الدرس : 02 - سورة فاطر - تفسير الآيات 2 - 5 ، الرحمة سر من أسرار الله العظيمة

1992-04-24

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثاني من سورة فاطر، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الثالثة من سورة فاطر، وكنا قد أنهينا الآية الثانية التي تبدأ بقوله تعالى:

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

رحمة الله:

1 ـ رحمة الله سرٌّ من أسراره:

 

 وقد بينت في الدرس الماضي أن رحمة الله عز وجل سرٌ عظيم قد تأتي مع الحرمان فيغدو عطاءً، وقد تُفقد مع العطاء فيغدو حرماناً قد تأتي مع المرض فيكون راحةً، وقد تُفقد مع الصحة فيكون شقاءً، فالله سبحانه وتعالى جعل رحمته سراً من أسراره، فإذا تجلّى على عبد بالرحمة أسعده، في أي ظرف، في أي وضع، في أي مكان، في أي زمان، في أي مستوى، وإذا حجب رحمته عن عبده أشقاه، ولو كان في أعلى درجات الغنى، وأعلى درجات القوة، وأعلى درجات المجد والصحة.

2 ـ رحمة الله وعلاقتها بالعلم والعُمر:

 أيها الإخوة الأكارم، العلم الغزير، والعمر الطويل، والمقام الطيب، هذه لها علاقة نفيسة برحمة الله عز وجل، فقد يكون علماً غزيراً لا ينتفع منه، وقد يكون عمراً طويلاً لا يستفاد منه، وقد يكون المقام مقاماً طيباً ومع ذلك يغدو شقاءً على صاحبه، لكن رحمة الله عز وجل إذا توافرت في عبدٍ علمه القليل يثمر وينفع، وعمره القصير أحياناً يغنيه الله بالأعمال الصالحة، ودخله القليل يبارك الله له فيه، فإذا بارك الله لك بدخلك القليل كان أنفع لك من دخل كثير، محجوب عن رحمة الله، وإذا كان لك عمر أغناه الله بالعمل الصالح كان خيراً لك من عمر مديد مفعم بالمخالفات و التقصيرات، وإذا منحك الله علماً استعملته.
 قيل لأحدهم: ما هذا المقام الذي حصلته ؟ قال: بالعلم، فقال له: واللهِ هناك أناس تعلموا أكثر منك، فما السر ؟ قال: ذلك علم حُمل، وهذا علم استعمل، والفرق كبير بين العلم الذي يحمل، والعلم الذي يستعمل.

3 ـ مِن رحمة الله عز وجل الشعورُ برحمة الله:

 أيها الإخوة الأكارم، مِن رحمة الله عز وجل أن تحس برحمة الله، فإن لم تشعر بها كنت محجوباً عنها، مِن رحمة الله عز وجل أن تنتظرها، فإن لم تنتظرها كنت محجوباً عنها، من رحمة الله عز وجل أن تثق برحمة الله فإن لم تثق بها، كنت محجوباً عنها، من رحمة الله أن تنتظرها، من رحمة الله أن تحسها، من رحمة الله أن ترجوها، من رحمة الله أن تجدها، من رحمة الله أن تثق بها، فإن لم تجدها، ولم تشعر بها، ولم تنتظرها، ولم تضع ثقتك فيها، كنت محجوباً عن رحمة الله، لهذا قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾

( سورة يوسف: 87)

4 ـ رحمة الله لا تعز على أيّ طالبٍ لها:

 يا إخوة الإيمان، رحمة الله لا تعز على أيّ طالبٍ لها، أيُّ طالبٍ لرحمة الله يجدها، في أي مكانٍ، وفي أي زمان، أين وجدها إبراهيم عليه السلام ؟ وجدها في النار.

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء: 69)

 جاءته رحمة الله وهو في النار، فأصبحت النار برداً وسلاماً.
 أين وجدها يوسف عليه الصلاة والسلام ؟ وجدها في الجب، حيث الموت، جوعاً، وخوفاً، ولكن رحمة الله عز وجل أنزلها عليه وهو في الجب:

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ﴾

( سورة يوسف: 19)

 رحمة الله عز وجل وجدها يوسف عليه السلام وهو في السجن، والسجن وما أدراكم ما السجن، مكان ضيق، وظلام دامس، ورطوبة بالغة، وقسوة غير معقولة، ومع ذلك، إذا جاءت رحمة الله عز وجل أصبح هذا المكان الضيق جنةً، والذين عرفوا الله عز وجل، وعرفوا رحمته، صادقون فيما يقولون، هذا النبي العظيم وجد رحمة الله عز وجل وهو في السجن.
 سيدنا يونس أين وجدها ؟ وجدها وهو في بطن الحوت، ما من مصيبة على وجه الأرض أشد من أن تكون في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، ومع ذلك، طلبها يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء: 87)

 فجاءت رحمة الله عز وجل وأنقذته.
 وجدها موسى عليه السلام وهو في اليم، في صندوق خشبي، طفل صغير رضيع عاجز عن أن يتنفس، أُلقي في صندوق، وأُلقي الصندوق في اليم، لكن رحمة الله جاءته فسيّر الله هذا الصندوق إلى شاطئ قصر فرعون، وألهم امرأة فرعون أن تكون في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، على شاطئ نهر النيل، ووقعت منها التفاتة، فإذا صندوق يتحرك، أخذته وفتحته، فإذا هو غلام، قالت:

 

﴿ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

 

( سورة القصص: 9 )

 جاءت رحمة الله وهو في قصر فرعون، قُتل أبناء بني إسرائيل جميعاً، من أجل ألا يأتي غلام منهم يقضي على ملكه، والذي سيقضي على ملكه رباه في قصره، هذه رحمة الله عز وجل.
 أصحاب الكهف جاءتهم رحمة الله وهم في الكهف.

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴾

( سورة الكهف: 16)

 أيها الإخوة الأكارم، لعلكم تقولون: لقد أطال في تفسير هذه الآية، إنها رحمة الله، إذا سعينا إليها أسعدتنا، إذا سعينا إليها أنقذتنا، إذا سعينا إليها ألقت في قلوبنا نوراً، وحضوراً، وثقةً بالله عز وجل.
 رحمة الله وجدها النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الغار، وقد تعقبه الكفار، وقال أبو بكر رَضِي اللَّه عَنْه:

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ متفق عليه ]

 إلى أن قال أبو بكر رَضِي اللَّه عَنْه يا رسول الله لقد رأونا، وقعت العين على العين، قال: يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

 

( سورة الأعراف: 198)

 رحمة الله إذا جاءتك فأنت أسعد الناس، وإذا حُجبت عنك، فلو كنت أقوى الناس، لو كنت أغنى الناس، لو كنت أصح الناس، فهي شقاء في شقاء.

 

5 ـ لا ممسك لرحمة الله إذا فتحها:

 أيها الإخوة الأكارم، متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها، أقول لكم هذا الكلام، وهذا الكلام زبدة هذا الدرس: رحمة الله يجدها كل طالبٍ لها، يائس مما سواها، إن طلبتها صادقاً، ويئست مما سواها نلتها مهما كنت، كن أي إنسان في أي مكان، وفي أي زمان، لذلك من الدعاء الشريف، يا الله برحمتك نستغيث، المشكلة أن الإنسان حينما يتكئ على ما سوى الله، حينما يتكئ على صحة، وعلى مال، أو على جاه، أو على قوة، أو على زوجة، أو على ولد، أو على جارٍ، أو على معينٍ، أو على قريبٍ، أو على نصيرٍ، حينما يتكئ على ما سوى الله فلن يجد رحمة الله، أما إذا اتجه إلى الله عز وجل، مخلصاً، وقطع أمله مما سواه فإنها بين يديه، هذه رحمة الله، يصعب أن نشرحها، لكن تحدثنا عن آثارها.
 لذلك فالاستنباطُ من هذه الآية الكريمة ملموسٌ:

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

6 ـ من لوازم الشعور برحمة عدمُ الخوف من الناس:

 إذاً: الاستنباط البسيط أنه ينبغي ألاّ تخاف أحداً، وألا ترجو أحداً، لأن أحداً لا يستطيع أن يمنحك إياها إذا حجبك الله عنها، وإن أحداً لا يستطيع أن يحجبها عنك إذا أرسلها الله إليك، الاستنباط الواضح القطعي ما دامت رحمة الله هكذا إنْ فتحَها فلا ممسك، وإنْ أمسكَها فلا مرسل، إن كانت كذلك إذاً فمن الغباء، وضيق الأفق، والحمق، أن ترجو أحداً، أو أن تخاف أحداً من الشرك، وضعف الإيمان، أن ترجو مخلوقاً، وأن تخاف من مخلوق، قلت أحداً، أعني به الإنسان، الآن قلت: مخلوقاً، أن ترجو مخلوقاً، أو أن تخاف من مخلوق، بل من الشرك أن ترجو شيئاً، أو أن تخاف من شيء، بل من الشرك أن تخاف فَوْت الوسيلة، فإذا تجلّى الله عليك برحمته كان هو الوسيلة، وأن ترجُوه مع الوسيلة، فإذا حجب الله عنك رحمته لا قيمة للوسيلة، هناك أسباب، إن جاءت رحمة الله لا معنى للأسباب، وإن حجبت رحمة الله فلا معنى للأسباب.
 إذاً: ملخص هذه الآية حديث شريفٌ بليغٌ موجزٌ جامعٌ مانعٌ، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))

[ كنز العمال عن علي موقوفا ]

 لا ترجُ أحداً، ولا تخف أحداً، لا ترجُ مخلوقاً، ولا تخف من مخلوق، لا ترجُ شيئاً، ولا تخف من شيء، لا ترجُ وسيلةً إذا حجبت عنك رحمة الله، ولا تخف فوَتْ وسيلةٍ إذا جاءتك رحمة الله.

 

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 

( سورة الأعراف: 56)

 وهي مبذولة لكل عباده المؤمنين، لا فرق بين أبيضهم وأسودهم، ولا بين غنيهم وفقيرهم، كلكم لآدم وآدم من تراب.

 

7 ـ الاستقامة سبب لرحمة الله:

 أيها الإخوة الأكارم، قد تأتيك رحمة الله عز وجل، ولا شيء يتغيّر مِن حولك، ولكن شعورك برحمة الله هو من رحمة الله، لكن شعورك بالطمأنينة هو من رحمة الله، فإذا وجدت الله وجدت كل شيء، وإن فاتتك رحمة الله فاتك كل شيء، ورحمة الله تحتاج إلى معرفة أولاً، وإلى استقامة ثانياً، وإلى عمل صالح ثالثاً، فإذا توافرت لك المعرفة عن طريق التفكّر، وعن طريق حضور مجالس العلم، وإذا توافرت لك الاستقامة عن طريق معرفة منهج الله عز وجل، والالتزام به، وإذا أكرمك الله بعمل صالح خالص لوجهه، فقد أصبت رحمة الله، ولا تنس قوله تعالى:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة الزخرف: 32)

 لأن الذي يجمعونه مهما كبر حجمه، يتركونه في الدنيا، ويدخلون في قبورهم حفاة عراة، لا شيء ينفعهم إلا العمل الصالح، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة عوّدها القناعة.

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 

و إذا العناية لاحظتك جفـونها  نـم فالمـخاوف كلـهن آمـان
***

إذا كنـت في كل حال مـعي  فعـن حمل زاد أنا في غـنى
فأنتـم هو الحـق لا غيركـم  فيـا ليت شـعري أنا من أنا
***

 هذه رحمة الله، الشيء اللطيف أنها مبذولة، وأنها لكل الخلق.
 أبلغ كلمة قالها سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَن عمر لسيدنا سعد بن أبي وقاص، وسيدنا سعد بن أبي وقاص خال رسول الله، وكان يحتل مكانة عليّة جداً عند النبي عليه الصلاة والسلام، فهو الوحيد الذي كان إذا دخل عليه داعبه، وقال:

(( هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))

[ الترمذي عن جابر ]

 هو الوحيد الذي فداه النبي بأبيه وأمه، قال:

(( يَا سَعْدُ، ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))

[ متفق عليه عن علي ]

 هذا الصحابي الجليل الذي قال مرة: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول، حتى أنصرف منها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمتُ أنه حق من الله سبحانه وتعالى >>، هذا الصحابي الجليل قال له عمر بن الخطاب: << يا سعد، لا يغرّنك أنه قد قيل لك: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له >>.
 أنت بطاعة الله وحدها تصل إلى رحمة الله، وبمعصية الله وحدها تحجب عن رحمة الله.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات: 13)

 لا فضلَ لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، مَن يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه، أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، هذا هو الدين.
 وقف بلال وصهيب، ووقف أبو سفيان زعيم قريش، سيد قريش، في باب عمر بن الخطاب ساعات طويلة فلم يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فلما دخل أبو سفيان آلمه هذا الموقف، قال: زعيمُ قريشٍ يقف في بابك ساعات طوالاً، وصهيب وبلال العبدان الأسودان يدخلان، ويخرجان بلا استئذان، فقال عمر كلمة واحدة، قال: << أأنت مثلهما >> ؟ ليسوا سواء، من آمن من قبل الفتح وأنفق، الذي آمن برسول الله في زمن الضعف، وأنفق ماله لا يستوي هذا مع من أسلم عندما قوي الإسلام، وعظمت شوكته.
 سيدنا بلال وضع سيدنا الصديق يده تحت إبطه، وقال: << هذا أخي حقاً >>، وكان أصحاب رسول الله إذا ذكروا سيدنا الصديق قالوا: << هو سيدنا، وأعتق سيدنا >>، ما لك ميزة عند الله إلا بالعمل الصالح.

 

لا تقل أصْلي وفصلي أبــداً  إنما أصل الفتى ما قد حصل
كن ابن ما شئت واكتسب أدباً  يغنيك محموده عن النسـب
***

 هذه رحمة الله عز وجل، رحمة الله لمن عرف الله، واستقام على أمره، وعمل صالحاً، هذا يرفعه الله مكاناً عالياً، هذا يرفع الله له ذكره.
 الآية التي بعدها:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

1 ـ النفس مفطورة على حب مَن أحسن إليها:

 يبدو أن الإنسان مفطور على حب المحسن، يا داود، ذكّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفس جُبلت على حب من أحسن إليها، وبُغْض من أساء إليها، فإذا ذكّرت نفسك بنعم الله عز وجل لعل هذا القلب يحب الله عز وجل، فإذا أحببت الله وجدت كل شيء، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾

2 ـ نعمة الإيجاد والرشاد والإمداد:

 اذكروا نعمة الوجود، من الذي منحكم نعمة الوجود ؟ الله سبحانه وتعالى، وهناك مخلوقات قميئة تزدريها أنت، ولكن وجودك شيء، ووجودها شيء آخر:

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾

 نعمة الوجود، ونعمة التكريم.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾

( سورة الإسراء: 70 )

 سخر لك ما في السماوات والأرض، نعمة الوجود مضافٌ إليها نعمة التكريم، مضاف إليها نعمة العقل، مضاف إليها نعمة الاختيار، مضاف إليها نعمة الأمانة، مضاف إليها نعمة الشهوات التي أودعها الله فيك، لترقى بها إلى رب الأرض والسماوات، مضاف إليها نعمة الفطرة السليمة، مضافة إليها نعمة الرسالة، نعمة الكتاب، نعمة العبادات:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾

 فممكن أن نلخص هذه النعم كلها بنعم ثلاث، نعمة الإيجاد، ونعمة الإرشاد، ونعمة الإمداد، أمدك بكل شيء وأيُّ شيء أنت محتاج إليه، خلقه الله لك في الأرض، وهو نعمة لك.
 مثلاً، وإن كان هذا المثل بعيد عن سياق الدرس: هؤلاء الحجاج حينما يطوفون بالبيت الحرام، الحرّ هناك شديد، قد تصل حرارة المسجد الحرام إلى 59 درجة فوق الصفر، نوع من الرخام وجد في بقعة نائية من العالم، لو أن الشمس بقيت مسلطةً عليه عشر ساعات لا تزيد حرارته على عشر درجات، وُضع في أرض الحرم، وفي مقام النبي عليه الصلاة والسلام، أليس هذا من نعمة الله ؟ مَن صمم هذا الرخام ليرفض امتصاص الحرارة ؟ الله سبحانه وتعالى، ما من شيءٍ نحتاج نحن إلا وقد وفره الله لنا، هذا الحديث يطول، لو وقفت في أحد أسواق المدينة، فرأيت أنواع السلع، وأنواع النباتات، وأنواع الخضراوات، وأنواع الأدوية، وأنواع الأدوات، وأنواع الآلات، وأنواع المعادن، وأنواع أشباه المعادن، شيء لا ينتهي، هذه نعمة الله نعمة الله في الإيجاد، ونعمة الله في الإمداد، ونعمة الله في الهدى والرشاد، هذا من نعمة الله، هذا الدرس من نعمة الله عز وجل، أن ينزل الله على نبيه كتاباً فيه منهج، فيه ذكر مَن قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم فيه أمرٌ ونهيُ، فيه حلال وحرام، فيه وعد ووعيد، فيه إنذار وبشارة فيه خبر الأقوام السابقين، فيه ما قبل أن نأتي إلى الدنيا، فيه ما بعد الموت، كتاب بين أيدينا، فيه تِبيان لكل شيء، هذا من نعمة الله عز وجل، نعمة الإيجاد، أنت موجود على سطح الأرض، لك اسم، لك حيز، وتأكل وتشرب، وتسكن بيتاً، ولك زوجة، وأولاد، ولك أجهزة وأعضاء، وغدد صم، وغدد غير صم، وقلب، ودسامات وأوردة، وشرايين، وأعصاب، وعضلات، و130 مليون مخروط بالشبكية، و300 ألف شعرة، لكل شعر وريد، وشريان، وعصب وغدة دهنيه، وغدة صبغية، وعضلة، وخلايا، وأجهزة، شيء لا ينتهي، نعمة الإيجاد.

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾

 

( سورة الإنسان: 1)

 من أنت قبل خمسين عاماً، لمن كانت سنه قبل الخمسين طبعاً، لا شيء، ما لك اسم.
 مرة رأيتُ طفلاً في مكان في بهو عام، يبدو أن أهله كانوا مسافرين، وُضع له من الفوط حول وسطه ما جعله كالكرة، قلت: هذا الإنسان، بعد أن يكبر ينسى الله عز وجل، يقول: أنا، فمن أنت ؟ كنت طفلاً صغيراً بحاجة إلى كل شيء، فلما كبرت سنك، وقوي عودك نسيت الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾

 اذكروا نعمة أنه أوجدكم، وكرمكم، ومنحكم العقل، وسخر لكم الكون، وفطركم فطرة عالية، أودع فيكم الشهوات، أعطاكم هذا المنهج، رزقكم الطيبات، ستركم، أكرمكم.
 الشيء الدقيق في هذه الآية:

 

 

﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ ﴾

 

3 ـ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ

 يعني هل هناك خالق آخر ؟ خالق هذه النباتات، تأكل وتشرب، مرة تقول: أريد كأساً من الشاي، مرة كأسَ ليمونٍ، مرة تقول: أريد أن آكل هذا الطعام، هذه الأكلة، هذه الفاكهة، تنام على فراش وثير، تستنشق هواء عليلاً، هذه كلها نِعم:
 هل هناك خالق آخر غير الله خلق هذه النعم ؟
 هل من خالق غير الله ؟
 هل تعتقد أن خالقاً غير الله خلق هذه الأشياء ؟
 وهل تعتقد أن رازقاً غير الله عز وجل يرزق ؟
 فإذا كان الخالق هو الله، والرازق هو الله، فكيف تنصرف عن الله عز وجل ؟ إلى أين أنت ذاهب ؟ مَن تصاحب ؟ إلى من تتجه ؟ ممن تخاف ؟ إذا كان الله وحده هو الرزاق، ووحده هو الخلاّق فمِن حكمة الله عز وجل، ومن نعمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى قطع أفعال الناس عن رزق العباد، الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فإذا ظن إنسان أنه يرزق الآخرين فهذا خطأ واستعلاء، فالله سبحانه وتعالى وحده يرزقهم رزقاً وفيراً من دونه.
 إذاً: هذه الآية:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾

 مركز ثقل الآية:

 

﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 

4 ـ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ

 أيْ كيف تصرفون ؟ إلى أي مكان تتجه ؟ إلى أي عظيمٍ تتجه ؟ إلى أي جهة تنصرف ؟ بمن تؤمن ؟ من ترجو ؟ من تخاف ؟ هو الخالق، وهو الرازق، وأنت متجه إلى غيره.
 وَاللَّهِ إنه موقف عجيب، إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بِنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغّضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر شيءٍ إلي، مَنْ أقبل علي منهم تلقيته مِن بعيد، مَن أعرض عني منهم ناديته مِن قريب أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصائب، لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرِ أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 هذا العجب العجاب، إلى مَن تنصرف ؟ تعلق الآمال على زيد، أو على عبيد، إن الله يمنعك من يزيد، ولكنَّ يزيدَ لا يمنعك من الله، ترجو غير الله، تخاف من غير الله، تتأمل عطاءً مِن غير الله، تُرضى الناس وتسخط الله عز وجل، أتخشون الناس، وَاللَّهِ أحق أن تخشوه:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

5 ـ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

 العلماء قالوا: السماء هو المطر، كم هي الفرحة عارمة حينما نرى هذه الأنهار، وقد طفحت، وارتفع منسوبها إلى خمسة أضعافِ العامِ الماضي، من خمسة أمتار مكعبة في الثانية الواحدة إلى أكثر من 25 متراً مكعباً في الثانية الواحدة، غزارة بعض الأنهار، هذه الفرحة بهذه المياه الغزيرة، أين كانت لولا أن الله تفضل علينا بهذا المطر ؟ فالعلماء قالوا:

﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ ﴾

 أي بالمطر.

 

﴿ وَالْأَرْضِ ﴾

 بالنبات، السماء تمطر، والأرض تنبت، وأنت بين السماء والأرض، بين أن يتفضل الله علينا بمطر غزير، وبين أن ينمو النبات من دون آفات، من دون صقيع، صقيع واحد يقضي على مئات الملايين من الدنمات المزروعة في ساعة واحدة، فنعمة المطر لا تكفي، لا بد من نعمة الإنبات، ونعمة سلامة الإنبات، ونعمة غزارة الإنبات، لا بد من المطر، ولابد من الإنبات، ولابد من سلامة الإنبات.
 قلت مرة لأحد الإخوة وعنده مزرعة نحل، أو خلايا نحل سألني: أفي النحل زكاة ؟ قلت: نعم، هكذا نص العلماء، زكاة النحل كزكاة الزرع، إن كان له أعشاش طبيعية فالعشر، وإن كان له خلايا صناعية فنصف العشر، قلت له: وإلا إنْ لم تدفع زكاة النحل فالقراد جاهز، القراد آفة تصيب النحل، آفة عظيمة، أصابت خلايا النحل قبل عامين، فطاشت عقول أصحاب المناحل، آفة اسمه قراض النحل، فإما أن تدفع وإما أن القراض جاهز، إما أن تزكي زكاة هذا النبات، وإما فالصقيع جاهز، تارة دودة، تارة فأر حقل، تارة حشرة، تارة ذبابة، ذبابة بيضاء أحرقت الحرث والنسل في الساحل، حتى الآن ليس هناك دواء لها، كل النباتات تتجعد، وتموت بفعل الذبابة البيضاء، فما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، في الداخل وفي الخارج، وفي أي مكان، إذا حبست الزكاة تلف الزرع، فلذلك هذه قوانين:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 من السماء بالمطر، ومن الأرض بالزرع والضرع.
 أحياناً تقل أمطار البادية، فنضطّر إلى استيراد علف بما يزيد على عشرات مئات الملايين من الليرات، إذا قلّ المطر في البادية قَلّ العشب الطبيعي الذي يغني عن ألوف الملايين:

 

﴿ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾

 أنى تصرفون، أنى تتجهون، مَن تخافون، مَن ترجون ؟

﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

1 ـ معركة الحق والباطل أزلية:

 معركة الحق والباطل قديمة، فكلما تمرّس الإنسان في الحياة لا يستغرب ما يلاقيه من متاعب، هذه المتاعب من سنة الله في خلقه دائماً وأبدا الحق والباطل يتصارعان، دائماً وأبدا قوى الخير وقوى الشر تتعاكسان، دائماً الحق له أعداء، فهذا الشي واقع دائماً.

2 ـ تسلية النبي عليه الصلاة والسلام:

 الله سبحانه وتعالى يسلّي النبي عليه الصلاة والسلام و يواسيه، قال يا محمد:

﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾

 لست أول مَن كُذب، ولن تكون آخر مَن كُذب، وقد ناجى موسى ربه فقال: يا رب، لا تبق لي عدواً، قال: يا موسى، هذه ليست لي، الحق دائماً هناك مَن يعارضه، هناك مَن يطعن فيه، هناك من يسخر منه، هناك من يكذبه، هناك من يكيد له، هناك من يريد أن يطفئه:

﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾

3 ـ لا قرار إلا للحق:

 

 

 لكن الأمر كله لله، الله عز وجل يقول:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف: 128)

 الأمور تدور وتدور، والقوى تصطرع، ولا يستقر إلا الحق:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾

( سورة آل عمران: 146)

 الأمور تدور، والقوى تتصارع، وهناك مَن يعلو، وهناك من يخبو، وفي النهاية لا يستقر إلا الحق على قدميه.

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾

 

( سورة الإسراء: 81)

 ورأيتم بأم أعينكم كيف أن قوى الباطل قد تهافتت، وتساقطت لأسباب صغيرة جداً، ما كان يُظَن أن تتهاوى لهذه الأسباب، ولكن شاءت مشيئة الله ذلك، وإلى الله ترجع الأمور، ولو أنهم كذّبوك فالله معك، قال له: يا عدي بن حاتم، لعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين، أنك ما ترى من حاجتهم، كانوا فقراء، كان أصحاب النبي فقراء جداً، فعدي بن حاتم كان ملكاً من ملوك الجزيرة، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، كان يظن أن رسول الله ملك، فلما دخل عليه، ما عرفه، لأنه كان بين أصحابه، فقال النبي له من الرجل ؟ قال: أنا عدي بن حاتم، فرحب به النبي عليه الصلاة والسلام، وانطلق به إلى البيت تكريماً له، قال: وفي الطريق استوقفته امرأة تكلمه طويلاً في حاجتها، فوقف يستمع لها، قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، إنه نبي، فدخلت بيته، فدفع إليّ وسادة من أدم محشوة ليفاً وقال: اجلس عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس هو على الأرض، ليس في بيته إلا وسادة من أدم محشوة ليفاً، هذه واحدة، قال: يا عدي بن حاتم، لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، وايم الله، ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي بن حاتم إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله، ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها هذا لا تخاف، لاستتباب الأمن في المسلمين، ولعله إنها يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وايم الله، ليوشكن أن ترى القصور البابلية مفتحة للمسلمين، ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى هذا كله بأم عينيه وهذه الثانية، وإلى الله ترجع الأمور، الأمر بيد الله، والله عز وجل يقول:

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 

( سورة الأعراف: 128)

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة غافر: 51 )

﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

( سورة الأعراف: 128)

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ

1 ـ وعدُ الله واقع لا محالة:

 وعد الله حق واقع لا محالة، ولا بد من أن يقع، وأن تزول السماوات والأرض أهون على الله من ألاّ يقع وعده، ووعيده لذلك فالمؤمن قيل له: كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أصبحت بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتنعمون، وبأهل النار يتصايحون.
أحيانا الإنسان يرى شيئاً له نتيجة حتمية، يتنبأ بهذه النتيجة قبل أن تقع، ليقينه بأنها لابد من أن تقع.

2 ـ الموتُ واقع لا مفر منه:

 إذا كان شخص ـ لا سمح الله ـ راكباً مركبة، وتعطل معه المكبح فجأة، والطريق منحدر، والسرعة شديدة، وهناك منعطف حاد في نهاية هذا المنحدر، ولن تقف معه المركبة، أول صيحة يصيحها يقول لك: هلكنا، يستخدم الفعل الماضي، كأنه يتحقق الوقوع، يستخدم الفعل الماضي لتحقق الوقوع:

﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 الإنسان مهما عاش:

 

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القـبور جنـازة  فأعلم بأنك بعدهـا محـمولُ
***

 ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خَلق جديد، وعلى عملك شهيد، تزوّد مني فإني لا أعود.
 النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ يقول:

 

 

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ))

 

[ البخاري عن حذيفة ]

 ما دمتَ قد استيقظت، فقد سمح الله لك بيوم جديد:

﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 هذا الموت لا بد منه، مع وقف التنفيذ، والإنسان يمر في الطرقات، وفي كل يوم يقرأ عشرات النعي، ثم يمضي لسبيله، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وفي يوم من الأيام سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا:

﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 لا بد من مغادرة الدنيا، لا بد من مغادرة بلا عودة، ولما يموت الإنسان مساء لا يقول أحد: لماذا لم يأتِ فلان، وقد تأخر، يقولون: لا يرجع، ما أحد يقول: تأخر، أما قبل أن يموت مثلاً الساعة العاشرة يقولون: ليس بالعادة أن يتأخر، يخبّر أو يتصل، ما دام حياً، أما إذا خرج من البيت أفقياً فلا يقول أحد مساء: أين فلان ؟ لن يعود، فإنه انتهى:

﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 وعدنا بالموت، لكن بين أن يكون الموت عرس المؤمن، وقمة سعادته وساعة لقائِهِ مع ربه، وبين أن يكون الموت أسوأ أوقات حياته، فالموت يتحدد بطريقة الحياة التي تحياها، فإذا أمضيت العمر في طاعة الله عز وجل، كان الموت عرس المؤمن، وكان القبر روضة من رياض الجنة، وكان البرزخ جنة، وإذا أمضى الإنسان حياته في معصية الله كان الموت أكبر مصيبة، وما بعد الموت أخطر من الموت نفسه.

 

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

 

فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ

 الحقيقةُ أنّ الدنيا تغر وتضر وتمر، والناس دائماً يرونها بحجم كبير جداً، أكبر من حجمها الحقيقي.
 دخل الصحابة على سيدنا أبي عبيدة الجراح فرأوه يسكن غرفة، وهو قائد جيش المسلمين، يسكن غرفة فيها قدر ماء مغطى برغيف خبزٍ، وسيفه معلق على الجدار، ويجلس على جلد غزال، فقيل له: ما هذا ؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلّغُنا المقيل ؟ يقول الله عز وجل:

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

 أيها الإخوة، هذه الآية تحتاج إلى تفصيل طويل، على كلٍ نقف عند كلمةٍ واحدة منها:

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

1 ـ الدنيا حظوظ، والغرور أن تراها بغير حجمها الحقيقي:

 الدنيا فيها حظوظ، المال حظ، بمعنى نصيب، وفيها القوة، وفيها الجمال، وفيها الذكاء، وفيها البيت، وفيها الزوجة، وفيها الأهل، هذه الدنيا لها حجم عند الله، فما الغرور ؟ أن تراها بحجم كبير جداً، أكبر من حجمها، إن عرفت حجمها، إن رأيتها زائلة، وماضية، وإن رأيتها ممراً وليست مقراً، وإن رأيتها دار عمل، وليست دار جزاء، إن رأيتها سرادقاً إلى الجنة، إن رأيت الدنيا مزرعة الآخرة، فهذه رؤية صحيحة، وهذا حجمها الحقيقي لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ سنن الترمذي عن سهل بن سعد ]

 فهي لها حجم، مالُها قد ينفع المؤمن في بلوغ الجنة، والعلم فيها ينفع المؤمن، وهي مزرعة الآخرة، ليس بخيركم مَن ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يأخذ منهما معاً، فإنّ الأولى مطية للثانية، أما أن نلتفت إلى الدنيا وحدها، وأن ننسى الآخرة، وأن نجعلها كبيرة جداً، تطغى على كل أهدافنا، وننسى ربنا من أجلها عندئذ وقعنا في الاغترار، والاغترار أن ترى الدنيا بحجم أكبر من حجمها الحقيقي، أو ألاّ تعرف حقيقتها، ولا سرَّ وجودك فيها، ولا طبيعتَها المتقلبة، أما الغَرور هو الشيطان.
 على كل لنا مع هذه الآية وقفة متأنية إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، إلا أن الشيء الذي لابد من ذكره أن ربنا عز وجل يحذرنا من أن نرى الدنيا بحجم أكبر من حجمها، ويحذرنا أن نقع في المعاصي، وأن نطمع في مغفرته، وهذا فعل الشيطان، الغرور، يدفعك إلى المعصية، ويقول لك: سيغفر لك، أما إذا جاء يوم القيامة فتفاجئك، ويلاُته، والشيطان يتبرّأ مما فعلت.

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ ﴾

( سورة إبراهيم: 22)

 يدعونا الله عز وجل في هذه الآية إلى أن نرى الدنيا على حقيقتها، أن نراها مزرعة الآخرة، أن نراها ممراً، وليست مقراً، أن نراها دار عمل، وليست دار جزاء، أن نراها مطية للآخرة، أن نرى أن أثمن شيءٍ فيها معرفة الله، والاستقامة على أمره والتقرب إليه، هذا أثمن ما في الدنيا، وما سوى الدنيا باطل في باطل.