير شارب الخمر، لو تتبعت مصير من أقام زواجه على معصية، كيف أن هناك عواقب، وهناك عقوبات، وهناك نتائج مريرة، لو تتبعت المستقيم، المُصّلِّي، الحافظ لفرجه، الحافظ لبصره، الذي تحرر دخله من كل شبهةٍ، أنفق ماله فيما أمر الله، لرأيت التوفيق والسعادة والتأييد والنصر والحفظ وما إلى ذلك، إذاً لك أن تعرفه من خلال خلقه، ولك أن تعرفه من خلال كتابه.
 أما اليوم الدعوة إلى معرفته من خلال كونه، من خلال الخلق، فكل إنسان أعطاه الله فكراً فاستخدمه في كسب المال فقط، وفي الإيقاع بين الناس، أو في كسب إعجابهم، أو في التفوِّق عليهم، ولم يستخدم هذا الفكر في معرفة الله عزَّ وجل، فقد احتقر وعَطَّلَ أعظم شيءٍ منحه الله له.
 نحن كما كنت أقول لكم دائماً: المؤمن يتبع توجيه النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أمرني ربي وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

 إذا رأى ابنه أمامه، هذه آية لا ينبغي أن يمر عليها مر الكرام، أليس هذا ابنك ؟ نعم، ألا تعرف معرفةً يقينيةً أن أصله من حوين، خليةٌ واحدة لا ترى إلا بالمجهر، وقد أودع في هذا الحوين خمسة آلاف مليون معلومة، هذا رقم دقيق، خمسة آلاف مليون معلومة أودعها الله في هذا الحوين الذي لقح البويضة، وكيف تم خلق الإنسان، حوين وبويضة إذا هُما بشرٌ سوي ؛ إنسان، هيكل عظمي، مفاصل، عضلات، جلد، أوعية، شرايين، دماغ، قلب، دَسَّامَات، بطاريات في القلب، رئتين، بنكرياس، معدة، أمعاء، غدة نُخَامية، أليست هذه آية، لماذا نمر عليها ؟!!

ربنا عزَّ وجل خلق الكون كي يكون دليلاً عليه:

 كأس الماء أليس آيةً ؟ رغيف الخبز أليس آيةً ؟ الشمس أليست آيةً ؟ المؤمن لا يستمتع بالكون استمتاعاً بل يتعظ به اتعاظاً، لا يأخذ جانبه الدنيوي يأخذ جانبه الأخروي، لما ربنا عزَّ وجل خلق الكون خلقه كي يكون دليلاً عليه:

وفي كل شيءٍ له آيةٌ  تدل على أنه واحـد
***

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ (17) ﴾

 لكن وقف العلماء عند هذه الآية وقفةً متأنِّية:

 

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ (17) ﴾

 الساعة العاشرة صباحاً أليس هناك تسبيح لله ؟ فعظمة الله قاصرة على المساء والصباح ؟ أجمع العلماء على أن هذا المصدر من سَبَّحَ يراد به الطلب، أي: سبحوا الله، هو مصدر إخباري يفيدُ الطلب، أي أيها المؤمنون سَبِّحوا ربكم، أي فكروا في ملكوته، فكروا في خلقه، نزهِّوه، مَجِّدوه، جولوا جولاتٍ في آلائه، ألم يرد في الحديث القدسي عن سيدنا داود قال:

 

 

(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني ـ الحب أساس ـ وأحب من أحبني ـ وأن تحب المؤمنين أساس ـ أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ))

 

[ ورد في الأثر ]

 كنت أقول لكم دائماً: أن الداعية ما مهمته ؟ أن يقرِّبَ الناس إلى الله، هؤلاء الشاردون يلتفتون إلى الله، هؤلاء العصاة يتوبون من ذنوبهم، هؤلاء البعيدون يقتربون من ربهم، هذه مهمة الداعية ؛ أن يعرف الناس بالله، أن يدعوهم إليه، أن يدفعهم إلى بابه، أن يحملهم على طاعته، أن يبيِّنَ لهم جوانب عظمة الله عزَّ وجل.

الدعوة إلى التسبيح حين يأتي المساء:

 هل تصدقون أن كل إنسان له مظهر ديني، أو له اتجاه ديني، أو معروف بين أهله وأقربائه أنه جيد ـ تلميذ الجماعة الفُلانية ـ أن أي إنسان يحمل صفةً دينية إن في مظهره، وإن في سلوكه، وإن في انتمائه، وإن في خلفيَّته، وإن في اتجاهه، ويسيء إلى الخلق، يقوم بدور معاكس للدعاة تماماً، الداعي يُقَرِّب وهو ينفِّر، لذلك ورد في الحديث القدسي:

(( إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه ))

[ من الدر المنثور عن جابر بن عبد الله ]

 هنا سبحان الله هي مصدر سَبَّحَ، تسبيحاً وسُبحاناً، لكن هذا المصدر أريد فعله، وهو سَبِّحوا، فإذا قلنا سبحان الله حين تمسون، كأنك قيدت هذه العظمة في وقتٍ معين، وهذا مستحيل على الله عزَّ وجل، هذا المعنى لا يليق بالله عزَّ وجل أن تقيد هذا المعنى بوقت إلا أن يفهم التسبيح بأنه دعوةٌ إلى التسبيح أي:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ (17) ﴾

 معنى (تمسون) تدخلون في المساء، معنى المساء حدث جغرافي، حينما تغيب الشمس دخلتم في المساء، ولكن هذه الحضارة جعلت النهار ليلاً والليل نهاراً، جعلت الناس يمضون كل الليل في سَهَرٍ وينامون أكثر النهار، كأن هذه الحضارة مخالفة لتصميم الله عزَّ وجل، ساعةٌ في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعاتٍ في آخر الليل، فالإنسان حينما يمضي وقته في السهر، ضيع عليه خيراتٍ كثيرة.

 

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ (17) ﴾

 أي سبحوا ربكم حين يأتي المساء.

 

 

الآية التالية أصلٌ في فَرضِيَّةِ الصلوات الخمس:

 

 قال تعالى:

﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) ﴾

 سبِّحوا ربكم حينما يأتي الصُبح، أجمع أكثر العلماء على أن هذه الآية أصلٌ في فَرضِيَّةِ الصلوات الخمس، فحينما (تمسون) صلاة المغرب والعشاء، وحين (تصبحون) صلاة الفجر.

 

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (18) ﴾

 هنا الجملة اعتراضية، أي أن الله سبحانه وتعالى بقدر ما هو عظيم، بقدر ما هو كريم، أنت بحياتك يمكن أن تُعَظِّمَ إنساناً دون أن تحبَّهُ، لك أستاذ في الجامعة في اختصاصه متفوق جداً ولكنه قاسٍ، فأنت تُكبر هذا المعلم ولا تحبه، وقد يكون لك قريب في غاية البساطة والطيب والتواضع لكن معلوماته محدودة جداً، فأنت تحبه جداً ولا تكبره، في حياة الناس شخص تحبه ولا تعظمه، وشخص تعظمه ولا تحبه، ولكن أن ترى إنساناً في الوقت نفسه تحبه بقدر ما تُعَظِّمُهُ، هذا شيء نادر جداً، لكن الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة يصف ذاته:

 

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ(78) ﴾

 

( سورة الرحمن)

 وقال:

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ(27) ﴾

 

( سورة الرحمن)

 جلال وإكرام، فهنا (سبحان الله) تعظيماً، وتنزيهاً، وتمجيداً.

من حجبته النعمة عن المنعم هذه النعمة لابدَّ من أن تزول:

 قال تعالى:

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ (18) ﴾

 ما الذي ينتج من معنى لو أن الله عزَّ وجل قال: والحمد له، عكسناها، كي تعرفوا عظمة القرآن، الحمد له، تقول: هذا القلم لي، هل يمنع أن يكون لك دفتر أيضاً ؟ إذا قلت: هذا القلم لي، هذه العبارة (القلم لي) هل يمنع أن يكون لك شيء آخر ؟ لا يمنع، أما حينما أقدم الجار والمجرور على الاسم صار في عندنا قصر، الحمد له ولغيره، أما له الحمد وحده، لذلك أية نعمةٍ ومنحةٍ، أية مَزِيَّةٍ وملكةٍ تتمتع بها، أي عقلٍ تستخدمه، أية حاسةٍ تبصر بها، أية أذنٍ مرهفةٍ تسمع بها، أية يدٍ تبطش بها، أي لسانٍ تنطق به، أية زوجةٍ تنعم بها، أي بيتٍ تأوي إليه، أي مركبةٍ تركبها، أية مادةٍ تستخدمها، أي طعامٍ تأكله، أي شيءٍ تنعم به منذ أن ولدت وحتى الموت، له، له الحمد.
 من السذاجة، من الحمق، من الغباء، أن تتجه بكليتك كي تحمد إنساناً لا علاقة له بهذه النعمة، إنه من ضعف اليقين كما قال عليه الصلاة والسلام، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، إنه من ضعف اليقين أن تَحْمِدَهُم على رزق الله، إنه من ضعف اليقين أن تذمهم على ما لم يؤتك الله، أن تذمهم على شيءٍ حرمك الله منه، أو أن تحبهم على نعمةٍ منحك الله إيَّاها، فالتوحيد التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، حتى في النِعَم له الحمد، الحمد له وحده.
 كل إنسانٍ اتجه إلى نعمةٍ يَنْعُمُ بها، نعمة المال فرضاً، رأى المال قوةً له، اعتمد عليه، من سنن الله عزَّ وجل أنه يفقده هذا المال، كي يرى الذي أعطاه المال، حينما تحجبُك النعمة عن المنعم، هذه النعمة لا بدَّ من أن تزول، فهذه الحقيقة خطيرة يا أخوان، حينما تحجبك هذه النعمة عن المنعم، أغلب الظن هذه النعمة سوف تزول كي ترى المنعم، لذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام في دعائه الشريف:

 

(( اللهم أرنا نعمتك بكثرتها لا بزوالها ))

 

[ورد في الأثر]

 إذا حجبتك الزوجة عن الذي أهداك إيَّاها لا بدَّ من أن تسوء العلاقة بينك وبينها، إذا أرضيتها وعصيت الله، حجبتك عن الله، إذا حجبك المال عن الذي أعطاك المال، أغلب الظن أن هذا المال يزول كي ترى المنعم، فكل إنسانٍ تمتَّعَ بشيءٍ في الدنيا إن كان موفقاً أو ذكياً أو عاقلاً يجهد أن يرى المنعم من خلاله، لا أن يكتفي بالنعمة.

من مراتب الشكر أن تعرف أن هذه النعمة من الله:

 الأجانب رأوا النعمة فقط، استمتعوا بها واستكبروا بها ؛ لكن المؤمن الصادق إذا أنعم الله عليه بنعمة لا يغيب عنه المنعم أبداً، لا يغيب عنه أن هذا من فضل الله لذلك قالوا: " من مراتب الشكر ثلاثة، المرتبة الأولى يكفي أن تعرف أن هذه النعمة من الله، فهذا أحد أنواع الشكر، فسيدنا المسيح قال: " يا رب كيف شكرك ابن آدم ؟، قال: علم أنه مني فكان ذلك شكره ".
 يكفي أن تعرف أن هذه الصحة ليست من جهدك، وليست من ذكائك، إنها بتوفيق الله عزَّ وجل، وأن هذا الطفل الذي جاء سليماً معافىً ليس لشدة عناية أمه بنفسها في أثناء الحمل، لا، بتوفيق الله عزَّ وجل جعله سالماً كاملاً، له سمعٌ وبصرٌ وأيدي ولسان، وله ثقب بتوال، المولود في رحم أمه، لا هواء، الله عزَّ وجل جهزه برئتين، وجهزه بعينين، وجهزه بقلبٍ وكل ما يحتاج، كيف يتنفس هذا الطفل وهو في بطن أمه ولا هواء في الرحم ؟ الرئتان معطلتان، ودورة الرئتين معطلة، القلب بين الأذينين فيه فتحة، ينتقل الدم من أذين إلى أذين عبر هذه الفتحة، ودم الأم هو الذي يُنَقِّي دم الجنين، فحينما ينزل هذا المولود إلى الأرض، هذا الثقب الذي بين الأذينين يُغْلَقَ، يد من تغلقه ؟ يد الله عزَّ وجل، كل خمسمئة ألف مولود مَولود واحد هذا الثقب يبقى عنده مفتوحاً، لون الطفل أزرق لا يستطيع أن يمشي مترين، لأن الدم بدل أن يذهب إلى الرئتين كي يُنقََّى يرى الطريق أقرب من هنا، ينتقل من أذين إلى أذين.
 الآن لو أردنا أن نجري عملية في قلب فالقضية تكلف مئات الألوف، قريباً من مليون، فتح القفص الصدري وتجميد القلب تبريداً، ثم وصل الأوردة والشرايين في قلب صناعي، ثم فتح القلب إلى أن يهمد، ثم فتح وإغلاق هذا الثقب، ثم إعطاؤه صعقةً كهربائية قد يعمل وقد لا يعمل، إذا لم يعمل نقول: عظم الله أجركم، فيد من تدخل إلى داخل القلب كي تسد هذا الثقب ؟

قلب المؤمن مليء بالتحميد والتعظيم:

 وله الحمد، عندك ولد أعضاؤه سليمة، حواسه سليمة، قلبه يعمل، رئتاه جيدتان، ثقب بوتال مغلق، الغدد الصمَّاء تفرز، الكليتان نشيطتان، وله الحمد، الحمد لله على صحَّتك، والحمد لله على أهلك، أعطاك زوجة، زوجة من بني البشر ؛ لها أحاسيس، لها مشاعر، لها فكر، تكلمها تفهم عليك، أو لا تفهم عليك أحياناً، تكلمها تكلمك:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾

(سورة الروم: من آية " 21 ")

 هذه وله الحمد، يجب أن تقف وقفة خشوع لهذه الصيغة، فليس الحمد له ؛ بل وله الحمد، إياك أن تظن أن نعمةً تنعُمَ بها هي من فضل غير الله، هي من فضل الله دائماً، فلذلك قلب المؤمن مليء بالتحميد والتعظيم، فالحديث القدسي:

 

(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقه، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذا سمعت أن نجماً يبعد عن الأرض عشرين ألف مليون سنة ضوئية، ألا يقشعرُّ جلدك ؟ عشرون ألف مليون سنة ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، وفي الدقيقة ضرب ستين، وفي الساعة ضرب ستين، وفي الأربع والعشرين ساعة ضرب أربع وعشرين، وفي السنة ثلاثمئة وخمسة وستين، أي ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب ستين ضرب أربعة وعشرين ضرب ثلاثمائة وخمسة ستين هذه بالسنة، ما يقطعه الضوء في سنةٍ واحدة، ضرب عشرين ألف مليون.

الكون وما فيه من آيات الله الدالة على عظمته:

 أجريت على آلة حاسبة حساباً بسيطاً، بلغني أن أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض، أقرب نجم ملتهب الكوكب غير النجم، الكوكب مثل القمر، أما المُلتهب مثل الشمس ـ أقرب نجم ملتهب للأرض بعده عنا أربع سنوات ضوئية، والله أجريت على الآلة الحاسبة حساباً تقديرياً، لو أن هناك طريق بيننا وبين هذا النجم ومعنا سيارة، كم من الوقت نستغرق كي نصل إليه بهذه السيارة ؟ الرقم جاء قريباً من خمسين مليون عام، فقلت:
 يا رب نجم القطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة، أول قفزة من أربعة إلى أربعة آلاف، إذا كان خمسين مليون عام لأربع سنوات ضوئية، معناها أن القطب ضرب ألف أربعة آلاف، أي خمسين ألف مليون سنة، قلت:
 هذه المرأة المسلسلة، التي تبعد عنا مليون سنة ضوئية، انتقلنا من أربع سنوات إلى أربع آلاف إلى مليون سنة، وهذه المجرة الأخيرة عشرين ألف مليون سنة ضوئية، فهذا الكون ألا يدهشك ؟‍ هذا الذي خلقه أينسى ؟ أيعبد غيره ؟ أيزهد بوعده ؟ ألا تخشى وعيده ؟

لو كان حبك صادقاً لأطعته  إن المـحب لمن يحب يطيع
***

 قال تعالى:

 

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154) ﴾

 

( سورة الصافات )

 وقال:

 

﴿ فَأَنَّا تُصْرَفُونََ(32) ﴾

 

( سورة يونس )

 وقال أيضاً:

 

﴿ أَفَلا تَعْقِلُونََ(116) ﴾

 

( سورة يونس )

 قال تعالى:

 

﴿ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ(62) ﴾

 

(سورة النمل )

العبادة مرتبة عالية جداً:

 ورد في الحديث القدسي:

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ))

[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]

 الناس يعبدون بعضهم بعضاً، ماذا معنى يعبده ؟ إذا رأيت أن زيداً من الناس بيده مقادير أمرك، إنك تعبده ولا تدري، إذا أرضيت إنساناً وعصيت الخالق هذه عبادة، أن تطيع زوجتك في معصيةٍ فقد عبدتها من دون الله، أن تؤثر هواك على طاعة الله فقد عبدت هواك من دون الله، والدليل:

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

 

(سورة الجاثية: من آية " 23 " )

 العبادة مرتبة عالية جداً:

 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

 

(سورة الإسراء: من آية " 1 " )

 ربنا عزَّ وجل أعلى صفة وصف بها النبي الكريم سيد الخلق وحبيب الحق أنه عبدٌ لله، عبد، هل أنت عبدٌ له ؟ هل أنت مؤتمرٍ بأمره منته عما عنه نهى ؟ هل عرفته ؟ إذا عرفته يكفي أن يصح عندك أن هذا الكلام كلامه وأن هذا الأمر أمره كي تبادر إلى طاعته، إذاً:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ (17) ﴾

 أي سبحوا ربكم حين تمسون، جاء المساء، غابت الشمس إلى صلاة المغرب، فأنت تُسَبِّح الله، تنزِّهَهُ، تجول في كمالاته، تجول في أسمائه الحسنى، في صفاته الفضلى، تقف بين يدي الله عزَّ وجل وتقرأ:

 

 

﴿ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾

 

(سورة الفاتحة )

 هذه الصلاة، النبي الكريم قال:

 

(( الصلاة عماد الدين ))

 

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

 وقال أحد الصحابة: " إذا حضرت الصلاة فكان الرسول لا يعرفنا ولا نعرفه".

على كل مسلم أن يسبح بالله و يعاهده على الطاعة:

 قال تعالى:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ (17) ﴾

 أي من يجيبني ؟ أي سبحوا الله، أي قوموا إلى الصلاة، قُم فصلي، قم فسبح، قم فنزِّه، قم فمجِّد، قم فاحمد الله، قم فعاهده على الطاعة:

 

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) ﴾

 

(سورة الفاتحة )

 استعن به، اتل أمره، اخضع لأمره في الركوع، اطلب منه المدد في السجود، وهكذا:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17﴾

 طبعاً هنا تمسون أي تدخلون في المساء، تصبحون تدخلون في الصباح، كلكم يعلم أن أصبح، وأضحى، وأمسى، وبات، وما برح، وماانفَكَّ، وما فتئَ، وليس، وصار، هذه أفعال ناقصة لكن أحياناً هذه الأفعال تأتي تامَّة، تقول: أصبح القوم، ما معنى أصبح القوم ؟ أي دخلوا في الصباح، أمسى القوم دخلوا في المساء، فقط، لكن إذا قلت: أصبح الطالب رقيق المشاعر، هذه فعل ماض ناقص.

 

أصل الصلاة هنا أن تسبِّح الله:

 هنا معنى تصبحون وتمسون أي تدخلون في الصباح والمساء، أي إذا جاء المساء قم فصلِ صلاة المغرب وصلاة العشاء، وأصل الصلاة هنا أن تسبِّح الله، لذلك أول شيء في الصلاة تقول: " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " ثم الحمد لله رب العالمين وهكذا.
 إذاً تمسون تعني صلاة المغرب والعشاء، وتصبحون تعني صلاة الصبح:

(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

[ صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ ]

 معنى في ذمة الله، أضرب مثلاً هل تستطيع أن تضرب منتمياً إلى وزارة الداخلية كشرطي مثلاً ؟ لا تستطيع لأن العقاب مضاعف، فالدولة تحميه، وهذا الذي يصلي الصبح في جماعة فهو في ذمة الله، أنت عندما تعتدي عليه، أو تسيء له، أو تغتابه، تتجاوز حدَّك معه، تأكل ماله، تهينه أحياناً، لا يحق لك ذلك فهو في ذمة الله ما دام قد صلى الصبح في جماعة، فسبحان الله، لذلك:

 

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ))

 

[ صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

(( من أكرم أخاه فإنما يكرم الله ))

[ابن النجار عن ابن عمر والديلمي عن جابر]

 إذا أنت أكرمت أخاً مؤمناً لا تعرفه إلا أنه مؤمن، فكأنما أكرمت الله عزَّ وجل، إذا استقبلت أخاً مؤمناً ورحبت به، عاونته على قضاء حاجته، له مشكلة ساعدته، طلب منك حاجة لبيتها له، أنت أقرضت الله قرضاً حسناً، والحديث معروف عندكم، يقول الله عزَّ وجل:

 

(( يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ))

 

[ صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين:

 إذاً:

﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) ﴾

 سبحان الله فالإنسان إذا صلى الصبح في وقته يشعر أنه في ذمة الله، في حفظ الله كل نهاره، لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله، أنت الآن في حصانة، فعلاً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي أنك ممنوع من أن تناله بسوء، كذلك كل إنسان صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله، في ذمته، وفي حفظه، وفي رعايته.

 

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) ﴾

 السماء أمطرت له الحمد، حبست ماءها له الحمد، يجب أن تحمده في السرَّاء والضَرَّاء:

 

 

(( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره... ))

 

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]

 أنت كمؤمن طبعاً أن تحمده في الرخاء قضية سهلة جداً ؛ ولكن البطولة أن تحمده في الضراء، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

 

﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) ﴾

 هذه صلاة الظهر:

 

 

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا (18) ﴾

 العشي صلاة العصر:

 

 

﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) ﴾

 العلماء وقفوا عند ظاهرة: تمسون فعل، تصبحون فعل، تظهرون فعل، أما العصر (عشياً) اسم، لا يوجد هنا فعل، قال: لأن صلاة الصبح في انتقال من الليل إلى النهار، صلاة المغرب والعشاء في انتقال من النهار إلى الليل، في تحول، أنت كنت في البيت نائماً، وقت الصلاة انطلقت بعدها إلى عملك، لكن صلاة العصر ليس فيها تحوّل، الصبح انتقال من الليل إلى النهار، المغرب غياب الشمس، العشاء غياب الشفق الأحمر، الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، العصر لا توجد حركة، لا يوجد فعل، في استمرار، فجاء العشي اسماً ولم يأت فعلاً، هذا المعنى.

 

الحياة والموت لهما معنيان معنىً حقيقي ومعنى مجازي:

 قال تعالى:

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) ﴾

 وقال:

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (19) ﴾

 الحياة والموت لهما معنيان، معنىً حقيقي ومعنى مجازي، المعنى المجازي:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال: من آية " 24 " )

 المؤمن حي، والكافر ميِّت، الموصول بالله حي، والمقطوع عن الله ميت، المستقيم على أمر الله حي، والمُنحرف ميت، الذي يعرف الله حي، والذي لا يعرفه ميِّت، وربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

 

( سورة النحل: من آية " 21 " )

 وقال أيضاً:

 

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22) ﴾

 

(سورة فاطر)

 كل إنسان مقبور بشهوة من الشهوات، هذا مقبور في تجارته، هذا مقبور في النساء، هذا مقبور في المال، لهذا سيدنا علي قال لابنه: " يا بني مات خُزَّان المال وهم أحياء ـ أموات وهم أحياء، أي وهم في أوج حياتهم، في أوج حيويتهم، في أوج قوتهم، في صحتهم التامة، في استمتاعهم بكل شيء، هؤلاء أموات ـ مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ".

من عمل بما علم جمع المجد من أطرافه:

 مثلاً علماؤنا الأجلاء عبر العصور التوالي، أبو حنيفة النعمان يُذكَر في اليوم والليلة في العالم الإسلامي ملايين المرات، والإمام الشافعي، وسيدنا صلاح الدين، وسيدنا أبو بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وعمر بن عبد العزيز، والإمام الجُنَيد، والشيخ محي الدين، العلماء، أما أن تذكر اسم إنسان غني عاش سنة ألف وثمانمئة وخمسة عشر بالشام ؟ اذكر لي اسم واحد لأعطيك ما تريد، لا تذكر، "مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر"، باب العلم مفتوح لكل واحد، اطلب العلم من المهد إلى اللحد، طلب العلم فريضةٌ، أنت إذا أتيت إلى بيتٍ من بيوت الله، وفهمت كلام الله، تعلمت، درساً فوق درس، وجلسة إثر جلسة، وموضوعاً بعد موضوع، وكتاباً بعد كتاب، تصبح عالماً، فإذا عملت بما علمت جمعت المجد من طرفيه، فلذلك:

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (19) ﴾

 أحياناً تجد شاباً في منتهى الأدب والخشوع، ومعرفة الله، والاستقامة، والحب، وأبوه لا يصلي، وقد تجد أب من أرقى الآباء له ابن ضال، في الحالة الأولى أخرج الحي من الميت، والحالة الثانية أخرج الميت من الحي، هذا معنى مجازي.

عظمة الله في خلقه:

 المعنى الحقيقي: انظر إلى البذرة، هذه البذرة تبدو لك ميتة، حبة قاسية، القمح بقي بالأهرامات ستة آلاف سنة، فلما زرعوه أنبت، فهذه الشجرة التي تضج حياةً، تأكل من المشمش بذرة خشبية، من الزيتون بذرة كلها خشب، هذه البذرة تبدو لك ميتة، ولكنك إذا وضعتها في التربة وجاءتها الرطوبة وجاءها الماء أنبتت رشيماً، فكأن الله أخرج من هذه الشجرة التي تضج حياةً بذرةً تبدو لك ميتة، فإذا زرعت هذه البذرة الميتة أعطت حياةً:

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (19) ﴾

 الأشجار في الشتاء حطب، قد لا تصدِّق، لو أخذت غصن أحد الأشجار وكسرته تجده حطباً، خشباً يابساً، فإذا جاء الربيع ارتدت هذه الشجرة حُلَّةً بيضاء قشيبة، زهر رائع جداً، لطيف، له رائحة فوَّاحة، من أين جاء هذا الزهر ؟ أرض جرداء، تذهب إليها في الربيع فترة الحياة، سيدنا عمرو بن العاص وصف لسيدنا عمر بن الخطاب بلاد مصر، فقال له:
 " يا أمير المؤمنين مصر طولها شهرٌ ـ أي مسيرة شهر ـ وعرضها عشرٌ ـ عشرة أيام، طولها مسير شهر وعرضها عشرة أيام ـ يخط وسطها نهرٌ ميمون الغدوات مبارك الروحات ـ نهر النيل ـ فإذا هي عنبرةٌ سوداء ـ أي أرض تربة سوداء ـ إذا هي درةٌ بيضاء ـ عندما النيل فاض فمنظرها من فوق بيضاء، كأنها درة ـ ثم هي زبرجدة خضراء ـ بساط أخضر في الربيع ـ ثم هي عنبرةٌ سوداء فتبارك الله الفعال لما يشاء ".

الأشجار أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته:

 قال تعالى:

﴿ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (19) ﴾

 أرض ميتة، بالربيع ترى آلاف أنواع الأزهار على الطريق، غير الحشيش الأخضر، كلها خضراء، أزهار قصيرة وطويلة، وبنفسجية، وصفراء، وبيضاء، وحمراء، لو أردت أن تعد الأنواع تجدها آلافاً مؤلفة، وكل زهرة لها ألوان متناسقة، ولها حجم مناسب، ولها بُنية خاصة، ولها ترتيب خاص، أين كان هذا كله ؟ هذه الشجرة كأنها قطعة حطب مُشَعَّبَة، أزهرت فأورقت فأثمرت، أين كان هذا كله ؟ هذه آياته.

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) ﴾