الدرس : 04 - سورة النور - تفسير الآيات 6 – 10، آيات الملاعنة - قصة الإفك

1988-10-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة النور، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) ﴾

(سورة النور)

أحكام الملاعنة بين الزوجين:

 أيها الإخوة المؤمنون، هذه الآية هي آية اللعان، أو آية الملاعنة، وهذه الآية كما ورد في آخرها:

﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾

 لو أن امرأً شاهد امرأته تزني، وليس له أربعة شهود يشهدون على هذه الواقعة، فما حل هذه المشكلة، إن تكلم في حق زوجته يحد بنص الآية السابقة:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

 ففي نص هذه الآية هذا الذي يرى واقعة الزنى في بيته، وليس له أربعة شهود يشهدون على هذه الواقعة، واتهم زوجته بالزنى، فبنص الآية السابقة لابد أن يُجلد ثمانين جلدة، لذلك جاءت آيات الملاعنة فيما بين الزوجين رحمةً من الله عز وجل، وفضلا، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾

أدب القرآن في اختيار الكلمات:

 الكلام فيه أدب رفيع:

﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾

 ولم يقل: بالزنى، ومفهوم من سياق الآيات أن الحديث عن الزنى، لذلك الكلام الذي يفهم إن لم تذكره، الأَولى ألاّ تذكره، هذا من البلاغة، ومن الأدب في وقت واحد، من البلاغة أن الألفاظ التي تخدش الحياء يجب ألاّ تذكر، ومن البلاغة أن الشيء الذي يفهم من دون أن يذكر يجب ألاّ يذكر، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾

 بالمناسبة لك أن تقول: زوجي وزوجتي، وكلاهما صحيح، ولك أن تقول: امرأة عروس ورجل عروس، كلاهما صحيح، وتطلق في اللغة على الذكر والأنثى في وقت واحد، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾

 بمعنى زوجاتهم.

 

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يِكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءَ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾

 دخل بيته فجأة، فإذا رجل مع زوجته في وضع مشين، ماذا يفعل ؟ هل يقول لهما: انتظرا حتى آتي بالشهود، هذا مستحيل، لذلك لمثل هذه الحالة الصعبة، ولمثل هذه الواقعة العظيمة شرع ربنا سبحانه آيات الملاعنة، ففيها أشياء دقيقة جدا.

 

معنى الشهادة:

 

 هنا كلمة الشهادة في آيات الملاعنة،

المعنى الأول:

 الشهادة تعني الخبر الصادق، أنت شاهدت شيئا، ونقلت هذه المشاهدة إلى قاض، أو إلى جهة، فهذه الشهادة تعني الخبر الصادق، لكن علماء التفسير استنبطوا من قوله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾

(سورة المنافقون: الآيات 1-2)

 فربنا سبحانه وتعالى سمى شهادتهم يمينا، فالشهادة لها ثلاثة معانٍ: المعنى الأول الخبر القاطع المبني على مشاهدة.

 

المعنى الثاني:

 اليمين.

 

 

المعنى الثالث:

 البينة والدليل، فتأتي الشهادة في القرآن الكريم، وفي هذه الآية بالذات معنى الخبر القاطع، وبمعنى اليمين، وبمعنى البينة، أي الدليل، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى:

 

 

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾

 

الاستثناء وأنواعُه:

 فهذه ( إِلاَّ ) أداة استثناء، تقول مثلا: حضر الطلاب إلا خالدا، فخالد طالب، فإذا كان المستثنى بـ ( إلاّ ) من جنس المستثنى منه فالاستثناء متصل، القضية سهلة جدا، وإذا كان المستثنى بـ ( إلاّ ) ليس من جنس منه المستثنى فالاستثناء منقطع، تقول: حضر الطلاب إلا المدرّس، فالمدرّس ليس طالبا، لهذا قال الله عز وجل:

﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾

[الحجر: 29-30]

 فليس معنى هذا أن إبليس من الملائكة، هذا استثناء منقطع، فالذين قالوا: إن هذا الاستثناء استثناء متصل جعلوا الزوج أحد الشهود، أو شاهدا يغني عن أربعة شهود، فيجب حينئذٍ أن تنطبق عليه أحكام الشهادة، ويجب أن يكون شاهدا تصح شهادته في نظر الفقهاء.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾

صيغة شهادة اللعان بين الزوجين:

 أيْ يشهد، ويقول: أشهد بالله أنني صادق فيما أرمي به زوجتي، ويسكت، ثم يقول: أشهد بالله أني صادق فيما أرمي به زوجتي، ويسكت، ثم يقول: أشهد بالله إني صادق فيما أرمي به زوجتي و، يسكت، ثم يقول: أشهد بالله أني صادق فيما أرمي به زوجتي، فهذه الشهادات الأربع خبر قاطع مع يمين، فكأن هذه الشهادة تحملت معنى اليمين والخبر القاطع، لذلك فربنا سبحانه وتعالى من رحمته بهذا الزوج الذي رأى حادثة لا يحتملها أنْ قال له: أنت تشهد، وشهادتك تنوب عن أربعة شهود، ولا بد أن يشهد شهادة خامسة، ما هي هذه الشهادة الخامسة ؟
 قال الله عز وجل:

﴿وَالْخَامِسَةُ﴾

 أيْ والشهادة الخامسة:

﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

 ويقول: أشهد بالله أن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وبهذه الشهادات الخمس يثبت الزنى على زوجته، وتمنع عنه حد القذف.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾

 بهذه الشهادات الأربع، والشهادة الخامسة يستطيع الزوج أن ينجو من حد القذف، لأن الآية السابقة تحتم على القاذف حد القذف إن لم يأت بأربعة شهداء، هو الآن شاهد واحد، لكنه زوج، قال العلماء: إنه لا يعقل أن يشهد الزوج أمام القاضي على زوجته بالزنى، وهي بريئة، لأنه إذا شهد بذلك جلب العار لبيته، وجلب الدنس لفراشه، وألحق بنسبه ما ليس منه، لذلك ليس من مصلحة الزوج أصلا أن يتهم زوجته بالزنى أمام ملأٍ من المسلمين، ولو لم يكن رآها فعلا لما أقدم على فضحها، لذلك فشهادة الزوج ليست كشهادة أحد من الناس، شهادته أربع شهادات بالله، بشرط أن يقول: أشهد بالله أني لمن الصادقين، مرة، وثانية، وثالثة، ورابعة، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

 

موقف الزوجة بعد ملاعنة الزوج لها:

 

 ما موقف الزوجة ؟ حينما يشهد الزوج هذه الشهادات الأربع، ويشهد الشهادة الخامسة فقد أوجب عليها حد الرجم، لأنها محصنة، ودرأ عن نفسه حد القذف، لأن شهادته كما قال الله عز وجل:

﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾

 لكن الله سبحانه وتعالى رحمة بالمرأة أعطاها شيئا تنجو به إن كان زوجُها كاذبا، وليكن احتمال كذبه واحد بالمئة.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) ﴾

 أما إذا قالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، مرة، وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وثانية، وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وثالثة، وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، ورابعة فعليها أن تنطق بالشهادة الخامسة، لكن الشهادة الخامسة تجعلها من أهل النار، وشهادة الرجل الخامسة تجعله من أهل النار.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)﴾

 لذلك قال العلماء: على القاضي إذا وصلت المرأة إلى الشهادة الخامسة أن يقول لها: يا امرأة عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وفضح الدنيا أهون من فضح الآخرة، فالقاضي مكلف أن يذكَّر الزوج قبل أن يشهد الشهادة الخامسة ؛ أن أيها الرجل عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، عذاب الدنيا حده القذف، فإذا نطق بالشهادة الخامسة، وكانت بريئة استوجب النار، إنها قضية في منتهى الدقة والخطورة.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)﴾

لطائف ودقائق واستنباطات من آيات اللعان:

 الآن في هذه الآيات ؛ آيات اللعان لطائف ودقائق واستنباطات:

اللطيفة الأولى: الفرق بين اللعنة في حق الزوج والغضب في حق المرأة:

 فمن هذه الدقائق أو اللطائف أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿وَالْخَامِسَةُ﴾

 المتعلقة بالزوج:

﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

﴿وَالْخَامِسَةَ﴾

 المتعلقة بالمرأة:

﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾

 فهل هناك فرق بين لعنة الله، وبين غضبه ؟ العلماء وقفوا موقفين، فبعضهم قال: لعنة الله أشد من غضبه، لأنه رماها بالزنى، وقد تكون بريئة، وبعضهم قال: غضب الله أشد من لعنته، لأنها هي الأصل في الزنى، فلو لم تزنِ لما جرّت زوجها إلى هذه المشكلة، على كلٍ اللعن هو الإبعاد، فإذا قال الإنسان لإنسان: لعنة الله عليك، أي أن الله سبحانه وتعالى أبعده عن ذاته المقدسة، وأبعده عن ذاته العظيمة، لذلك في الآخرة أشد عقاب يعاقب به أهل النار:

﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

(سورة المطففين: الآية 15)

 ابتعدوا، والذي يملك حاسة مرهفة يجد أن في الإبعاد أشد أنواع العذاب، وأشد أنواع العقاب، على كلٍ ربما بررنا، أو سوّغنا - إن صح التعبير - للمرأة أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، إنقاذا لسمعتها من العار والشر، وربما كانت لعنة الله أشد وقعا من غضب الله، على كلٍ فإنّ غضبه، ولعنته شيئان مخيفان، نعوذ بالله منهما، والمعنى الدقيق للّعن: الطرد من رحمة الله، والمعنى الدقيق للغضب هو: السخط، والعلماء بين أن يكون اللعن أشد من الغضب، وبين أن يكون الغضب أشد من اللعن، على خلاف فيما بينهم.

 

اللطيفة الثانية: اللعان يكون بين مسلمين حرين:

 الذين عدوا هذه الشهادات أخضعوها لأحكام الشهود، أي ينبغي أن تنطبق على الزوج الملاعن أحكام أهل الشهود، فالإنسان أحيانا يفقد حقه في الإدلاء بالشهادة، فمثل هذا الزوج الذي فَقَدَ حقه أن يشهد فشهادته مرفوضة، ولعنه مرفوض، والمرأة كذلك ما دام هذه بإمكانها أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، إذاً هي شاهدة تنطبق عليها أحكام الشهود، والشاهد يجب أن يكون مسلما، عدلا، ثقة، لذلك استنبط العلماء أن اللعان لا يجري إلا بين زوجين مسلمين، حُرَّيْنِ لا رقيقين، فلا يجري بين حر ورقيق، ولا بين رقيق وحر، كما لا يجري بين زوجين غير مسلمين، ولا بين زوجين كافرين، لأننا طبقنا عليهما أحكام الشهود العدول.
 الحقيقة أنّ هناك علاقة دقيقة بين آيات القذف، وآيات اللعان.

 

 

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرَبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾

 فرق كبير بين أن يتهم الإنسان امرأة أجنبية بالزنى، فهذا يجب أن يأتي بأربعة شهداء، وإلا يجلد، ويقام عليه حد القذف، وربما لا يتأثر بيته، ولا تتأثر مكانته، ولا سمعته من قذف هذه المرأة الأجنبية المحصنة، لذلك حد القذف يقام عليه إن لم يأت بالشهداء الأربعة، فلو جاء بشهود ثلاثة - لك أن تقول في جمع شاهد: شهداء وشهود، فإن لم يأتوا بالشهداء، الشهداء جمع شاهد، والشهيد أيضا جمعه شهداء، فالشهداء جمع لشاهد ولشهيد، وهنا الحديث عن الشهداء جمع شاهد بالضبط، لكن الإنسان عندما يرمي زوجته بالزنى، فهذا ليس من مصلحته إذا كان كاذبا بهذا الرمي، لأن هذا الرمي سيسبب له العار، سيسبب له الشك في ولده ؛ أهو منه، أم من غيره ؟ سيسبب له سمعة سيئة، سيسبب له انهياراً اجتماعياً، لذلك قال العلماء: إنه لا يقدم على رمي الزوجة بالزنا إلا أن تكون هذه الواقعة صحيحة، لهذا رحمه الله عز وجل، وخفف عنه، وقال: أنت أيها الزوج لك حكم مستقل، شهادتك تعادل أربع شهادات يدلي بها شهود عدول، هذه هي العلاقة بين آيات القذف، وبين آيات اللعان؛ وكأن الله سبحانه وتعالى في آخر هذه الآية:

 

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 أيْ لولا أن الله رحمكم بآيات اللعان لكان في الأمر حرج شديد، فتصور حالة زوج رأى رأي العين زوجته تزني، والشرع لا يسمح له بسماع هذه الدعوى إلا بأربعة شهود، والشهود كيف يأتون، إن ذهب ليحضرهم قد يُتلافى الأمر، فلا يجد حلاًّ، لذلك النبي الكريم حينما عرضت عليه قضية قبل نزول هذه الآية استرجع الله سبحانه وتعالى وقال: لعلَّ الله يحدث في هذا الأمر أمرا، لعله يحدث أمرا.

 

سبب نزول آية الملاعنة:

 

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْجَلْدِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ،

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾

   إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَعَا هِلَالًا، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ دُعِيَتْ الْمَرْأَةُ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقِّفُوهَا، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ حَتَّى مَا شَكَكْنَا أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ عَلَى الْيَمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ جَعْدًا رَبْعًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ جَعْدًا رَبْعًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ))   

 


 قَالَ الشَّيْخُ: " وَالْقَضِيءُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيْنَيْنِ لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ، وَلَا جَاحِظِهِمَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ "

 

[البخاري عن ابن عباس، مسلم، الترمذي عن أنس، والنسائي عن ابن عباس]

 

شروط حد القاذف:

 شيء آخر، المرأة التي يحق لها أن تشهد أربع شهادات بالله يجب أن تكون من النوع التي إذا قذفت بالزنى أقيم على قاذفها الحد، فكما تعلمون من الدرس الماضي من اتهم امرأة زانية بالزنا لا يقام عليه الحد، إذاً امرأة فاجرة تزني على قارعة الطريق تزني من دون تخف، تفصح عن زناها، تقول: كنت مع فلان وفلان، فهذه امرأة فاجرة، هذه امرأة لا يحد قاذفها.

متعّلق الصدق والكذب في الملاعنة:

 تكلمنا في الدرس الماضي أنه لا يحد قاذف المرأة إلا إذا كانت المرأة بريئة من الزنى، محصنة، والإحصان كما قلنا هو الإسلام، والزواج، والعفة، وما شاكل ذلك، لذلك هذه الآيات آيات الملاعنة لا تجري إلا إذا كانت الزوجة من النوع التي إذا قذفت أقيم على قاذفها الحد، عندئذ لها أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، كذلك الزوج لا يحق له أن يشهد أربع شهادات، على أنه من الصادقين إلا إذا كان من النوع الذي يحق له أن يشهد، وكما تكلمنا في دروس سابقة الشهادة على أنواع، هناك نوع يكتفى فيه بالشاهد، أن يكون مسلما، عدلا، وفي شهادات أخر يجب أن يكون الشاهد عدلا، وثقة، العدالة والضبط في رواية الأحاديث لابد أن يكون الشاهد مسلما، عدلا، ثقة، لكن في الإدلاء ببعض الوقائع أمام القاضي يكفي أن يكون الشاهد مسلما، والإسلام هو انصياع لأوامر الله سبحانه وتعالى.
 العلماء الآن على خلاف في أن آيات اللعان لا تحتاج إلى متعلق الصدق والكذب، ففي هذه الحادثة يكون هذا الزوج قد رأى زوجته في حالة الزنى، فله أن يقول في المحكمة أمام القاضي: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به، لا يحتاج الزوج إلى أن يذكر بالتفصيل ماذا جرى أمام القاضي، رأفة بحاله، ورعاية لحق هؤلاء المستمعين، وتوفيرا عليه من إبداء تفصيلات قد تحرجه في ذكرها أمام القاضي، لذلك أجاز العلماء أن يكون متعلق الصدق أو الكذب في هذه الآيات يمكن أن لا تذكر، فيكفي أن يقول: أشهد بالله إني لصادق فيما رميت به زوجتي، وينتهي الأمر.

مَن يبدأ أولاً بالملاعنة الزوج أم الزوجة ؟

 والعلماء أيضا على خلاف، هل يجوز أن تبدأ الزوجة بالإدلاء بشهاداتها الأربع ؟ فجمهور الفقهاء على أنه يجب أن يكون الترتيب كما ورد في القرآن الكريم، أن يبدأ الزوج بالإدلاء بهذه الشهادات الأربع، ثم يشهد الشهادة الخامسة، وبعدها يأتي دور الزوجة.
 حينما يشهد هذه الشهادات الأربع مع الشهادة الخامسة نجا من حد القذف الوارد في الآية السابقة، التي توجب عليه حد القذف، فلمجرد أنه شهد أربع شهادات، وفق هذه الآية نجا من حد القذف، وأوجب على زوجته حد الرجم، لكن هذه الزوجة إن شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فتنجو بهذه الشهادة الخامسة مع الأربع السابقة من حد إقامة الحد عليها، وهو حد الرجم، والمشكلة أنه قد يكون هناك حمل، لذلك أجاز بعض العلماء أن يشهد الزوج أنه صادق فيما رمى به امرأته، وأن هذا الولد الذي في بطنها ليس منه، وبهذا ينفي عنه نسبتُه إليه، وكذلك المرأة تستطيع أن تنفي عن نفسها أن يكون هذا الولد من هذا الرجل، وكلا الطرفين متاح لهما أن ينفيا، مع إثبات صدقهما، والولد حينئذٍ ليس تابعًا لهما.

هيئة المتلاعنين في أثناء الشهادة:

 من السُنة أن يحلف، أو أن يشهد الزوج، وهو واقف، والمرأة قاعدة، ثم تنعكس الآية، فتقف المرأة لتدلي بشهاداتها الأربع، والخامسة، وهي واقفة، والزوج جالس، والقاضي عليه إن وصل الزوج إلى الشهادة الرابعة أن يخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، عذاب الدنيا حد القذف، وعذاب الآخرة النار، وعلى القاضي أيضا إن وصلت المرأة إلى الشهادة الخامسة أن يذكرها بأن فضح الدنيا أهون من فضح الآخرة، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويراعى أن يشهد هذه الواقعة جمهور من المسلمين كما ورد في كتب الفقه.

معنى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ

 الحقيقة أن كلمة:

﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ﴾

 فهمها بعض الناس أنه العذاب في اليوم الآخر، وليس هذا بصحيح، العذاب هنا هو عذاب الحد الذي يجب أن يقام عليها، ألا وهو الرجم، لقوله تعالى:

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 فالعذاب هنا في هذه الآية هو حد الرجم.

 

هل يُحدُ الزوج القاف الممتنِع عن الملاعنة ؟

 

 الآن لو أن الزوج - وهذه مشكلة - اتهم زوجته بالزنى، وامتنع أن يلاعنها، ولم يأتِ بالشهود كما جاء في آية القذف فماذا عليه ؟ العلماء قالوا: عليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، إذا امتنع الزوج على أن يشهد أربع شهادات بالله، وعن أن يشهد الشهادة الخامسة التي توجب له النار، شيء آخر، إذا امتنعت الزوجة عن أن تدلي بأربع شهادات، أنه كاذب، وعن أن تشهد الشهادة الخامسة التي توجب لها النار وجب عليها حد الرجم، فلا يوجد حل قضية دقيقة جدا، إما أن تلاعن، وإما أن يقام على الزوج حد القذف، وإما أن تلاعن الزوجة، وإما أن يقام عليها حد الرجم.
 شيء آخر، هذه الآيات المتعلقة بالملاعنة فيها أحكام صريحة، وواضحة في شأن الملاعنة، في مقدمتها أن شهادة الزوج كافية بدل أربعة شهود عدول يصدقون ما ادعى به.
 وأن الزوجة تستطيع بالإدلاء بأربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، ومع الشهادة الخامسة أن تمنع عنها حد الرجم.

نتائج الملاعنة:

 وتأتي السنة المطهرة لتبين أن هذه الملاعنة ينتج عنها أشياء ثلاثة:

النتيجة الأولى: نفي الولد عن الرجل وإلحاقه بالمرأة:

الشيء الأول نفي الولد.

النتيجة الثانية: نفي الولد عن الرجل وإلحاقه بالمرأة:

 والشيء الثاني: الفرقة بين المتلاعنين، فبعد التلاعن يحكم القاضي بالفرقة بين الزوجين، لماذا ؟ لنأخذ اتهام الزوج زوجته بالزنى لو أنه صادق في هذا الاتهام ماذا فعل ؟ فضحها، ونشر سمعتها السيئة بين الناس، وجعلها في موطن ازدراء، واحتقار من المجتمع الإسلامي، هذا إذا كان صادقا، فإذا كان كاذبا فالجرم أكبر، لذلك ينشأ من ملاعنة الزوج، أو ينشأ من اتهام الزوج زوجته بالزنى، ثم الملاعنة ينشأ جرح في نفس الزوجة لا يدمل، أو لا يضمد، أما المرأة فالتي تزني في بيت زوجها، والتي تلحق العار، والشنار بزوجها، إنها فعلت شيئا لا يغتفر، لقد لطخت سمعته، ولوثت فراشه، وألحقت به ما ليس له، فإن كانت صادقة في اعترافها بهذا الذنب فجريمتها كبيرة، وإن كانت كاذبة فجريمتها أكبر، لذلك فإن النبي الكريم رأى أن كلا الزوجين جرح الآخر جرحا لا يندمل، لهذا حكم بالفرقة بين المتلاعنين، لذلك لمجرد أن يلاعن الزوج زوجته يحكم القاضي بالتفريق بينهما، لأن هذين الزوجين ليسا أهلا أن تقوم بينهما حياة سوية صحيحة.

 

النتيجة الثالثة: التحريم المؤبد بينهما:

 لكن المشكلة أن هذا التفريق على التأبيد، ولا يوجد طريق أبدا إلى أن تعود هذه الزوجة لهذا الزوج، ولا أن يعود هذا الزوج لهذه الزوجة، فأحكام ثلاثة تؤخذ من آيات الملاعنة: نفي الولد عن الزوج، والفرقة بين المتلاعنين، والتحريم المؤبد بينهما.
 لكن العلماء يقولون: إن الزوج أولى به إذا رأى زوجته تزني في بيته الأولى به أن يطلقها، وألا يلاعنها، إذا طلقها ستر حالها فلعلها تتوب، إن احتمل أن يجعلها تتوب على يديه، وصلحت توبتها فهذا يحتاج إلى بطولة، وإذا لم يحتمل فعليه أن يطلقها سترا لحالها، أما إذا لاعنها فقد فضحها، ونشر سمعتها السيئة في المجتمع الإسلامي، وانتهت حياتها.
 

 

 

الملاعنة رحمة بالزوج:

 


 الشيء الذي يلفت النظر هو أن الله سبحانه وتعالى في آخر آيات الملاعنة يقول:

 

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 وكأن الله سبحانه وتعالى تفضل على هذه الأمة الإسلامية بهذا الحكم رحمة بالزوج، ورحمة بالزوجة التي يجب أن ترجم، فإذا نطقت بهذه الشهادات يدرأ عنها العذاب، إذا رحمة بالزوجين معا كانت هذه الآيات ؛ آيات الملاعنة.

 

 

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 ولكن الشيء الذي يلفت النظر أكثر من هذا أن الله تعالى قال:

 

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾

 في كل الآيات، آيات الفواصل تواب رحيم، إلا في هذه الآية

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾

 إذْ ليس من الحكمة أن تفضح زوجتك، لذلك فتح باب التوبة حتى للمتلاعنين الذين اقترف أحدهما جريمة الزنا، وحينما يتلاعن الزوجان فلابد أن يكون أحدهما كاذبا، وهذا الكاذب الذي ستر حاله بهذا الكذب باب التوبة مفتوح أمامه، ولكن يحتاج إلى جهد كبير.
هذه الآيات، آيات الملاعنة مع آيات القذف، مع حد الزنا تنظم المجتمع الإسلامي، فقضية أن تخون المرأة زوجها قضية خطيرة، إما أن تنتهي بالفضيحة، وإما أن تنتهي بالفراق الأبدي من هذا الزوج، فإذا كان زوجا محسنا خيرا طيبا سخيا فإن على الزوجة أن تعد لآلاف آلاف الملايين قبل أن تفكر بأن تخون هذا الزوج، إنها تفقده، وتفقد سمعتها في وقت واحد.

 

حادثة الإفك: تفاصيلها في الكتاب والسنة:

 

تفاصيل الإفك في القرآن الكريم:

 بقي علينا آيات الإفك، وقبل أن نبدأ الحديث عن حديث الإفك الذي ورد في سورة النور في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) ﴾

(سورة النور: الآيات 11-16)

تفاصيل الإفك في السنة: رواية أم المؤمنين عائشة الطاهرة للإفك:

 قبل الحديث عن هذه الآيات سأقرأ على أسماعكم حديث الإفك كما ورد في الصحاح، عن السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طبعا هذا الكلام على لسان السيدة عائشة رضي الله عنها فيما رواه البيهقي والإمام أحمد والبخاري ومسلم، طبعا حديث رواه أئمة الحديث على خلاف دقيق في الروايات لكن هذه بعض الروايات، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ - أقرع بينهن أي أجرى القرعة، والقرعة معروفة، والقرعة أمر إسلامي، فإذا حصل خلاف بين أولادك، تنافسوا على شيء، تنافسوا على الذهاب معك إلى جهة فعليك بالقرعة، والنبي عليه الصلاة والسلام سنه لنا، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ - يعني نزلت آيات الحجاب، فصار على السيدة عائشة أن تستر وجهها - فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ - الهودج شبه غرفة صغيرة جدا توضع على الناقة - وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ - أيْ في طريق العودة - آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ - معنى آذن أيْ كلف النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من المسلمين أن يعلم كل من في هذه الغزوة أن يستعدوا للرحيل، آذن أيْ أعلم - فَقُمْتُ حَينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي - لاحظوا العبارة اللطيفة - أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ - هذا عقد ظفار، نوع من أنواع الأحجار الكريمة - فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي - جاء رهط ليحملوا هذا الهودج، ويضعوه على الناقة، ويسيروا بالسيدة عائشة - فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي - رحلوه جعلوه كالرحل، و ما شعروا أنه فارغ - الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ - هنا سؤال: لِمَ لمْ يشعروا أنه خفيف وفارغ ؟ الجواب: وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ - لم يكنَّ سمينات جداً، يبدو أنها كانت نحيلة قليلة الوزن، فلما حملوا هودجها ظنوها به، فحملوا هذا الهودج، ووضعوه على الناقة وساروا - وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ - يعني ما تقيم به أودها، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه - فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ، وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ - مكان نزولي أي المكان الذي كنت أجلس فيه - فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ - طفلة صغيرة - وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَدْلَجَ - دخل في عتمة الليل - فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، معنى استرجع قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، وحوقل قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحل قال: سبحان الله، دمعز قال: أدام الله عزك، هلل قال: لا إله إلا الله، كبر قال: الله أكبر - فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي - غطيت وجهي بعدما نزلت آية الحجاب - فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَ وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ.
 هذه هي القصة كلها - وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا - شكت مرضا ألم بها - وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي - الذي دعاني إلى الشك - أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي - تغير، فقد كان ألطف بكثير - إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ- هذه المرة إذا دخل يسلم، ولكن بحالة أقل لطفا من ذي قبل - ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْنِي سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ ؟ فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَوَ لَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا ؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي.
 وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه، وشاورهم في الأمر - فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي، يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي - والصحابة طبعا وقفوا مواقف مشرفة من هذه الخطبة، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ:

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾

 قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى - ما كانت تصدق ذلك ـ وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا - كل ظنها أن النبي يرى رؤيا، قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ - رام يعني ترك مجلسه - وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ - يوم من أيام الشتاء - مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَكِ، فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ … ﴾

 الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ ))

[البخاري، مسلم، النسائي، أحمد ]

 هذا الحديث في قصة الإفك، وبفضل الله تعالى وكرمه سوف نبدأ في الدرس القادم بتفسير آيات الإفك، وأردت أن تكون القصة من كتب الحديث الصحيح كما روتها السيدة عائشة أساسا لتفسير آيات الإفك، وهذه الآيات لها مساس في حياتنا جميعا، فحينما تتلى آيات في كتاب الله عن قصة ما، فليست القصة هي المقصودة، بل المقصود الأحكام التي يجب أن تستنبط من هذه الآيات في تعاملنا مع بعضنا البعض، فعلى كلّ واحد منا أن يضع هذه القصة نبراسا له في علاقته مع إخوانه المؤمنين.