الدرس : 03 - سورة النور - تفسير الآيات 3 – 5

1988-10-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة النور، في الدرس الماضي تم بفضل الله عز وجل شرح بعض المعاني من الآية الكريمة:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

(سورة النور: الآية 2)

 وآية اليوم:

 

﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

(سورة النور)

الحكمة من ورود الزاني قبل الزانية في هذه الآية:

 الشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى بدأ في هذه الآية:

﴿وَالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾

 بدأ بالزانية، وفي الآية الثانية:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾

 بدأ بالزاني.
 قال بعض العلماء: إن الزانية في الآية الأولى قدمت على الزاني لأنها الأصل في عملية الزنى، فهي التي أظهرت مفاتنها، وهي التي قالت له: هيت لك، وهي التي كانت السبب في الزنى، ولكن جاء الزاني في الآية الثانية مقدما على الزانية لأن الرجل في عقد النكاح هو الأصل، وهو الذي يطلب، إذا حملنا كلمة ينكح بمعنى عقد الزواج، ففي القرآن الكريم وردت كلمة النكاح بمعنى عقد الزواج، وقد ذكر بعض العلماء أن كلمة النكاح تعني عملية اللقاء، فلذلك الزاني هنا قدم على الزانية لأنه إذا كان النكاح هو عقد الزواج فالرجل فهو الأصل، فهو الذي يطلب، لذلك قدم الزاني على الزانية.
 شيء آخر:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

الكلام البلاغي خبرٌ وإنشاء:

 من أجل أن يكون التفسير واضحا فلابد من وقفة بلاغية، فالكلام عند علماء البلاغة خبر وإنشاء.

1 – الإنشاء:

 الإنشاء هو الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والحض، والنداء، هذه الأساليب تسمى أساليب الإنشاء، لأن هذا الكلام لا يحتمل الكذب أو الصدق، مثلا لو أنك سألت إنساناً: كم الساعة ؟ هل له أن يقول لك أنت كاذب ؟ لا يمكن أن يقال للسائل: كاذب، ولا للمستفهم، ولا للذي يأمر، ولا للذي ينهى.

 

2 – الخبر:

 أما إذا قلت: أنا عندي مئة ألف ليرة فهذا خبر، والخبر يحتمل الصدق والكذب، فربنا عز وجل أحيانا يأتي بالكلام على صيغة الخبر، وهو يريد النهي.
 هذا المعنى دقيق يوضح بمثل منتزع من حياتنا اليومية: لو أن أبا قال لابنه لا تأت بعد الساعة العاشرة، إنه ينهاه عن أن يأتي بعد هذه الساعة المتأخرة، فهذا نهي، ولكن النهي يفيد أنه بإمكان هذا الولد أن يأتي قبل الساعة العاشرة، أو بعد الساعة العاشرة، والنهي يحتمل تصور وجود المنهي.
 إذا قال المدير لموظفيه: لا تتأخروا، معنى ذلك أن التأخر واقع منهم، إنه من الممكن أن يتأخروا، فنهاهم عن التأخر، فالنهي من لوازمه أنه يفيد احتمال وقوع المنهي، فإذا قلت لإنسان: لا تأكل كثيرا، معنى ذلك أن من عادته أن يأكل كثيرا، فهذا الأب الذي قال لابنه: لا تأتِ بعد الساعة العاشرة، فهو ينهاه أن يأتي بعد هذه الساعة، لأن احتمال مجيئه بعد هذه الساعة قائم، أما إذا قال الأب لابنه: أنا ليس عندي أحد يأتي بعد الساعة العاشرة، فهذا الكلام خبر، ولكن هذا الكلام الخبري صيغ على طريقة تفيد النهي، ولكن لا يلزم من هذا الكلام أن هناك احتمال أن يأتي هذا الابن متأخراً، فربنا عز وجل أحيانا يسوق النهي على شكل خبر، مثلا قوله عليه الصلاة والسلام:

 

 

((لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ولا عَلَى خَالَتِهَا))

 

[البخاري، مسلم عن أبي هريرة، والترمذي عن ابن عباس]

 فهذا خبر يفيد النهي، وقوله صلى الله عليه وسلم:

 

((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً))

 

[البخاري، الترمذي، النسائي]

 وهذا خبر يفيد النهي أيضًا.

 

أهمية معرفة الخبر والإنشاء في فهم آيات الله:

 

 وهذا الموضوع ؛ أن تعرف أن الكلام خبر وإنشاء مهم جدا في فهم آيات الله، الإنشاء هو الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والحض، هذه كلها أساليب الإنشاء، وما عداها فهي أساليب الخبر، فربنا عز وجل قال:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾

 هذا خبر.
 أمّا قول عز وجل:

﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

(سورة الإسراء: الآية 32)

 فهذا إنشاء، لأنه بطريق النهي.
 فقوله:

 

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾

 خبر، لكنه حُمِل على الإنشاء، لأنه يفيد المبالغة، فإذا أردت أن تنهى فنفيت على أسلوب الخبر، فهذا أبلغ في النفي، فإذا قلت لابنك: ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة العاشرة، فهذا خبر محمولٌ على النهي، وهو أبلغ في النهي، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾

 يتضمن حكمًا دقيقًا جدا، وهو أن المتعاطِفَيْنِ لا بد من علاقة بينهما، فالإنسان يقول مثلا: اشتريت بيتاً وأرضاً، ولا يقول: اشتريت بيتاً وملعقةً، فلا تناسبَ بينهما، لابد من التناسب بين المتعاطِفَيْنِ، اشتريت بيتاً ودكاناً، دكاناً ومركبةً، مركبةً وبيتاً، أما إنه يمكنك القول: اشتريت ملعقة مثلا وكأساً، اشتريت قميصاً وسروالاً، فلابد من التناسب بين المتعاطِفَيْنِ، فربنا سبحانه وتعالى قرن بين الزنى وبين الشرك، فجعله كالزنى، وقبح الزنى، فجعله كالشرك، من هنا جاء التعاطف:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾

تفسير الآية ومعانيها:

 فهذه الآية لها عدة معان، وقد اختلف العلماء في تفسيرها.

التفسير الأول: خبرٌ للمبالغة:

 بعضهم قال: هذا نهي جاء على شكل الخبر للمبالغة، وكأن الله سبحانه وتعالى ينهانا أن نعقد زواجا بين زانٍ وبين عفيفة، أو بين زانية وعفيف، وبين رجل مؤمن عفيف وبين زانية، أو مَن هي أسوأ حالاً منها، وهي المشركة، ونهانا أن نعقد زواجا بين امرأة مسلمة عفيفة، وبين زان، أو من هو أقبح حالا منه، وهو المشرك، فالمعنى الأول المستفاد من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى ينهانا على أن نعقد زواجا بين مسلم عفيف، وبين زانية مشركة، فهذا الزواج باطل، لذلك هذا موضوع خلافي بين الفقهاء، والحديث فيه يطول، ويرجع إليه من شاء ذلك إلى كتب الفقه، بل إلى كتب الفروع، هذا هو المعنى الأول.
 يؤكد هذا المعنى قراءة وردت على لسان بعض الصحابة: الزَّانِي لاَ يَنكِحْ: بجزم ينكحْ، فإذا كانت على الجزم جاءت ( لا ) ناهية، بمعنى النهي، لكن قراءة حفص عن عاصم:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

التفسير الأول: خبرٌ للتقبيح:

 عندنا معنى آخر لهذه الآية، وهو أنها خبر، كما قلت قبل قليل، ولكن يفيد التقبيح، أيْ ليس من المستحسن، وليس من اللياقة أن ينكح الزاني عفيفة، وليس من المعقول أن تنكح الزانية عفيفاً، فهذا خبر ساقه الله عز وجل على سبيل تقبيح هذا الفعل، لا على سبيل التحريم.
 المعنى الأول خبر ساقه الله عز وجل على سبيل التحريم، والمعنى الثاني خبر ساقه الله عز وجل على سبيل التقبيح، أيْ يقبح أن يتزوج المرأة الزانية رجل عفيف، هذا الشاب طاهر، حياته نظيفة نقية، ليس في حياته زنى، الزانية امرأة خسيسة، امرأة قذرة، امرأة حادت عن الطريق الصحيح، فكيف تستقيم الحياة بين رجل عفيف، وبين امرأة زانية ؟ وكيف ينسجمان ؟ شيء قبيح بالإنسان أن يقترن بزانية، وهو العفيف، أو بالعكس، فقبيح بالمرأة العفيفة أن يقترن بها إنسان زان، فالمعنى الثاني حمل لا على التحريم، بل على التقبيح، أيْ ليس من المعقول ذلك.
 الحقيقة أن الحياة الواقعية فيها أمثلة كثيرة، الشيء الثابت أنه قد يتزوج الزاني امرأة عفيفة، وقد تتزوج الزانية شابا عفيفا.

 

التفسير الثالث: على معنى ( ينبغي ):

 هذا التحريم محمول بالمعنى الثالث على أنه " ينبغي"، فمثلا ربنا سبحانه وتعالى قال:

 

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

[النور: من الآية 26]

 فإذا فهمت هذه الآية على أن هذا الشيء واقع مائة بالمائة فقد تفاجأ بامرأة طاهرة زوجها غير طاهر وقد تفاجأ بإنسان طيب وله زوجة غير طيبة، الواقع على عكس ذلك، فلما قال ربنا عز وجل:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

 معنى ذلك: أي أنتم يا عبادي احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، أو ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، فإذا جاء الخبر مخالفا للواقع فهو محمول على كلمة ينبغي.
 ولو أنك قلت للناس: قال الله تعالى:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

 فهذه قاعدة ثابتة لا تخطئ، فقد تُفاجأ بامرأة مسلمة مصلية صائمة ورعة، لها زوج يشرب الخمر، هل نقول: إنّ القرآن باطل ؟ لا ! القرآن حينما قال:

 

﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾

 أراد أن يوجهنا إلى أن نزوج فتياتنا الطيبات رجالاً طيبين، ويوجهنا أيضا إلى أن نزوج شبابنا الطيبين فتيات طيبات، هذا توجيه أخلاقي اجتماعي، لذلك حينما تأتي الآيات ذات الطابع الخبري مخالفة للواقع، فهذه آيات اسمها آيات متشابهة مشكلة، فالعلماء لهم في توجيهها هذا التوجيه الرائع، أيْ ينبغي يا عبادي أن يكون الطيبون للطيبات.
 مثلا: قال الله تعالى في البيت الحرام:

 

﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾

(سورة آل عمران: من الآية 97)

 أي هذا البيت الحرام لا يمكن أن تقع فيه مشكلة، فلما وقعت مشكلة قبل سنوات شكك بعضهم في كتاب الله، هذه الآية معناها: يا عبادي اجعلوا هذا البيت آمنا، هذا خبر ساقه الله بمعنى ينبغي، أيْ ينبغي أن يكون آمنا، واجعلوه آمنا، هذا فهم دقيق لقوله تعالى:

﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾

 وقوله سبحانه:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

 وقوله:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾

 المعنى الثالث: خبر ساقه الله عز وجل ليقبح هذا الزواج، الذي فيه تناقض بين الزوج وبين الزوجة، الزوجة في واد، والزوج في واد آخر، من هنا استنبط علماء الفقه موضوع الكفاءة، فلا يتم الزواج، ولا ينجح، ولا يستقر إلا إذا كان هناك كفاءة بين الزوجين، فلا ينبغي للزوج البعيد عن الدين أن يقترن بزوجة صاحبة دين، لأنه هو بعيد عن هذه الأجواء، بعيد عن جو القرآن، عن جو الصلاة، عن جو الصوم، عن أجواء الطهر، عن أجواء الفهم، عن أجواء العقيدة، عن أجواء الصلة بالله عز وجل، فإذا قامت لتصلي ينهرها، ويوبخها، ويسخر منها، حينما يسخر منها تنزعج منه، وتنكمش، فلا ينجح الزواج إلا إذا كان هناك انسجام، وتوافق بين الزوجين على المستوى الديني، وعلى المستوى الاجتماعي، وعلى المستوى الاقتصادي، وعلى المستوى الثقافي، فكلما كان هناك تقارب بين الزوجين على مختلف الأصعدة - إن صح التعبير - ينجح الزواج، فهذا المعنى الثالث لقوله:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾

 أي لا يليق بالعفيف أن ينكح زانية، كما لا يليق بالعفيفة أن ينكحها زان.
 أول معنى على التحريم خبر جرى مجرى التحريم، والمعنى الثاني خبر جرى مجرى التقبيح، وخبر يعد كالخبر الحقيقي، تقول أحيانا: الشيخ لا يصبو، ليس من عادة الشيخ أن يصبو، أي أن يحب، والسلطان لا يكذب، ليس من عادة السلطان أن يكذب، فهذا خبر جاء محض خبر، من عادة الزاني أنه لا يطرب إلا للزانية، ومن عادة الزانية أنها لا ترضى إلا بالزاني، هنا جاء الخبر على معناه الحقيقي، فالمعنى الثاني جاء الخبر على معنى التقبيح، وفي المعنى الثالث جاء الخبر ليخبرنا أنه في الأعم الأغلب الزاني لا ترتاح نفسه إلاّ للزانية، لا ينسجم إلا مع الزانية، والزانية لا تقبل إلا بالزاني.
 هذه المعاني المنوعة في هذه الآية تفيد التحريم أحيانا، وتفيد التقبيح أحيانا، وتفيد تقرير عادة في المجتمع أحيانا أخرى، وتفيد الإخبار بشكله الطبيعي.

وَحُرِّمَ ذَلَكَ عَلَى الْمُؤْمِنينَ

الإيمان مرتبة علمية:

 أي الزنى محرم على المؤمنين، فالإيمان كما قال الحسن البصري:

(( لَيس الإيمانُ بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلبِ، وصدَّقَه العملُ ))

[مصنف أبي شيبة، والبيهقي في شعب الإيمان]

 بنية المؤمن بنية عالية الإيمان، مرتبة علمية، ما اتخذ الله وليا جاهلا، لو اتخذه لعلّمه، فالمؤمن مستقيم على أمر الله، وكفاك بالاستقامة علما، فَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

 

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ ))

 

[شعب الإيمان للبيهقي، حلية الأولياء]

 فالإيمان مرتبة علمية لا يمكن لإنسان مستقيم إلا أن يكون على شيء من العلم، عرف أن له رباً، عرف أن هذا يجوز، وهذا لا يجوز، هذا حق، وهذا باطل، هذا خير، وهذا شر، هذا سأحاسب عليه، وهذا لا أحاسب عليه، هذا مباح، هذا فرض، هذا حرام، هذه سنة مؤكدة، غير مؤكدة، مستحب، مكروه كراهة تنزيهية، كراهة تحريمية، فهذا المستقيم على أمر الله على جانب من العلم قطعا، فالإيمان مرتبة علمية، أو لقب علمي، وفي الوقت نفسه مرتبة أخلاقية، فإذا قلت: مؤمن أخلاقي أيْ مؤمن صادق، مؤمن مستقيم، مؤمن منصف، مؤمن لطيف، فالإيمان مرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، المؤمن له أذواق، وله سعادة، لا يعرفها إلا من ذاقها، لأن ربنا عز وجل يتجلى على قلبه تجليات الرحمة، فقلبه مفعم برحمات الله عز وجل، لذلك فهذه الآية تفيد أنه لا ينبغي أن يقترن الزاني إلا بالزانية، أما أن يتزوج الزاني العفيفة، أو أن تتزوج العفيفة بالزاني، فهذا من بعض المعاني محرم، ومن بعض المعاني غير مقبول ذوقا، ومن بعض المعاني لا يقع في العادة.

آية القذف: حِكمتُها وأحكامها:

 الآن عندنا آية سماها العلماء آية القذف، كيف لو أنك أمسكت بحجر كبير، وقذفت به إنسانا على رأسه، فأرديته قتيلا، فالذي يتهم امرأة عفيفة مسلمة بالزنى كأنه رماها بحجر، فهشم رأسها، لأن المرأة أثمن ما تملكه سمعتها، وعرضها، فإذا رميتها بالزنى فكأنك رميتها بحجر أصاب منها مقتلاً، لذلك لو أن الشرع تساهل في أمر القذف لصارت أعراض الناس كالكلأ، ترعاه البهائم، فكل إنسان متهم في عرضه، وكل امرأة متهمة، فالإنسان يشك أحيانا أن هناك حالات لو أن الإنسان افترى على امرأة مسلمة عفيفة، واتهمها بالزنى، وتناقل الناس هذا الخبر حتى وصل إلى ذويها، وكان في أهلها أناس منفعلون، لهم انفعال شديد، ربما أقدموا على قتلها، وهي بريئة، فدرءاً لهذه الفتن، ودرءاً لهذه السمعة السيئة، ودرءاً لهذا التشكيك في أعراض الناس، ودرءاً لهذا الخراب في البيوت، ودرءاً لهذا الإرجاف في المدينة، درءا لهذا كله شرع الله سبحانه وتعالى حد القذف، فقال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

(سورة النور)

معنى الرمي:

 الرمي في أصل اللغة القذف بشيء صلب، فربنا عز وجل حكيم في كلامه، فلم يقل: والذين يرمون المحصنات بالزنى، لأن سياق الآيات عن الزنى:

﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾

تعريف المحصَنة:

 المحصنات صفة مشتقة من الإحصان، والإحصان هو المنع، والمحصَن بالفتح هي المرأة أو الرجل الذي يمتنع عن الزنى لعفته، ولعلمه، ولشرفه، ولعقله.

1 – الإحصان بالعفاف:

 قال العلماء: الإحصان بأربعة أشياء: الإحصان بالعفاف، فالعفة إحصان.

 

2 – الإحصان بالإسلام:

 هناك إحصان بالإسلام، فالمسلم محصن.

 

 

3 – الإحصان بالحرية:

 هناك إحصان بالحرية.

 

 

4 – الإحصان بالتزويج:

 وهناك إحصان بالتزويج، فالمتزوج محصن، والمسلم محصن، والعفيف محصن.

 

 

معنى الإحصان في الآية:

 

 لكن هنا الإحصان يغلب عليه معنى العفة من أن يزني، فربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾

 الرمي فعل مادي، فالكلمة قد تكون غير مادية، لكن ربنا عز وجل جسد الحادثة بشكل مادي، وكأن هذا الذي يرمي المرأة العفيفة الطاهرة قد أمسك بحجر كبير، ورماها به، فهشم رأسها، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَنْ قَذَفَ مُحْصَنَةً يَهْدِمُ عَمَلَ ثَمَانِينَ سَنَةٍ ))

 

[الفردوس بمأثور الخطاب عن أبي هريرة]

صور القذف:

 والآية تنص على أن الذي يرمي امرأة، الرامي رجل، والمرمي امرأة، لكن العلماء قالوا: هذه الآية تتسع لأربع صور:
 1 – الصورة الأولى: رميُ الرجلِ المرأةَ:
 2 – الصورة الثانية: رميُ المرأةِ الرجلَ:
 3 – الصورة الثالثة: رميُ الرجلِ الرجلَ:
 4 – الصورة الرابعة: رميُ المرأةِ المرأةَ:

 قد يرمي رجل امرأة بالزنى، وقد ترمي امرأة رجلا بالزنى، وقد يرمي رجل رجلا بالزنى، وقد ترمي امرأةٌ امرأةً بالزنى، فكل هذه الحالات تنطبق عليها هذه الآية، فلو أن امرأة اتهمت رجلا بالزنى لأقيم عليها الحد، وجلدت ثمانين جلدة، ولو أن امرأة اتهمت امرأة أخرى بالزنى لجلدت ثمانين جلدة، ولو أن رجلاً اتهم آخر بالزنى لجلد ثمانين جلدة، فموضوع القذف يشمل كل الحالات: امرأة رجل، رجل امرأة، امرأة امْرأة، رَجل رجل، لكن لو أن إنسانا فاجرا من عادته أن يزني، وهو لا يتورع عن الزنى، بل لا يتورع أن يخفي ذلك عن الناس، ورميتَه بالزنى فلا حد عليك، لأن الفاجر كما قال الحسن:

((ثلاثةٌ لا غيبةَ لهم ؛ صاحبُ هوى، والفاسقُ المعلنُ، والإمام الجائر))

[فيض القدير، والتاريخ الكبير للبخاري]

 هذه ملاحظة.

﴿وَالَّذيِنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾

 أيْ هؤلاء النسوة الطاهرات العفيفات المسلمات المؤمنات المحصنات، هؤلاء الذين يرمون هؤلاء النسوة عليهم حد خطير.

 

متى يجب حدُّ القذفِ ؟

 

﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾

 متى يستوجب حد القذف ؟ أن يقذف الرجل امرأة، ويعجز على أن يأتي بأربعة شهداء.
 أولاً: ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

الحكمةُ مِن شهادة الرجل دون المرأة في الحدود:

 

﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾

 وما قال: بأربع شهداء، لو قال بأربع شهداء لقبلت شهادة المرأة في الزنى، لكنه في الحدود، في حد الزنى، في حد السرقة، في حد الخمر، في الحدود، لا تقبل شهادة امرأة في المعاملات العادية:

﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾

[سورة البقرة: الآية 282]

 لأن هذا الحد خطير قد يكون هناك رجم، قد يكون هناك جلد، فيه فضيحة، فيه تشهير، لابد من أن يكون أولاً أربعة شهود، في بعض الحالات يكفي شاهد واحد، هذا موضوع الشهادة موضوع طويل، في الفقه حالات بالتعامل يكفي شاهد واحد، وفي حالات لابد من شاهدين، لكن في حالة الحدود لابد من أربعة شهداء، وأن يكونوا حصراً من الرجال، الآن من قذف ذمية - غير مسلمة - بالزنى، ولها ولد مسلم يقام عليه حد القذف مراعاة لابنها المسلم، لأن هذا الذي يرمي ذمية بالزنى سبب العار لابنها، ومن قذف ذمية لها زوج مسلم يقام عليه الحد مراعاة لزوجها، فهناك دقة بالغة في الأحكام الشرعية.

﴿وَالَّذيِنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾

الشروط الواجب توفرها في الشهود:

البلوغ والعقل والاختيار والعدالة والعلم بالتحريم

 من هنا يبدو أن الإنسان الذي يرمي يجب أن يكون بالغاً، ولا بد أن يكون عاقلا، فلو أن مجنونا قذف امرأة لم يُقَمْ عليه الحد، ولا بد من أن يكون مختاراً، لو أكره على أن يقول كذا وكذا لم يُقَمْ عليه الحد، ولا بد أن يكون عالما بالتحريم، يجب أن يكون بالغا، عاقلا، مختارا، عالما بالتحريم حتى يُعَدَّ موضعا لإقامة الحد، فالآيات الكريمة تكون موجزة، لكن الفقهاء بمقارنة هذه الآيات مع آيات أخرى متعلقة بشروط التكليف استنبطوا هذه القواعد، قال العلماء:  من يقذف صبيا، ويتهمه بالانحراف الأخلاقي أقيم عليه حد القذف، لأن هذا الصبي له أهل، وسمعة، فلمجرد أنك رأيته خرج من بيت قد يكون بيت أخته، فمن أجل أن يكون الإنسان دقيقاً جداً لا يستطيع أن يشيع خبر الزنى، أو الانحراف إلا إذا كان متأكدا من أربعة شهود، وألا يقام عليه حد القذف.
 وفي الدرس قبل الماضي ذكرت لكم كيف أن امرأة كانت تغسل امرأةً ميتا، وفجأة التصقت يدها في جسد، حيث استحال أن تنزع هذه اليد عن هذا الجسد، وحار أهل الميت ؛ أيقطعون جزءاً من لحمه، أم يقطعون يد الغاسلة، وقالوا كما هو معروف: لا يفتى ومالك في المدينة، عرضوا على الإمام مالك هذه الواقعة فقال: هذه الغاسلة اتهمت المرأة الميت بالزنى، ولذلك اجلدوها ثمانين جلدة، ويروى أنه مع الضربة الثمانين نزعت يدها من جسد الميت، فالإمام الغزالي في الإحياء يقول: " هناك غيبة القلب"، فالإنسان لو لم ينطق بلسانه فهناك حالات إذا حدثته نفسه بكذا باطلا، وظلما فلابد أن يعاقب، لأنه من أحسن الظن بأخيه فكأنما أحسن الظن بربه، ومن حق المسلم على المسلم أن يصون دمه، وماله، وألاَّ يقع فيه بغير بينة، فهؤلاء الشهود يجب أن يكونوا من أهل الشهادة، وتعلمون أن رواية الحديث علمتنا علماً دقيقاً، هو أنه لا يصح لإنسان أن يروي الحديث الشريف ما لم يكن عدلا، وثقة، الثفة والعدل، العدل والأهلية، العدالة صفة نفسية، تعني أنه لا يكذب، والدقة، والثقة، والضبط صفة عقلية، فمن أجل أن تروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلابد أن تتأكد من أن هذا الإنسان يتمتع بالعدالة، وبالضبط.

 

اختلاف الأئمة في شرط العدالة:

 

 أما موضوع الشهادة بين الناس في أحوال الناس ومعايشهم فقال العلماء: " يكفي أن يكون هؤلاء من أهل الشهادة"، ومن هم أهل الشهادة ؟ بعضهم قال: هم أهل العدالة، أيْ إنسان لا يكذب، إنسان ما جُرّب عليه كذب قط، ما جربت عليه خيانة، ما جرب عليه انحراف، هؤلاء أهل الشهادة، ولكن أن يكون الشهود من أهل العدالة، أو لا يكونون، فهذا موضوع خلافي بين الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، فإذا جئت بأربعة شهود شهدوا أن هذه المرأة زانية، فهؤلاء الشهود ينبغي عند الإمام الشافعي أن يكونوا من أهل العدالة، مستقيمين، لكن الإمام أبا حنيفة لم يشترط أن يكون من أهل العدالة، لأنه يصعب ذلك، فلو فرضنا أننا نريد أن نحاسب الناس حساباً دقيقاً جداً لتعطلت الشهادة في العالم الإسلامي، هذا رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾

 لاحظوا حدَّ جريمة الزنى، غير المحصن يجلد مئة جلدة، وجريمة القذف يجلد القاذف ثمانين جلدة، فهناك فرق بسيط جدا بين حد الزنى وحد القذف، لأنكم تحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم.

 

ما يترتب على القذف:

 

1 - سقوط شهادة الشهود:

﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾

 هذا عقاب آخر، الحقيقة حد القذف ثلاثة أنواع ؛ أول نوع: الجلد على مرأى من الناس في ساحة عامة بين جمع غفير من المؤمنين، والحد الثاني:

﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾

 هي الآن تقريبا مثل شهادة السوابق - لا حكم عليه - محكوم بقذف امرأة محصنة، فشهادته غير مقبولة، وفَقَدَ حقه، وفَقَدَ اعتباره، ومكانته، هذا محدود بحد القذف، ويكتب على صحيفته: " محدود بحد القذف، شهادته غير مقبولة".

 

2 - دَمغُهم بالفسق:

 

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 وهؤلاء دمغوا بالفسق، فلو أنك قلت: عنه إنه فاسق فلا شيء عليك، ويجب أن يشيع بين الناس أنهم فاسقون، ويجب أن ترفض شهادتهم، ويجب أن يقام عليهم الحد.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 لقد دمغ ربنا عز وجل هؤلاء بالفسق والفجور، وأنك إذا قلت عنهم أنهم فاسقون فلا شيء عليك، فالله سبحانه وتعالى بيّن أنهم فاسقون، قولا واحدا.

 

هل ينصرف الاستثناء إلى الأقسام الثلاثة ؟

 

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

 هذه الآية فيها دقة بلاغية، وهي أن الاستثناء هل ينصرف إلى الأقسام الثلاثة، فإذا قذف الإنسانُ امرأة محصنة، ثم تاب هل يعفى من إقامة الحد ؟
 الجواب:
 لا ! لماذا ؟ لأن الحقوق في المجتمع الإسلامي نوعان حق الأفراد، وحق الله عز وجل فلو أن المقذوف عفا، وقال: أنا عفوت عنك، لقد قذفت زوجتي، والزوجة عفت فهل عفو الزوجة يمنع إقامة الحد ؟
 الجواب:
 لا ! هذا حق الله عز وجل، وليس حق المقذوفة، فلو أن المقذوفة ماتت قبل أن يقام على المقذوف الحد هل يعفى من الحد ؟ لا ! في النظام الغربي جريمة الزنى لا يمكن أن تحرك بها قضية في القضاء إلا بطلب من الزوج، أو من المزني بها، فلو أن الزوج أسقط حقه في المرافعة، ولو أن المرأة أسقطت حقها لم تحرك دعوى ضد الزاني أبدا، أما في الإسلام فهناك حق الله عز وجل، فعفو المقذوفة لا يعفي القاذف من حد القذف.
 إذًا:

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ﴾

 هذا الاستثناء لا ينسحب إلى القسم الأول.

﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾

 لو أنهم تابوا فلابد أن يقع عليهم الجلد.
 لكن القسمين الثاني والثالث ربما صلح أن ينسحب عليهم الاستثناء:

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾

متى تُقبَل شهادة القاذف بعد توبته ؟

 هؤلاء إذا تابوا يمكن أن تقبلوا لهم الشهادة، لكن متى ؟ أوجه رأي قاله بعض العلماء:

1 – الاعتراف بافتراء التهمة:

 إن الذي يقذف امرأة محصنة لا يستعيد اعتباره الإسلامي في المجتمع إلا بعد أن يعترف بأنه كاذب بهذه التهمة، الذين قال أمامهم جميعا يجب أن يعترف أنه كان كاذبا في هذا الموضوع، إذا قال القاذف: إنه كان كاذبا، وإن هذه المرأة التي اتهمها بالزنى هي امرأة بريئة عفيفة حَصان.

 

2 – مُضيّ عام لإثبات صلاحه:

 ويجب أن يمضي عليه عام حتى يثبت صلاحه، بعدئذ تقبل شهادته، ولا تقبل شهادة القاذف إلا بعد أمرين ؛ أن يعترف بأنه كاذب، وأن يصرح بأن هذه المرأة التي اتهمها بالزنى امرأة عفيفة، وأن يمضي عام بأكمله يثبت للناس صلاحه، عندئذ يسترد حقه في الإدلاء بالشهادة تطبيقا لهذه الآية:

 

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾

 وقد حمل بعض العلماء أن يقول للناس: إنه كاذب، وإن هذه المرأة شريفة وعفيفة من قوله تعالى:

 

﴿وَأَصْلَحُوا﴾

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(سورة النور)

 أما أن ينسحب الاستثناء على الآية القسم الأخير:

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

 فهذا قول ثابت، فالاستثناء إما أن ينسحب على آخر جزء، وإما أن ينسحب على كل الأجزاء، فانسحابه على آخر جزء قطعي، فحينما يتوب الإنسان، ويصلح لم يعد فاسقا، لكن هل تقبل شهادته ؟ تقبل بعد الإصلاح، بعد أن يعترف بكذبه، ويعترف بطهارة هذه المرأة، وبعد أن يمضي عام يثبت صلاحه، أما الجلد فلا يتعلق بهذا الاستثناء أبدا لو تاب.
 لو أنه تاب إلى الله توبة نصوحا فلا بد أن يقوم عليه حد الجلد، أو حد القذف، لأن هذا حق الله عز وجل، كل العلماء انقسموا حول هذه الآية قسمين: بعضهم غلّب حق الله على حق العبد المقذوف، وبعضهم غلّب حق المقذوف على حق الله، لكن الذين غلبوا حق الله على حق العبد المقذوف كانوا أقرب إلى الحقيقة، لأن الله سبحانه وتعالى ولي الذين آمنوا، فهذا المقذوف عفا أم لم يعف فلابد أن يقام عليه الحد، فالإنسان دقيق، فالناس أحيانا في سهراتهم ونزهاتهم ولقاءاتهم يتحدثون عن فلانة، وعن فلانة، فلو كان الإنسان يحاسب حساباً دقيقاً وفق هذه الآية يجب أن يجلد معظم الناس، كيف تخوض في أعراض النساء، كيف تتهم فلانة أنها زانية، كيف تشير بإصبعيك، كيف تنفض ثوبك وتقول: لا أدري، هذا قذف أساسا، القذف ليس باللسان فقط، باللسان، وبالحركة، وبالعبارة.

 

جلد الشهود عند عدم استكمال الأربعة:

 

 لو أن هذا القاذف تمكن أن يحضر ثلاثة شهود على أن هذه المرأة زانية يقام عليه الحد، ويجلد الشهود على أنهم قاذفون أيضا، فيجب أن يكونوا أربعة، فإذا كانوا ثلاثة يُجلَدون كلهم، فهذا كان شاهداً، فلما لم يستكمل النصاب أصبح قاذفا، ويقام عليه حد الجلد صونا لحق المرأة العفيفة.
 ثلاثة شهود جاؤوا ليدلوا بشهادتهم، إذاً يبطحون على الأرض، ويجلدون، لأن الرابع لم يأت معهم.
 أما كلمة:

﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾

إقامة الحدود منوطة بالسلطان حصرًا:

 فكما قلنا في الدرس الماضي هذا خطاب موجه إلى عامة المسلمين، ممثلين في أولي الأمر، فليس على آحاد المسلمين أن يقيموا هذا حد الجلد، هذا الحد من اختصاص أولي الأمر، وليس من اختصاص آحاد المسلمين أن يمسك السياط، ويضرب زانيا أو قاذفا، بأنك تريد أن تقيم حد الجلد، أو حد القذف، هذا كلام مرفوض، لا يقيم حد القذف إلا أولو الأمر لقوله تعالى:

﴿فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾

 كما قلت قبل قليل: لو أن أولي الأمر وصل إلى علمهم أن فلانًا يقذف فلانة، ويتهمها بالزنى فعليهم أن يقيموا الحد، سواء أطلب المقذوف ذلك أم لم يطلب، الذي يهمنا من هذه الآية أن المجتمع الإسلامي يجب أن يكون نظيفاً، بل يجب أن تكون الثقة شائعة فيه، فلو سمحنا للناس أن يتهم بعضهم بعضا من دون قيد أو شرط لأصبح الشك هو الأصل، نحن عندنا قاعدة أساسية: الإنسان بريء ما لم يتهم، فالأصل أن الإنسان بريء، والأصل أن الإنسان عفيف، وأن الإنسان طاهر، وأنه مستقيم، فإذا أردت أن تتهمه فيجب أن تقيم على ذلك الدليل القطعي، وإلا فهناك عقاب وبيل، فهذه الآية تردع الناس عن أن يلغطوا في أعراض المسلمين والمسلمات وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))

 

[أخرجه الترمذي، ابن ماجه]

 لكن ثمة حالات سوف نراها في الدرس القادم، فاجأ زوجته فإذا هي في موضع الزنى، فهل عليه أنْ يُحضر أربعة شهداء ؟! هذا مستحيل، لذلك عندنا آية اسمها آية الملاعنة، هذه نشرحها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ﴾

[سورة النور: 6-9]

تحريم رواية أخبار اللقاءات وقصص الخلاعة:

 بقيت نقطة واحدة، وهي أن الإسلام من خلال هذه الآية حرم قذف المحصنات توصلا إلى تحريم رواية أخبار اللقاءات، والزنى، وما شاكل ذلك، هذه الأخبار من شأنها إذا شاعت بين الناس أن تشجع الناس على الزنى، فرواية الأخبار في البلاد الأجنبية هذه الموضوعات تطرق في وسائل الإعلام، في الصحف، في المجلات كثيرا، إلى أن يظن الإنسان أن هذا شيْء مألوف، ليس من آداب المسلم ترويجُ قصة إذا كان بالحارة، وسمع بقضية زنى، بقضية لا أخلاقية، ولو كان بشكل صحيح، بشكل غير مبالغ به، هذا يلفت نظر الشاب، أحيانا يدخل في روعه أن الناس هكذا، أن هذا الشيء مباح، فلئلا تكون هذه القصص منتشرة ورائجة في المجتمع الإسلامي جُعل حد القذف، غير أنه صونًا للأعراض وللأنساب، ودفعا للشك، والريب، وصونًا للدماء من أن تهدر ظلماً، عندنا شيء ثانٍ ؛ هذا الموضوع لا ينبغي أن يروج بين الناس، العلاقات الزوجية، موضوع فلان وفلانة، فلان دخل بيتا، كان في خلوة مع فلانة، فمثل هذه الكلمات من شأنها أن تثير العواطف، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ قَالَ:

 

((كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا))

 

[أحمد، الطبراني في المعجم الكبير، البيهقي في السنن الكبرى]

 فأيُّ كلمة أخرى غير هذه قد تثير الإنسان !!!
 قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

(سورة المؤمنون: الآيات 3-7)

 فهذه الآية من فوائدها أنها تنهى عن الخوض في هذه الموضوعات كليا، وإذا خاض الإنسان فيها ظلما فلابد من حد القذف الذي يقترب من حد الزنى.