الدرس : 01 - سورة الروم - تفسير الآيات 1 – 9

1991-01-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الأول من دروس سورة الروم.

إعجاز الله عزَّ وجل:

 قال تعالى:

﴿ الم (1) ﴾

( سورة الروم )

 هذه الحروف الثلاثة ذهب المفسرون في تفسيرها مذاهب شتَّى، وقد ذكرت لكم في بعض الدروس القديمة بعض هذه المذاهب، وأودُّ أن أبرز في هذا الدرس أحد هذه المذاهب في تفسير هذه الحروف التي هي فواتح السور.
 بعضهم قال: إن القرآن الكريم، هذا الكتاب المُعْجِز الذي يعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولا بسورةٍ من مثله، ولا بأقلَّ من ذلك، إنما هو من حروفٍ بين أيديكم.

 

﴿ الم (1) ﴾

 العلماء حلَّلوا جسم الإنسان، فيه كميَّة من الماء بالمئة سبعين، فيه دهن، فيه مواد بروتينية، فيه حديد، فيه كالسيوم، قرأت مرَّة قائمة بما ينطوي عليه جسم الإنسان، هل يستطيع البشر جميعاً إذا أخذوا هذه المواد أن يصنعوا إنساناً ؟ هناك سر، سر الحياة لا يعلمه إلا الله.
 هذا الحليب الذي نشربه وهو من الغذاء الأساسي، العلماء حلّلوا هذا الحليب وعرفوا مكوِّناته، هل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيعُ من هذه المكونات الماديَّة أن تصنع هذا الشراب السائغ ؟ مستحيل.
 هذه البيضة عرف العلماء مكوِّناتها، لو جئنا بهذه المكوِّنات هل نصنع بيضةً ؟ الإنسان، الحيوان، النبات، هذه الفواكه والثمار، يقول لك: سكر بالمئة ثلاثة عشر، مواد كذا، معادن وفيتامينات كذا، آت بالسكر والمعادن والفيتامينات واصنع تفاحةً، لا تستطيع، هذا من إعجاز الله عزَّ وجل.

 

 

بعض اتجاهات المفسِّرين في فهم فواتح السور:

 

 ربنا عزَّ وجل يقول لك: هذا القرآن كلام الله، كلامٌ معجز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه تشريع، فيه أخبار، فيه وعد، فيه وعيد، فيه قواعد، فيه ثوابت، فيه قوانين، فيه غيب ؛ غيب المستقبل، غيب الماضي، وهو من حروف بين أيديكم، هل بإمكان الإنس والجن ولو اجتمعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن ؟
 فهذا بعض اتجاهات المفسِّرين في فهم فواتح السور، بعضهم يقول: هي أوائل لأسماء الله الحسنى، بعضهم يقول: هي أوائل لأسماء النبي عليه الصلاة والسلام، بعضهم يقول: الله أعلم بمراده، بعضهم يقول: إن القرآن الكريم وما ينطوي عليه من إعجازٍ عظيم هو من هذه الحروف، وهي بين أيديكم وفي متناولكم، فإن ادعيتم أن هذا القرآن من عند محمَّد فاصنعوا مثله، فألِّفوا كتاباً مثله:

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) ﴾

 كلكم يعلم أنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان الفُرْسُ وكان الروم، الروم أهل كتاب، والفرس وثنيّون يعبدون النار، ويروي بعض المؤرِّخين أنه في عام ستمئة وثلاث عشرةَ وقعت موقعةٌ عظيمةٌ بين الفرس والروم، وانتهت هذه الموقعة بغلبة الفُرس على الروم، وقد استولى الفرس على دمشق وعلى بيت المقدس، كان هذا قبل الهجرة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، هكذا تروي كتب التفسير.
 خلفيَّة هذه الآية أو مناسبتها، أنه جرى نقاشٌ بين كفَّار مكَّة وبين المؤمنين حول الإيمان، وحول الكفر، وحول وجود الله عزَّ وجل، وما إلى ذلك، فحينما غلب هؤلاء الفرس الروم، والفرس وثنيُّون ككفَّار مكة، والروم يؤمنون بكتابٍ سماوي، فكان هذا حُجَّةً لهم على أنَّهم لو كانوا على حق لانتصروا.
 هنا يجب أن نقف قليلاً، الحق حق والباطل باطل، وليس هناك علاقة بين أن يكون الحق قوياً أو الباطل قوياً، أحياناً ربنا عزَّ وجل يقوِّي الحق وأحياناً يقوي الباطل، وإن كانت القوة ضروريَّة للحق.

 

تقييم العقيدة الصحيحة لا يكون من خلال قوة الكفار أو ضعفهم:

 إذا أردت أن تُقَيِّمَ العقيدة الصحيحة من خلال قوة الكفَّار أو ضعفهم هذا دليل غير صحيح، لأن سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام حينما التقى بعدي بن حاتم، وكان ملكاً في الجزيرة العربيَّة، قال له: يا عدي لعلَّه إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ المسلمون فقراء، فقراء لا يملكون شيئاً ـ وأيم الله ليوشكنَّ المال أن يفيض فيهم حتَّى لا يوجد من يأخذه، ولعلَّه يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوِّهم، ولعلَّه إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من أن المُلْكَ والسلطان في غيرهم ".
 إذاً الحق حق والباطل باطل، فربنا عزَّ وجل له حكمةٌ بالغة، فقد يأتي وقتٌ يكون الحق فيه قوياً، وقد يأتي وقتٌ آخر ـ ولله حكمةٌ بالغة ـ يكون فيه الباطل قوياً، فأنت لست مع القوة والضعف، ولا مع الكثرة والقلَّة، ولا مع زيدٍ أو عبيد، أنت مع الحق، فإن كان الوقت وقت قوةٍ للحق فأنعم بهذا وأكرم، وإن كان الوقت وقت ضعفٍ للحق كن مع الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم، إذاً لا ينبغي أن ترى أن الحق مع القوي ولا أن الباطل مع الضعيف، ولا أن الحق مع الضعيف والباطل مع القوي، ربنا عزَّ وجل يقول:

 

 

﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

 

(سورة آل عمران: من آية " 140 " )

 إذا قَوَّى المؤمنين فهو يمتحنهم، وإذا قوىّ الكافرين فهو يمتحنهم، والبطولة أن تنجح في الامتحان، فهؤلاء الكفار الذين كانوا يتحاورون مع بعض المؤمنين، وفي أثناء الحوار جاءوا بدليل: لو أن المؤمنين على حق لانتصروا، والدليل أن الروم غُلِبوا، فقال الله عزَّ وجل:

 

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ (3) ﴾

 معنى في أدنى الأرض، هذه الألف واللام (أل) العهد، أي أرض العرب، إذا إنسان قال البيت: يعني بيته، وإذا قال: الدكان، يعني بهذا دكَّانه، في أدنى الأرض وصلت رحى المعركة بين الفرس والروم إلى مشارف الشام، بل إن بعض كُتَّاب التاريخ يقولون: إن الفرس ـ كما قلت قبل قليل ـ فتحوا دمشق وبيت المقدس قُبَيْلَ الهجرة، في عام ستمئة وثلاثة عشر.

 

إعجاز القرآن هو في الوقت نفسه دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام:

 قال تعالى:

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) ﴾

 هنا، فهل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيع أن تحكم على المستقبل ؟ لا يستبعد أن يكون هذا الكلام ـ وهو كذلك ـ من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يستبعد أن يكون هذا الكلام من دلائل إعجاز القرآن، إنَّ إعجاز القرآن هو في الوقت نفسه دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان هذا الكتاب معجزاً إذاً الذي نزل عليه هو رسول الله.
 إذاً كلكم يعلم أن الغيب أنواعٌ ثلاثة ؛ غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل:

 

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾

 

( سورة آل عمران )

 أي أنت يا محمَّد من أين جئت بهذه الأخبار الصحيحة ؟ أنت لا تعرفها، ولم تقرأ عنها، لم تقرأ عنها كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمِّيَّاً:

 

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلوا مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) ﴾

 

(سورة العنكبوت )

 أنت لا تقرأ ولا تكتب، فهذه المعلومات التي تتكلَّم عنها المُغْرِقَةَ في البعد التاريخي إنك لا تعرفها قراءةً ولا كتابةً، بقي أن تكون معهم ـ أي أنك شاهدتها ـ طبعاً هي قديمة جداً، فربنا عزَّ وجل جعل من إعجاز القرآن ومن دلائل نبوَّة النبي العدنان، هذه الأخبار المتعلِّقة بغيب الماضي، وتلك الأخبار المتعلِّقة بغيب المستقبل.

الله عزَّ وجل نفى عن سيدنا محمد علم الغيب:

 إذاً حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) ﴾

 أي جهةٍ في الأرض لا تعلم الغيب، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، وإذا تكلَّم عن علامات قيام الساعة ليس من قبيل أنه عَلِمها بذاته ؛ أعلمه الله إيَّاها، لأن الله عزَّ وجل نفى عنه علم الغيب، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾

 

(سورة الأعراف: من آية " 188 " )

 لكن الله عزَّ وجل أَعْلَمَهُ:

 

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾

 

(سورة الجن )

 إذاً غيب الماضي لا يعرفه النبي، ومع ذلك جاء بقصص ووقائع تؤكِّد أنه نبي، وأن هذا القرآن كلام الله.

أنواع الغيب:

 مثلاً، بمصر حكم الفراعنة حِقَبَاً طويلة، إلا في مرحلةٍ قصيرةٍ جداً حكم فيها المُلوك لا الفراعنة، ومن الغريب أن القرآن الكريم في معرض الحديث عن سيدنا يوسف لم يذكر اسم فرعون ؛ بل ذكر اسم الملك، فقال تعالى:

﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾

(سورة يوسف: من آية "54 " )

 هذا كلام الله، هل يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام أن يَطَّلِع على تاريخ الفراعنة الذي يمتد في الماضي سبعة قرون ؟ وأن يعرف أن الفراعنة حكموا حقباً طويلةً ما عدا فترةٍ قصيرةٍ من الزمن حكم فيها ملوك الهكسوس، ففي القرآن ذكرٌ للفراعنة:

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8) ﴾

 

( سورة القصص )

 في آية أخرى:

 

﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾

 

(سورة يوسف: من آية "54 " )

 غيبُ الماضي يدل على أن هذا القرآن كلام الله، وغيب الحاضر أيضاً، أي الشيء الذي غاب عنك في الوقت ذاته، في الوقت نفسه، ماذا يجري الآن في أطراف الدنيا؟ لا نعلم إلا إذا أُخْبِرْنا، وأما غيب المستقبل فهذه الآية الكريمة من غيب المستقبل:

 

﴿ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾

 جاء بعضهم ـ بعض كفَّار مكَّة ـ إلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا: إن صاحبك يزعُمُ أن الروم سيغلبون في بضع سنين، قال: صدق ـ اسمه الصديق ـ هذا التصديق، هذا الشعور أن ما قاله النبي حق، وأن ما جاء في القرآن حق، هذا هو الفرق بيننا وبينه رضي الله عنه.

 

 

كلَّما ازداد الإيمان بعظمة الله عزَّ وجل ازدادت مصداقيَّة كلامه عندنا:

 

 تقرأ الآية:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

(سورة البقرة: من آية " 221 " )

 يأتيك خاطب لابنتك ؛ ماله وفير، بيته كبير، شكله وسيم، دينه قليل، تؤثره على الشاب المؤمن، المصداقيَّة ضعيفة:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 276 ")

 تتساهل في ذلك:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

(سورة النور: من آية " 30 " )

 تتساهل في ذلك، إذاً إحساسك، وشعورك، ويقينك أن هذا القرآن كلام الله، وأن وراءه ما وراءه، وراءه خيرٌ كبير لمن طَبَّقه، ووراءه شرٌ مستطير لمن خالفه، هذا الشعور بمصداقيَّة كلام الله عزَّ وجل ينمو مع نمو الإيمان، كلَّما زاد إيمانك بالله عزَّ وجل ازداد إيمانك بكلامه، كلَّما ازداد إيمانك بعظمة الله عزَّ وجل ازدادت مصداقيَّة كلامه عندك.

السفهاء هم الذين ينتقدون انتقال القبلة من بيت الله الحرام إلى بيت المقدس:

 إذاً لو أن الروم لم يغلبوا الفُرس في بضع سنين، أين هو هذا القرآن ؟ في آيات أخرى يقول الله عزَّ وجل:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

(سورة البقرة: من آية " 142 " )

 ربنا عزَّ وجل قال: سَيَقُولُ ـ فالسين للمستقبل ـ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ. هؤلاء الذين سوف يقولون: مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ وصفهم الله عزَّ وجل بأنهم سفهاء، فلو حَكَّم هؤلاء السفهاء عقولهم وسكتوا ماذا يحدث ؟ يكون هذا الكتاب باطلاً، هذا من إعجاز القرآن، فالله عزَّ وجل قال:

 

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ ﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 142 " )

 هؤلاء الذين ينتقدون انتقال القبلة من بيت الله الحرام إلى بيت المقدس سمَّاهم الله سفهاء، ولا بدَّ من أن يقولوا ذلك، ولو لم يقولوا ذلك لكان هذا القرآن باطلاً، ومع ذلك، ومع أنهم وصفوا بأنهم سفهاء قالوا:

 

﴿ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 142 " )

 سيدنا الصديق حينما تحاور مع بعض الكفَّار وقالوا له: يزعم صاحبك أن الروم سوف تغلب في بضع سنين، تروي بعض الكتب أنه راهنهم، ومعنى بضع سنين، أي من ثلاثة إلى تسعة، وفي السنة السابعة غلبت الروم الفرس، وهذا من إعجاز القرآن الإخباري ومن دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) ﴾

 

الإيمان هو أن ترى أن الأمر كُلَّه لله:

 لذلك عندما يتحدَّث ربنا عزَّ وجل عن المستقبل أحياناً يتحدَّث عنه بالفعل الماضي:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

(سورة النحل: من آية " 1 " )

 لَم يأتِ إذاً، كيف يقول عنه أتى ؟ شيءٌ غريب، لأن الأمر الذي سيأتي من عند الله لا بدَّ من أن يأتي، لأن كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وما هو مُقَدَّر لا بدَّ من أن يقع:

 

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ(4)﴾

 الإيمان كلُّه أن ترى أن الأمر كُلَّه لله، من قبل انهزامهم ومن بعد انتصارهم.

 

كُلَّما ابتعدت عن الله رأيت الكثرة وكلَّما اقتربت منه رأيت الوحدة:

 قال تعالى:

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (4) ﴾

 الأمر دائماً بيد الله، وكلَّما عَمُقَ إيمانك، وكلَّما ارتقى إيمانك لا ترى مع الله أحداً، ترى يد الله فوق أيدي الناس جميعاً، قال تعالى:

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

( سورة الفتح الآية: 10 )

 كُلَّما ابتعدت عن الله رأيت الكثرة، وكلَّما اقتربت من الله رأيت الوحدة، كلَّما ابتعدت عن الله رأيت شُرَكَاءَ لله، وكلَّما اقتربت من الله عزَّ وجل رأيت أن الله عزَّ وجل لا إله غيره، لذلك جاء في سورة يونس:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا (24)﴾

 

( سورة يونس )

 لشدَّة قوَّتهم:

 

﴿ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا (24) ﴾

 

( سورة يونس )

 أمرنا لا أمرهم:

 

﴿ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25) ﴾

 

( سورة يونس )

لله الأمر دائماً من قبل غلبتهم ومن بعد انتصارهم:

 إذاً:

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (4) ﴾

 ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، يجب أن تعلم علم اليقين أن الأمر بيدِ الله، هذا هو الإيمان، ولا شيء يزعج الإنسان ويسحقه ويؤلمه كأن يرى أن الأمر بيد زيدٍ أو عُبَيْد وبيدِ فلانٍ وفلان، أما الأمر لله:

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4)﴾

 لكن قبل أن يُغْلَبوا وبعد أن يَغْلِبوا، قبل هذا وبعد هذا، قديماً وحديثاً، يميناً وشمالاً، فوقاً وتحتاً الأمر بيد الله:

 

 

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (4) ﴾

 هذه قبل وبعد ظرفا زمان بُنيا على الضَمّ لانقطاعهما عن الإضافة، أي:

 

 

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ (4) ﴾

 نصرهم:

 

 

﴿ وَمِنْ بَعْدُ (4) ﴾

 نصرهم، من قبل غلبتهم ومن بعد انتصارهم:

 

 

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) ﴾

 

التأويل بمعنييه العام والخاص:

 النبي عليه الصلاة والسلام قال: 

(( ملَّة الكفر واحدة.))

[ ورد في الأثر ]

 لو دخل مؤمن على مئة منافق فيهم مؤمنٌ واحد لحنَّ هذا المؤمن إلى ذاك المؤمن ولو دخل منافقٌ على مئة مؤمن وفيهم منافقٌ واحد لحنَّ هذا المنافق إلى ذاك المنافق، فهذه قصَّةٌ قديمةٌ جداً، قديمةٌ قِدَمَ سيدنا آدم، هناك الكفر والإيمان، هناك الشِرك والتوحيد، هناك الإحسان وهناك الإساءة، هناك العدل وهناك الجور، هناك الخير وهناك الشر، هناك الحق وهناك الباطل، هناك المُحسن وهناك المسيء، هناك المؤمن وهناك الكافر، هناك الموحِّد وهناك المشرك، أبداً ؛ المؤمن مع المؤمن، المشرك مع المشرك، الكافر مع الكافر، الزاني لا ينكح إلا زانيةً، الفاسق مع الفاسق، المرابي مع المرابي، العفيف مع العفيف، أبداً، هذه سنَّة الله في خلقه.
 أولاً حينما غلب الروم الفرس لماذا فرح المؤمنون ؟ لشيءٍ خطيرٍ جداً، وهو أن هذا الكتاب من عند الله والدليل وقوعه، ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

 

(سورة يونس: من آية " 29 " )

 تحدَّثنا سابقاً عن أن تأويل القرآن له معنى خاص وله معنى عام، التأويل بمعناه العام كالتفسير، إذا كانت الآية واضحة أو فيها كلمة غامضة نفسِّرها، أما إذا كانت الآيات فيها خلاف ظاهر مع آيات أخرى نؤوِّلها، فالتأويل إلى حدٍ ما يشبه التفسير، وللتأويل معنىً خاص وهو أن الله عزَّ وجل إذا وعد المرابي بأن يمحق الله ماله، فإن محق مال المرابي تأويل آية الربا، وإذا وعد المؤمن بالحياة الطيِّبة، الحياة الطيِّبة تأويل هذه الآية، وإذا وعد المُعْرِض عن ذكر الله عزَّ وجل بالمعيشة الضنك، فإن المعيشة الضنك تأويل هذه الآية، فالتأويل وقوع الوعد والوعيد.

أسباب فرح المؤمنين بنصر الله:

 الآن لماذا فرح المؤمنون بنصر الله ؟ لأن القرآن ذكر هذا قبل أن يقع، فلمَّا وقع كان مصداقاً على أن هذا القرآن كلام الله، هذا أحد أسباب فرح المؤمنين بنصر الله.
 الشيء الآخر: المؤمنون أقرب إلى أهل الكتاب منهم إلى عُبَّادِ النار، فلو أنت مع إنسان له كتاب سماوي وإنسان آخر مُلحد، ترى أنك أقرب إلى هذا الكتابي من هذا المُلحد، هذا المعنى الثاني، إذاً:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) ﴾

 سيغلبون من إعجاز القرآن الإخباري، ومن دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، و:

 

﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

 وقد وقع هذا، وقعت مغلوبيَّة الروم في عام ستمئة وثلاثة عشر، وبعد سبع سنوات انتصر الروم على الفرس واستردوا منهم المواقع التي أخذوها، والأمر لله عزَّ وجل من قبل ومن بعد.

 

بعض آيات من القرآن الكريم على أن الأمر بيد الله:

 دائماً الأمر بيد الله، اسمعوا بعض الآيات:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )

 وقال:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

 

( سورة هود الآية: 123 )

 وقال:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

 

( سورة الزخرف الآية: 84 )

 وقال:

 

﴿ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

 

( سورة الكهف )

 وقال:

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54) ﴾

 

( سورة الأعراف )

 وقال:

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل﴾

 

(سورة الزمر )

آيات من القرآن تبث الطمأنينة في النفس:

 هذه الآيات:

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2) ﴾

( سورة فاطر )

 هذه الآيات تَبُثُّ الطمأنينة:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

 

(سورة العنكبوت: من آية " 4 " )

 أيستطيع الكافر مهما كان قوياً أن يفعل شيئاً غير إرادة الله عزَّ وجل ؟ هل يستطيع الكافر أن يتفلَّت من عقاب الله عزَّ وجل ؟ أبداً، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

 

(سورة العنكبوت: من آية " 4 " )

الأمر كلُّه بيد الله ومع ذلك علينا أن نأخذ بالأسباب:

 قال:

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ﴾

 انظر إلى معنى ينصر من يشاء، يعني أن الله عزَّ وجل مطلق الإرادة يفعل ما يشاء، الأمر بيده، النصر بيده، الهزيمة بيده، بثّ الرُعب في الناس بيده ـ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ))

 

[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

 أن يراك الناس ضعيفاً بيده، أن يروك قوياً بيده، أن يهابوك بيده، أن يستصغروك بيده، أن تقوى على عدوِّك بيده، أن يقوى عليك عدوُّك بيده، أن تظهر بيده، أن تختفي بيده، أن تنتصر بيده، أن تنهزم بيده:

 

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (4) ﴾

 لكن سؤال: ما دام الأمر كلُّه بيد الله، هل معنى ذلك أن لا نأخذ بالأسباب ؟ هنا المشكلة، أتمنَّى على الله عزَّ وجل أن يُمَكِّنَنِي من أن أوضِّح لكم هذه الحقائق الدقيقة، في حياتنا اليوميَّة، في عملنا، في زواجنا، في تجارتنا، في دراستنا، في كل نشاط حياتنا، أنت بين رجلين رجل آمن بالأسباب وعبدها من دون الله واعتقد أنها كل شيء، فأخذ بها واعتمد عليها، وقد يُفاجأ الإنسان أنه أخفق في حياته.
 فقد سمعت عن طبيب اعتقد أن الجري اليومي هو كل شيءٍ في صحَّة الإنسان، وأن هذا الذي يجري يومياً لن يصاب بمرضٍ في القلب أبداً، اعتقد هذا، وكتب مقالات، وعمل ندوات، وألَّف كتباً، وكان يجري كل يوم، مات فجأةً وهو يجري لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، لماذا ؟ لأنه آمن بالأسباب وحدها، ووضع فيها كل ثقله، وضع فيها كل آماله، من اختصاصه يؤتى، لذلك قالوا: " يؤتى الحذر من مأمنه "، لماذا يؤتى الحذر من مأمنه ؟ لأنه عبد الأسباب من دون الله، اعتقد بها وعبدها، هذا الإنسان قد لا ينجح في حياته، لذلك من أسباب النصر الكثرة أليس كذلك ؟!!

 

الأخذ بالأسباب وإغفال قدرة الله عز وجل شرك بالله:

 أصحاب النبي عليهم رضوان الله حينما فتحوا مكَّة وجدوا أنفسهم من الكثرة الكثيرة، عشرة آلاف مقاتل مع سيوفٍ متوهِّجة، فقالوا: " لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّة "، فماذا كانت النتيجة ؟

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25) ﴾

(سورة التوبة )

 ألقى في قلوبهم الخوف والرعب، فما علاقتنا نحن بهذه الآية ؟ أنت في عملك إذا قلت: أنا متمكِّن، أشركت، أنا متفوِّق، أنا خبير، لا بدَّ من أن تُخْفِق تأديباً لك على الشرك بالله عزَّ وجل، هذا إنسان، الغربيون يمثلون هذا الصِنْف، أخذوا بالأسباب كلِّها، (تشالنجر) وهي المركبة الفضائيَّة، هذا الاسم معناه باللغة العربية المتحدي، الضبط، والمراجعة، والعَد التنازلي، وقطعة قطعة، وصمَّام صمَّام، وجهاز جهاز، دقَّة ما بعدها دقَّة، وحسابات دقيقة، رياضيات وفيزياء وكيمياء، وفيها سبع رواد للفضاء، ركبوا مركبتهم، وبعد سبعين ثانيةً أصبحت كتلةً من اللهب.
 إذا عبدت الأسباب من دون الله ونسيت الله عزَّ وجل، أغفلت قدرة الله عزَّ وجل ونسيت أن الله بيده كل شيء، نسيت أن الله قادرٌ على كل شيء، نسيت أن الله بقدرته أن يقلب كل شيء رأساً على عقب، هذا الوضع هو شرك، فهذا نموذج، هذا النموذج مرفوض أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد عليها.

 

التواكل على ربنا عز وجل مرفوض تماماً:

 

 النموذج الثاني: تواكل على ربنا عزَّ وجل، وكسل، وقعود، وخمول، وعدم العمل، وعدم السعي، وعدم الاهتمام نموذج مرفوض، ولو توكَّلت على الله، لو قلت: ليس إلا الله، لا رَبَّ إلا هو، لا إله إلا الله، إليه يرجع الأمر كلُّه، بيده الخير، نحن عبيد عنده، هذا التوكُّل بلا سعي نموذج مرفوضٌ آخر.
 هذا مرفوض وهذا مرفوض، هذا خلاف ما أراده الله عزَّ وجل، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما وقف يدعو ربَّه قُبَيْلَ معركة بدر وقع من على كتفه الرداء لشدَّة قلقه وإلحاحه في الدعاء، بعض كُتَّاب السيرة قالوا: لعلَّه كان يخشى أن لا يكون قد أخذ بالأسباب التي أمره الله بها.
 أنت في دراستك، في تجارتك، في علاقاتك، في مشاريعك، في إنجازك، في مهنتك، في حرفتك، في صِحَّتَكَ، في تربية أولادك، يجب أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكَّل على ربِّ الأرباب، توكل حقيقي، أن تأخذ بالأسباب أخذاً حقيقياً، وأن تتوكَّل على الله توكُّلاً حقيقياً، فلو أخذت بالأسباب، وتوكَّلت عليها، وألَّهْتَهَا واعتمدت عليها، ورأيتها كل شيء، وقعت في الشرك ولا بدَّ من التأديب، ولو توكلت على الله وحده، وكنت كسولاً خمولاً لم تأخذ بالأسباب لوقعت في خطأ كبير.

من يأخذ بالأسباب يستحق أن تُخْرَقَ له القواعد والعادات:

 النبي ماذا قال ؟ قال:

(( مَن أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))

[ الطبراني عن سلمان بسند ضعيف، وانظر الجامع الصغير ]

 من أكل فاكهةً قبل أن يغسلها فقد أعان على قتل نفسه، أليس هناك من يقول: أخي كُل وسَمِّ بالله ؟ أهذا هو الدين ؟ لا والله، طالب لا يدرس، يقول أنا الحمد لله ما تركت فرض صلاة هذا لا يكفيه، لا بدَّ من الدراسة، مثقَّف جاهل لا يجدي، طبيب جاهل يؤذي الناس، فالمسلمون لا يتقدَّمون ولا يفلحون إلا إذا أخذوا بالأسباب، والذين أخذوا بالأسباب ولم يتوكَّلوا على الله لا يفلحون، هذا الذي أتمنَّى عليكم أن تكونوا في مستواه.
 حقيقة قرآنيَّة خطيرة جداً، الله عزَّ وجل بيده الأمر:

 

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ (5) ﴾

 لكن هذه المشيئة رسمت لنا طريقاً، النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر، ما من إنسان على وجه الأرض يستحق النصر كرسول الله ومع ذلك أخذ بالأسباب كلِّها ؛ عيَّن إنساناً ليتلقَّف الأخبار، وآخر ليمحو الآثار، وثالث ليأتيه بالزاد، ورابع ليدلَّه على الطريق، سار مُساحلاً، دخل غار ثور، صحب سيِّدنا الصديق، أخذ الحيطة والحذر، وتوكَّل بعدها على الله.
 فلمَّا جاؤوا إلى الغار، وقال له الصديق: " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا "، عندئذٍ قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ))

 

[ متفق عليه ]

 قال له: " لقد رأونا "، فقال له: " يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ(198) ﴾

 

(سورة الأعراف )

 حينما تأخذ بالأسباب تستحق أن تُخْرَقَ لك القواعد والعادات، هذه حقيقة.

من الحماقة أن تظن أن معية الله عز وجل بلا ثمن:

 الإنسان قد يتمنَّى أن يكون الله معه، يتمنَّى أن ينصره الله، أن يدافع عنه، أن يحفظه، أن يوفِّقه، يتمنى، ولكن هذه المعيَّة معيَّة الله عزَّ وجل من السذاجة والحمق والغباء والجهل أن تظنَّها بلا ثمن، لها ثمن باهظ، فقد قال الله تعالى:

﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾

(سورة المائدة: من آية " 12 " )

 هذه هي المعيَّة، أن تؤمن بالله، أن تصلي صلاة صحيحة، أن تزكي، أن تُحسن، أن تؤمن بالرسول، أن تنصره، أن تعينه، هكذا، فلذلك لا تطمح أن يكون الله معك من دون أن تكون معه:

 

كن مع الله ترى الله معك  واترك الكلَ وحاذر طمعك
وإذا أعطاك مـن يمنعه ؟  ثم من يعطي إذا ما منعك؟
***

 الشيء الثاني: عليك أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكَّل على الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ﴾

 عزيزٌ لا يُنَالُ جانبه، رحيمٌ خلق عباده ليرحمهم.

 

آيات من القرآن الكريم عن وعد الله:

 قال تعالى:

﴿ وَعْدَ اللَّهِ (6) ﴾

 وقال:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي﴾

 

( سورة النور: من آية " 55 " )

 وقال:

 

﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) ﴾

 

الآية التالية تنفي العلم عن أكثر الناس وتثبته:

 هنا المشكلة، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ﴾

 قد يقول قائل: كيف نفى الله عزَّ وجل عنهم العلم ثمَّ أثبت عنهم العلم، قال:

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ َ (7) ﴾

 إذا دخلت إلى دائرة ولك معاملة مهمَّة جداً وتحتاج إلى موافقة، فرأيت أشخاصاً وراء مكاتب، وموظَّفين كُثُر، ولافتات كُتِبَ عليها أسماؤهم، وغرفاً، وحُجَّاباً، وطوابق، لو رأيت كل هذا، ولم تعرف من الذي بيده وحده حق التوقيع على هذه المعاملة، فأنت تعلم ولا تعلم، تعلم أن هذه الدائرة هي الدائرة الفلانيَّة، وأن هؤلاء موظَّفون، ولكن غاب عنك من يستطيع وحده أن يوقِّع لك هذه المعاملة، وأن يمنحك هذه الموافقة، ربنا عزَّ وجل قال:

 

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾

 أي أنهم عرفوا الدنيا، عرفوا ما فيها من ثروات، عرفوا ما فيها من مباهج، عرفوا ما فيها من بيوت فخمة، من مركبات فارهة، من طعام لذيذ، من لباس أنيق، من نساء جميلات، هذا كله عرفوه، يعلمون من أين تؤكل الكتف، كيف يقتنصون المُناسبات، كيف ينتهزون الفرص، كيف يكسبون المال، أذكياء جداً، كيف يشترون بأرخص الأسعار ويبيعون بأغلى الأسعار، كيف يوهمون الناس، كيف يَرْبَحون الأموال الطائلة، هذا كله معروف عندهم، فهم أذكياء في هذا، نابهون ؛ ولكن غاب عنهم لماذا هم في الدنيا ؟ غاب عنهم أن هذه الدنيا مزرعة الآخرة، غاب عنهم أن هذه الدنيا من أجل أن تعرف الله عزَّ وجل، غاب عنهم أن هذه الدنيا من أجل أن تتقي ربَّك، غاب عنهم أن هذه الدنيا من أجل أن تطيعه، من أجل أن تحسن إلى خلقه.

 

الذي يعلمُ ظاهر الأشياء كمن لا يعلم:

 هذه الحقائق الكبرى ؛ لماذا أنت في الدنيا ؟ أنت في الدنيا في دار عمل والآخرة دار جزاء، أنت في دار تكليف والآخرة دار تشريف، أنت في دار أهم ما فيها العمل الصالح وسوف تأتي إلى دار أهم ما فيها النعيم المقيم، هذه الحقائق الكبرى غابت عنهم، يعرفون أسعار الأراضي، أسعار البيوت، هذا البيت مناسب وهذا غير مناسب، هذا اللون يناسب هذا اللون، خبرات في الدنيا من أعلى مستوى، كسب المال، إنفاق المال، تأثيث البيت، اختيار موقع البيت، اختيار الزوجة، كيف تُخْطَب الفتاة، كيف تُجَهِّز، كلُّه يعلمونه علماً لا حدود له:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾

 أما أخطر شيء في حياة الإنسان هو مجيئه للدنيا، في ضوء الدنيا يتقرَّر مصيره الأبدي، لماذا خُلِق ؟ أين كان ؟ أين المصير ؟ ما عرف كتاب الله، ما عرف ربَّه، ما عرف أسماءه، ما عرف صفاته، ما عرف النبي، ما عرف قيمته، ما عرف أن حديثه الشريف وسنَّته المطهَّرة هي خلاصٌ لنا من كل مشكلاتنا، ما عرف هذا:

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا (7) ﴾

 لهذا قال العلماء: " الذي يعلمُ ظاهر الأشياء كمن لا يعلم "، كأنَّه جاهل، مثلاً: هل تصدِّق أن الطبيب هو إنسان يرتدي ثوباً أبيض، ويضع نظارات، ويقتني سمَّاعة ؟ فهذا الطبيب فقط ؟ فمعنى ذلك أنك لا تعرف شيئاً، الطبيب ثلاثة وعشرون سنة دراسة، هذا مظهره، فلو جاء إنسان جاهل لا يقرأ ولا يكتب ارتدى ثوباً أبيض، ووضع نظارات، وحمل سمَّاعة، وأخذ ورقة وأقلام وكتب هل صار هذا عندك طبيب ؟ فالذي يعلم الظاهر ولا يعلم الباطن، كأنه جاهل، فهو عند الله جاهل:

 

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾

 

يجب أن نعرف سرَّ الوجود لا أن نبقى في الظاهر:

 لذلك قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يأنسوا بالله عزَّ وجل، ذاق الطعام والشراب، وذاق المنزل الفخم والنساء، وذاق الحِرَف والمِهَن، وكسب المال، والتجارة، والسفر، والاختصاص، كل هذا ذاقه، والأصدقاء، والندوات، والسهرات، والرحلات، لكن ما ذاق طعم القرب من الله عزَّ وجل، ما أَنِسَ قلبه بذكر الله، ما أقبل على الله، ما خشيه، ما خافه، ما رجاه:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾

 ما فيها من طعام وشراب، وزينة، وبُهْرُج، ومباهج، ولكن غاب عنه سِرُّها، غابت عنه حقيقتها، غابت عنه فائدتها، خطورتها، فلذلك إذا كنت تعلم شيئاً وتغيب عنك أشياء فأنت لا تعلم:

 

قل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً  حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
***

 لذلك يجب أن نعلم الحقيقة الأساسيَّة، لا أن نبقى في الظواهر، في القشور، في الصور، في الأشياء الثانويَّة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر، يجب أن نعرف سرَّ الوجود:

 

 

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) ﴾

 أخذوا بالأسباب وما استفادوا، تركوا الأسباب وتوكَّلوا على الله وما استفادوا، لأنك ما عرفت الحقيقة، لا بدَّ من أن تأخذ بالأسباب ولا بدَّ من أن تعتمد على الله عزَّ وجل.

 

 

لا نريد إنساناً ساذجاً يؤلِّه الأسباب ويعتقد بها وينسى الله عزَّ وجل:

 

 قال تعالى:

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾

 مثلاً: لو فرضنا راكب سيارة انقطعت به في الطريق، فنزل ورفع يديه إلى السماء وصرخ، ودعا، واستغاث، واستجار، واستعطف، وبكى، ماذا يحدث ؟ تبقى السيارة واقفة، المنطق أن تفتح غطاءها وأن تنظر ماذا فيها، وأن تجد أين الخلل ؟ إذا كان هناك خلل أصلحه، هذا الموقف العملي، المؤمن عقله علمي، لكن بعد أن صحَّح الخلل يا ربي وقفتني لمعرفة الخلل، هنا الدعاء شيءٌ جميل، اللهمَّ يا هادي، عرفت الخلل توفَّق إلى إصلاحه، هنا تدعو، أما أن تبقي الغطاء مغلق، والمحرِّك مُعَطَّل، وترفع يديك وتدعو وتستجير هذا كلُّه كلامٌ فارغ، كلام فيه سذاجة.
 تقول: لا بدَّ لي من أن أكشف العطل، كذلك أنت بهذا غلطان، يمكن ألا تعرف العطل حتى ولو عملت عشر ساعات، قال لي أحدهم: تركت سيارتي في مكان، وركبت مئة كيلو متر ورجعت من أجل برغي يحتاج إلى شد، لم يخطر على بالي، فهذه المشكلة، لا نريد إنساناً خيالياً ساذجاً، دعاء دُعاء ويوجد خلل في حياته، المعاصي الكثيرة، المخالفات، الثغرات ؛ ولا نريد إنساناً يؤلِّه الأسباب ويعتقد بها وينسى الله عزَّ وجل.

 

الكثير من الناس عرفوا ظاهر الحياة الدنيا وغفلوا عن معرفة الله عزَّ وجل:

 

 قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) ﴾

 سؤال: هل عرفوا الحياة الدنيا ؟ الجواب لا لم يعرفوها، والدليل:

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا (7) ﴾

 ما عرفوا حقيقة الدنيا، ما عرفوا لماذا نحن في الدنيا ؟ ما عرفوا أجمل ما في الدنيا، ما عرفوا أسعد ما في الدنيا، ما عرفوا أنظف ما في الدنيا، المؤمن بحياته النقيَّة، الطاهرة، باستقامته، بورعه، يعيش حياةً سعيدةً لا يعرفها الآخرون، هم عرفوا ظاهرها ؛ عرفوا مساحة البيت، عرفوا أناقة البيت، عرفوا أنواع الطعام، أنواع اللباس، أنواع المركبات، كيف الدخل الكبير، عرفوا هذا وغفلوا عن معرفة الله عزَّ وجل، ربنا عزَّ وجل يقول:

 

 

﴿ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (8) ﴾

 

كل ما في الكون يسير وفق منهج و نظام معين:

 أي يا أيها الإنسان أما رأيت أن هذا الكون تحكمه قوانين دقيقة جداً ؟ أما رأيت أن هذا الكون تحكمه سُنَن ؟ أما رأيت إلى هذا الكون مبنياً على الأسباب والمسبِّبات ؟ أما رأيت أن هذا الكون له غايات عظيمة ؟ ألم يهدك عقلك الذي بُنِيَ على السببيَّة والغائيَّة أن لهذا الكون سبباً، وأن لهذا الكون غايةً ؟ هل ترى أن الأمور هكذا تجري ؟ أتفكرت في خلق السماوات والأرض ؟ أتفكرت في خلق جسمك وما فيه من آياتٍ باهراتٍ على عظمة الله عزَّ وجل ؟ أنظرت إلى طعامك ؟ أنظرت إلى نَسْلِك ؟ كيف تشكَّل هذا الغُلام الصغير ؟ ألم تعرف أنه من ماءٍ مهين، من حوينٍ صغير، كل ثلاثمئة مليون حوين لا يُعادلوا سنتيمتر مكعَّب ؟ والبويضة تلقَّحت من حوينٍ واحد، والمورِّثات وما أدراك ما المورِّثات، خمسة آلاف مليون معلومة على الحوين ؟ فلان طويل، فلان قصير، فلان أبيض، فلان أسمر، فلان له شعر سبط، شعر غير سبط، عينان زرقاوان، عينان سوداوان، خدٌ أسيل، خدٌ ناتئ، عينٌ كبيرةٌ واسعةٌ، وعينٌ صغيرةٌ، جسمٌ مفتول، جسم طويل، جسم قصير، طِباع، أنواع منوعَّة من الطباع:

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (8) ﴾

 كل شيء يسير وفق منهج، وفق خطَّة، وفق تصميم، وفق هدف، وفق نظام، وأنت بلا نظام ؟!

 

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾

 

(سورة القيامة )

كل شيء خلقه الله خلقه ليبقى:

 بلا نظام:

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) ﴾

(سورة القيامة )

 قال:

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115) ﴾

 

(سورة المؤمنون )

 انظر للدعوة إلى التفكُّر، أي أنك أيها الإنسان لست مسيَّباً، لست طليقاً:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) ﴾

 

(سورة المدثر )

 إنك محاسب، هناك نظام يجب أن تعرفه، هناك تشريع يجب أن تأخذ به، هناك أمر يجب أن تأتمر به، هناك نهي يجب أن تنتهي عنه:

 

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (8) ﴾

 أي أنه خلقهما لهدفٍ كبير، وخلقهما لتبقيا لا لتفنيا، كل شيء خلقه الله خلقه ليبقى، فالحق نقيضه الباطل، والباطل الشيء الزائل، والحق نقيضه اللعب واللعب يعني العبث، عمل لا طائل منه.

 

للكون تشريع دقيق علينا أن نكشفه ونطبقه:

 قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ﴾

 أي أنك إذا تفكَّرت في خلق السماوات والأرض تعلم أن لهذا الكون إلهاً عظيماً خلقه فأبدعه، وجعله وفق نظم، وقوانين، وسنن دقيقة جداً، وأن الذي خلق الكون بهذا الإعجاز، وبهذه الدقَّة، وبهذا الإحكام، وبهذا النظام لن يدع الإنسان سُدى، فيمكن أن تستنبط من خلق السماوات والأرض أن لهذا الكون إلهاً، وله نظامٌ دقيق، وله تشريعٌ دقيق، وعليك أن تكشف هذا التشريع وأن تطبِّقه.

طرق معرفة الله عز وجل:

 يوجد عندنا شيءٌ ثانٍ: إذا شئت أن تستنبط العبر من السابقين فانظر، فانظر إلى كل قومٍ كفروا ربَّهم، وتجاوزوا حدَّهم، وطغوا وبغوا كيف أن الله أهلكهم:

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾

(سورة الكهف: من آية " 59 " )

 وقال:

 

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) ﴾

 

(سورة الحديد )

 يوجد عندك طريقين: إما طريق التفكُّر في خلق السماوات والأرض، وإما طريق التفكُّر في أفعال الله عزَّ وجل، كيف أن الكريم يكرمه الله عزَّ وجل، وأن المستقيم ينصره، وأن المنحرف يخذله، وأن الأمين يغنيه، وأن المختلِسَ يفقره، وأن المرابي يمحق ماله، وأن المتصدِّق يُنَمِّي ماله، إذا أردت أن تعرف الله من خلال الكون فدونك الكون.
 إذا أردت أن تعرفه من خلال أفعاله فهذه أفعاله أمامك، هذه أفعاله، وهذا خلقه، وهذا قرآنه، لك أن تعرفه من كلامه، ولك أن تعرفه من خلقه، ولك أن تعرفه من أفعاله.

المحسن يثاب على إحسانه والمسيء يحاسب على إساءته:

 قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (9) ﴾

 تجد شريكين أحدهما ظلم الآخر، الله مع الضعيف دائماً، تجد زوجين أحدهما كان ظالماً للآخر، الله مع المظلوم، أولاد اختلس أحدهم أموال أبيه كلها وجعل إخوته بلا شيء كيف أن هؤلاء الأخوة المظلومين الضعاف يغنيهم الله عزَّ وجل، وقد يفتقر هو، دع القرآن، دع الكون، لو تتبعت أفعال الله عزَّ وجل في عباده، انظر إلى زوجين أقاما زواجهما على طاعة الله، تجد أن الله عزَّ وجل يوفِّق بينهما، انظر إلى زوجين أقاما زواجهما على معصية الله عزَّ وجل، انظر إلى تاجر أقام تجارته على نُصْحِ المسلمين، وعلى الإخلاص لهم، والصدق في المعاملة، كيف أن الله ينمِّي ماله، انظر إلى تاجر يكذب ويغش كيف أن الله يمحق ماله، انظر إلى أي شيء، انظر إلى أي مخلوق تجد أن المحسن يثاب على إحسانه، والمسيء يحاسب على إساءته، إن شئت أن تعرف الله من خلال الكون:

 

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(8)﴾

 إن شئت أن تعرف الله من خلال أفعاله:

 

 

﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(9)﴾

 

لمعرفة الله تعالى علينا أن نسلك أحد الطرق الثلاثة التالية:

 الذي أتمنَّاه على الله عزَّ وجل أن يسلك الإنسان أو يسلك أحدكم إلى معرفة الله هذه الطرائق الثلاث ؛ كتاب الله طريق، والكون طريق، وأفعاله طريق، فلان استقام فرفعه الله، فلان غشَّ الناس فخذله الله، فلان كان صادقاً فرفع الله شأنه، فلان كذب على الناس فعاقبه الله عزَّ وجل، فلان أخلص، فلان خان، فلان أعطى، فلان منع، فلان استقام، فلان انحرف، فلان أطاع، فلان عصى، تتبع ؛ في حقل الزواج، في حقل الشراكة، في حقل التجارة، في حقل العمل، في حقل الدراسة.
 تتبَّع تجد أن الله يعطي لكل إنسانٍ حقَّه، وأن أحداً لن يفلت من عقاب الله، ومن ظنَّ أنه يتفلَّت من عقاب الله فهو أحمق، وهو غبي، هذا طريق.
 الطريق الثاني: انظر إلى الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والرياح والأمطار، والنبات والحيوان وخلق الإنسان، ترى آيات دالَّة على عظمة الله، أهذا الخلق المعجز، أهذا النظام الدقيق، أهذه السنن المحكمة هل يعقل أن يكون الله عزَّ وجل خلقك بلا هدف ؟ هكذا سدى ؟ بلا حساب ؟ بلا سؤال ؟ بلا منهج ؟ مستحيل، هذا كتابه، وهذا خلقه، وهذه أفعاله، وأفعاله وكتابه وخلقه متطابقةٌ تطابقاً تاماً.
 في الدرس القادم إن شاء الله عزَّ وجل نصل إلى قوله تعالى:

 

﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) ﴾