الدرس : 19 - سورة البقرة - تفسير الآيات 34-36 ، تجربة آدم مع الشيطان

1998-10-30

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع عشر من سورة البقرة.

تنفيذُ أمر الله سجودٌ لله:

 مع الآية الرابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾

 الحقيقة أن السجود لله وحده، ولكن تنفيذُ أمر الله سجودٌ لله، لو أن آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له لما أمكن أن ينفَّذ هذا الأمر، ولكن لأن الله عزَّ وجل أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، فَهُمْ حينما سجدوا فقد نَفَّذوا أمر الله عزَّ وجل، ألا ترى أن الله يأمرك في الحج أن تُقَبِّلَ الحجر الأسود، ويأمرك أن ترجُم حجراً آخر يمثِّل إبليس، فأنت حينما تُقَبِّل هذا الحجر وتعظمه إنما تنفذ أمر الله، وحينما أمرك أن ترجم هذا الحجر وتحقِّره إنما نفذت أمر الله عزَّ وجل، وكل أمرٍ لله عزَّ وجل يقتضي الوجوب، ولله حكمةٌ ما بعدها حكمة، وعدل ما بعده عدل، ورحمةٌ ما بعدها رحمة، وعندما تقول: إنك مؤمن، أي أنك مؤمن بحكمة الله المطلقة، مؤمنٌ بعلمه المُطلق، مؤمنٌ برحمته المطلقة، فالسجود لله عزَّ وجل، ولكن سجود الملائكة لآدم سجود اعتراف بالفضل، حينما سجد أخوة يوسف:

﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) ﴾

( سورة يوسف )

 قال: هذا السجود سجود الخضوع، فهذا الطفل الذي ائتمر عليه إخوته سيكون عند الله في مكانٍ عَلِيّ، فرأى في المنام أن هؤلاء الذين حوله خاضعون له، وقال في نهاية القصة:

﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً (100) ﴾

( سورة يوسف)

 السجود سجود الخضوع.

سجود الملائكة لآدم هو سجود الاعتراف بالفضل:

 حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ))

[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف]

 هو سجود الخضوع، والقبول، وتلَقِّي الأمر:

(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))

[مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ]

 الزوجية نظام، مركبة لا بد لها من قائدٍ واحد، لا يصلح الأمر عندما يكون قائدان لمركبة واحدة عندئذٍ تفسد، قال تعالى:

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (228) ﴾

( سورة البقرة: آية " 228 " )

 درجة القيادة، فزوجته شريكته، لكن لهذه الأسرة قائدٌ واحد، مسؤولٌ واحد في الأمور الحاسمة، صاحب القرار واحد وهكذا، فالسجود سجود الخضوع، أما سجود الملائكة لآدم فهو سجود الاعتراف بالفضل، قالوا:

﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

( سورة البقرة )

 عَلَّمَهُ الأسماء، علمه تفسير الأسماء، علمه شيئاً ما عرفته الملائكة، وهذا العلم متعلقٌ بالصدق في طلب الحقيقة، فكان مقام آدم عليه السلام في معرفته بالله وطلبه للحقيقة أعلى من مقام الملائكة، فأمرهم أن يسجدوا له أي أن يخضعوا له.

 

المؤمن مُلْزَم بطاعة رسول الله دون النظر إلى مقياسٍ آخر :

 أنت حينما يأمرك الله أمراً إنما تطيع أمر الله، قال لك: قَبِّل الحجر الأسود ـ حجر لا ينفع ولا يضر ـ تقبله تنفيذاً لأمر الله، قال لك: ارجم هذا الحجر، ترجمه تنفيذاً لأمر الله، ولكن لو قال لك أبوك: أطع الله، صلِّ يا بني وصليت، هل تنفذ أمر أبيك ؟ لا أبداً إنك تنفذ أمر الله عزَّ وجل، أي إنسان يدعو إلى الله لا يُنَفَّذُ أمره الشخصي، إنما يُنَفَّذ أمر الله الذي نقله لك عن كلام الله، وعن سنة رسول الله، وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ أطيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) ﴾

( سورة النساء )

 أولو الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلِّمون الأمر، والأمراء ينفِّذون الأمر، واحد يعلِّم وآخر لديه سلطة فينفِّذ، لكن الله عزَّ وجل قال:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا (59) ﴾

( سورة النساء )

 أعاد كلمة أطيعوا:

﴿ الرَّسُولَ (59) ﴾

( سورة النساء )

 أي أنت مُلْزَم أن تطيع رسول الله من دون نظرٍ لمقياسٍ آخر، كأن يقول لك: يا أخي أنا أطيع الحديث بعد أن أتحقق وأجد له أصلاً في القرآن، لا، ليس لك هذا، أنت مكلفٌ أن تطيع رسول الله استقلالاً، بنص أمر الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾

(سورة الحشر: آية " 7 " )

 لأنَّه معصوم ولأنه لا ينطق عن الهوى.

 

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:

 لكن الله إذا أمرك أن تطيع أولي الأمر ـ العلماء والأمراء ـ فإن طاعة أولي الأمر بالقياس إلى أمر الله، قال:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) ﴾

( سورة النساء )

 لا يوجد وأطيعوا أولي الأمر منكم، وأولو الأمر منكم مرتبطون بطاعة رسول الله، فلو أمرَكَ عالم بقطيعة رحم فلا ينفَّذ أمره لأنه يتناقض مع أمر النبي بصلة الرحم، ولو أمرك إنسان أقوى منك بشرب الخمر لا يُطاع أمره لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فيجب أن تدقق بين:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (59) ﴾

( سورة النساء )

 أطيعوا فعل كُرِّر، أي عليك أن تطيعه استقلالاً، دون أن ترجع إلى أي شيءٍ آخر، لأنه معصوم، ولأنه لا ينطق عن الهوى، إلا أنه إذا أمرك عالمٌ أو أميرٌ بخلاف أمر الله عزَّ وجل فلا أمر ولا طاعة له إلا في طاعة الله.
 إنك حينما تِّنفذ أمر أبيك أو أمر داعيةٍ يقول لك: يا بني غض بصرك، يا بني أقم الصلاة، يا بني اتلُ القرآن، إنك لا تطيع هذا الداعية إنما تطيع الله، هو نقل لك هذا الأمر عن الله فقط، ناقل نقل لك هذا الأمر عن الله، نقل لك هذا الأمر عن رسول الله، هذا كله حول قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾

عِلَّةُ أي أمرٍ أنه أمر:

 قال العلماء: " عِلَّةُ أي أمرٍ أنه أمر " ، مثلاً عندك لا سمح الله آلام بالمعدة، ودخلت إلى أفضل طبيب في البلد، معه أعلى شهادة، ومعه أعلى خبرة، إذا قال لك: دع الحوامض، لا يخطر في بالك لحظة أن تفكر بأمره، لأنك تثق بعلمه، تنفذ لأنه أمرك، أنا مرة قلت عن عالم من علماء هذه البلدة الطيبة كان بأمريكا ودخل بنقاش مع عالم كبير حديث العهد بالإسلام ـ عالم بالفيزياء أو الكيمياء ـ طُرِح موضوع لحم الخنزير، بدأ هذا العالم يتحدث عن مضار الخنزير، وعن الدودة الشريطية، وعن تأثر طباع الإنسان بلحم الخنزير وطباع الخنزير، وعن أن هذه الدودة لا تتأثر بالحرارة، وتكلم كلاماً طيباً جداً سبحان الله، فأجابه هذا المسلم الأمريكي قال له: يا أستاذ كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه، فهذا يكفي، يكفي إذا قال لك خالق الكون: لا تفعل هذا الشيء، لذلك قال العلماء: علة أي أمرٍ أنه أمر.
 تكلم النبي بالإسلام، وجاء بآيات بينات، وحدث الناس، ثم فاجأهم عندما حدّثهم أنه في ليلةٍ واحدة ذهب إلى القدس، ورجع منها، وعرج إلى السماء، لم يكن أهل مكة يصدقون رسول الله أساساً ـ ومن دون هذا الخبر ـ فوجدوا شيئاً يتاجرون به، فجاؤوا إلى الصديق وقالوا: تعالَ اسمع ماذا يقول صاحبك ؟ إنه قال: إنه ذهب إلى بيت المقدس، وعاد منه، قال لهم: إن قال هذا فقد صدق، إذا قال فقد صدق، لأنه عندي صادق، إذا كانت ثقة سيدنا أبي بكر برسول الله دعته ألا يفكر فيما قال، لأنه قال فإنه صادق، فكيف ثقتك بالله عزَّ وجل ؟!! لذلك علة أي أمر أنه أمر.

 

كلما اختفت حكمة الأمر الإلهي ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل والعكس صحيح :

 بالمناسبة أيها الأخوة، تتضح أحياناً حكمة الأمر الإلهي بشكلٍ جلي، وأحياناً تختفي حكمته، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل، فإذا قال لك الله عزَّ وجل: تزوج:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ (32) ﴾

( سورة النور: آية " 32 " )

 هذا أمر، وأنت تزوجت، لكنك إنسان تعيش في بيت أهلك، وأهلك متقدمون في السن، والبيت ضيِّق، والمعيشة خشنة، والظروف صعبة، وأكلك غير مؤمَّن، وثيابك غير منظَّفة، فإذا أقبلت على أمر الله هذا إقبالاً غير معقول، تريد بيتاً مستقلاً وزوجة، وطبخاً، وهيئة حسنة، وراحة، فأنت مقبل على هذا الأمر، فائدته لك واضحة جداً، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا الشيء، ولذا يضعف عنصر العبودية في تطبيق هذا الأمر، لكن حكمة الأمر تختفي كلياً:

﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾

( سورة الصافات: آية " 102 " )

 هو لا يذبح مجرماً !! بل نبياً:

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102)﴾

( سورة الصافات: 102 )

 ابنه:

﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) ﴾

( سورة الصافات: 102)

 هذا الأمر غير واضح على الإطلاق، صعب فهمه، تذبح ابنك النبي، فكلما اختفت حكمة الأمر ارتفع فيه عنصر العبودية لله عزَّ وجل، فلو قال أب لابنه: يا بني نظف أسنانك، أسنانك ثمينة جداً، لو أهملت تنظيفها تحدث معك متاعب لا تنتهي، قلع الأسنان، وتركيب أسنان صناعية، شيء صعب جداً، فالابن قال له: يا أبتِ كلامك طيب، وأنا سأفعل هذا، الحكمة واضحة، أما إذا وضع الأب طعاماً، والطعام نفيس، وابنه مستقيم، ومطيع له، وبار، قال له: يا بني لا تأكل، لِمَ يا أبتِ ؟ قال له: هكذا بلا سبب، الأمر غير واضح، فإذا قال الابن: سمعاً وطاعةً يا أبتِ، هنا نفذ الأمر عبوديةً، نفَّذه طاعةً لأبيه من دون أن يفهمه.

كل الكون يشهد بعظمة الله عزَّ وجل ولذا لا يُسأل عما يفعل:

 الله عزَّ وجل يمتحننا، يعطينا أوامر واضحة جداً، وهناك أوامر غير واضحة، تجد شاباً مستقيماً دخله قليل، وله صديق متفلِّت، غارق بالملذات، معه أموال لا تأكلها النيران، هل تثق بحكمة الله ؟ يأتي مرض وأنت في أعلى درجات القرب من الله، هذه امتحانات العبودية لله عزَّ وجل، ماذا تقول وأنت مستقيم، وأنت مطيع، وهناك شيء أزعجك ؟! من هنا قال الإمام علي كرم الله وجهه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، فالنقطة الدقيقة:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ (34) ﴾

 مادام الله أمر، انتهى الأمر، علة أي أمرٍ أنه أمر.
 يحدث أحياناً أن إنساناً تغلق أمامه كل الطرق المشروعة، يفتح له باب واسع، لكن فيه شبهة، الكسب غير مشروع، هذا امتحان صعب، فحينما تقول: أنا لا أعصِ الله وليكن ما يكن، امتحنك الله ونجحت، يخضعك الآن لقانون العناية الإلهية المباشرة، فيكسبك شيئين ؛ يكسبك أجر العابدين، ثم يكشف لك عن الحكمة فتكون من العلماء، تجمع بين العبودية والعلم، إذا كشف لك حكمة الأمر قبل أن تفعله ضعف فيه عنصر العبودية لله، أما إذا أقبلت عليه دون أن تفهم حكمته طاعةً لله عزَّ وجل، فلما أقبلت عليه ونفذته، كافأك الله فكشف حكمة هذا الأمر، إذا كشف لك الحكمة بعد التنفيذ جمعت بين الشيئين ؛ بين العبودية لله، وبين علم العلماء، صرت عابداً عالماً بآن واحد، لكن ضعوا في أذهانكم هذه الحقيقة، علة أي أمرٍ أنه أمر، قال له: كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه.
 لكن من هو الآمر ؟ أنت حينما ترى الكون، حينما ترى المجرَّات، حينما ترى الأرض، حينما ترى البحار، حينما ترى النبات، حينما ترى الأسماك، حينما تـرى الأطيار، حينما ترى الخلية بالمجهر، حينما ترى الذرة، حينما ترى المجرة، حينما ترى العلم المطلق، والحكمة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، بعد أن يطوف فكرك في الكون وتعود من هذا الطواف معظماً لله عزَّ وجل عندئذٍ تعظم قيمة أمر الله عندك، يكفي أن يقول الله لك: افعل فتفعل، يكفي أن يقول لك: لا تفعل فلا تفعل، كل الكون يشهد بعظمة الله عزَّ وجل ولذا لا يُسأل عما يفعل، أمرك أن تفعل تنفذ أمر الله، قال لك بالحج: قبِّل هذا الحجر، هو يميني في الأرض، سمعاً وطاعةً، تقبله وتبكي، قال لك: ارجم هذا الحجر هو إبليس ترجمه، وأنت مطيع لله عزَّ وجل، فأنت عبد، العبد عبدٌ والرب رب.

 

لا يوجد بين المخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران الإنس والجن+:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا (34) ﴾

 ليس متاحاً للملائكة أن يعصوا، الملائكة غير مكلفين، المَلَك غير مكلف، المَلَك مسيَّر، اسجد يسجد، لا يوجد بين المخلوقات كلها إلا نوعان مخيَّران+ ؛ الإنس والجن، الإنس يتلقَّى الأمر، يطيع، أو يعصي، أو يرد، ثلاثة مواقف، إذا أطاع فهو طائع، إن لم يطع فهو عاصٍ، إن احتقر الأمر ورده فهو كافر، مطيع، عاصٍ، كافر، قال لك: صلِّ، الذي صلى مطيع، والذي لم يصلِّ تهاوناً وتكاسلاً ـ الله يتوب علينا، والله أنا مقصر، إن شاء الله سوف أصلي ـ هذا عاصٍ، أما لماذا الصلاة ؟ فهذا كافر، فرقٌ بين أن تطيع الله، وبين أن تعصيه، و بين أن ترد أمره، هذا متاحٌ فقط للإنس والجن، أن تطيع أو أن تعصي ـ لا سمح الله ـ أو أن تكفر، هذا متاحٌ للإنس والجن فقط بينما الملائكة وبقية المخلوقات:

﴿ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴾

(سورة فصلت)

 بقية المخلوقات مسيَّرة ليس لها خيار إطلاقاً في عدم الطاعة.

إبليس لم يعص فقط بل جمع المعصية مع الكفر:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (34) ﴾

 ما الذي مَكَّنه أن لا يسجد ؟ لأنه مخير، لأنه من الجن قال تعالى:

﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (50) ﴾

( سورة الكهف: آية " 50 " )

 مكنه أن لا يطيع أنه كان من الجن، إبليس لم يعص فقط، بل جمع مع المعصية الكفر، قال:

﴿ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) ﴾

( سورة الإسراء )

 وقال:

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (76) ﴾

( سورة ص: آية " 76 " )

 أضاف إبليس إلى المعصية الكفر.

﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (34) ﴾

 قد يقول قائل: الملائكة سجدوا، وإبليس مستثنى منهم، هل المعنى أنه مَلَك ؟ لا الاستثناء نوعان ؛ هناك استثناء متصل، واستثناء منقطع، إذا قلنا: دَخَلَ الطلاب إلا خالداً، هذا استثناء متصل، خالد طالب، أما إذا قلنا: دخل الطلاب إلا المدرس، هذا استثناء منقطع المدرس ليس من جنس الطُلاَّب، لكن دخول الصف يشمل الجميع، الطلاب والمدرس، فهذا الاستثناء لا يعني أن إبليس مَلَك، لا أبداً ‍! إبليس كان من الجن، ولو كان مَلَكَاً لما عصى أبداً، لما عصى، لأنه مسيّر لا يستطيع أن يعصي.

﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ (34) ﴾

الاستكبار في الطاعة من أكبر المعاصي :

 هناك ألف معصية سببها الغَلَبَة، يُغلَب الإنسان، وفي معصية سببها الكبر، معصية الكبر عند الله كبيرةٌ جداً:

﴿ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) ﴾

( سورة النساء )

 الاستكبار في الطاعة مشكلة، لذلك ما الكبر ؟ قال:

(( الكبر بطر الحق وغمط الناس.))

[مسلم عن عبد الله بن مسعود]

 الكبر أن ترفض الحق، ألا تقبله، ألا تعبأ بالصلاة، ألا تعبأ بالزكاة، ألا تعبأ بالحج، أن ترى نفسك فوق الشرع، مرة كان عندنا أستاذ في الجامعة متمكن من العلم تمكُّناً كبيراً جداً، لا يغيب ولا طالب عن محاضرة له، رأيته مرة في رمضان يفطر، وكأنه يشعر أن مرتبته، وعلمه، ومكانته، وسمعته في الشرق الأوسط، ومؤلَّفاته، أكبر من أن يصوم رمضان، معصية الاستكبار كبيرة جداً، إبليس استكبر.

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (76) ﴾

( سورة ص: آية " 76 " )

 لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل:

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[أحمد عن أبي هريرة]

للإنسان حالتان ؛ حالة الافتقار وحالة الاعتداد :

 أنت عبد وكلما ازددت تواضعاً لله زادك الله عزاً، كلما مرغت وجهك في أعتاب الله زادك الله رفعةً، كلما عزوت الأمر إلى الله زادك الله قوةً، كلما عزوت علمك إلى الله زادك الله علماً، كلما افتقرت إلى الله زادك الله غنىً، لذلك عندنا حالتان ؛ حالة الافتقار، وحالة الاعتداد، الافتقار أن تقول: الله، الاعتداد أن تقول: أنا، هناك تولّي مع الافتقار، هناك تخلّي مع الاعتداد، مع كل مؤمن، تقول: أنا خبرات متراكمة، أنا معي أعلى شهادة، أنا متكلِّم، أنا مُتَعَمِّق، حينما تعزو ما عندك إلى ذاتك هذا كلام فيه جهل، يؤدبك الله عزَّ وجل بأن يتخلى عنك.
 خطبة رائعة جداً، نزل لكي يصلي فقال: الله أكبر، وبدأ بالآية رأساً، ونسي الفاتحة كلّها، صار عنده إعجاب، دائماً تواضع لله، دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة مطأطئ الرأس، حتى كادت ذُؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل، إن أتيت الله من باب الانكسار رفعك، ببدر:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) ﴾

( سورة آل عمران )

 في حنين:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾

( سورة التوبة )

ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها أما ذنوب الكبر فيصعب التوبة منها:

 اعتقد اعتقاداً جازماً أن عندك يومياً عشرات الدروس من بدر وحنين، في كل قضية تعزو هذا الفضل إليك هذه حنين ـ تخلي ـ تعزو هذا الفضل إلى الله هذه بدر ـ تولي ـ أنت بين التخلي والتولي، وإذا كان أصحاب النبي وهم على ما هم عليه من رفعة الشأن، تخلى الله عنهم في حنين ـ مؤقتاً طبعاً ـ تأديباً لهم، فمن نحن ؟ إذاً:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ﴾

 ذنوب الَغَلَبة يسهل التوبة منها، أما ذنوب الكبر يصعب التوبة منها، المعاصي بسبب الكبر يصعب التوبة منها، المعاصي بسبب الغَلَبَة والضعف يسهل التوبة منها، انتهت العملية، العملية أنه صار هناك اعتراض من الملائكة، فربنا عزَّ وجل بين لهم أن الله يعلم، والملائكة لا يعلمون:

﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ (33) ﴾

 بيَّن للملائكة أن علم آدم بسبب صدقه، بسبب رفعة قدره، والملائكة لا يعلمون، إذاً: اسجدوا لآدم، اخضعوا له، هو سيد المخلوقات وانتهى الأمر.
 الآن: هذا علم نظري، أي أن آدم يقع في الدرجة الأولى، مخلوق أودعت فيه الشهوات، منح الاختيار، سُخِّرَ له الكون، الآن آدم وذريته بحاجة إلى تطبيق عملي، لأن آدم لم يتلقَ تربية من والديه، آدم أبو البشرية.

 

أدلة من القرآن الكريم تُظهر أن (الجنة) في الآية التالية ليست جنة الآخرة:

 هناك الآن تجربة عملية:

﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾

 الأرجح، والأقوى، والأكثر رجحاً أن هذه الجنة ليست جنة الآخرة، لأن جنة الآخرة:

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) ﴾

( سورة الحجر )

 في آياتٍ كثيرة سَمَّى الله البساتين جنة:

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ (17)﴾

( سورة القلم: آية " 17 " )

 وقال:

﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (35) ﴾

( سورة الكهف: آية " 35 " )

 آيات ثلاثة في القرآن وصفت جنات الأرض بالجنة، فالله هَيَّأ له مكاناً فيه كل حاجاته، فيه كل متطلباته.

﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ (35) ﴾

 قال الله عزَّ وجل: اسكن، وهذا فعل أمر، لم يقل: اسكني، علماً أن المقصود أنت وزوجك وذلك حسب التغليب لأن كل أمر موجهٌ إلى الذكور هو حكماً موجهٌ إلى الإناث.

 

آدم مخلوق في الأصل للأرض وهذا درس عملي:

 قال تعالى:

﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾

 هذه جنةٌ في الأرض جُعلت لآدم عليه السلام ولزوجته، ليكون الدرس العملي فيها، قد يقول قائل: لولا أن آدم أكل من هذه التفاحة لما خرجنا من الجنة، كلا، والدليل قوله تعالى:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

( سورة البقرة: آية " 30 " )

 آدم مخلوق في الأصل للأرض هذا درس عملي، تَعْرِض على الإنسان أحياناً قضية نظرية يقبلها، فإذا جاء التطبيق العملي لم يتحملها، ولذا يجب أن يحاول الإنسان أن يجرب كل شيء قبل أن يوافق عليه، قد تفتقر الموافقة النظرية إلى الخبرة العملية، فأروع شيء أن هناك موافقة نظرية وهناك خبرة عملية، الآن درس عملي من الله عزَّ وجل:

﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (35) ﴾

 كل حاجاته فيها ؛ الطعام، والشراب، والمأوى، كل شيء يتمنَّاه أمامه، هناك إشارات، هو الآن في الجنة في طور التكليف، ما هو التكليف ؟ قال:

﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾

 مسموح أن يأكل مليار نوع.

من لوازم التكليف الأمر والنهي:

 قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾

 لا يوجد تكليف من دون نهي، لم يعد تكليفاً، أي قرار لا يوجد فيه منع لم يعد هذا قراراً، قانون السير: ممنوع أن تقف في المكان الفلاني، ممنوع أن تقود مركبة من دون شهادة، لولا المنع لما كان تكليف، ولما كان هناك أمر، ولم يعد للأمر أي معنى، فمن لوازم التكليف الأمر والنهي، لكن من رحمة الله:

﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾

 عُدَّ لي كم شراباً يمكنك شربه ؟ يمكن أن يبلغوا ألفاً، كم فاكهة تستطيع أن تأكلها؟ كم طعاماً مسموح لك أن تأكل ؟ الخمر والخنزير محرمان فقط، المباح والحلال يفوق المنهي عنه بآلاف، بل بمئات ألوف المرات:

﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ (35) ﴾

 من لوازم العبودية لله، من لوازم التكليف، من لوازم حَمْل الأمانة أن يكون هناك أمرٌ، وهناك نهيٌ، ولكن رحمة الله تقتضي أن الأشياء المباحة لا تعدُّ ولا تُحصى، وأن يكون الشيء المحرم قليلاً جداً.

﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) ﴾

 من لوازم العبودية وجود أمر ونهي لديك، وأنت مخير، قال:

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) ﴾

 الشيطان كذب طبعاً على آدم، قال له:

﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى(120) ﴾

( سورة طه )

 علّم الله عزَّ وجل آدم وذريته من بعده درساً لا ينسى.

 

بعض مهام الشيطان:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (6) ﴾

( سورة فاطر: آية " 6 " )

 هو يكذب، يخوِّف أولياءَه، يوقع بين المرء وزوجته، يعدكم الفقر، فالشيطان يخوفك بهذا الدين، إياك إياَّك، ستنتهي إذا عملت هذا العمل، يخوفك، إيَّاك أن تنفق مالك وإلا ستصبح شحاذاً، أمسك يدك، يمنعك أن تنفق، يمنعك أن تحضر مجلس علم، يمنعك أن تلتزم في جامع، يمنعك أن تظهر بمظهر ديني، ويفرِّق بين المرء وأهله، هذه مهمته:

﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا (36) ﴾

 هو درس عملي، الشيطان لم يفعل شيئاً لم يرده الله، لكن ربنا عزَّ وجل علَّم آدم من بعده درساً لا ينسى.

 

تحليل بسيط للآية التالية :

 قال تعالى:

﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) ﴾

 هناك تحليل بسيط يبدو أن جنة آدم كانت مريحة جداً، له فيها ما يشاء، فلما أكل من هذه الشجرة انعكست الآية، كانت نفسه محيطة بجسمه، فالنفس طليقة، إذا نظر الشخص إلى شجرة تفَّاح يمكن أن يأكل مليون تفاحة، إذا كانت قضية اتصال فهو يأكل هذه التفاحات ويستمتع بطعمها الطيب دون أن تدخل جوفه، أما إذا كان دخول للجوف فتكفيك واحدة، لا تستطيع أن تكمل، الآن هناك أغنياء معهم ألوف الملايين، إذا أراد أحدهم أن يأكل هل يستطيع أن يأكل جملاً وحده ؟ مهما كان غنياً لا يستطيع أن يأكل أكثر من أوقية لحمة، أو أوقيتين، لأنها ستدخل للبطن، أما إذا كانت قضية نظر فكلما ألقى نظرة على تفاحة أخذ كل طعمها، وأساساً كيف يكون الإحساس بطعم الفاكهة ؟ يلامس اللسان سقف الحلق في أثناء البلع، يدفع هذا الطعام، أعصاب الحس، إذا أكل الواحد أفخر طعام والثاني أكل أخشن طعام فالأمر سواء بعد دخول الطعام إلى الجوف، الفرق في الطعام أثناء البلع والاتصال فقط، فإذا سمح الله عزَّ وجل لنا بالجنة أن نتصل بكل شيء، ونأخذ كل ما فيه من لذة دون أن يدخل جوفنا، لم يعد هناك أمراض ولا تعب، لم يعد هناك كبر بالسن، يوجد هناك استمتاع فقط، فيبدو أن جنة آدم كانت من هذا القبيل فلما أكل التفاحة انعكست هذه الآية، صار هناك جهاز هضم، صار هناك تُخمة، وصار جهاز طرح للفضلات، صار هناك تعب ونوم، صار هناك سعي وعمل وكدح:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾

( سورة الانشقاق )

بداية فعل الشيطان بعد أن يلتزم الإنسان مع الله:

 أيها الأخوة، هناك فكرة تأتي إتماماً للفائدة، قال الشيطان في آياتٍ أخرى:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾

( سورة الأعراف )

 ما دام المرء بالمعاصي والآثام ترك الصلاة، ما دام ماله حراماً، ما دام يرتاد الملاهي، تجده مرتاحاً ولا يوجد عنده مشكلة، عندما يلتزم بجامع يقول له الشيطان أول شيء: من خلق الله ؟ أو: قد يكون هذا القرآن ليس من عند الله، بل هو كلام محمد ؟ متى بدأ الشيطان يوسوس لهذا الإنسان ؟ بعد أن التزم، وطريق الفجور لا يوجد فيه شيطان، الطريق سالك ونازل، وبعد أن التزم المرء قعد الشيطان على طريق الصلاح:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾

( سورة الأعراف )

 شيء طبيعي جداً إذا تاب الإنسان إلى الله واصطلح معه، شيء طبيعي جداً أن تأتيه الوساوس من الشيطان، لأنه حسب الآية متى يبدأ الشيطان فعله ؟ بعد أن يلتزم هذا الإنسان مع الله.

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 ألا يوجد عندك صحن فضائي ؟ هذه حضارة ورُقي، يعيش مع العالم كله.

﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 تقدم، علم، أجهزة، المرأة نصف المجتمع، أحضر للعمل في مؤسستك الموظفات، أكثر راحة، وأمتع، ومعاشهن أقل، تقدُّم، جِدّة، حداثة.

﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 هذه تقاليد يا أخي، وعادات، وتراث، إذا كان الضلال يأتي من الماضي يحضر لك الماضي، يتجاوزون الإسلام إلى الجاهلية، فنعتز بالماضي المنحرف، أو نبحث عما في المستقبل من ضلالات. أما إذا كان المؤمن واعي.

 

سلوك الشيطان مع المؤمن:

 أما إذا كان المؤمن واعي:

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 لم تضبط صلاتك، تحوي الفاتحة أربع عشرة شدة، تركت منهم واحدة، الصلاة كلها باطلة، مثلاً، يدخله في الوسوسة، لا تتعب نفسك لأن الله كتب عليك من الأزل أنك شقي، يأتيه من القضاء والقدر، يأتيه من العقيدة، يأتيه من النبوة، يأتيه من الوسوسة، إذا كان صادقاً لم تصح، لماذا تصلي ؟ هذه ليست صلاة، معنى ذلك أنك لا تصلي، أتى وقت الدرس، فيقول له: أنت معكَّر، الدرس لشخص صافٍ، ليس لك، ابق جالساً في البيت.

﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 يهيئ له المعصية، والزنا، والخمر.

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

 تكون ساكناً في بيت وعندك طعامك وشرابك وكل شيء يقول لك سوق مسموم، لا يوجد شغل، الحياة متعذرة في هذا البلد، أنت ماذا ينقصك ؟ ما هذا الذي ينقصك قل لي ؟ دائماً يشكي، الشكوى والتذمُّر، ينسى كل الإيجابيات، ويبحث عن السلبيات، يكبرها، فهذا هو سلوك الشيطان.

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾

الله عزَّ وجل بدأ حياة سيدنا آدم بتجربة عملية غير التجربة النظرية :

 عندما يلتزم الإنسان يأتي الشيطان ! فالأهل في بعض الأيام يأتي ابنهم الساعة الثانية ليلاً، له خمسون صديقة، مكالمات إلى البيت، ممتاز، عندما تاب والتزم بمسجد أكثروا له التأنيب والتوبيخ ‍! مرة قال لي أحد الشباب: كنت أحضر معي إلى البيت نساء فلا يتكلم والدي ووالدتي معي شيئاً، بعد أن تبت والتزمت بمسجد اختلف الأمر !! صرت محاسباً على الحركة وعلى السكنة، هل يعقل هذا ؟!! هذا سلوك شيطاني، عندما كان غير منضبط كنت أنت ساكتاً عنه، بعد أن التزم صرت تدقق عليه، ألا تريد أن ترحمه بواحدة ؟ إذا لم تعمل هكذا لا أعطيك ؟ إذا لم تفعل هذا العمل لن أزوجك، إذا لم تفعل هذا لن أسكنك بيتي، إذا لم تكشف زوجتك لكل أخواتك فلن أسمح لك، لماذا تفعل هذا ؟ كنت راضياً عنه عندما كان متفلتاً وعندمّا التزم لم تعد راضياً عنه ؟ هذا سلوك شيطاني.

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

 هذا فعل الشيطان والله عزَّ وجل بدأ حياة سيدنا آدم بتجربة عملية غير النظرية، طبعاً مع الملائكة نظرية، أما مع إبليس عملية:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) ﴾

( سورة فاطر )

 مهمة الشيطان الأولى أنه يكرهك بزوجتك، ويكرهها بزوجها، المهمة الثانية يخوفك من الفقر، لا تنفق، الثالثة يخوفك من أي جهة قوية، إياك أن تصلي، إياك أن تدخل الجامع، كله كلام الشيطان، من فضل الله علينا المساجد عامرة بهذه البلدة، والأمور مستقرة والحمد لله فلا توجد مشكلة أبداً، كله مرخص، فهذا الشيطان يخوِّفك زيادة، يخوفك، ويعدك بالفقر، ويأمرك بالفحشاء، ويفرق بينك وبين أهلك هذه مهمته، بعد ذلك يكفرك:

﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

هذا الدرس متعلِّق بتجربة آدم مع الشيطان:

 هذا الدرس أيها الأخوة، درس متعلِّق بتجربة آدم مع الشيطان، قال تعالى عن سيدنا آدم:

﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾

( سورة طه )

 على المعصية:

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36) ﴾

( سورة البقرة )

 أي لا بد أن يخرجا:

﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)﴾

 هذه كلمة

﴿إلى حين﴾

 إذا فهمها الإنسان ترتعد مفاصِلُه،

﴿إلى حين﴾

 عدة سنوات، اعمل ما شئت لا بد من الموت، إذا شيَّع الواحد جنازة، ووقف على القبر، وضع هذا الميت في القبر، هذه الحادثة الرهيبة كلنا سوف نصل إليها، كلنا، مهما كان حجمك المالي، مهما كان بيتك فخماً، مهما كان لك هيمنة على الناس، مهما كان لك أذواق رفيعة جداً في الاستمتاع، مهما كنت أنيقاً عندك أذواق عالية، مهما كان رصيدك كبيراً، هذه اللحظة لا بد منها، لذلك العاقل هو الذي يعد لهذه اللحظة التي لا بد منها عدتها، اعملوا ما شئتم:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[رواه أبو داود الطيالسي عن جابر]

 هذه الساعة من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.

البطولة من يضحك في الآخرة هذا ملخص الملخص:

 قال تعالى:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾

( سورة المؤمنون )

 إذاً ضحكوا أولاً وليس آخراً، في آية ثانية:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾

( سورة المطففين )

 من الذي ضحك أخيراً ؟ المؤمنون، ما داموا ضحكوا أخيراً فقد ضحكوا كثيراً إلى الأبد، والذي ضحك أولاً بكى كثيراً، والإنسان يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا جاء الأجل كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده، هذا ملخص الملخص.

الدنيا سعي و عمل و الآخرة أخذ و جزاء:

 قال تعالى:

﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36) ﴾

 اهبطوا من هذه الحالة العالية، إذا كان الشخص مرتاحاً لا يوجد عنده ولا مشكلة اطلب تعطى:

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31) ﴾

( سورة النحل: آية " 31 " )

 هكذا الجنة، نزل إلى مستوى متعب، هناك كدح وسعي، الآن الواحد منا إذا أراد أن يعمل صحناً من السلطة يحتاج ساعة، يقول لك: بعد ثلاثين سنة سكنت في بيت مساحته مئة متر تحت الأرض في القبو، ما هذه الحياة ؟ تعمل عملاً يهد الجبال، لتشتري بيتاً صغيراً، إلى أن يتزوج ويكون له زوجة يقول لك: أصبح عمري أربعين سنة ولم أتمكن من الزواج بعد، هكذا الحياة، الحياة مبنية على الكدح.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ (6) ﴾

( سورة الانشقاق: آية " 6 " )

 الجنة ليست هكذا لأنها على الطلب، اطلب تُعطَ، تقول: أعطوني وأنت ماكث ؟ كله جاهز.

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ (31) ﴾

( سورة النحل: آية " 31 " )

 في الدنيا سعي، في الدنيا عمل، وفي الآخرة أخذٌ.

 

الجنة بالعمل فاعملوا واشتغلوا:

 قال تعالى:

﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا (36) ﴾

 انتهت الآن الحالة المريحة، انتهى الدرس، اهبطوا، مثل تقريبي: عندك طلاب أريتهم مزرعة جميلة، تجعلهم يسبحون، تطعمهم أكلاً لذيذاً، تجدهم يحبونها، الآن الذهاب إلى المزرعة للعمل والاجتهاد، أول مرة يهمك أن تجعلهم يطمعون، تريهم ما هي الجنة، فهذه يسمونها تربية عالية جداً، هذه الجنة، وأنتم مخلوقون لهذه الجنة، الآن اهبطوا منها، الآن الجنة بالعمل فاعملوا واشتغلوا، أعطاك نموذجاً عالياً جداً.

﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) ﴾

 الآن:

﴿ اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾

 الآن اشتغلوا.

﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ﴾

الإنسان بضعة أيام وكلما انقضى يوم انقضى بضع منه:

 إنها عدة أيام، كل إنسان له أيام معدودة، كل مجتمع له عشرة أيام، انتهت العشرة أيام، تجد أحياناً رفاهاً مذهلاً بعد ذلك تجد الأسعار غالية وانتهى الرفاه، أصبح هناك تعب شديد، فلك في الدنيا مستقر ومتاعٌ إلى حين، فقر، فقر إلى حين، امشِ في الطريق تجد خمسين نعوة تقريباً، يجب أن تعلم علم اليقين أن هناك يوماً سوف يقرأ الناس نعيَك، وأنا معكم، وكل واحد منا، لن تجد بعد مئة سنة ولا واحداً بالمسجد إما بمقابر الجبل وإما بمقابر الباب الصغير.

﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ﴾

 هذه جملة:

﴿ إِلَى حِينٍ (36) ﴾

 تخوف الإنسان، أي أنك بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الإنسان، ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
 إن شاء الله في الدرس القادم نتابع تفسيرَ هذه الآيات.