الدرس : 21 - سورة البقرة - تفسير الآية 40 ، المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة

1998-12-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة البقرة.

الحكمة من إيراد قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرات عديدة:

 مع الآية الأربعين وهي قوله تعالى :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، بادئَ ذي بدء، ما الحكمة أن تَرِد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم مرَّاتٍ عديدة، مع أن القرآن للمسلمين ؟ هناك من تَلَمَّسَ الحكمة في ذلك فقال: " الخطاب المُباشر أقلُّ تأثيراً من الخطاب غير المباشر "، فأنت إذا أردت أن تنصح إنساناً، وأن تُلْقِي عليه بعض الحقائق ربما دافع عن نفسه، أو ربما رأى ذلك انتقاصاً من قدره، فهناك خطوط دفاعٍ عند كل إنسان تمنع أن تدخل إلى أعماقه، أما إذا كان المُخَاطَبُ ليس معنياً في الموضوع، إنما المعنيٌّ جهةٌ ثالثة، فهذه الطريقة في الخطاب أكثر فاعليَّةً، وأكثر تأثيراً.
 لو أن ابنك مثلاً مبتلى بشيءٍ لا يُرْضي الله، ربما لا يستجيب إذا ألقيت عليه نصائح ومواعظ وخطابات، أما إذا حدّثته عن شابٍ وقع في شيءٍ مشابهٍ لما وقع فيه الابن ودفع الثمن باهظاً فلعلَّ تأثير هذا الكلام يكون أكبر، لذلك دائماً وأبداً الطريقة المباشرة أقلُّ فاعليَّةً من الطريقة غير المباشرة، فمن الأمراض التي يمكن أن نقع بها، والنفاق الذي يمكن أن نقع فيه، والتقصير الذي يمكن أن نقع فيه، هذا كلُّه عُولِجَ في قصص بني إسرائيل، فصار الحديث عن بني إسرائيل حديثاً غير مباشر عن قضايانا، هذه بعض الحكم التي تلمَّسها بعض العلماء من كثرة إيراد قصَّة بني إسرائيل في القرآن الكريم لأن الأمراض التي يمكن أن نقع فيها وقعوا فيها، نقاط الضعف التي يمكن أن نعانيها وقعوا فيها، فمعالجتها معالجةٌ لنا.

قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا:

 مثلاً قال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة: آية " 66 " )

 قياساً على ذلك لو أننا أقمنا القرآن الكريم لأكلنا من فوقنا ومن تحتنا، ولجاءت الخيرات كثيرةً:

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن)

 وقال:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾

( سورة الأعراف: آية " 96 " )

 أول نقطة في هذا الموضوع أن قصص بني إسرائيل فيها أسلوبٌ تربويٌّ فعَّالٌ لنا لأن القرآن الكريم لا يخاطب المسلمين بشكلٍ مباشر بل يحدِّثهم عن أممٍ انحرفت فدفعت ثمن انحرافها باهظاً، يكون عند الواحد منا تقصير من جهة، فإذا رأى إنساناً قصَّر التقصير نفسه ودفع الثمن باهظاً يبادر إلى تلافي الأمر.

 

أصل تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم:

 الشيء الآخر: إذا أراد الله جلَّ جلاله أن يخاطب الناس جميعاً قال:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

( سورة الأعراف: آية " 31 " )

 الخطاب هنا لبني إسرائيل، من هو إسرائيل ؟ هو سيدنا يعقوب عليه السلام، وما معنى هذا الاسم ؟ قال بعض العلماء: " في العبرية (إسِرا) تعني عبد و(إيل) تعني إله، هو عبد الله، أو صفي الله، هذا أصل التسمية في اللغة العبرية، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾

 أي أنتم انحدرتم من إسرائيل وهو صفي الله عزَّ وجل، فَلِمَ أنتم كذلك ؟ تماماً كما لو تثير نخوةَ شاب، أنت ابن فلان، وأبوك إنسانٌ كبير، وإنسانٌ عالِم، وإنسانٌ كريم، وإنسانٌ محترم فَلِمَ أنت تفعل ذلك ؟ هذه هي العلَّة في قوله تعالى:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾

 أي أنتم من نسل يعقوب، ويعقوب من نسل إبراهيم، وإبراهيم هو أبو الأنبياء عليهم السلام، إذاً :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾

 يوجد شيءٌ ثالث: إذا كان الأنبياء الذين جاؤوا إلى بني إسرائيل كُثراً فهذا لا يعني أنَّهم أمةٌ مختارة، أي إذا كان الأساتذة الذين يعلِّمون طالباً كثيرين جداً فهذا دليل على كسله، وليس معنى ذلك أنه متفوِّق، أكثر الشعوب معصيةً وتمرُّداً على الله عزَّ وجل هم بنو إسرائيل.

 

لو تدبَّرت أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل:

 قال تعالى:

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

(سورة البقرة: آية " 61 " )

 منهجهم الآن إفسـاد شعوب الأرض، أصل الفساد في الأرض يتأتَّى الآن من بني إسرائيل، أي هم إن ضبطوا أنفسهم هذا وصمةُ عارٍ بحقِّهم، هم ينضبطون ولكنهم يُفْسدون الشعوب كلَّها، لو تدبَّرت أصل الفساد في العالم لوجدته من صنع بني إسرائيل، فلذلك ليست كثرة أنبيائهم دليل تفضيلهم، بل هو دليل انحرافهم الشديد، هذه بعض الحقائق المتعلِّقة بقوله تعالى:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (40) ﴾

 الآن الخطاب يعنينا:

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 هناك أيها الأخوة نعمةٌ وهناك مُنْعِم، الكافر مع النعمة، أما المؤمن مع المُنعم، وما لم تنتقل من النعمة إلى المنعم فلست مؤمناً، الكفَّار في كل مكان يستمتعون بنعم الله أَيَّما استمتاع، بل إن الكفَّار أكثر من المؤمنين استمتاعاً بالنعم لأنها نصيبهم الوحيد من الله عزَّ وجل، بلادهم جميلة، وأموالهم طائلة، وقوَّتهم مسيطرة ومع ذلك هم غارقون في المعاصي والآثام:

(( لو كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

[ الترمذي عن سهل بن سعد ]

آيات من الذكر الحكيم تبين أن عقاب الله آت ولو بعد حين والعاقبة للمتقين:

 أيها الأخوة الكرام، القرآن شفاء لما في الصدور، ذلك لأن الإنسان أحياناً يختل توازنه، فإذا قرأ القرآن استعاد توازنه، فقد يجد الإنسـان كافراً غنيَّاً، وقد يجده قـويَّاً، ومسيطراً، ومستمتعاً، ومتغطرساً وهو غارقٌ في المعاصي والآثام، وهناك مدينةٌ في بعض بلاد الغرب ثلاثة أرباع سكَّانها شاذُّون، خمسة وسبعون بالمئة، وهي من أجمل المدن وكلهم شاذُّون، وهذا عند الله انحرافٌ خطير عاقبته القضاء المبرم قال تعالى :

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ(198) ﴾

( سورة آل عمران)

 وقال تعالى:

﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195) ﴾

(سورة آل عمران)

 ويقول أيضاً:

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾

( سورة إبراهيم )


 ويقول أيضاً :

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12) ﴾

( سورة آل عمران )

 ويقول أيضا ً:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) ﴾

(سورة الأعراف)

 ويقول تعالى:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34) ﴾

( سورة المطففين )

النصر يحتاج إلى شرطين اثنين ؛ الإيمان والعُدَّة:

 دققوا في هذا الكلام أيها الأخوة: العبرة في من يضحك آخراً، لأنه من يضحك أخيراً يضحك كثيراً، ومن يضحك أولاً يبكي كثيراً، فالعبرة أن تكون على منهج الله، والعبرة أن تكون مطيعاً لله، والعبرة أن تأتمر بما أمر الله وأن تنتهي عما نهى الله عنه، هذه هي العبرة، وكفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، فلو كان عدوُّك أقوى منك، ولو كان أغنى منك، ولو كان أذكى منك، ولو كان أكثر منك سيطرةً العبرة أن تكون مطيعاً لله، ولكن من طاعة الله أن تُعِدَّ لهم:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال: آية " 60 " )

 ذكرت اليوم أن النصر يحتاج إلى شرطين اثنين كلٌ منهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ؛ يحتاج إلى الإيمان، ويحتاج إلى العُدَّة، أن تُعِدَّ العُدَّة المتاحة، وليست العدة المكافئة، وهذا من رحمة الله بنا:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

( سورة الأنفال: آية " 60 " )

 بقدر استطاعتكم، حينما أمرنا الله أن نُعِدَّ لعدوِّنا العُدَّة المُتاحة رحمنا بهذا وعلى الله الباقي، وعلى الله ترميم الفارق بين العُدَّة المتاحة والعُدَّة المكافئة ولكن لا بد من الإيمان، وخطر المعصية على قوَّتنا أكثر من خطر عدوِّنا على قوّتنا، لذلك المؤمن مع المنعم، والكافر مع النعمة، ولا خلاف حول النعمة.

الفرق بين أن تكون عبداً للنعمة وبين أن تكون عبداً للمنعم:

 في الفاتحة

﴿ الْحَمْدُ﴾

 لا خلاف على النعم التي بين أيدينا ولكن من هو المنعم ؟

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ﴾

(سورة الفاتحة)

 هم يرون الحمد لهم فهم الذين اكتشفوا هذه الثروات، الذين صنَّعوها واستغلُّوها، وهم يرون أنفسهم آلهة الأرض، ولكن المؤمن يرى الله عزَّ وجل، إذاً الخلاف بين أن تكون عبداً للنعمة، وبين أن تكون عبداً للمنعم، بين أن تشكر ما آتاك الله من قدراتٍ على استغلال النِعَمْ، وبين أن تشكر الله عزَّ وجل الذي منحك هذه النعم، الذي يمدحك يمدح الذي منحك ولا يمدحك أنت:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾

 قال بعض المفسِّرين، وهي لفتةٌ طريفة: " حينما خاطب الله عزَّ وجل المؤمنين قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 41 " )

 أما حينما خاطب بني إسرائيل قال :

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (40) ﴾

 لأنهم ماديُّون فمفتاحُهُم النعمة ".

 

المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله:

 نرجو من الله عزَّ وجل أن نكون نحن أرقى منهم، ونكون مع المُنْعِمْ:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ (40) ﴾

 أما هم :

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 قد يُحبّ الإنسان الله على نعمه، ولكن المؤمن بالذَّات يحب الله على كماله، فلو أعطاه أو منعه حبُّه هوَ هو:

والله وإن فتَّتوا في حبهم كبدي   باقٍ على حبهم راضٍ بما فعلوا
***

 أساساً لا يُمْتَحَنُ المؤمن إلا في الشدَّة، قد يُنعم الله عليه في الدنيا فإذا ربط محبَّته لله بهذه النِعَم فهو عبد النِعْمَة، أما إذا كانت محبَّته لله خالصةً ولا علاقة لها بالنعم فهذه مرتبةٌ أعلى، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الأدب مع الله عزَّ وجل، قال في الطائف:

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]

إن أردت أن تعد النعم فلن تحصيها:

 أيها الأخوة، استنباطاً من هذه الآية الكريمة :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا (40) ﴾

(سورة إبراهيم: آية " 34 " )

 توجد في الآية لفتة لطيفة: هل يمكن أن أعطيك ليرةً واحدة وأقول لك: عدَّها ؟ الواحد لا يُعَد، أما لو أعطيتك مجموعة من الليرات فيمكن أن أقول لك: عُدَّها، أما ليرة واحدة وأقول لك: عُدَّها، إنها لا تُعَدْ، فهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا (40) ﴾

(سورة إبراهيم: آية "34 " )

 قال العلماء: " بركات النعمة الواحدة لا تُعَدُّ ولا تحصى "، نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة الحركة، ونعمة النوم وغير ذلك من النعم.
 أخٌ كريم شفاه الله عزَّ وجل، كان مصاباً بمرض عدم النوم، والله الذي لا إله إلا هو أنا أتصوَّر لو طالبته بمئة ألف ليرة يملكها لدفعها لك مقابل أن ينام ليلةً واحدة، نعمـة النوم، نعمة الصحَّة، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

((الحمد لله الذي عافاني في جسدي و رد على روحي و أذن لي بذكره))

[السيوطي عن أبي هريرة]

 إن أردت أن تعد النعم فلن تحصى، بل إنك إن أردت أن تعد بركات نعمةٍ واحدة لن تحصيها.

 

بعض من نعم الله الدالة على عظمته :

 نعمة الأمن :

 

﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4) ﴾

(سورة قريش)

 أحد أسباب الأمن ثبات خصائص المواد، أنت عمَّرت بيتاً الإسمنت يبقى إسمنتاً، والحديد يبقى حديداً، لو أن خصائص المواد تتبدَّل إنك لا تنام الليل، لعلَّ هذا الحديد أصبح ماءً فانهار البيت، ثبات خصائص الأشياء هذه من نعم الله العُظمَى، استقرار الأرض:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً ﴾

( سورة النمل: آية " 61 " )

 لو أنها تهتزُّ دائماً، أرقى طائرة تهتز في أثناء طيرانها، لا توجد أرض، ولا يوجد احتكاك ومع ذلك تهتز دائماً، لو أن الأرض تهتز قليلاً لما رأيت بناءً قائماً على وجه الأرض، نعمة قرار الأرض، ونعمة الجاذبيَّة

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً ﴾

 من جعل هذه الأشياء مرتبطة بالأرض ؟ رائد الفضاء في منطقة انعدام الجاذبيَّة يفقد الوزن، يستيقظ فإذا هو في سقف المَرْكَبَة، ليس له وزن، يُمسك الحاجة بيده فإذا هي تتفلَّت منه، أصبحت في السقف، أما نحن فنضع هذا الكأس على الطاولة ويبقى على الطاولة لأن له وزناً، نعمة الجاذبيَّة قد لا ننتبه إليها، ونعمة الاستقرار قد لا ننتبه إليها، ونعمة ثبات خصائص الأشياء لا ننتبه إليها، هناك في الجسم نِعَمٌ لا تعدُّ ولا تُحصى، إذا حمل الإنسان ابنه يجد فيه صنعة متقنة، الأربطة التي تربط اليد بالجسم تتحمَّل وزن الطفل، وتتحمَّل ضعف وزنه، لو كان الأب غاضباً وأمسك ابنه بعُنف وحمله، لو كانت الأربطة متناسبة مع وزن الجسم فقط لَخُلِعَت يده، لكن هناك دقَّة بالغة.
 نعمة أن هذا الشَعر بلا أعصاب حس، لو كان في كل شعرة عصب حسّي، يوجد في كل شعر عصب ولكنه عصب محرِّك، لكل شعرةٌ وريدٌ، وشريانٌ، وعضلةٌ، وعصبٌ، وغدَّةٌ دهنيَّةٌ، وغدَّةٌ صبغيَّة، ولكن العصب محرّك وليس عصباً حسيَّاً، لو كان هناك عصب حسي لاحتجت إلى عمليةٍ جراحيَّةٍ عند كل حلاقة، عملية تخدير لأن الآلام لا تُحْتَمَل.

 

جسم الإنسان بما فيه من نعم الله الدالة على عظمته:

 نعمة المثانة نعمة كبيرة جداً، لولا أن فيها عضلات لما كان هناك طريقة أخرى لإفراغ البول إلا بأنبوب من أجل الضغط، أنبوب تنفيس، نعمة الإفراغ السريع بالعضلات، نعمة وجود المثانة، لو أنه لا توجد مثانة، أي من الكليتين إلى الخروج مباشرةً لكان هناك في كل عشرين ثانية نقطة بول، من كل كلية نقطة، فصارت نقطتين، فما هو الحل ؟ فوط الرجل السعيد.
 نعمة الهضم، الإنسان يأكل، ويتولَّى الله عنه عمليَّة الهضم، وهي عمليَّة معقَّدة تتم في ثلاث ساعات، لو أن الله عزَّ وجل أوكل الهضم إلينا، يأكل، ومعه أربع ساعات هضم، والله مشغول، لأنني أهضم الطعام، أما كلْ وكلُّ شيء على الله، البنكرياس، والمرارة، وحركة الأمعاء، وامتصاص الطعام، وانتقال الطعام إلى مواد سكَّريَّة تخزَّن في الكبد وفي العضلات، وتحويل الطعام إلى مواد مختلفة وإلى مواد شحميَّة تُخَزَّن في مكانٍ آخر، هذا كلَّه يتولاه الله عنك.
 نعمة أن التنفّس يتمُّ آلياً في الليل، لولا هذه النعمة لما أمكنك أن تنام، لو كان التنفس إرادياً، لو أن الله عزَّ وجل جعل التنفس إراديَّاً ينام فيموت، هناك مركز في البصلة السيسائية اسمه مركز التنبيه الآلي للرئتين، لو تعطَّل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، بمجرَّد أن ينام يموت، اخترع قبل سنوات عدَّة دواء غالٍ جداً يجب أن تأخذه كل ساعةٍ في الليل من أجل أن تبقى حيَّاً، الساعة التاسعة حبَّة، العاشرة، الحادية عشر، الثانية عشر، الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة وهكذا، تصوَّر نفسك أنك مكلَّف أن تستيقظ كل ساعة لتأخذ الحبَّة وتنام، ما الذي يحدث ؟ هناك شخص أعرفه أُصيب بهذا المرض أصبحت حياته جحيماً لا يُطاق، كان يضع أربع منبِّهات لكي يستيقظ ويأخذ الحبَّة، له ابن مسافر عاد من سفره فسهر معه سهرة طويلة، الأربع منبِّهات نبِّهت ولم يستيقظ فوجدوه ميتاً في الصباح، فنعمة أن التنفُّس عمليّةٌ آليَّة هذه نعمةٌ لا تُقَدَّر بثمن.
 نعمة أن الدماغ ضمن صندوق، والصندوق له مفاصل متحرِّكة، يمكن أن يسمع الواحد صوت رأس ابنه يرتطم على الأرض مرات عديدة جداً، تسمع صوتاً قوياً، لماذا لم ينكسر رأسه ؟ لأن الجمجمة فيها مفاصل متحركة، فهذه الضربة الشديدة تمتصُّها الفراغات بين المفاصل، ثم إن الدماغ محاط بسائل، هذا السائل يوزِّع، فأي ضربة على الرأس تتوزع على كل الدماغ فتغدو بسيطة جداً، فالدماغ في الجمجمة، والنخاع الشوكي في العمود الفقري، والعينان بالمحجرين، والرحِم بالحوض، وأخطر معمل في الإنسان معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، الأجهزة النبيلة الخطيرة جداً ضمن صناديق، ضمن حصون، هذه من نعم الله الكُبرى، لو كانت عين الإنسان على جبينه، كم إنسان يسلم له بصره ؟! لا تجد سوى عشرة بالمئة فقط، لأنه أي وقوع على الأرض لفقئت عينه وانتهت، لو فكر الإنسان بجسمه، لو أنه لا يوجد مفصل في يده كيف يأكل ؟ مثل الهرَّة ينبطح، ويلحس الطعام بلسانه، لا توجد طريقة ثانية، لو أنه لا يوجد مفصل فإن اليد لا تصل إلى الفم، ولكن بهذا المفصل صار شيئاً آخر.

 

الأرض وما فيها من بحار ونباتات وصحارى من آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

 

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 دورة الأرض وحجم الأرض جعل وزنك ستين كيلو غراماً، لو كان حجمها أقل لكان وزنك خمسة كيلو غرامات، وزن الإنسان على القمر ستة كيلو غرامات، الحياة لا تُطاق، حجم الأرض جعل لك وزناً مناسباً، الآن سرعة الأرض حول نفسها جعلت لك نهاراً مناسباً، اثنتي عشرة ساعة، ثماني ساعات للعمل، وساعة للأكل، وساعتين أو ثلاثاً مع أهلك صار وقت النوم، لو كان النهار مئة ساعة، هذا يعمل، وهذا نائم، لا أحداً يرتاح، أما النوم فموحَّد، والنهار موحَّد .
 لولا أن محور الأرض مائل لما وجدت فصولاً أربعة أبداً، إمّا صيف أبدي، أو شتاء أبدي، ربيع أبدي، خريف أبدي، مع ميل المحور صار هناك تبدُّل فصول، لو أن الأرض تدور على محور موازٍ لمستوى دورانها حول الشمس لكانت درجة الحرارة هنا ثلاثمئة وخمسين فوق الصفر، وفي الطرف الآخر مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانتهت الحياة، كم نعمة نحن محاطون بها ؟
الآن النباتات لو أنه لا توجد بذور، وجدنا مثلاً مليار طن من القمح، وبعد أن انتهت هذه الكمية فإننا نموت من الجوع، ولكن الله عزَّ وجل خلق لك نظام البذور، يوجد مع كل إنتاج نباتي وسائل استمراره بالبذور، نظام النبات وحده من الأنظمة الصارخة في الإشارة إلى عظمة الله عزَّ وجل.
 لو كانت البحار بقدر اليابسة لما وجدنا أمطاراً، اسكب كأس الماء هذا على أرض الغرفة تجده قد جف بعد ساعتين، أما لو أبقيته في الكأس فلا يتبخَّر ولا بسنتين، إنه ينقص سانتي واحد فقط، فكلَّما كان السطح ضيقاً يكون التبخُّر قليلاً، وجعل الله أربع أخماس الأرض مسطَّحات مائيَّة من أجل أن يكون التبخُّر كافياً لأمطار اليابسة .
 لو لم تكن هناك صحارى، ولم تكن هناك مناطق حارَّة لم يعد هناك رياح، هواء المنطقة الحارَّة مخلخل، هواء المنطقة الباردة مضغوط كثيف، ينشأ من تباين الضغطين حركة رياح، حركة الرياح تسوق السحاب، هذه رؤوس موضوعات.

 

بعضٌ من نعم الله علينا:

 قال تعالى:

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 لك طفل، وهذا الطفل صفاته صفات محبَّبة، لو كانت صفات الطفل صفات غير محبَّبة من يربي ابنه ؟ الطفل بريء ذاتي لا يحقد أبداً، سريع الرضا، لو كان بطيء الرضا لاستحالت تربيته، تكلم الكبير مثلاً كلمة يخاصمك سنتين، إذا غلطت معه غلطة يخاصمك سنتين، لو كل واحد ربَّى ابنه فخاصمه سنتين فلن تستمر الحياة أساساً، لكن الله صمَّم الطفل بريئاً، فهذه نعمة الطفل، هناك أشياء دقيقة جداً في الحياة.
 المواد ؛ جعل الله لك معادن وأشباه معادن، معادن ثمينة جداً ومعادن رخيصة، معادن قاسية ومعادن خفيفة، معادن تنصهر بسهولة، الرصاص ينصهر بالدرجة مئة، أما الحديد فبالألف وخمسمئة، لو كان الحديد ينصهر بالمئة درجة لانتهى، ولانتهت كل فوائده، تحاول أن تطبخ بوعاء من حديد ينصهر مع الطعام، انتهى، أما الحديد فيصمد للألف وخمسمئة درجة، فالطعام ينضج داخل الوعاء، توجد أشياء دقيقة جداً، يتبخر الماء عند أربع عشرة درجة ، لو تبخَّر بدرجة مئة انتهى، لانتهت وظيفة الماء، الماء لا ينضغط، الماء يتمدَّد، لولا تمدُّد الماء مع التبريد فلا توجد حياة على وجه الأرض .ماذا أقول لكم ؟!!

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 نعمة الذكر والأنثى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) ﴾

( سورة النجم )

 يوجد في مبيض المرأة عدد من البويضات ينتهي في سن اليأس، في الخامسة والأربعين، ثمانية وأربعين، اثنين وأربعين، لو كانت كالرجل مهيأة للولادة بشكل دائم، تصور واحدة تلد وهي في التسعين، شيء لا يُحتمل، فالبويضات تنتهي لدى المرأة في سن معيَّن، أما الرجل فيبقى قادراً على الإنجاب في التسعين، هناك تصميم إلهي رائع، الرجل قد يفقد شَعْرَه كلَّه لكن المرأة لا تفقد شعرها كله وهذه نعمةٌ كُبرى من نِعَمْ الله عليها.

 

ملخص الملخص المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة:

 نِعَم الصحة، ونِعَم الأمن، أنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، ونعمة الفراغ، فالإنسان الذي لا يملك وقت فراغ ليس إنساناً، هذا الذي يعمل ليلاً نهاراً هذا إنسان انتهى، انتهى عند الله وعند الناس، لأن وقته استهلكه، عمله استهلكه، أما هذا الذي يجد وقتاً لسماع درس علم، وللجلوس مع أخ وللقاء مثمر، هذا يحيا حياته الإنسانية، فالمؤمن على كلٍ مع المنعم دائماً.
 كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، أي كأس ماء شربته معنى ذلك الطريق سالك، لو كان الطريق غير سالك ـ لا سمح الله ولا قدر ـ هؤلاء الذين يعانون الفشل الكلوي، قال لي أخ كريم: له قريب ذهب لغسيل الكليتين، قالت له الممرضة بقسوةٍ بالغة: هذه الجمعة لا تشرب ماء كثيراً لأن الجهاز معطل، أنت عندما تعطش تشرب بدون تقييد، فلا توجد لديك مشكلة إطلاقاً، تصور إذا شرب الإنسان ليس لديه جهاز يخرج هذا الماء ، ماذا يفعل ؟ " يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنِعَ عنك ؟ " قال: " بنصف ملكي " ، قال: " فإذا منع إخراجه " ؟ قال: " بنصف ملكي الآخر " ، بكم تشتري أن تنام الليل مطمئناً ؟ بكم تشتري إيواءك في بيت ؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته يقول: " الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له "، وكان إذا خرج من الخلاء يقول:

(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني.))

[ابن أبي شيبة والدار قطني عن طاوس مرسلاً]

 نعمٌ لا تنتهي، نعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة الفراغ، ونعمة الكفاية، هذا الذي يملك قوت يومه من نعم الله الكبرى، قوت يومه فقط، هذه نعمةٌ كبيرة .
 ملخص الملخص المؤمن مع المنعم والكافر مع النعمة، ومهما تفنن في النعمة يأتي الموت فينهي كل شيء، هذه النعمة التي تنعم بها هناك شيء لا بد منه، فإما أن تتركها وإما أن تتركك، نعمة البصر، يموت الإنسان انتهى البصر، أو يفقد بصره قبل أن يموت، ونعمة المال يموت انتهى كل ماله، أو يصبح فقيراً قبل أن يموت، فإما أن تتحول عنك وإما أن تتحول أنت عنها، لذلك وبالشكر تدوم النعم، قيدوا النعم بالشكر، " يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود "، النعمة تقيَّد بالشكر، ومن شكر الله على نعمه زاده الله منها.

 

للشكر مستويات ثلاثة:

 الآن كيف نشكر ؟ قال العلماء: للشكر مستوياتٌ ثلاثة.

1ـ أن تعزو النعمة إلى الله و هذا أحد أنواع شكره:

 المستوى الأول لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع شكره، إذا قلت: الله وفَّقني، الله أعطاني هذا البيت، والله هيَّأ لي هذه الزوجة، الله رزقني هؤلاء الأولاد، والله أعانني على نيل هذه الشهادة العليا، والله أعانني على طلب العلم، والله يَسَّر لي المجيء إلى المسجد، والله أعانني على تطبيق الإسلام في بيتي، والله أكرمني بزوجة مؤمنة، والله أكرمني بأولاد أطهار صالحين أبرار، حينما تقول هذا فهذا أحد أنواع الشكر، حينما تعزو النعمة إلى الله فهذا نوعٌ من شكرها.

 

2ـ أن يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل:

 المستوى الثاني: حينما يمتلئ قلبك امتناناً لله عزَّ وجل فهذا مستوى أعلى.

 

 

3ـ أن تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة:

 المستوى الثالث حينما تتحرك لخدمة الخلق معرفةً بهذه النعمة فهذا أعلى المستويات، قال تعالى:

 

﴿ اعْمَلُوا آلَ داو ود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(30) ﴾

(سورة سبأ)

 يحبك الله عزَّ وجل أن تكون شاكراً.

علينا أن نسجد شكراً لله عند كل نعمة يمنحنا الله إياها:

 عود نفسك إذا منحك الله عزَّ وجل نعمة أن تقابلها بالسجود لله عزَّ وجل، كان عليه الصلاة والسلام يسجد سجود الشكر لله عزَّ وجل، تلقيت نبأً ساراً، رزقك الله مولوداً كاملاً بدون أي مشكلة، فلو لم ينفلق ثقب بوتان لاحتجت إلى مئتين وخمسين ألف ليرة عملية قلب مفتوح لإغلاق ثقب بوتان، وهو كما قال الأطباء: ثقب مفتوح بين الأذينين، ولكن عند الولادة ـ هكذا قالوا ـ تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، بيد من ؟ أية يدٍ تصل لداخل قلب الطفل لإغلاق هذا الثقب بين الأذينين ؟ الله جلَّ جلاله، فأي غلطة بالجسم تحتاج إلى ملايين الملايين.
 اجمع الأجهزة التي تنعم بها ثمنها ألف مليون، عملية زرع الكبد بفرنسا تكلف سبعة ملايين ـ لو تشمع الكبد ـ ونجاحها ثلاثون بالمئة، فالكبد سبعة ملايين، والكلية أصبح ثمنها الآن مليونين، وتبديل صمام، قال لي واحد: والله بدلت صماماً، لكن لا أنام الليل، لماذا ؟ قال لي: اسمع طول الليل طرقاً، أنت عندك صمام لا يوجد له صوت، أليست هذه نعمة ؟ صمام له صوت لا تنام الليل، قال لي: لا أحس بالنهار لوجود الضجيج، ولا أنام بالليل من صوت الصمَّام، توفي رحمه الله، هذه نعمة الصمام، صمام عدم رجوع، هل هذه نعمة قليلة ؟
 نعمة الأوردة، لها وريقات، دسَّامات، نعمة أن الشريان داخلي والوريد خارجي لو الآية بالعكس، إذا جرح إنسان يموت على الفور، لأن القلب مع الشريان، قال لي طبيب جراح: إذا أطلقت شرياناً ـ فنبض القلب للدم بالشريان يحرِّك الدم اثني عشرة متراً ـ يصل الدم أحياناً إلى السقف من نبضة قلب واحدة، جعل الله الشرايين داخلية، والأوردة خارجية، الحركة بطيئة بالوريد وغير خطرة، أما الشرايين كلها داخلية، في حرز حريز، هذه نعمٌ كبرى، فلذلك أخواننا الكرام المؤمن مع المُنْعِم، والكافر مع النعمة.

للنعمة مهمتان كبيرتان ؛ أن تشكر الله عليها في الدنيا وأن تعرف الله من خلالها:

 الآن آخر فكرة بالدرس، أية نعمةٍ لله عزَّ وجل في الإنسان لها وظيفتان كبيرتان لها وظيفة تعريفية إرشادية، ولها وظيفة نفعية في الدنيا، الغرب بأكمله انتبه للوظيفة النفعية أما الوظيفة الإرشادية فهي أخطر وظيفة للنعمة، أن تعرف الله من خلالها، هناك نعمة سوف أقولها لكم وقد لا تصدق أنه لولاها لما وجدت على وجه الأرض إنساناً واحداً، هذه النعمة اسمها آلية المَص، يولد الطفل الآن لتوه يضع فمه على ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب، هذه عملية معقدة، لو أن هذه الآلية غير موجودة، تفضل علمه إياها، هل يستطيع أب مهما كان ذكياً، لو كان معه دكتوراه بعلم التربية أن يعلم ابنه الذي وُلِد لتوه: يا بابا الله يرضى عليك، ضع فمك على ثدي أمك، وإيَّاك أن تنفس الهواء، وإلا لن يخرج لك الحليب، لا يفهم عليك شيئاً، انتهى كل شيء، فلولا نعمة آلية المص لما كان على وجه الأرض إنسان، هذه نعمة أيضاً.
 أيها الأخوة، النعمة لها مهمتان كبيرتان ؛ أن تشكر الله عليها في الدنيا، وأن تعرف الله من خلالها، فمن لم يحقق معرفة الله من خلال النعمة عَطَّل أكبر مهمةٍ للنعمة، وكنت أضرب مثلاً دقيقاً عند أحدهم كتاب عن النحل والعسل، قرأه فتأثر تأثراً بالغاً، وفاضت عيناه بالدموع تعظيماً لله عزَّ وجل على هذه الإبداع في الخلق، لكن دخله بسيط جداً لا يسمح له بشراء العسل أبداً، ما ذاقه، لكنه عرف الله من خلاله، فهذا الإنسان الذي لم يذق طعم العسل، لكنه عرف الله من خلاله هذا الإنسان حقق الأكبر من خلق النحل والعسل، أما الذي جعل العسل غذاءه وهدفه الأساسي، ولم يفكر في خالق العسل هذا عطل الهدف الأكبر من خلق العسل، لذلك النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حينما رأى الهلال قال:

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ رواه أبو داود عن قتادة ]

 ينفعنا في الدنيا ويرشدنا إلى ربنا فالمؤمن مع المنعم ؛ والكافر مع النعمة:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 في الدرس القادم إن شاء الله :

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾