الدرس : 2 - سورة السجدة - تفسير الآيتان 4 - 5

1991-08-23

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تذكير:

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة السجدة، في الدرس الماضي أيها الإخوة تمَّ شرح قوله تعالى:

﴿ الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)﴾

( سورة السجدة )

 هذا الكتاب ليس مفترى، بل هو من عند الله، من هو الله ؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

(سورة السجدة: آية " 4 " )

شرف الرسالة مِن شرف المرسِل:

 شرفُ الرسالة من شرف المُرسل..، لذلك " لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت ".
 فهذا الكتاب لا ريب فيه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتابٌ حكيم، كتابٌ حق، نور، هدى، بيان، لكن أخطر من هذا كلِّه، هو مِِن عند مَن ؟ من عند خالق السماوات والأرض، كلما عظم المرسِل عظمت الرسالة، كلما شرف المرسِل شَرُفت الرسالة.
 خطاب الله خالق السماوات والأرض، أراد الله عزَّ وجل أن تأخذ الكتاب بقوة، كي تعظمه، كي تبادر إلى تصديقه، كي تبادر إلى تطبيق أحكامه، كي تسعى إلى نيل ثماره، أن تعرف من الذي أرسله، الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)﴾

 

( سورة السجدة )

 من هو رب العالمين ؟

﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾

( سورة السجدة: آية " 3 " )

 من هو ربك يا محمد ؟ ومن هو ربُّ العالمين ؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

(سورة السجدة: آية 4 )

الكون المعجِز مِن خَلق الله رب العالمين:

 حتى هذه اللحظة لا يعرف أحدٌ حدودَ الكون، لا يزال الكون مجهولاً، بعض العلماء قال: " لم تبتل بعدُ أقدامُنا ببحر المعرفة "، لا زلنا على شاطئ المعرفة، فإذا كنا على شاطئ معرفة الكون فكيف بخالق الكون ؟
 مجرة حديثة اكتشفت بعيدة عنا بعشرين ألف مليون سنة ضوئية.. والضوء يقطع في الثانية الواحدة ما يزيد على ثلاثمائة ألف كيلو متر، كَم في الدقيقة ؟ وفي الساعة ؟ وفي اليوم ؟ وفي السنة ؟ فما عرفنا بعدُ حدود الكون، ولا زلنا أطفالاً نحبو، ولم تبتل بعد أقدامنا ببحر المعرفة "، كما قال الإمام الشافعي: " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي ".
 فهل تعرف أيها الأخ الكريم من الذي أنزل هذا الكتاب ؟ إنه ربُّ العالمين، ومن رب العالمين ؟ إنه خالق السماوات والأرض..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة السجدة: آية " 4 " )

 ففي المنطق هل يمكن لجهةٍ أن تعبدَها غير خالق الكون ؟

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة: آية " 21 " )

المستحق للعبادة وحده هو خالق الكون وحده:

 لعِظَم حقِّه عليكم، ولأنه الخبير، ولأنه العليم، ولأنه الرحيم، ولأنه القدير، ولأنه اللطيف، ولأن إليه المصير، فالله عزَّ وجل يريد أن يبين أن الله وحده يجب أن تعبده، لأنه هو الخالق، وهذا كتابه، خلق الكون، ونَوَّره بهذا الكتاب، إنه نورٌ مبين، خلق الكون، وجعل هذا الكتاب حجةً علينا أو لنا، حجةً علينا إن قصَّرنا قي تطبيقه، وحجةً لنا إن طبَّقناه..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

( سورة السجدة: آية " 4 " )

معنى: سِتَّةِ أَيَّامٍ

 لا شك أن اليوم المذكور في هذه الآية ليس اليوم الذي نعرفه، لأن اليوم الذي نعرفه هو ناشئٌ من دورة الأرض حول نفسها، دورة الأرض حول نفسها تُشَكِّل يوماً طبعاً مع وجود الشمس، قبل أن تُخلَق السماوات والأرض لم يكن هناك يومٌ بالمعنى الذي نعرفه، إذاً: لا شك أن هذه الأيام الستة ليست كأيامنا التي نحن فيها، لا كما قال اليهود: خلق الله عزَّ وجل الكون يوم الأحد والاثنين، والثلاثاء والأربعاء، والخميس والجمعة، واستراح يوم السبت، ليس من شأن خالق الكون أن يصيبه التعب، وأن يستريح، وليس من شأن هذا الخلق أن يكون بأيامٍ لم تُخلَق بعد، إلا أنَّ بعض العلماء قالوا: " إنَّ هذه السماوات والأرض خُلِقَت في حِقَبٍ ممتدة، حقبٍ طويلة "، فلو درست علم الجيولوجية لقالوا لك: إن الأرض مرت في نشأتها بمرحلةٍ غازيةٍ، مرحلة ملتهبة، مرحلة متجمدة، عصور مطيرة، عصور نوع من أنواع معيَّنة، فلعل هذه الأيام الستة هي مراحل طويلة تم خلالها خلق السماوات والأرض، وكأن الله عزَّ وجل هيَّأ للإنسان هذه الأرض، وجعل تهيئتها من خلال مجموعةٍ من الأيام التي هي في المعنى الدقيق حِقَبٌ طويلةٌ، تم فيها خلق السماوات والأرض، وكل ما تقرؤونه في تاريخ الأرض، وعلوم الأرض، وعلوم الجُيولوجية إنما هو تفسيرٌ وتوضيحٌ وبيانٌ لمضمون هذه الآية الكريمة، وقد قال العلماء عن القرآن: " إن فيه أصولاً للعلوم الكونية "، أصولاً وليس فروعاً..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

مذاهب العلماء في الآيات المتعلقة بذات الله:

 كلُّكم يعلَم أنَّ في القرآن الكريم آياتٌ متعلقةٌ بذات الله، مثلاً:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة الفجر: آية " 22 " )

 أين كان ؟ وأين وصل ؟ وهل ربنا يمشي ؟ وهل له مكان يحويه ؟ ليس بجسمٍ، ولا صورةٍ، ولا مُتَبَعِّضٍ، ولا متجزِّئ، ولا متلونٍ، وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.. " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لا يُسأل عنه بمتى ؟ لأنه خالق الزمان، ولا بأين هو، لأنه خالق المكان "، كيف:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

 كيف:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

( سورة الفتح: آية " 10 " )

 كيف:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ))

[ مسلم وأحمد]

 هذه الآيات المتعلِّقة بذات الله عزَّ وجل ذهب فيها العلماء أربعةَ مذاهب، مذهبان من مُعْتقد أهل السنة والجماعة، ومذهبان باطلان.

 

المذهب الأول: التفويض:

 فالمذهب الأول هو التفويض، الآيات المتعلقة بذات الله نُفَوِّض تفسيرها إلى الله، وهذا أسلم مذهب، لأن المحدود لا يمكن أن يحيط باللامحدود، ولأن الحادث لا يمكن أن يحيط بالقديم، ولأن المخلوق لا يمكن أن يحيط بالخالق، وأنت في أعلى درجات العلم، وأنت في تألُّقك العلمي قل عن هذه الآيات: لا أدري، وأنت عند الناس عالم، وأنت حينئذٍ عند الناس في أعلى درجات العلم، لا يضُرُّك أن تقول: لا أعلم، في آياتٍ متعلقةٍ بذات الله عزَّ وجل، لأن الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول، وكلُّ ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، هذا مذهبٌ أول، مذهب التفويض، نفوض أمر الاستواء إلى الله عزَّ وجل.
 سُئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: " الاستواء معلوم ـ في هذه الآية ـ والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وهذا في كل الآيات المتعلقة بذات الله..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾

( سورة النساء )

 كيف يسمع ؟ وكيف يبصر ؟ وكيف:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

 وكيف:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 وكيف:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

( سورة الطور: آية " 48 " )

 هذه الآيات المتعلقة بذات الله، المذهب الأول أن نفوض.

 

المذهب الثاني: التأويل:

 والمذهب الثاني أن ونُؤِّول، التأويل بما يليق بكمال الله، بما يليق بذات الله، بما يليق بمقام الأُلوهية والربوبية:

 

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾

 أي جاء أمر الله عزَّ وجل، هذه القرية الفاسقة، الفاجرة، المنحرفة، يأتيها أمر الله، أيْ أن يأتيها عقابه، يأتيها زلزال، يأتيها بركان، تأتيها مشكلات، تأتيها أوبئة، تأتيها أمراض، فإذا قلنا: جاء أمر ربِّك، بمعنى جاء أمره، و جاء ربك، بمعنى جاء أمره، وإذا قلنا:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 اليد رمز القوة، قوة الله فوقهم، وإذا قلنا:

﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

( سورة الحج )

 سميع: أي يعلم المَقولات كلها، وإذا قلنا: بصير: يعلم المتحرِّكات، وإذا قلنا: عليم: يعلم ما في النفوس، وإذا قلنا:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 أي بعنايتنا، المذهب الثاني مذهب التأويل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل.

المذهب الثالث والرابع: التعطيل والتجسيم:

 وأما مذهب التعطيل ومذهب التجسيم فهما مذهبان باطلان، أن تُجَسِّم الذات الإلهية بأنه يأتي، وأن له يداً، وأن له عيناً، وأن له سمعاً، هذا مذهبٌ باطل، لأنه قام على التجسيم، فكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.
 مرة أحد الخطباء نزل درجةً وقال: إن ربَّكم ينزل إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا، هذا تجسيم، هذا كفر، إذاً: مذهب التجسيم باطل، ومذهب التعطيل باطل، أن تعطل هذه الآيات، آيات من كتاب الله، فلذلك هناك آياتٌ تُدركها بلا تفسير، فلا تحتاج إلا إلى تفسير الزمخشري، ولا إلى تفسير الطبري، ولا إلى تفسير القرطبي، ولا إلى تفسير ابن كثير، ولا إلى مفسِّر حديث، ولا إلى قديم.
 مثلاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾

( سورة التحريم: آية " 8 " )

سبل فهم الآيات:

1 ـ فهم الآيات فهما عربيا سهلا:

 هذه آيات محكمة واضحة، أساساً تقام عليك الحجة بهذه الآيات، لست محتاجاً إلى أحد، لست مضطراً إلى أن تكون تبعاً إلى أحد في فهم هذه الآيات، إن الله يحب الصادقين.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

( سورة البقرة )

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

( سورة الأعراف )

 فالآيات المحكمة واضحة، ومن فضل الله علينا أن كل الآيات التكليفية محكمة، كل الآيات التكليفية التي فيها افعل، ولا تفعل آيات محكمة، هذه آيات نفهمها بالبداهة، كل ذي فكرٍ سليم، كل ذي إدراكٍ صحيح، كل ذي فطرةٍ نقيَّة يقرأ هذه الآية فيفهمها، هذه آياتٌ واضحةٌ بينةٌ لا خلاف فيها.

 

2 ـ تفسير الآيات بالنقل:

 هناك آيات من نوع آخر، بالنقل نعرفها، فإذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ صحيحٌ، يفسِّر آيةٌ كريمة فهذه الآية وإن بدت لنا غامضة لكن النقل الصحيح يُلقي عليها ضوءاً.. شيء جميل.

 

 

3 ـ تفسير الآيات بالعقل:

 وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل، فإذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾

( سورة الإسراء: آية " 23 " )

 يا ترى منطوق الآية ألا تقول لهما: أف ؟ إذاً: ما الذي أراده الله من هذه الآية ؟ إذا كان قول أفٍ قد نهيت عنه لأن فيه إيذاءً للأم أو للأب، إذاً أي نوعٍ من أنواع الإيذاء منهيٌ عنه بالعقل، هناك آياتٌ نفهمها بالنقل، وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل.

 

4 ـ طريق تفويض تفسير الآيات:

 وهناك آيات كهذه الآية لا نفهمها لا بالنقل ولا بالعقل، ولكن إما أن نفوض أمرها إلى الله عزَّ وجل، وهي آياتٌ قليلةٌ جداً، لا تزيد على عدد أصابع اليد، فنفوِّض تفسيرها إلى الله عزَّ وجل، ونحن في أعلى درجات العلم، هذا حجمك وأنت عبد، ألم تسمع قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾

( سورة الإسراء )

 فإذا تَنَطَّعْتَ لفهم كل آيةٍ فكأنك تنقض قوله تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 ولو نظرت إلى السلف الصالح حينما كان أحدهم متواضعاً في نقل العلم، وفي تعليم العلم، لرأيت العجب العجاب..

تورع السلف الصالح عن الإجابة بغير علم:

 جاء وفدٌ من المغرب إلى الإمام مالك إمام دار الهجرة، والمقولة التي تعرفونها جميعاً: " لا يُفْتى ومالكٌ في المدينة "، جاء هذا الوفد بثلاثين سؤالاً، طرحت عليه الأسئلة، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً، وقال عن الباقي: لا أدري، قالوا: يا إمام، أنت إمام دار الهجرة، قصدناك من أطراف الدنيا، بقينا أربعة أشهر نسير إليك، ثم تقول: لا أدري، فقال بكل بساطة: قولوا لهم: الإمام مالك قال جواباً لها: لا يدري.. نصف العلم لا أدري، هذا التنطُّع لمعرفة كل شيء، كل شيء تعرفه، إذاً فأنت جاهل، الذي قال: إنه يعرف كل شيء فهو لا يعرف شيئاً.

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 والقصة التي تعرفونها.. كان شابٌ يدرِّس في بعض مساجد بغداد، وقد فتح الله عليه، والتف الناس حوله، طبعاً هذا ملأ قلوب الأصوليين من الدعاة غيرةً وحسداً، فأراد بعض علماء بلده أن يُسَفِّهَهُ، وأن يُصَغِّرَهُ أمام تلاميذه، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس قال: يا غُلام، هذا الذي قُلته ما سمعناه، قال: يا سيدي، أو علمت العلم كله ؟ قال: لا، قال: إذاً هذا من الذي لا تعرفه.. هذا الذي قلته، وهو من الذي لا تعرفه أنت.
 كلما رأى الإنسان عظمة الله عزَّ وجل، وكلما كَبُرَ الله في نظره كلما صغر في عين نفسه، والكبر من علامات الجُهَّال.
 أروي هذه القصة مئات المرَّات، لأنها تشفي غليلي، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أحد أصحابه الذين استشهدوا، رفع عنه الرداء، وقبَّله، وبكى، فسمع النبي صوتاً من وراء الحجاب، فإذا امرأةٌ تقول: هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب، فأجابها، طبعاً هو يجيبها، لماذا ؟ لأنه نبيٌ مُشَرِّع، فلو سكت لكان كلامها صحيحاً، إنه مُشَرِّع، ولا يصح أن يسكت على خطأ، لو أنك كنت في مجلس، وتكلمت امرأةٌ من وراء الستار كلاماً غير صحيح، وسكت، فلا شيء عليك، لست مكلَّفاً، أنت لست مشرعاً، لكن النبي وحده لو سكت في هذا الموطن لعُدَّ كلامها صحيحاً، قال: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟! قولي: أرجو الله أن يكرمه.. كلمة ( أرجو ) فيها أدب مع الله، أما كلمة: ( لقد أكرمك الله ) فيها تألٍّ على الله، فيها تطاول على مقام العبودية، قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبيٌ مرسل، لا أدري ما يفعل بي.
 إذا علمت المستقبل على وجه اليقين، فلست عبداً لله عزَّ وجل، خرجت من مقام العبودية إلى مقام الأُلوهية، إذاً قولي: أرجو الله أن يكرمه، ونحن نقول: أرجو الله أن يكرمنا، أما على وجه اليقين، أنا من أهل الجنة، وفلان من أهل النار، فلان كافر، من أعطاك هذه الصلاحية كي تكون وصياً على الناس ؟ هذا ليس من شأن العبد، هذا من شأن الرَّب، أنت كن في حدود الأدب، ورحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، إذاً:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

القول الأول في معنى ستة أيام: أيام من أيامنا:

 بعضهم قال: ستة أيامٍ من أيامنا.. هذا القول ينقضه طبيعة اليوم، طبيعة اليوم ناشئةٌ عن دورة الأرض حول نفسها مع وجود الشمس، هذا تم بعد خلق السماوات والأرض، بعد المرحلة الغازية، والمرحلة الدخانية، والمرحلة الملتهبة، وانفصال الكواكب عن بعضها، وبرود الكواكب، إذاً أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في أيامٍ ستة كأيامنا، هذا فهمٌ مرفوض.

 

القول الثاني في معنى ستة أيام: أيام من أيامنا:

 أما أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في مراحل فهذا مما تُؤكِّده العلوم، علوم الأرض، وعلوم الجيولوجية.. كيف ؟
 المرحلة المطيرة، ثم مرحلة النباتات العملاقة، ومرحلة الحيوانات العملاقة، ومرحلة الالتهاب.. إلخ، هذا شيء يعرفه المختصون..

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

 إذا أردنا أن نفوِّض نقول: الله وحده يعلم تفسير هذه الآية، وإذا أردنا أن نُؤوِّل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل، وما يليق بمقام الإلهية والربوبية، نقول كما قال بعض المفسرين: خَلَق الكون، ثم بُثَّ فيه الحياة، خلق الكون، ودبَّر الكون، فهناك مرحلة الخلق ومرحلة التدبير، مرحلة الخلق ومرحلة بث الحياة، مرحلة الخلق ومرحلة التسيير..

ثُمَّ اسِتَوَى عَلَى العَرْشِ

 ورد في بعض التفاسير، أن الاستواء على العرش بعد أن خلق الله السماوات والأرض، وليس هذا ترتيباً زمنياً، لأنه يستحيل على الله عزَّ وجل أن ينتقل وفق الزمن من مرحلة إلى مرحلة..

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

( سورة يس )

 مرحلة انتقال من مرحلة إلى أخرى هذا لا يليق بالله عزَّ وجل، ولكن يوجد خلق، ويوجد تسيير، قال:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه )

 يؤكِّد هذا المعنى أن أكثر الآيات التي وردت فيها كلمة:

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾

( سورة السجدة )

 جاء بعدها: يُدَبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، آيات التدبير تأتي بعد آيات الاستواء..

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾

( سورة السجدة: آية " 4 " )

مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ شَفِيع

 أي إذا توهَّمتم أن زيداً أو عبيداً، أن فلاناً أو علاناً وليٌ لكم من دون الله، وشفيعٌ لكم من دون الله، فهذا وهمٌ باطل، إذا اكتشفتموه بعد فوات الأوان تعضّون أصابعكم ندماً، أي أنك إذا توجَّهت عنايتك إلى إنسان، وظننت أن بيده شيئاً يملكه، يعطيك أو يمنعك، يؤذيك أو ينفعك، إذا توهَّمت هذا التوهُّم فهذا هو الضلال البعيد..

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾

( سورة السجدة: آية " 4 " )

 النبي عليه الصلاة والسلام قال حديثاً جامعاً مانعاً موجزاً مقتضباً، قال:

 

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجوَن إلا ربه ))

 

[ مسند الفردوس ]

 أي أية جهةٍ في الأرض لا تستطيع أن تفعل شيئاً..

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

( سورة هود )

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 

( سورة الأنعام )

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

( سورة فاطر )

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

( سورة الزمر )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

( سورة الأعراف: آية " 54 " )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

( سورة الكهف )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

 

 لو ذهبت تدعو..

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

( سورة الشعراء )

 فأكبر باب من أبواب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر.

 

إياكم والشرك الخفي:

 إيَّاك أن تظن أنك لا تقول: فلان إله، كما يقول البوذيون " بوذا إله، لا.. هذا انتهى، هذا الشرك الجَلِي انتهى وقته..

 

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ))

[ابن ماجه]

 الخفي شيء، والجلي شيءٌ آخر، إذا ذهبت إلى بلاد شرقي آسيا لرأيت الآلهة المتعددة، ميكادو إله في اليابان، بوذا إله في الصين مثلاً، هذه آلهة، هذا شرك جلي، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن فُتِحَت مكة، وبعد أن كُسِرت الأصنام، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الشيطان يَئس أن يعبد في أرضكم ))

[ الترمذي]

 ليس في العالم الإسلامي مَن يقول: فلان إله، هذا انتهى وقته، لن يعود، لن ترجع عقارب الزمن إلى الوراء، ولكن الخطر كامنٌ في الشرك الخفي، إذا توجَّهت إلى زيد، وظننت أن زيداً ينفعك أو يضرُّك، إذا ظننت أن غضبه كبير فأرضيته، وعصيت الله فهذا أكبر أنواع الشرك.

 

اعلم يا عبد الله أنه...

 لمجرَّد أن تعصي خالق الكون، وترضي مخلوقاً فهذا هو الشرك، هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عزَّ وجل، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، لا رافع، ولا خافض، ولا قابض، ولا باسط، ولا معزَّ، ولا مذلَّ، ولا معطٍ، ولا مانع، ولا رازق إلا الله، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تُقَرِّب أجلاً..

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 39 " )

من صفات الدعاة: خشية الله وحده:

 هؤلاء الدعاة إلى الله لهم آلاف الصِفات، أغفلها الله كلها، لماذا ذكر صفةً واحدة ؟ فإذا قلت: السيارة مثلاً، من صفاتها أن لها أبواباً، ومقاعد، ومصابيح إضاءة، وصحوناً لوضع المهملات مثلاً، إن في السيارة ألواناً زاهية، في السيارة ساعات، في السيارة توقيتاً، إن في السيارة محرِّكاً، إذا ألغيت المحرك ألغيت كل السيارة.. إذاً أصبح اسمها وقَّافة، لم يعد اسمها سيارة.. فربنا عزَّ وجل إذا وصف من روائع وصفه أنه لا يصف الشيء بصفات إن توافرت اسمها أو لم تتوافر بقي الشيء، لا.. بل يصف الشيء بصفةٍ إن فُقِدَت فُقِدَ الموصوف.. حتى إن علماء البلاغة سمَّوا هذا الترابط بين الموصوف والصفة ترابطاً وجودياً، أقول لكم: الطائرة تطير، هذه صفة أساسية في الطائرة، إذا قلت: فخمة، واليخت فخم، إن قلت: كبيرة، والأرض كبيرة، إن قلت: غالية، والمدرَّعة غالية، أما إذا قلت: هذه الطائرة تطير، إذا أُلغي طيرانها أُلغيت الطائرة كلها، وانتهت.
 فهؤلاء الدعاة إلى الله ذكر الله صفةً واحدةً لهم، إن توافرت نجحوا في دعوتهم، وإن لم تتوافر لا قيمة عندئذٍ لدعوتهم لا. لاستقامتهم، ولا لورعهم، ولا لصدقتهم، ولا لزكاتهم، ولا لحجِّهم، ولا لأي شيء، يسقطون وتسقط دعوتهم، ما هذه الصفة ؟

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 39 " )

 لأن هذا الداعي لو خشي غير الله لسكت عن الحق خشية الذي يخشاه، ولتكلم بالباطل إرضاءً لمن يخشاه، فإذا تكلم بالباطل، وسكت عن الحق فماذا بقي من دعوته ؟ انتهى هو ودعوته، فلذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾

 أي إذا أرضيت هذه الجهة، وعصيت الله فهذه لا تنفعك، أندم الناس عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، أندم الناس غنيٌ دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار..

﴿ل لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

( سورة الشعراء )

 إن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحَرُم، فأنفقته في حلِّه، وفي غير حله، فالهناءة لكم، والتبعة علي.. شيءٌ خطير أن تنسى الواحد الديان، أن تعيش هملاً..

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

( سورة العلق )

 أمر إلهي، لو تجاوزنا خصوصية السبب، وأن هذه السورة موجَّهةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام.. إذاً:

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

( سورة السجدة )

أمْرك بيد الله وحده:

 إذا أدركت بذكاء وأنت موظف في وزارة.. أدركت أن في الوزارة رجلاً قوياً غير الوزير، بيده كل شيء، تجد نفسك بشكل غير شعوري تتجه إليه، تسترضيه، تقدِّم له آيات الولاء، تقدم له آيات الوفاء، تعبِّر عن حبك له، حفاظاً على سلامتك، أو طمعاً فيما عنده، أي أن تشعر أن فلاناً بيده شيء، هذا في أحوال الدنيا، أما إذا أيقنت أن أمرك كلَّه بيد الله، فماذا ينفعك زيد أو عبيد ؟
 أنا لا أنسى هذا الموقف يوم جاء أحدَ ولاة يزيد بن معاوية على البصرة، جاءه توجيهٌ من يزيد بن معاوية، هذا التوجيه يبدو أن فيه مخالفةً لأمر الله عزّ وجل، وكان عنده الإمام الحسن البصري، فهذا الوالي خاف على دينه وخاف على مستقبله، وجاءه أمرٌ ممن يخافه، فماذا يفعل، أيرضيه أم يعصيه ؟ عنده الحسن البصري فقال: يا إمام، ماذا أفعل ؟ أوصني، انصحني، أنا في حيرةٍ من أمري، إن عصيته حصل كذا وكذا، وإن أرضيته أغضبت الله عزّ وجل ؟ أجاب هذا الإمام بما سيأتي بعد قليل.. والإمام الحسن البصري مرة سُئِلَ: " يا إمام، بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن أموال الناس، وحاجتهم إلى علمي "، قيمة العالم في زهده بما عند الناس.. أجاب الإمام الحسن البصري: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيداً لا يمنعك من الله ".
 إني والله لأردد هذه العبارة مرات ومرات، ولو قلتها آلاف المرات لما شبعت من تردادها.
 إذا عصيت خالق الكون، وأطعت زيداً أو عبيداً، فإن هذا الإنسان لا يمنعك من قضاء الله، نقطة دم لا يزيد حجمها على رأس دبوس، لو تجمدت في بعض أوعية الدماغ يصاب في مكان بشلل، وفي مكان بفقد ذاكرة، وفي مكان بفقد محاكمة.. وفي مكان بغيبوبة، وفي مكان بسُبات، فعلى ماذا تعتمد ؟ دماغك بيد الله عزّ وجل، قلبك بيد الله، الصمَّام لو أنه ضعيف أو غير محكم، يقول لك: إنه يحتاج إلى عملية في أمريكا، وصمام جديد، وهكذا يكلفك سبعين أو ثمانين ألف ليرة، والإقامة تحتاج إلى كذا، فيحتاج إلى مليون ليرة لتغيير صمام القلب، قد ينجح، وقد لا ينجح..
 أخ كريم من إخواننا الكرام رحمه الله، وآنسه، والله وضع صماماً لقلبه، فزرته فقال لي: والله الحمد لله، لكن طول الليل أسمع طرقاً.. لأن الخردقة لها صوت، صمام قلبك ليس له صوت، معه كاتم للصوت لكي ترتاح في أثناء النوم، فالله عزّ وجل أعطى لك قلباً، أعطى لك صمامات، وأوردةً وشرايين، وضغطاً مناسباً، وأمعاء، ومعدة، وكبداً، وكُليتين، وكظراً، وغدة نخامية، وغدة درقية، آلاف الأجهزة والأعضاء، ولو أن جهازاً صغيراً.. مثلاً غدة لو قصرت في عملها لعكرت عليك العيش، وأرقتك..
كان لي قريب في ريعان الشباب، وكان في الصف الرابع بكلية الطب، وكان مِلء السمع والبصر، أصابه فقر دمٍ عضال، صحته جيدة، وطعامه مُغَذٍِّ، كيف يصاب بهذا المرض ؟ بعد التحليل والمراقبة تبيَن أن الطحال الذي هو مقبرة كريات الدم الحمراء، ووظيفته الأساسية: أن يتلقَّى كريات الدم الحمراء الميتة، ويحللها ليعاد تصنيعها من جديد، هذا الطحال صار يعمل بنشاطٍ أكبر من حد الاعتدال، فأصبح يأخذ الكرية الحمراء الحية، فيقتلها ليحللها، فصار هناك فقر دم، ومات بهذا المرض، فأنت حياتك في ساعة ما متوقَّفة على الطحال، فإذا عمل بنشاط زائد ينهي الحياة، ومتوقفة على الكظر، وموقفة على الغدة النخامية، وهناك مركز توازن السوائل في الإنسان لو اختل لكان مكان الإنسان إلى جانب الصنبور والمرحاض، يشرب في النهار عشرين أو ثلاثين صفيحة ماء، نعم لو اختل مركز توازن السوائل لاختلَّت حركته، وتوقف عمله وسعيه.

 

أتحسب أنك جرمٌ صغير  وفيك انطوى العالم الأكبرُ
***

 أنت بيد الله عزّ وجل، دماغك بيد الله، هذه الخلايا لو أنها صارت تعمل بشكل نمو غير طبيعي لانتهت الحياة كلها، لم يعد لك أملاك، بل صارت لغيرك، إذا صار هناك نمو غير طبيعي بالخلايا، إذا تعطل الصمام، أمراض كثيرة جداً، فهذا الذي يعصي الله أمره عجيب..
 الحقيقة أن الشيء الغريب أن تجد الإنسان في الستين أو في الخامسةِ والستين وهو مقيم على معصية، والحديث القدسي معروف عندكم:

 

 

(( أحبُّ ثلاثاً، وحبّي لثلاثٍ أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، أحبُّ المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد ؛ وأبغض ثلاثاً، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد ))

 في الحديث القدسي:

 

 

(( عبدي، كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، فاستحيي مني، فأنا أستحيي منك ))

 

اعتبرْ بما أصابك:

 يقولون لك: فلان معه ضعف في البصر، إذاً فعليه بالنظارات ؟ نظارات وشيب، يقولون لك: صار هناك ضعف عام بالجسم، وصار هناك عسر هضم، أو صار هناك ضعف في الكليتين، هذه كلُّها إشارات لطيفة جداً، أن يا عبدي، قَرُبَ الرحيل، فهل أنت مستعد ؟ لحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل يسبق الموت الشيخوخة، ما الشيخوخة ؟ وهنٌ عام، شيبٌ في الشعر، ضعفٌ في البصر، ضعفٌ في السمع، ضعفٌ في الأجهزة العامة، هذه كلها إشارات لطيفة: أن يا عبدي، هل أنت مشتاقٌ إليّ، قرب الرحيل، هل أنت مستعد ؟

 

إلى متى أنت باللذات مشــغولٌ  وأنت عن كـل مـا قدمـت مسـؤولُ
***
تعصي الإله وأنت تُظْهِـرُ حُـبَّهُ  هـذا لعـمـري فـي الـمقـال بديعُ
لـو كان حبك صادقـاً لأطعـته  إن المـحـب لـمن يـحـب يطـيع
***

أيا غافلاً تبدي الإساءة والجـهلا  متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها  كأن الـعين عـمـياء أو حــولا
لأنت كمزكومٍ حوى المسك جيبه  و لكنه المحروم ما شــمه أصـلا
***

 إذاً:

 

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ﴾

لا تعص الله برضا الناس:

 انظر إذا تعلَّقت بزوجةٍ، وعصيت خالق الكون، أُؤكِّد لكم، وأنا واثق من كلامي أن كل الشر يجب أن يأتي من هذه الزوجة التي أرضيتها، وعصيت الله عزَّ وجل من أجلها، إذا أرضيت شريكك، وعصيت الله، لابدّ من أن يتخلى عنك، هذا تأديب الله لك، الجهة التي تُرَجِّي منها الخير، وترضيها على حساب طاعتك لله هي التي سوف تزعجك، هي التي سوف تُقْلقك، هي التي سوف تكيد لك.
 إذا كان للشخص شريك جره إلى معصية الله، إنْ في الربا، و إنْ في الغش، و إنْ في كذا، وهو يسايره، فإنه يكون قد عصى خالق الكون، وأرضى شريكه، هذا الذي أرضيته، وعصيت الله فيه لا بدّ من أن يكيد لك، لا بدّ من أن يتخلَّى عنك، لا بدّ من أن يقلب لك ظهر المِجَنّ، هذا الحديث لا تَنْسَوه:

 

(( من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى ))

 

[ ورد في الأثر]

 أيّ أمرٍ تُحاول أن تصل إليه بمعصية تأكَّد، واعلم علم اليقين أن هناك بوناً شاسعاً بينك وبينه، فلذلك:

 

(( لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ))

 

[ الترمذي ]

قوانين مستنبطة مِن التعامل اليومي:

 فكرة أتمنى على نفسي أن أُحْسِن نقلها إليكم، ربنا عزّ وجل جعل في الدنيا قوانين مستنبطة من التعامل اليومي، قد يأتيك أمر الله، وبحسب قوانين البشر سوف يصيبك ضررٌ كبير إذا أطعت الله، هكذا يتراءى لك، وإذا عصيت الله تيسرت أمورك، وتحل مشكلاتك، و.. و..الخ، هنا يمتحن المؤمن، فإذا كنت مؤمناً صادقاً تقول: والله لا أعصي الله، ولو أطبقت السماء على الأرض، فأنا أقول لكم: والله أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من أن يُخَيِّب مؤمناً، أو من أن يضيِّع مؤمناً..

 

(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

 

[ الجامع الصغير ]

 أخ كريم من إخواننا يريد أن يشتري بيتاً، ومعه مبلغ لا يكفي لثمن هذا البيت، والبيت ثمنه مناسب جداً، فتوجَّه ليأخذ مالاً بطريقةٍ غير مشروعة، هو لا يعلم أنها غير مشروعة، لكن لعدم علمه ظنها مشروعة، فأخبره أحد الأشخاص أن هذا العمل غير مشروع، ومخالف لقواعد الدين، يقول هذا الأخ الكريم: والله دَمَعَت عيني، وقلت: يا رب، لا أعصيك، وليس لي بعدُ رغبة في هذا البيت، خرج البيت من نفسه، لأن ثمنه كان معصيةً لله عزّ وجل، قال: فتوجَّهت إلى دكاني، فإذا صديقٌ ينتظرني، هذا الصديق قال: أنا عندي مبلغ من المال أتمنَّى أن تجعله وديعة لي عندك لسنتين، وأُناشدك الله أن تستعمله في هاتين السنتين، لمجرَّد أن نوى هذا المؤمن أن يدع شيئاً لا يُرضي الله، واستغنى عن البيت جاءه من يسعفه، ويقدم له مالاً يستخدمه لحاجاته، فاقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلَّم:

 

(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

 وأنا أقول لكم، والله وهذا إيماني: إن زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً لله وتبقى بلا شيء، وتبقى في مؤخرة الركب، وهل يضيعك الله عزّ وجل، وينساك لأنك أطعته ؟! هل هذه أخلاق الله عزّ وجل ؟

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

( سورة الجاثية )

 هذا الإيمان، الإيمان أن تُطيع الله عزّ وجل، ولو كان في طاعته فيما يبدو لك خسارةً، هذا هو المؤمن.
 والله لا أعصي الله ولو أُلقيت في الطريق، ولو أكلت خبزاً يابساً لا أعصي الله، إذا علم الله منك هذا العزم الأكيد عندئذٍ يؤتيك الدنيا والآخرة.. " من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا ".
 " عبدي، خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين، لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفك في رزقك، وعزَّتي وجلالي، إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ".
 فسعادة الإنسان أن يعرف الله، وأن يعرف منهجه.

 

وجوب قصد الأشياء من طرقها المشروعة:

 مثلاً: باب عظيم، بين أن تحاول فتحه عن طريق الهدم، والمطارق، والمتفجرات،، وبين أن يكون معك مفتاح صغير وزنه عشرة غرامات تفتحه، وتدخل، إذا عرفت الله وعرفت منهجه، هكذا الحياة، الرزق معروف طريقه، الأمانة والاستقامة، الزوجة الصالحة.. كن صالحاً يأتك الله بصالحة، السعادة الزوجية لها أسباب، إذا بُني الزواج على طاعة الله تولَّى الله التوفيق بين الزوجين، إذا بُني على معصية الله تولَّى الشيطان التفريق بينهما.. الرزق له باب، الزواج الناجح له باب، الرفعة في المجتمع لها باب، الصحة لها باب، أول بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي الشِبَع..

 

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾

( سورة السجدة )

تدبير الله شؤون الكون:

 الله عزّ وجل هو الخالق، وهو المربِّي، وهو المسيِّر، من معاني الخلق أن الله عزّ وجل يظهر إلى الوجود ما كان غير موجود، من معاني الربوبية أنه يتولَّى الجسم فيربيه، والعقل فيربيه، والنفس فيربيها، والتربية إمداد ومعالجة، من معاني التسيير أن كل حركةٍ وسكنةٍ في الكون إنما هي بيد الله عزّ وجل، فالتدبير: الرعاية، العناية، العلم، الإمداد، الإعطاء، المنع، الرفع، الخفض، علماء التوحيد قالوا: "الرافع الخافض، المُعز المُذل، الضار النافع "، وقالوا: إن هذه الأسماء المزدوجة لا يجوز أن تذكر واحداً منها دون الآخر، أي أن تقول: الله ضار، لا،

﴿ولله الأسماء الحسنى ﴾

  قل: ضارٌ نافع، لأنه يضر لينفع، ويذل ليعز، ويأخذ ليعطي، ويمنع ليُعطي، ويقبض ليبسط، كل الأسماء المزدوجة يجب أن تذكرها مثنى مثنى، إشارةً إلى أن الأولى في خدمة الثانية.

لا تغتر بالحياة الدنيا:

 لا أنسى هذه الخطبة الموجزة التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترحٍ، لا منزل فرح ))

 

[ الجامع الصغير ]

 الدنيا دار تكليف، وأما التشريف فهناك في الآخرة، الدنيا دار عمل، والجزاء هناك في الآخرة.. " إيَّاك عبد الله والتنعُّم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ".
 إن هذا الذي يقصد النعيم لذاته ما عرف الحياة، وما عرف أنها مرحلة، وما عرف أنها ممر، وما عرف أنها دار عمل بل ظنَّها دار جزاء، ظنَّها دار استقرار..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾

( سورة يونس )

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ))

 لأنها مؤقتة..

﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام )

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

( سنن الترمذي: رواه سهل بن سعد )

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ الرخاء مؤقَّت ـ ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

إذا أحب الله عبده ابتلاه:

 إذا أيقنت أن الله يحبك.. " إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه ".
 صحابيةٌ جليلة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تريد التفريق بينها وبين زوجها، لأن زوجها ما أصابته مصيبةٌ منذ تزوجها، معنى هذا أن الله عزّ وجل لا يحبه، أي لا يعالجه الله عزّ وجل، وإذا كان الشخص مريضا بمرضٍ خبيث تقول له: ليس فيك شيءٌ، كل ما تشاء، ميؤوس منه، إما إذا وجد إنسان مرضه قابل للشفاء تجد أن هناك تشدداً بالغاً، فإذا عالجك الله عزّ وجل ساق لك من الهموم والشدائد، وعرفت أن هذه الشدة لهذا المرض، وهذه المصيبة لهذا الذنب، وهذه الإهانة لهذا الكبر، وهذا الفقر لهذا الإسراف، وهذا التطاول عليك لهذا التطاول على غيرك، فكشفت أن لكل سيئةٍ عقاباً.
 رجل مؤمن له شيخ أنبأه أن لكل سيئةٍ عقاباً، فوقع يوماً في معصية، وزلَّت قدمه، ولم يصبه شيء على خلاف العادة، فناجى ربه وقال: " يا رب، لقد عصيتك، ولم تعاقبني، فوقع في قلبه، أن عبدي، قد عاقبتك، ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
 فإذا أحب الله عبده عجَّل له بالعقوبة، وإذا تابع الله عزّ وجل نِعَمَهُ عليك، وأنت في معصيته فاعلم أن هذا ليس إكراماً، إنما هو استدراج، إذا رأيت الله يتابع نِعَمَهُ عليك، وأنت تعصيه فاحذره، أما إذا رأيت الله عزّ وجل كلما زَلَّت قدمك جاء العلاج، وجاء التأديب..

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) ﴾

( سورة البقرة )

 إذا جاءتك على كل زلة قدمٍ مصيبة فاعلم أنك في العناية المشددة، وإذا زلَّت قدمك ولم تر شيئاً فاعلم أنك في دائرة الإهمال، فلذلك مما يطمئنك، مما يجبر خاطرك أن الله سبحانه وتعالى لا ينساك من علاجه، معنى هذا أنت في العناية المشددة، أنت في دائرة المعالجة.
 اليوم التقيت مع أخ كريم قلت له: ما اسمك ؟ قال: اسمي مُراد، قلت: يا الله ؛ أنت مُرادٌ أكثر مما أنت مُريد، أنت مرادٌ أيها الإنسان من قِبل الخالق أضعاف ما أنت مُريد، فجعلت له من اسمه فألَ خير، وأشعرته بذلك.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء: آية " 27 " )

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود: آية " 119 " )

فرح الله بتوبة العبد:

 خلقك ليرحمك..

 

((لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الواجد ))

 

[ ورد في الأثر ]

 " إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض: أن هَنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ".
 هذا الأعرابي الذي ضل الطريق، وغابت عنه ناقته، وعليها طعامه وشرابه، فأيقن بالهلاك، وجلس يبكي، ثم يبكي حتى أدركه النوم، فأفاق فرأى الناقة، فمن شدة فرحه اختل توازنه.. وقال: يا رب أنا ربك، وأنت عبدي، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))

 

[ مسلم ]

 أنت تعرف لو أنك تبت إلى الله فإن الله يفرح بتوبتك، فماذا تنتظر ؟ ما الذي يمنعك ؟

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الزمر: آية " 53 " )

 هذه أرجى آيةٍ في القرآن الكريم، لم يخاطب الله العُصاة الذين أسرفوا في المعصية، يطمئنهم أن يعودوا إلى الله فيقبلهم..

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

 

 ما دام القلب ينبض فإن باب التوبة مفتوح، كل شيء يصحَّح، سيدنا زيد الخير لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( يا زيد، ما وصف لي أحدٌ فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد ))

 أُعْجِبَ به النبي، هذا زيد الخير لقي النبي لساعةٍ واحدة، فأعطاه متكأً قال: والله لا أتكئ في حضرتك يا رسول الله، ما هذا الأدب ؟ أسلم قبل ربع ساعة، النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه، وقال: يا رسول الله، أعطني ثلاثمائة فارس حتى أنال من بلاد الروم، قال النبي الكريم: لله دَرُّك يا زيد، أي رجلٍ أنت ؟ غادر زيدٌ النبي عليه الصلاة والسلام إلى ديار قومه، وفي الطريق أدركته المنية.
 القضية قضية إخلاص، كل هذه النيات كُتِبَت له، فالله رب النيات، فإذا أخلصت لله عزّ وجل، ولو امتد بك العمر مقصراً اجتباك.

اعتبروا أيها الشباب:

 هذه القصة أذكرها، ولا أنساها حتى الموت ؛ أحد علماء دمشق حدثني إياها، واطلعت عليها بأصولها، وثبتت لي صحتها، رجل في الخامسة والخمسين من عمره من صعيد مصر، تمنَّى أن يكون عالماً، وهو لا يقرأ، ولا يكتب، ركب دابَّته، وساقها إلى القاهرة، وفي أحد أزقَّة القاهرة سأل أحد الباعة: أين الأزعر ؟ قال له: أي أزعرٍ هذا ؟ قل: الأزهر يا رجل، وليس الأزعر، لا يعرف الأزعر من الأزهر، هذا الرجل مشتاق لمعرفة الله، تعلَّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وحفظ القرآن في الخامسة والخمسين، وعاش حتى السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، اسمه زكريا الأنصاري، بدأ طلب العلم في الخامسة والخمسين، لا يقرأ، ولا يكتب، إذا كنت طالبا لله فالله موجود..

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

( سورة العنكبوت )

 من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة.
 الدنيا ليست ذات بالٍ ولا شأن، نأكل ونشرب وننام، حياة تتكرر، حياة بهيمية لا معنى لها، مملة، الشاب لماذا هو يسعد ؟ لأنه متأمَّل ببيت، يرسم في خياله مساحة البيت، هنا غرفة ضيوف، هنا كذا، وبعد هذا يحصل على بيت مساحته سبعون متراً، يسكن فيه، ويعلل نفسه بسراب الأماني، يتصور الزوجة، ولها مواصفات معينة فيفاجأ بها، وسطاً، زوجته تحددت، وبيته تحدد، أولاده تحددوا، كل الأحلام تلاشت، أما إذا عرف الله عزّ وجل، فرجاؤه ومبتغاه في مرضاة الله، وفي كلها سعادته.

 

المؤمن سعيد لأنه دخل في وعد الله له:

 أنا كنت أضرب لإخواننا مثلاً دقيقاً، نفترض أن موظفاً معاشه ألف وخمسمئة ليرة، عنده ثمانية أولاد، والديون تركبه، له عم يملك خمسمئة مليون، ومات فجأةً بحادث سيارة، وعمه ليس له أولاد، فكل هذه الأموال آلات إليه، لكن لم يتمكن من أن يقبض أول ليرة إلا بعد سنتين، إجراءات الروتين والمالية والورثة، ولكن عاش في هاتين السنتين أسعد الناس ؟ هو لم يقبض شيئاً، ولم يأكل لقمة زائدة، ولكنه دخل في الوعد، هذا المثل توضيح لمثل أكبر، المؤمن حياته قد تكون خشنة، قد يكون معذَّباً في حياته، قد يكون دخله أقل من مصروفه، قد يكون في بيته مشكلات، قد تكون صحته وسطاً، يعاني من آلام، قد يعاني متاعب في عمله، كل هذا ممكن، لكن هذا دخل في وعد الله..

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص )

 سر سعادة المؤمن أن الله وعده بالجنة،

(( فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

[ البخاري ]

 إذاً:

 

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾

 

( سورة السجدة )

 هذه الآية إن شاء الله نعود إليها في الدرس القادم.