الدرس : 09 - سورة يونس - تفسير الآيات 33 – 38

1985-11-15

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة يونس إلى قوله تعالى :

﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾

فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ

1 ـ حقٌّ أو باطل ، ولا ثالث لهما :

 ليس في الحياة إلا شيئان : حقٌّ وباطلٌ ، فإن لم يكن المرء على الحق فهو في الباطل ، في طعامه ، وفي شرابه ، وفي كسبه ، وفي زواجه، وفي عقيدته إن لم يكن مع الحق فهو مع الباطل ، ليس هناكٌ مرتبةٌ ثالثة ، وليس في الآخرة مرتبةٌ ثالثة ، << فو الذي بعث محمداً بالحق ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار >> ، أي أن الموقف حاسم ، يجب أن تتخذ قراراً مصيرياً ، إما أن تكون مع الحق ، وإن لم تكن كذلك فلابدَّ من أن تكون مع الباطل ، إما أن تحبَّ المؤمنين ، وإن لم تكن كذلك فسوف تحبُّ الفاسقين ، إما أن تكون سعيداً ، وإن لم تكن كذلك فلابدَّ من أن تكون شقيَّاً ..

(( الناس رجلان : برٌّ تقيٌّ كريمٌ على الله ، وفاجرٌ شقيٌّ هيّنٌ على الله ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾

2 ـ فَأَنَّا تُصْرَفُون

 إلى أين أنتم ذاهبون ؟ ماذا في الدنيا ؟ هل فيها غناءٌ عن الآخرة ؟ هل وحدها تسعد الإنسان ؟

﴿ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾

 عندما يسير الإنسان في طريقٍ مسدود ، أو طريق مهلِك يقول له صاحبه المشفق عليه : إلى أين أنت ذاهب ؟ هذا طريق الشقاء .

 

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

1 ـ الفاسق لا يؤمن :

 هناك علاقةٌ ترابطيَّةٌ كما يقولون ، الفاسق لا يؤمن ، وإن لم يكن الرجل مؤمناً فلابدَّ من أن يفسق ، أي أن كلا الطرفين يكون سبباً للآخر ونتيجةً له .

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾

2 ـ معنى : فَسَقُوا

 معنى فسقوا أي خرجوا عن أمر الله ، كل إنسانٍ خرج عن أمر الله لن يؤمن ، لماذا ؟ لأنك إذا ناقشته سوف يدافع عن انحرافه ، لن يناقش الأمر مناقشةً موضوعيَّة ، لن يتجرَّد عن هواه ، متلبِّسٌ بالهوى ، غارقٌ في شهوته ، غارقٌ في انحرافه ، إذا ما ناقشته فسوف يدافع عن انحرافه ، هذه فكرةٌ أساسيَّة ..

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

3 ـ المتلبِّس بالمعصية لا يقرّ بالحقيقة :

 الفاسق لا يؤمن ، لو أنَّ إنساناً تلبَّس بالربا ، وحضر مجلس علمٍ ذُكِرَ فيه الربا وتحريمه قد يقول : هذا الأستاذ لا يعرف الحقيقة ، الربا الآن لابدَّ منه ، لماذا يرفض هذا المستمع هذه الحقيقة ؟ لأنه متلبِّسٌ بها .

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

( سورة الماعون )

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من الآية 50 )

 لذلك :

 

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 أي أنه من القوانين الثابتة ، من سنن الله في خلقه أن العاصي لا يؤمن ، والمنحرف فاسق ، وأن الذي لا يؤمن لابدَّ من أن يحمله عدم إيمانه على الفسق ، والعلماء قالوا : " بين الفسق والإيمان علاقةٌ ترابطيَّة " ، أي أن الفسق يؤدِّي إلى عدم الإيمان ، وعدم الإيمان يؤدي إلى الفسق ، فحيثما تلبَّس الإنسان بإحدى الخصلتين قادته إلى الثانية ، فإذا كان فيه فسق تجده يردُّ الحق ، إذا كان يؤثر الاختلاط في المجالس ، وذكرت له أن الاختلاط حرام يقول لك : لا هذا كلامٌ غير صحيح .. رجل متلبِّسٌ بشرب الخمر فتعلَّق بكلمةٍ موضوعةٍ في الإنجيل " أن قليلاً منه ينعش الروح " ، وتعلَّق بآيةٍ زعم أن الله عندما قال :

 

﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾

 أن الخمر ليست حراماً ، ولو كانت حراماً حسب زعمه لقال سبحانه : حُرِّم عليكم ، لماذا يردُّ الحق ؟ لماذا يتعلَّق بالباطل ؟ لأنَّه متلبِّسٌ بشرب الخمر ..

 

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

4 ـ لمعرفة الحقيقة لابد من التجرد من الهوى :

 لن تستطيع أن تعرف الحق إلا إذا تجرَّدت عن هواك ، إذا تجرَّدت عن الهوى فهذا ثمن الحقيقة ، ثمن الحقيقة كي تعرفها أن تكون حيادياً ، أن تقبل الحق ولو كان على نفسك ، هذا الذي يأتي إلى مجلس العلم ، ويصغي للحق ، وإذا ذكر في مجلس العلم شيءٌ يدينه فإنه يقول : أنا مقصِّرٌ فيه : والله الحق عليَّ ، إن شاء الله سأتوب من هذا الذنب ، إذاً : هذا صادق ، وهذا مؤهَّل أن يعرف الحقيقة ، ثمن الحقيقة التجرُّد عن الهوى ، أما من كان متلبِّساً بهواه فلن يؤمن ، بل يكابر ..

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 فكل واحد منَّا يحاسب نفسه ، لو كان متلبِّساً بمعصية ، وحضر جلسة معيَّنة من جلسات العلم والإيمان ، ورأى نفسه يرد الحق فليعرف السبب ، فتلبُّسه بهذه المعصية حمله على ردِّ الحق ، ولو أنه لم يؤمن ، واكتفى بالاعتقاد ، وحضر مجلس العلم ولم يَعِ ما يُقال فيه ، ولم يتبنّ ما يُقال فيه ، ولم يفكَّر ، ولم يدقِّق ، ولم يحقِّق ، ولم يبحث بحثاً ذاتياً ، هذا التقليد الأعمى لابدَّ من أن يحمله على الفسق .
 إذاً : هذه آيةٌ خطيرة من أمَّهات الآيات :

 

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 علاقةٌ ترابطيَّة ، الفسق سبب عدم الإيمان ، وعدم الإيمان سبب الفسق ، وحيثما تلبَّس الإنسان بإحداهما قادته إلى الأخرى .
 الآن :

 

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ

1 ـ الله وحده بدأ الخلقَ :

 قلنا في الدرس الماضي : إن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق ، أي أنه خلق الأرض ، وخلق السماوات ، وخلق المجرَّات ، وخلق الشمس والقمر، وخلق الإنسان ، وخلق الحيوان ، وخلق النبات ، حينما بدأ الخلق تجسَّدت عظمته في الخلق ، تجسَّد علمه في الخلق ، حينما بدأ الخلق ظهرت أسماؤه الحسنى من خلال الخلق ، ظهر عطفه ، ورحمته ، وجماله ، وعلمه ، وقدرته ، وغناه ، لكن :

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

2 ـ إعادة الخلق لإظهار عدل الله تعالى :

 لماذا يعيد الله الخلق مرَّةً ثانية ؟ لتظهر عدالته ، نحن في دار عمل وسوف نأتي إلى دار جزاء ..

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

( سورة فصلت : من الآية 40 )

 افعل ما شئت ، كلُّه مسجَّلٌ عليك ، كل من أموال الناس ما شئت أو ترفَّع عنها ، انظر إلى الحرام ما شئت أو غُضَّ بصرك ، قل الصدق أو اكذب ، افعل ما شئت ، كلُّه مسجَّلٌ عليك ، أنت في دار عمل ، وسوف تَرِدُ دار الحساب والشقاء ، وسوف ترد دار الجزاء ، لذلك قالوا : " الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف " ، تشريف للمؤمن ، ودار عذابٍ لغير المؤمن..

 

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

( سورة فصلت : من الآية 40 )

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

 بدأه وسوف يعيده ، بدأه وتجلَّت من خلاله أسماؤه الحسنى ، وسوف يعيده ليتجلَّى عدله المُطْلَق ، في الدنيا تجد فقيراً وتجد غنياً ، هناك قوي وهناك ضعيف ، فيها صحيح وفيها مريض ، تجد إنساناً له زوجة مطيعة ، وتجد إنساناً له زوجة مشاكسة ، إذا انتهت الحياة بالموت ، ولا شيء بعد الموت يقول هذا الفقير : يا رب لماذا خلقتني فقيراً ؟ ولماذا أغنيت فلانًا ؟ ما ذنبي ؟ وما ميزته ؟ ويقول هذا الضعيف : لماذا خلقتني ضعيفاً ؟

 

﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

 نحن في دار امتحان ، نحن في دار ابتلاء :

 

(( إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقَّت ـ ولم يحزن لشقاء ))

 

[ ورد في الأثر ]

 لأنه مؤقَّت .
 إذا دخل إنسان إلى بيت فخم جداً ربع ساعة ، هل يشعر أن هذا البيت له ؟ لا ، إنه جميل ، ولكن ليس له ، نحن في دارٍ مؤقَّتة ، نحن مثلُنا كمثل راكب ناقةٍ جلس في ظل شجرةٍ فاستراح قليلاً ، ثم عاد وركب .. ومشَى .. كن في الدنيا كأنَّك مسافر أو عابر سبيل ، كن في الدنيا كأنك غريب .
 إذاً : إعادة الخلق من أجل تحقيق العدالة ..

 

(( ألا يا ربَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة ، ألا يا ربَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة ، ألا يا ربَّ مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا ربَّ مهيناً لنفسه وهو لها مكرِم ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وكما قال الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> .

 

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

( سورة آل عمران )

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 24 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)﴾

( سورة التوبة )

 إذاً : الله يبدأ الخلق ثم يعيده ، بدأه ، وعرفنا من خلال بدئه أسماءَه الحسنى ، وسوف يعيده ، وسيتحقَّق من إعادة الخلق عدالته المطلقة .
 ثم يقول الله عزَّ وجل :

 

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ

1 ـ الله خَلَق وهدى :

 اتضح من الآيتين أن الله سبحانه وتعالى في أكثر من آية في القرآن الكريم بيَّن أنه :

﴿ خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)﴾

( سورة الأعلى )

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

( سورة الشمس )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 1 )

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾

( سورة الفرقان : من الآية 1 )

 فكأن الذي ظهر أن هذا القرآن الكريم يعدل الكون ..

 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)﴾

( سورة الواقعة )

 صار عندنا كما قال بعض المصلحين : " إن لله في خلقه كتابين الكون والقرآن " ، الله سبحانه وتعالى خلق وهدى ..

 

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

( سورة طه )

 مرَّ معي في بعض الأبحاث أن سمكاً اسمه سمك السلمون ، يتوالد في أعالي الأنهار في أمريكا الشماليَّة والجنوبيَّة ، وينتقل برحلةٍ شاقَّةٍ شاقة إلى المحيط الأطلسي ، إلى سواحل فرنسا ، ثم يعود أدراجه إلى مسقط رأسه هناك ، وضع مركزُ بحوث لبعض الأسماك أو لأعدادٍ وفيرة منها قِطعاً معدنيَّة مسجل عليها تاريخ اليوم والشهر والسنة ، هذه الأسماك بعد أشهر عادت إلى مسقط رأسها ، الشيء الذي يُحَيّر العقل أن هذه الأسماك وهي في المحيط الأطلسي كيف عرفت طريق العودة إلى مسقط رأسها ؟ لو أنها انحرفت درجة واحدة لجاءت في مصبِّ نهرٍ آخر ، لو أنَّها انحرفت درجتين لجاءت في أمريكا الجنوبيَّة بدل الشماليَّة ، هل معها بوصلة ؟ معها خرائط ؟ معها إحداثيَّات ؟ هل معها اتصال لاسلكي مع مراكب للتوجيه البحري ؟ كيف عرفت طريقها ؟ بعض العلماء أخذوا بعض الأسماك ، وحملوها إلى مصبِّ بعض الأنهار في أوروبا وهي صغيرة ، حينما كبرت سارت إلى الأطلسي ، وعادت إلى أمريكا ، لا يزال هذا سرَّاً ، ما الذي يسيِّر هذه السمكة ؟ شيء يعجز عن تفسيره وتعليله علماء البحار ، يعجز عنه المتخصِّصون ، يعجز عنه ربابنة السفن ، وأنت على سواحل فرنسا تشاهدها تتجه تحت البحر لا ترى شيئاً ، تتجه إلى مصبِّ الأمازون وتبلغ غايتها ؟!! هذا من هداية الله عزَّ وجل ، هذه الظاهرة لا تُفَسَّر إلا بالقرآن ..

 

﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

( سورة طه )

 الحيوان هداه إلى طعامه ، هداه إلى شرابه ، هداه إلى دوائه ، قد يُصاب الحيوان بمرض ، يذهب إلى البستان يبحث عن حشيشةٍ بعينها فيأكلها فيشفى ، هداه إلى طعامه ، هداه إلى شرابه ، هداه إلى طريقة توالده ، هداه إلى أنثاه ، هداه إلى كل شيء ، لكن الإنسان أعطاه الفكر وبالفكر ارتقى الإنسان ، وهدى الله الإنسان إليه ليعرفه فيعبده ، الحيوان هداه إلى طعامه وشرابه ، لكن الإنسان هداه إليه عن طريق ماذا ؟ عن طريق الكون ، ثم عن طريق ماذا ؟ عن طريق الأنبياء ، وعن طريق الكتب ، وعن طريق ورثة الأنبياء .. الدعاة إلى الله .. وعن طريق المصائب ، وعن طريق الضيق ، وعن طريق الغنى ، وعن طريق الفقر ، وعن طريق المرض ، وعن طريق الصحَّة ..

 

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)﴾

( سورة الرعد )

 والله شديد المحال ، إذاً :

 

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(34)قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾

 أي أن هذا الصنم الذي لا يستطيع الحركة من تلقاء نفسه أهذا يهديكم .

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

2 ـ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

 خطر في بالي أن طالباً علاماته لا تؤهله لدراسة الطب في جامعة دمشق ، ولكن تؤهله ليدرس في حلب أو هندسة في جامعة دمشق فيحتار ، يقيم موازنات ، طب أم هندسة ؟ هما قريبان من بعضهما ، الطب أرقى ، لكن في حلب ، يجب أن يستأجر غرفة ، أن يأكل وحده ، تثقله أعباء المعيشة ، فالمصروف كبير ، لكن لو أن أحداً خيَّروه بين أن يكون طبيباً ويكون بمهنة دنيا جداً ، تأخذ مليون ليرة أم تأخذ مليون ضربة ؟ هذه لا تحتاج إلى وقفة ؟ تأخذ مليون ليرة ذهبيَّة أم مليون ضربة ؟ هذا ليس بخيار ، هذا شيء بديهي أن يأخذ المليون ليرة ، فالخيار إذاً بين الإيمان وعدم الإيمان ، أي بين السعادة والشقاء ، بين الخلود في الجنَّة ونعيمها وبين الخلود في النار وجحيمها ، بين أن تكون مهتدياً وبين أن تكون ضالاً ، بين أن تكون مستبصراً بين أن تكون ضائعاً وتائهاً ، بين أن تكون مطمئناً و بين أن تكون خائفاً ، بين أن تكون عزيزاً و بين أن تكون ذليلاً ، بين أن تكون موفَّقاً وبين أن تكون الأمور كلها مُعَسَّرة ، بين أن يحبَّك الله وبين أن تسقط من عين الله ، لا نسبة بين هذا كله ولا مقارنة ..

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

كيف تجحد نعَمَ الله عليك ؟!

 كيف يقدر الإنسان أن ينام وهو على معصية ؟ كيف يعصي الإله خالق الكون ؟ " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت " ، كيف تجحد فضل الله عزَّ وجل ؟ ..

(( إني والإنس والجنُّ في نبأٍ عظيم ، أخلق ويُعْبَد غيري ! وأرزق ويُشكر سواي ))

[ ورد في الأثر ]

 كيف تجحد هذه النعم ؟ نعمة البصر هل عرفت من خلق البصر ؟ من خلق السمع ؟ من خلق الشم ؟ من خلق هذه الربع مليون شعرة في رأسك ، لكل شعرة وريد وشريان ، وعصب وعضلة ، وغدَّة دهنيَّة ، وغدَّة صبغيَّة ؟ هل تعرف من خلق في أنفك عشرة ملايين عصب شمّي ؟ هل تعرف من شقَّ هذه العين وجعل في شبكيَّتها مائة وثلاثين مخروطاً ؟ هل عرفت من خلق هذه الأذن ؟ خلق أذنين لتعرف مصدر الصوت من الصيوان ، إلى القناة الأذنيَّة ، إلى غشاء الطبل ، إلى الأذن الوسطى ، إلى الداخليَّة ، إلى قنوات التوازن ؟ من خلق العظام وأعطاها حداً في نموها تقف عنده ؟ لو أن الأسنان تنمو بازدياد ماذا يحدث ؟ هو القابض والباسط ، أعطى هذه الأسنان نمواً ، ثم أوقفها عند حدِّها ، أعطى هذه العظام نمواً ، ثم أوقفها عند حدِّها ، من أمر العظام أن تقف عن النمو ؟ بعض الأطبَّاء قال لي : كأن هناك خطاً وهمياً مرسوماً في الفضاء ، إذا وصل العظم إليه يقف عن النمو ، شيء مضحك والله ، خط وهمي مرسوم في الفراغ إذا وصل نمو العظم إليه توقَّف عن متابعة النمو ، لا هذا غلط ، الصواب هو القابض والباسط ، الجامع والمانع ، ولتقل : إنها الحكمة في الخلق ، فإذا تأمَّل الإنسان في هذا الكون يرى :
في كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد
 والله كل شيء كأنه ينطق ويقول : أنا دليلٌ على عظمة الله ، من طعامك ، إلى شرابك ، إلى ابنك ، إلى كأس الماء ، إلى كأس الحليب، إلى الجبل ، إلى البحر ، إلى السمك ، إلى الطير ..
 وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحد
 فالله سبحانه وتعالى بقدر ما هو خالق عظيم بقدر ما هو هادٍ حكيم ، هداك في كل شيء ..

 

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

 أي إذا كنت محتاراً أتدخل كلية الطب أم كاية الهندسة فأنت على حق ، الطب في حلب والهندسة في دمشق ، أي أن هناك وجهة نظر ، أنت محتار لا بين أن تفتح محل أقمشة أم ملبوسات جاهزة ، لكن تأخذ مليونا أو تُضرَب مليون ضربة ، فمن غير المعقول أن تقول : والله أنا محتاج أن أفكِّر قليلاً ، أتركوني لأفكِّر ، إذا قال لك واحد : هذا البيت بمائة ألف ، وثمنه الحقيقي ثلاثمائة ألف ، هل تقول : والله اتركني أفكر يومين ، أم تقول فوراً : أنا اشتريت ، أين الدلال ؟ قم واكتب العقد ؟ معي الآن دفعة أولى ، وإذا كنت تحب فالنقود جاهزة عندي في المكتب ، إذا رأيت البيت فرصة فإنك تسارع ولا تقول : اتركها لي يومين ، لا تتكلَّم أبداً ، بل تبادر لإنفاذ عملية البيع..

 

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

 كيف الإنسان راضي بالدنيا .

 

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 38 )

 هل تقبلون بهذه ؟ شاب أبوه ملك قال له : يا ابني اطلب وتمنَّى ، فقال له : أريد محَّاية حبر، فقط ؟ طلب الدنيا واكتفى بها ، لو طلب يختاً سيعطيه ، لو طلب أكبر قصر سيعطيه إياه ، ولكنَّه طلب محاية ، أو قلمًا ، أكثر لا يريد .. إنه حمق ، وغباء وضلال .

 

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا

كل مَن يعتمد على الظن لا يفلح :

 أي أن معظم الناس عقائدهم ظن ، تصوراتهم ظن ، منطلقاتهم ظن ، أهدافهم ظن ، أي أنه يتوهَّم السعادة بالمال هذا ظن ، المال لا يُسعِد ، يتوهِّمها بالنساء ، النساء لا تُسعِد ، يتوهِّمها بالبيت الفخم ، ربَّ كوخٍ حقير صاحبه أسعد الورى ، اللهمَّ صلِّ عليه كان إذا صلَّى قيام الليل ، وحان السجود نقلت السيدة عائشة رجليها جانباً أو ضمتهما إلى جسدها ، لأن الغرفة لا تتسع لنومها وصلاته ، ودخل عليه عديُّ بن حاتم فتناول اللهمَّ صلِّ عليه وسادةٍ من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، و قال لعدي ابن حاتم : " اجلس على هذه " ، قال عدي للنبي : " بل أنت تجلس " ، قال عليه الصلاة والسلام : "بل أنت " ، قال عدي : " فجلست عليها ، وجلس رسول الله على الأرض " ، ليس عنده في بيته غير وسادة واحدة ، ومع ذلك كان سيّد الخلق وحبيب الحق ، الله عزَّ وجل ما أقسم بحياة أحد من الأنبياء إلا بحياته صلى الله عليه وسلم ، قال له :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)﴾

( سورة الحجر )

 قال له :

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

( سورة القلم )

لا يعرف الحقيقة إلا مَن ذاقها :

 سيدنا الصدِّيق .. جاء سيدنا جبريل وقال للنبي عليه الصلاة والسلام : قل لصاحبك : إن الله راضٍ عليه فهل هو راضٍ عن الله ؟ " ، سيدنا الصديق لم يتحمَّل الكلمة .. مجالات الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها ، الإنسان أحياناً يقيم علاقة مع إنسان من طينته ، إنسان يفنى يعتز بهذه العلاقة ..
 فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزَّك ميّتُ
 عندما يصير للإنسان وجهة إلى الله عزَّ وجل تحدث له صلة حقيقيَّة ، إقبال حقيقي ..

لا يعرف ما نقول إلا  من اقتفى أثر الرسول
***

 هذا مثل من يقول لآخر : صف لنا طعم العسل ، فيجيبه أنه من الصعب والله ، إذا ذقه فقط فستعرفه فمن ذاق عرف ، استقم استقامة تامَّة ، وقدِّم أعمالاً صالحة لوجه الله عزَّ وجل خالصة من كل شائبة ، ثم تعال وقل لي ماذا حدث لك ، تعال وقل لي أي سعادة عشت ؟ وإلى أي مدى اطمأننت ؟ وكيف نزَّل الله على قلبك السكينة ؟ وكيف يسَّر لك الأمور ؟ وكيف أصبح لك بيتك ؟ وكيف أصلح لك جسدك ؟ وكيف أصلح لك معيشتك ؟ وكيف أكرمك في الدنيا قبل الآخرة ؟
 " كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك " .

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾

 بعضهم يعتقد أن المسرحيَّة .. مثلاً .. تهذِّب النفوس ، هذا ظن ، وآخر يعتقد أن الاختلاط يهذِّب المشاعر ، وثالث يعتقد أن الموت نهاية الحياة لا بعث بعده ، ولا أي شيء آخر ، هناك من يعتقد أن المال هو السعادة ، وأن الدراهم مراهم .. وكل إنسان يتصوِّر فكرة متوهماً إيَّاها أنها حقيقة وهو يظنها ظناً ، هذه مصيبة كبيرة ، وإذا كان الإنسان على وشك الموت عطشاً ، وتوهَّم الماء بجهة معيَّنة ، وذهب إلى هذا المكان فما لبث أن مات هناك عطشاً لأنه لم يجد ماء ، بين أن تكون متأكِّداً من وجود الماء وبين أن تكون واهماً قضية موت أو حياة ، إذا بقي في حياته ربع ساعة ، وقالوا له : في هذه الجهة يوجد ماء ، لكنه ليس متأكِّداً وجود الماء ، هل يستهلك هذه الربع ساعة في مسير إلى مكان غير مؤكَّد ؟ يكون قد غامر بحياته ، لكن إذا كان متأكِّداً من وجود ماء ، وذهب إليه فهو على حق عندئذٍ ، وسينجو بحياته ..

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

 فأحياناً الطالب يتوهَّم إذا قيل له : إن الأستاذ الفلاني يعطي الأسئلة ، ولكن ليس الآن ، بل قبل الامتحان بأسبوع ، فإنه لا يدرس أبداً ، هل هذه الفكرة صحيحة ؟ لو أنها كانت صحيحة لقبلنا بها ، أما إذا كانت غير صحيحة ولا تصدق ، ثم يمضي السنة كلها باللعب والتسلية ، وكان مقبلاً على فحص بكالوريا ، وفيها يتحقق مصيره ، وقبل الامتحان بأسبوع طرق الباب فطُرِد ، أليس قد غامر بمستقبله ؟ لأنه ربط مصيره بظن ، لأن طالبًا قال له : الأستاذ يعطيه الأسئلة ، إذا كان قد قال لك ذلك بفمه فهذا بحث آخر ، لكن هذا ظن ..

 

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

 هذا ظن ، هذه دعوى ..

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 18 )

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(80)﴾

( سورة البقرة )

 كذلك هذا ظن ، يقول بعضهم لبعض افعل ما شئت فالنبي عليه الصلاة والسلام سيشفع لك ، فهل هكذا تفهم الشفاعة ؟ هذا فهم خاطئ للشفاعة ، الشفاعة حق ، ولكن لها معنى أرقى من هذا ، لا يشفع النبي لمن ترك الحق ، وأدار ظهره له ، لكن من تبع سنَّته يشفع له .
 شاب دخل الجامعة يقدِّمون له كتباً وطعاماً وشراباً ، ومكتبات ، وكل ما يحتاجه ، ويعينه على الدراسة ، إلا أن هذا الطالب في نهاية العام مطالب بأداء الامتحان ..

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ

1 ـ وَمَا كَانَ :

 أولاً : كلمة ما كان دقيقة جداً ، أنت تقول مثلاً : الحديد لم يصدأ ، عندك قطعة حديد تأمَّلتها لم تصدأ ، لكن الصدأ من خصائص الحديد ، تقول : لم تصدأ ، لكنك إذا أمسكت قطعة ذهب فماذا تقول ؟ ما كان لها أن تصدأ ، هناك فرق بين أن تقول : لم تصدأ ، وبين ما كان لها أن تصدأ لأن من طبيعة الحديد الصدأ ، ولظروفٍ خاصَّة كانت في مكانٍ جاف لم تصدأ ، أما الذهب ما كان له أن يصدأ ، ليس من شأنه الصدأ ، ليس من خصائصه الصدأ ، لذلك قالوا : هذه العبارة حيثما وردت في كتاب الله فإنها تنفي الشأن لا تنفي الحدث ، تقول على إنسان : لم يسرق ، أما إذا كان إنسان من عليَّة القوم فتقول : ما كان له أن يسرق ..

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 33 )

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة العنكبوت : من الآية 40 )

 لا تنفي الحدث ، ولكن تنفي الشأن ، أي أنَّ أبلغ أنواع النفي في كتاب الله صيغة ما كان ، لأنها تنفي الإرادة ، والاستعداد ، والإمكانيَّة ، والشأن ، والرغبة ، والحدث ...
 مثلاً : شخص يحمل دكتوراه في الرياضيات فقلت له : اثنين ضرب ثلاثة ؟ فسكت ، فقلت عنه : لأنه لا يعرف ، نقول لك : ما كان له أن يجهل هذه الحقيقة ، لكنَّ سكوته له معنى ، لا يعرفها ، ‍‍وهو يحمل دكتوراه بالرياضيات ‍‍؟ لا تقل : لم يعرف ، بل قل : ما كان له إلا أن يعرف .. فربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

2 ـ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ

مثلٌ تقريبي ، ولله المثل الأعلى :

 في الأسبوع الماضي بحثت عن مثل يوضِّح هذه الفكرة وهو : لو فرضنا أن واحداً لم يرَ طائرة في حياته ولا صورتها ، ولا ركب فيها ، ولا يعرف شيئاً عن إمكانيَّاتها أبداً ، لكنه رأى طفلاً قد صنع طائرة من ورق ، وسحبها في الهواء ، دخل هذا إلى محل حدادة مترين في مترين ، قال له صاحب المحل : هذه الطائرة الحديثة الفلانية ، التي تتسع لستمائة راكب ، أنا أصنعها في هذا المحل ، مادام هذا الإنسان لم ير الطائرة يصدِّق ، لكن لو ركب الطائرة ، ورأى حجمها ، ورأى أن علم البشريَّة كله مجموع فيها ، ستمائة راكب في طائرة ، وطعام وشراب ، وهيدروليك ، وأجهزة ، ورادارات ، شيء عجيب في الطائرة ، هل يمكن لإنسان ركب طائرةً كبيرةً نفَّاثةً من أحدث الطائرات أن يصدِّق أنها صنعت في محل متواضع في أحد أسواق دمشق ؟ مستحيل ، لو عرفت الطائرة ما صدَّقت هذا الكلام ـ هذا المثل تقريبي .

 

3 ـ لا يمكن أن يكون القرآن من كلام البشر :

 لو أننا قرأنا هذا القرآن ، وعرفنا ما فيه من تشريعٍ اجتماعي ، ما فيه من حقائق ، ما فيه من ذكرٍ للأولين ، ما فيه من ذكر ليوم القيامة ، ما فيه من نظام الطلاق ، من نظام الميراث ، من نظام الزواج ، من نظام البيوع ، ما فيه من حقائق ، من مشاهد ، من تاريخ ، ما فيه من طُرُق توصل إلى الله عزَّ وجل ، ما فيه من سُنَن ، لو عرفت مضمونه تقول : لا يمكن لبشرٍ كائناً من كان أن يأتي بمثله ، إذا ركبت الطائرة ترفض هذه المقولة ، فإذا لم تركبها ، ولم ترها ، ولم تسمع بها ، وقيل لك : إن هذا القرآن من صنع محمد لأنه كان عبقرياً فذَّاً ، كان ذكياً جمع العرب بهذا القرآن ، إن لم تقرأه قد تقول : هذا الكلام صحيح ، أما إذا قرأته وفهمت آياته تقول : هذا ليس من صنع بشر..

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 انظر إلى كلمة من دون الله هل تعلم أن الكون كلَّه من دون الله ؟ دع عنك الجمادات ، ودع عنك الحيوانات لا تعقل ، والنباتات ، بقي الإنس والجن ..

 

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾

( سورة الإسراء )

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

4 ـ الإعجاز العلمي والبلاغي دليل أن القرآن كلام الله :

 مستحيل ، لو أننا قرأناه .. فالعنكبوت التي تنسج البيت هي أنثى العنكبوت .. النبي الكريم اللهمَّ صلي عليه هل درس علم الحيوان ، وعرف أن العنكبوت ذكر وأنثى ، والأنثى هي التي تنسج البيت ؟ لا أعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف أو درس ، الله عزَّ وجل هو الذي عنده علم ما خلق فقال :

﴿ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾

( سورة العنكبوت : من الآية 41 )

 الله عزَّ وجل حينما ذكر العنكبوت استعمل تاء التأنيث ، معنى هذا أن من ينسج بيت العنكبوت هي الأنثى ، لنأخذ الحوت .
 قال لي بعض الإخوة : إن المريء في الحوت على عِظَم الحوت لا يتَّسع لمرور الإنسان لأنه ضيق ، ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ﴾

( سورة الصافات : من الآية 142 )

 لم يقل : فابتلعه ، أي بقي سيدنا يونس لقمةً في فمه ، ولم يصل إلى جوفه ، النبي الكريم شرَّح الحوت ؟ رأى الجهاز الهضمي للحوت ؟ عرف ضيق المريء ؟ هذا كلام الله ، إذا صعد الإنسان في الفضاء الخارجي يشعر بضيق النفس ، وهذا جاء في كتاب الله ، أي أن هذا القرآن كتاب أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام ، والعلم تقدَّم تقدُّماً مذهلاً ، حتى هذه الساعة لم يحدث أن اكتشف العلماء حقيقةً تناقضت مع كتاب الله ، هذا مما يؤكِّد أنه من عند الله ، من عند خالق الكون ..

 

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 مستحيل ..

 

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الرحمن : من الآية 33 )

 لماذا بدأ الله بالجن ؟

 

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 88 )

 لماذا بدأ بالإنس ؟ لأن هذا كلام رب ، قيل : لأن الإنس أقدر على البيان من الجن ، والجن أقدر على خرق السماوات من الإنس ..

 

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾

( سورة النور: من الآية 2 )

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾

( سورة المائدة : من الآية 38 )

 لماذا بدأ هنا بالزانية ؟ قال : لأنها أقدر على الزنا من الزاني ، ولماذا بدأ هنا بالسارق ؟ لأنه أقدر على السرقة من السارقة ، فالرجل أقدر من المرأة في مجال السرقة ، فقدم السارق ، بينما الزنا المرأة أقدر عليه من الرجل ، لذا قدم الزانية ..

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 24 )

 ربنا عزَّ وجل ذكر الأقرباء في هذه الآية لكنَّه بدأها بالأب ، وفي موطنٍ آخر قال :

 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 14 )

 بدأ بالنساء ، وفي موطنٍ ثالث :

 

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34)وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35)﴾

( سورة عبس )

 بدأ بالأخ ، وفي موطنٍ رابع بدأ بالابن :

 

﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11)﴾

( سورة المعارج )

 بدأ بالابن ، هذا كلام الله ، في كل موطن قدَّم الله سبحانه وتعالى الشيء المهم ، في موطن اعتزاز الإنسان الاجتماعي قدَّم الأب ..

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 24 )

 في موطن الشهوة قدَّم المرأة ..

 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 14 )

 في موطن الاستنجاد قدَّم الأخ ، لأن الأب كبير والابن صغير ، أقرب إنسان إليك أخوك ، في موطن الفدية أغلى شيء الابن قدَّم الابن ، هذا كلام الله ,
 في ثمانية عشر آية قدَّم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر ، لأن العلم اكتشف أن استجابة السمع قبل استجابة البصر ، أي أن الجنين يستجيب للصوت وهو في بطن أمِّه ، لكن الطفل المولود حديثاً لا يستجيب للضوء إلا بعد أيَّامٍ ثلاثة .

 

﴿ أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ ﴾

( سورة المؤمنون : من الآية 78 )

 إلا في آيةً واحدة عبَّرت عن أن سرعة الضوء أكثر من سرعة الصوت ..

 

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾

( سورة السجدة : من الآية 12 )

 هنا قدّم البصر على السمع ، وفي ثمانية مواطن قدَّم الله بذل المال على بذل النفس ، لأنه أيسر ، وبذل المال أهون من بذل النفس ، وفي آيةٍ واحدة قدَّم الله بذل النفس على بذل المال ..

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾

( سورة الصف )

 في ثمانية مواطن قدَّم المال على النفس ، وفي موطنٍ واحد ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 111 )

 في موطن البيع القطعي قدَّم الأهمَّ على المهم ، في القرآن الكريم ذُكِرت كلمة( اليوم ) ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة ، وذُكر الشهر اثنتا عشرة مرَّة ، هل هذا صدفة ؟ آيات الجنَّة تعادل في عددها آيات النار ، آيات الدنيا تساوي آيات الآخرة ، آيات الملائكة تساوي آيات الشياطين ، شيء عجيب ، ففي القرآن يوجد إعجاز حسابي ، وفيه إعجاز رياضي ، و إعجاز بلاغي ، وفيه إعجاز تشريعي ، و إعجاز علمي ، ما من حقيقةٍ علميّةٍ إلا وذكر القرآن أصولها ، لم يتطرَّق للتفصيلات لأنه كتاب هدايةٍ وإرشاد ، لكن اكتفى بذكر أصول العلم ..
 إن أصول العلاقة الزوجيَّة مذكورة في القرآن ، فقد ذكر الله عزَّ وجل أن الزوجة من آيات الله ، ووصَّى الزوج ، وجعل القِوامة للأزواج لسببين : أنه أنضج منها عقلاً وأفقاً وفكراً وإرادةً وتصميماً وخُلُقاً ، ولأنه أنفق من ماله ، لكنَّه خاف من الشطط فقال الله عزَّ وجل :

 

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 228 )

 درجة واحدة ، أي ينبغي أن يكون الرجل فوق المرأة بدرجة واحدة ، فأصول العلاقة الزوجية الصحيحة مبثوثة في القرآن ، وكذا أصول البيع والشراء ..

 

﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾

( سورة النساء : من الآية 29)

 إذا كان هذا المشتري يعرف أن هذا البائع مستحكم ، وأخذ منه بالمائة ثلاثمائة ربحا فهذا الشاري أهو راضٍ ؟ يقول لك البائع في معرض مناقشته في تلك الصفقة : هو قبل ، يعني الشاري ، نعم هو قَبِلَ مضطراً ، هذا اسمه استغلال ، لو كُشِفَ رأس المال للشاري هل يرضى ؟ ومن مقياس البيع الشرعي الرضا .

 

﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾

( سورة البقرة : من الآية 282 )

﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ﴾

( سورة النساء : من الآية 29)

 لو دقَّقت في كتاب الله تجد أن فيه نواحي تربويَّة ، فيه كنايات لطيفة جداً ، علَّمنا الأدب في التعبير ، كما أنه فيه نواحي أخلاقيَّة أرشدنا إليها ..

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

( سورة االقلم )

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾

( سورة ص : من الآية 44 )

﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30)﴾

( سورة ص )

 إن في القرآن نواحي تشريعيَّة ، ونواحي شخصيَّة ، علاقات زوجيَّة ، علاقة الآباء بالأبناء ، لو دقَّقت في القرآن الكريم لرأيته تناول كل شيء ، لأن الله سبحانه وتعالى جعله دستوراً للبشر .
 إذاً :

 

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ

المعنى الأول : بشارة عيسى بالنبي صلى الله عليه وسلم :

 بشّر كل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى بالنبي محمد ، وورد في التوراة والإنجيل ذكر النبي عليه الصلاة والسلام .

﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾

( سورة الصف : من الآية 6 )

 فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فكان مجيئه تصديقاً لما جاء في التوراة والإنجيل ، هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني : القرآن يؤكِّد ما في الإنجيل والتوراة :

 ولكن تصديق الكتاب ، المعنى الثاني هو أن ما جاء في القرآن يؤكِّد ما جاء في الإنجيل والتوراة ، لأن الكتب السماويَّة الثلاثة من عند الله ، إلهٌ واحد ، والتشريع واحد ، لكن إذا وجدنا في القرآن الكريم تفصيلات لم تَرِد في التوراة والإنجيل فهذا مما ذكره الله عزَّ وجل من حكمته ، أي بحسب تطور ظروف الحياة ، بحسب ظهور مشكلات لم تكن ظاهرة من قبل ، فجاء التشريع مقتضباً مرَّةً ، ومفصَّلاً مرَّةً أخرى ..

﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 فالقرآن صدَّق ما جاء به الأنبياء السابقون ، ومجيئه تصديقٌ لما في كتبهم ، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام يصدِّق أن هذا الكلام من عند الله ، أي أنه قمَّةٌ في الكمال .. فقد قال سيدنا جعفر للنجاشي : " أيها الملك كنَّا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منَّا الضعيف .. هذه الجاهليَّة قبل الإسلام .. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه ، فهو من نسلِ إبراهيم .. إذاً : نعرف نسبه ، وأمانته ، وصدقه ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ، ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وقول الحق ، فعدَى علينا قومنا ليعذِّبونا .. "
 إذاً :

 

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾

 بعضهم قال : " الكتاب إذا ذُكرت تعني الكتب السماوية كلها ، فما جاء في الكتب السابقة مختصراً جاء في القرآن مفصَّلاً ..

 

﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾

وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 لا ريب فيه أي لا شكَّ فيه لأنه من الله عزَّ وجل ، وأنه فيه الكمال المطلق ، لا يأتيه الباطل ، لا يوجد كتاب من صنع إنسان إلا وفيه غلط ، قد يكون صغيراً أو كبيراً لكن الكتاب الذي لا ريب فيه هو القرآن الكريم ..

﴿ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(37)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ

 أنتم تقولون : إن محمداً صلى الله عليه وسلَّم افترى هذا القرآن على الله سبحانه ، الله سبحانه وتعالى يتحدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ واحدٍة من عندهم تضاهي هذا الكتاب .
 الآية الثانية التي لها علاقة بهذه الآية :

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾

( سورة الإسراء : من الآية 88 )

 أي مستحيل ..

 

﴿ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 أي اجمعوا كل من تستطيعون لتتعاونوا على صنع آيةٍ إنكم لن تحقِّقوا هدفكم .