الدرس : 5 - سورة يس - تفسير الآيات 45-65 ، السعيد من اتعظ بآيات الله عز وجل

1992-08-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الخامس من سورة يس.

على الإنسان أن يتقي عذاب الدنيا بطاعة الله عز وجل:

 وصلنا في الدرس الماضي من حيث التفصيلات لقوله تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) ﴾

 الحقيقة ربنا جلّ جلاله ذكر لنا بعض الشُبُهات التي يتعلق بها المعرضون، فحينما يُدْعَوْن إلى طاعة الله. كلمة

﴿اتقوا ﴾

 التقوى من الوقاية، والوقاية لا تكون إلا من الخطر، فالإنسان كيف يتقي عذاب الدنيا ؟ الدنيا فيها مذلات وفيها متاعب وفيها آلام لا يعلمها إلا الله، قد يسأل سائل لماذا جعل الله عز وجل طبيعة الحياة الدنيا قائمة على الهموم والأحزان والمشكلات والأمراض وضيق ذات اليد ؟ إن هذه المضايقات كلها من أجل أن يعود الإنسان إلى الله عز وجل، فحينما يُقال لهذا الكافر

﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ﴾

 أي اتق عذاب الدنيا بطاعة الله:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

(سورة الشعراء:الآية213)

 اتق عذاب النفس بالتوحيد، اتق الكفر بالإيمان، اتق العقاب بالطاعة، الإنسان إذا دعي إلى طاعة الله من أجل أن يقيه الله عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

 

من كان معذباً في الدنيا و لم يكن يعرف الله عز وجل دخل في عذاب آخر في الآخرة:

 

﴿ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ (45) ﴾

 هناك تفسيرات كثيرة لما بين أيديكم وما خلفكم، لكن من أدق هذه التفسيرات وأقربها إلى المنطق:

﴿ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ (45) ﴾

 في الدنيا:

﴿ وَمَا خَلْفَكُمْ (45) ﴾

 في الآخرة، الإنسان إذا كان معذباً في الدنيا، ولم يكن يعرف الله عز وجل، فإذا جاء الموت هل انتهى عذابه ؟ لا والله دخل في عذاب آخر.

 

على الإنسان أن يتقي عذابات الدنيا المادية و المعنوية:

 هناك عذابان: عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، وهناك جنتان: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، فهذه دعوة:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ (45) ﴾

 أي اتق أنْ تكون ذليلاً، اتق أن تكون متألماً، اتق أن تكون قلقاً، اتق أن تكون هائماً على وجهك معذباً مشتتاً، اتق كل عذابات الدنيا المادية والمعنوية:

﴿ وَمَا خَلْفَكُمْ (45) ﴾

 ما ينتظر الإنسان بعد الموت من آلام، من شقاء، من ندم شديد، من حريق في جهنم.

﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) ﴾

 لأن رحمة الله خير مما يجمعون.

 

من اتق المحارم كان أعبد الناس:

 الإنسان أحياناً يكون في كسب الرزق يبحث عن رزقه، أحياناً يتجاوز كسب الرزق إلى الجمع، يدخل إلى عالم الجمع، فالله يقول:

 

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾

(سورة الزخرف:الآية32)

 لأن كل الذي تجمعه في الدنيا لن تأخذه معك إلى الآخرة، سوف تدعه في الدنيا شئت أم أبيت، فربنا عز وجل قال:

﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) ﴾

 أي أنا أرحمكم في الدنيا بحياة هانئة مستقرة هادئة مطمئنة فيها رضا وفيها سرور، وأرحمكم في الآخرة بجنة عرضها السماوات والأرض، وثمن هاتين الرحمتين مجتمعتين أن تتقوا مابين أيديكم و ما خلفكم، أن تطيعوني، لذا اتق المحارم تكون أعبد الناس:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾

(سورة الحجرات:الآية13)

 أدق مقياس لنجاح الإنسان هو طاعته لله عز وجل، قال هؤلاء (أهل الدنيا) حينما أعرضوا عن الله عز وجل وامتلأت أنفسهم بالشهوات الخبيثة، أصبحت الشهوات حجاب بينهم وبين الله، لأن حبك الشيء يعمي ويصم وحب الدنيا رأس كل خطيئة، إذاً هم هنا كما قال الله عز وجل:

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

(سورة البقرة: الآية18)

كل إنسان محاط بآيات الله و هو في غفلة عنها لأن الشهوة حجاب بينه وبين الله:

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)﴾

 والله أيها الأخوة إن الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل، إن الآيات الكونية أو الآيات التي تتحدث عن أفعال الله عز وجل لا تعدّ ولا تحصى، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، حياتك كيف بدأت ؟ وكيف تنمو ؟ وما الأحداث الكبرى التي جاءت ؟ ولماذا جاءت ؟ وما الحكمة من مجيئها ؟ هذه آيات دالة على وجود الله وعلى وحدانيته وعلى كماله، أحياناً بعض الشدائد التي يسوقها الله عز وجل للإنسان يلقي في روعه أن هذه الشدة من أجل كذا، هذه آية، ما حولك من آيات دالة على وجوده وعلى كماله وعلى وحدانيته هذه أيضاً آيات، فالآيات هي العلامات الدالة على وجوده، والدالة على كماله، والدالة على وحدانيته، وما أكثر الآيات في نفسك، آيات في الآفاق، آيات في الكون، آيات في طعامك، آيات في شرابك، آيات في أفعال الله، آيات فيما يعامل الله به عباده، أنت محاط بالآيات بل أنت غارق بها، لكن هذا البث المستمر محتاج إلى جهاز استقبال فإذا لم يستقبل الإنسان هذه الآيات أنى له أن يؤمن بها، قد يكون في وسط الآيات، وقد يكون غارقاً بالآيات، وقد تكون الآيات من حوله بشكل عجيب، ومع ذلك هو في عمى أو في غفلة لأن الشهوة حجاب بينه وبين الله، وهذا مصداق قوله عز وجل في أول السورة:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) ﴾

 هنا جعلها تحصيل حاصل.

من يعرض عن ذكر الله يعمى عن سعادة الدنيا و الآخرة:

 حينما أعرض الإنسان عن الله عز وجل أصبحت الشهوات كالأغلال قيدته وعطلت حركته وأعمت بصيرته إذا هو في عمى عن سعادة الدنيا وفي عمى عن سعادة الآخرة، إذاً:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) ﴾

 الإنسان إما أن يرحم في الدنيا والآخرة وإما أن يعذب في الدنيا وفي الآخرة:

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)﴾

آيات الله يسوقها للإنسان لحكمة أرادها هو:

 أنا لا أريد أن أفصل فيه لكن كلكم يعلم أن ما يجري حولنا من أحداث إن هي إلا آيات صارخات:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) ﴾

(سورة النحل:الآية112)

 ما يجري من زلازل، من أمطار غزيرة أحياناً، من مجاعات، كل هذه الآيات إنما يسوقها الله عز وجل لحكمة بالغة، وفوق هذا وذاك يلقي ربنا في روع المؤمن أن هذه الظاهرة من أجل كذا لقوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (11) ﴾

(سورة التغابن:الآية11)

 لسر المصيبة.

 

امتحان الله عز وجل الغني بالغنى و الفقير بالفقر:

 الآن الشبهة الثانية:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(47)﴾

 الله عز وجل أغنى الغني وأمره أن يعطي الفقير، وأفقر الفقير لحكمة أرادها وأمره أن يتجمل وأن يتعفف، فحكمة الله عز وجل لا يلغيها التكليف، أو التكليف لا يلغي حكمة الله عز وجل، لا حكمة الله تلغي التكليف، ولا التكليف يلغي حكمة الله، إذاً حينما يُؤمر الغني أن يعطي الفقير فلحكمة بالغة أرادها الله عز وجل، الغني امتحن بالغنى والفقير امتحن بالفقر، والأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي ومن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولا أبالي:

﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) ﴾

استهزاء الكفار بالموت و هو أسرع مما يتيح للإنسان أن يوصي:

 الآن هناك استهزاء بليغ، أي:

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ (48) ﴾

 متى: حرف استفهام أو اسم استفهام لكن الاستفهام هنا خرج عن قصده الأصلي إلى استفهام إنكاري يشبه الاستهزاء، أي متى... متى يوم القيامة ؟ متى الوقوف بين يدي الله عز وجل ؟ متى الجنة ؟ متى النار ؟ هذا ليس استفهاماً عادياً بل استفهام إنكار واستفهام استهزاء:

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) ﴾

 أي الله عز وجل قادر أن يجعل الموت أعجل من أن توصي، أسهل شيء يفعله الإنسان أن يقول كلمة: البيت لفلان، التوصية سهلة جداً ومهمة جداً وضرورية جداً، ومع ذلك قد يأتي الموت بأسرع مما يتيح للإنسان أن يوصي قال:

﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً (49) ﴾

 صرخة واحدة تزهق أرواحهم.

 

العاقل من يعدّ عدته قبل أن يدركه الموت:

 

﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾

 دقق بالرجوع إلى البيت، الإنسان يخرج من البيت ويرجع، يسافر ويرجع، يسافر للدراسة أربع سنوات ويرجع، يسافر يقيم ببلد عشر سنوات ويرجع، يغترب ويرجع، موضوع الرجوع للبيت أمل كل إنسان، لكن الميت إذا خرج من بيته لن يرجع، لا يعود إلى بيته، أثاث بيته، مقتنيات بيته، ما أودعه في هذا البيت من قطع نفيسة جداً، مقتنياته الخاصة، ممتلكاته، مكتبه، مزرعته، قصره:

﴿ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾

 معنى ذلك أن الإنسان عليه أن يعدّ العدة لهذه الساعة والتي يغادر دون أن يرجع، يغادر بلا عودة، خروج بلا عودة.

 

لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا القلب السليم:

 كنت أقول للأخوة الأكارم: الإنسان يدخل إلى المسجد ليصلي أو ليحضر مجلس علم، لكن لابد له من أن يدخل مرة ليصلى عليه، والبطولة أن تعد لهذه الصلاة، الإنسان يخرج من بيته قائماً ولابد من أن يخرج مستلقياً مرة واحدة عند الموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال لابد من نزول القبر.
 أيها الأخوة الأكارم: هذه الآية ! الإنسان عندما يفكر بهذه الواقعة التي لابد من أن تقع، ابتعدت أو اقتربت، طالت أو قصرت، يكون بأعلى درجات الذكاء وأعلى درجات العقل، لأن هذه الساعة لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلاهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ: َمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّود))

 

[الترمذي و أحمد و الدارمي عن أبي سعيد]

عش ما شئت فإنك ميت  وأحبب من شئت فإنك مفارق
* * *

 و من عدّ غده من أجله فقد أساء صحبة الموت.

 

من أُخذ إلى الله عز وجل انتهى اختياره وختم عمله:

 

﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً (49) ﴾

 سبحان الله قد يموت الإنسان بعد مرض طويل، وقد يبقى عشر سنوات في الفراش ويحار فيه الأطباء ويتمنى أقرب الأقرباء له أن يموت ويخفف الله عنه وهذا القلب ينبض، وقد يقف القلب لأتفه سبب، قد يموت الإنسان وكأنه خطف، وقد يموت بعد معاناة طويلة، فيا ترى من أدراني أن نهاية أجلي سوف تكون بعد معاناة طويلة أو انتقال مفاجئ ؟ موت الفجأة أو الفجاءة فالإنسان مادام ممكن أن يموت بعد معاناة طويلة وممكن أن يموت فجأة، إذاً موت الفجأة للإنسان إذا ما كان مستعداً، ما كان تائباً، ما كان ضابطاً أموره، مؤدي الحقوق، مؤدي الواجبات، موت الفجأة مصيبة كبيرة، لأنه مغادرة بلا استعداد. فربنا عز وجل يشير إلى ذلك فيقول:

﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ (49) ﴾

 تأخذهم إلى الله وإذا أخذ الإنسان إلى الله عز وجل انتهى اختياره وختم عمله وتعطل كل شيء.

 

جدال الكفار في شأن البعث و الرسالة:

 

﴿ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ(49) ﴾

 بعض العلماء قال " يخصمون في شأن البعث والرسالة "، يا ترى في موت ؟ ما في موت ؟ في جنة ؟ ما في جنة ؟ ما هو دليلك ؟ قال لك هذا القرآن ليس لهذا الزمان!!! إنسان يتناقش مع إنسان بأحقية الموت ثم جاءه ملك الموت ليخطفه فمجيء ملك الموت ونقله إلى الآخرة أبلغ جواب على مناقشته، مرة خبير أجنبي يتناقش مع بعض المرافقين، فالخبير الأجنبي لا يؤمن بوجود الله إطلاقاً، يتناقش مع بعض المرافقين، فجاء ذكر لفظ الجلالة بأن الأمر بيد الله، فامتعض امتعاضاً شديداً جداً وقال إن هذا كله خرافة، وبقدرة قادر دخل طرف ثوبه بعجلة مع شريط فارتطم في السقف ونزل ميتاً.
 أي الموت أسرع من ذلك وهو يناقش بوجود الله عز وجل فحدث له حادث جعله من أهل الآخرة مباشرة، قصص كثيرة جداً أثناء المناقشة جاءت الصيحة فأخذته

﴿ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾

وهم يخصمون: آية لها عدة معان منها:

1 – يختصمون في شأن البعث و الآخرة و الموت:

 المعنى الأول: يختصمون في شأن البعث وشأن الآخرة وشأن الموت وشأن ما بعد الموت.

 

2 ـ هم في تجارتهم و خصوماتهم يأتي ملك الموت فيخطف هذا الإنسان:

 وفي معنى آخر: هم في تجارتهم، وفي خصوماتهم، وفي قضاياهم، وفي منازعاتهم، وفي قيلهم وقالهم، وفي تحزباتهم، في هذه المعمعمة، يأتي ملك الموت فيخطف هذا الإنسان وقد يخطفه وهو في قضية مرفوعة إلى القضاء يظهر قرار صغير: تشطب الدعوى لموت المدعي، اثنتا عشرة سنة دعوى كلفت مئات مِئات الألوف، ومحامين، وقضايا، ومذكرات، وانتقلت من محكمة لمحكمة، آخر شيء تشطب الدعوى لوفاة المدعي:

 

﴿ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ(49) ﴾

 فالموت هو نهاية كل حي.

 

مادامت مغادرة الإنسان سريعة عليه أن يستعدّ لهذا اليوم:

 قال:

 

﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾

 أعرف رجلاً وهو في محله التجاري، انحنى رأسه وفارق الحياة، قال الأطباء: إنها سكتة دماغية، وهو غائص في أمور التجارة إلى أقصى حد، بايع وشاري شفهي دون عقود، بقي أهله سنوات وسنوات بعد وفاته وهم يخلصون هذه العلاقات المالية، ما تمكن أن يقول مَنْ شريكه ؟ ولا تمكن أن يقول أنَّ شريكه له هذه النسبة ؟ ولا تمكن أن يقول هذا البيت لمَنْ ؟ دافع دفعات وقابض قبضات وعامل شركات كله شفهي، بقي أهله سنوات طويلة وهم يحلون هذه المشكلات، أي:

﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾

 مادامت المغادرة سريعة وقد تكون فجائية فلابد من الاستعداد لهذا اليوم، عين العقل أن تستعد لهذا اليوم، والإنسان لا يقول أنا صغير، أنا شاب، أحداث الموت تؤكد أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ، هناك رجل أعرفه عمره حوالي 32 سنة، شاب في ريعان الشباب له زوجة صار معها تشمع في الكبد، وصار معها استسقاء، فالأطباء يخففون عنه أن موتها قريب، وأنَّ أجلها انتهى وانتهت حياتها، موضوع ساعات، موضوع أيام، وكان موظفاً أنا كنت حاضراً مرة فدخل الآذن وقال: مات، فقلنا: ماتت ؟ فقال: لا مات زوجها، نحن فكرنا الزوجة توفت لكن المفاجأة أن الزوج توفي، كان عمره 32 سنة هو ينتظر وفاتها فإذا هو يسبقها.

 

العاقل من يحتاط للموت قبل مجيئه:

 

 إذاً أحداث الموت سريعة جداً تأتي بسبب أحياناً وأحياناً بلا سبب، مرة رجل ورث مبلغاً فلكياً، حوالي ألف مليون، أحد الورثة نصيبه من هذا الإرث تسعين مليون، فسعى ليلاً نهاراً ليحصّل هذا المبلغ وبقي ستة أشهر يسعى سعياً حثيثاً لتجميع هذا المال ولأخذه، دخل إلى الحمام وهو يغسل يديه وقع ومات ولم يقبض درهما من هذا المال، الموت سريع جداً.
 لذلك الإنسان العاقل يحتاط للموت قبل مجيئه، السمكة العاقلة لما سمعت الصياد يقول إنه سيعود ليصطاد هذه السمكات قال: السمكات ثلاث كيسة و أكيس منها وعاجزة أما الأكيس فإنها ارتابت وتخوفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، خذوا هذه القاعدة، والأقل عقلاً حين وقوعها، والغبي الجاهل لا يحتاط لا قبل وقوعها ولا أثناء وقوعها و لا بعد وقوعها، هذا العاجز، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ))

[ابن ماجه عن عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

 الحقيقة الأماني لا أعتقد واحداً إلا ويتمنى أن يكون من أهل الجنة، لكن ربنا عز وجل لا يتعامل مع عباده بالأماني إطلاقاً لقول الله عز وجل:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (123) ﴾

(سورة النساء: الآية123)

ربط الرجاء بالسعي والعمل وأي رجاء بلا عمل تمنيات باطلة:

 لذلك: الله يغفر لنا، الله عز وجل كريم إن شاء الله يغفر لنا ويسامحنا، والله يدخلنا الجنة، هذا كلام إذا ما في معه عمل، قد يقول قائل ما الدليل على ذلك ؟ اسمعوا الدليل: ربنا عز وجل لخص القرآن كله في آية واحدة:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (6) ﴾

(سورة فصلت:6)

 انتبهوا الآن:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

(سورة الكهف:الآية110)

 الله عز وجل بهذه الآية ربط الرجاء بالسعي والعمل، وأي رجاء بلا عمل تمنيات باطلة لا شأن لها عند الله إطلاقاً قال:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

(سورة الكهف:الآية110)

 أي لا يشرك بالعبادة أي ليطع الله وحده، والطاعة لله وحده تجعل الطريق إلى الله سالكا هي الاستقامة.

 

الاستقامة و العمل الصالح أساس الإيمان:

 أما الذي يدفعك إلى طريق الإيمان:

 

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)﴾

(سورة الكهف:الآية110)

 فالاستقامة تمهيد للطريق والعمل الصالح حركة إلى هذا الطريق، فأي رجاء من دون عمل فهو رجاء الكسالى ورجاء المتمنين، والتمنيات كلها لا شأن لها عند الله إطلاقاً:

﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) ﴾

 الأجداث جمع جدث وهو القبر، معنى ينسلون فلان له نسل أي شيء خرج منه، كيف أن هذا الطفل يخرج من بطن أمه فهو من نسلها، وكأن القبر رحم يخرج منه الميت كما يخرج الجنين من بطن أمه.

 

للصور نفختان: نفخة لا تبقي حياً ونفخة لا تبقي ميتاً:

 

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (51) ﴾

 هناك نفختان للصور: نفخة لا تبقي حياً ونفخة لا تبقي ميتاً، جميع الأحياء يموتون في النفخة الأولى، وبعد حين تنفخ النفخة الثانية فيبعث الله كل الأموات:

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (51) ﴾

 طبعاً هذه النفخة الثانية:

 

﴿ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) ﴾

 

حشر الناس يوم القيامة للحساب:

﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾

(سورة القيامة:30-36)

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) ﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾

( سورة القيامة)

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا (52) ﴾

 فيقول الملائكة:

﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) ﴾

 النقطة الدقيقة أيها الأخوة أن الناس تسمع في الدنيا أنه يوجد آخرة، ويوجد جنة، و نار، و حساب، و عذاب، و صراط مستقيم فوق جهنم، و نفخة بالصور أولى، و نفخة ثانية، و حوض، و صحف نشرت هذا كله يسمعه، الويل لمن لا يصدقه.

 

الويل لمن لا يأخذ أحداث يوم القيامة مأخذ الجد:

 تستمع في القرآن إلى الجنة والنار والناس في جهنم يتصايحون وهم يصرخون فيها وأهل الجنة ونعيمها على سرر متقابلين هذه المشاهد والصور في الجنة والنار وهذا الوعد الذي وعد الله به عباده المؤمنين والوعيد للكافرين هذه كلها أخبار لم تقع بعد، مادام الله هو المخبر، خالق الكون هو المخبر، فالويل لمن لم يصدقها، الويل لمن لا يعبأ بها، الويل لمن لا يأخذها مأخذ الجد:

 

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا (52) ﴾

عذاب النفس يوم القيامة أصعب من عذاب الحريق لأنها ضيعت فرصتها الأبدية

 شخص وهو بالعام الدراسي يفكر أن الأمور من دون امتحان، كله دعاية لا يوجد امتحان، و لا يوجد شيء، لكن عندما يقرع جرس الامتحان، ويدخل مع الطلاب، وتوزع أوراق الأسئلة، ولا يفهم شيئاً يكتبه، هل يوجد كفالة عليه أو بعثة أو مشكلات ؟ عندئذ يحق الحق:

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)﴾

 الله يحمينا من الخزي والعار يوم القيامة، كل الخلق بين يدي الحق وأعمال الخلق كلها مسجلة تعرض عليهم بأدق تفاصيلها، أي الإنسان عندما يعاين عمله السيئ يذوب، لذلك ورد في بعض الأحاديث: أن العار يلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب، أي عذاب الحريق لا يحتمل، والعذاب الذي لا يقل عنه عذاب النفس، حينما تشعر أنها ضيعت الآخرة كلها، ضيعت فرصتها الأبدية الوحيدة خسرت نفسها.

 

فرق كبير بين من يذهب إلى الله وفداً و بين من يأتيه مهاناً:

 

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)﴾

 راقب أحياناً بعض صور المجرمين ملامح صور المجرم حينما يصور وهو في قفص الاتهام، أولاً وجههم كالح، ثانياً بصره كسير، عينه للأرض لا يستطيع أن ينظر في المصور، هذه لحظة الندم ومشاعر الندم مشاعر مؤلمة جداً، أحياناً الإنسان ببعض حالات الندم ينتحر لا يحتمل شعور الندم:

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)﴾

 والله عز وجل قال:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾

(سورة القصص:الآية61)

 هناك مسافة كبيرة جداً بين إنسان يطرق بابه، يلقى القبض عليه، تكبل يديه مهاناً معذباً، وبين إنسان يطرق بابه فتأتيه بطاقة دعوة بيضاء مذهبة، وفيها عبارات الشكر والامتنان لو أنه حضر الدعوة، فيذهب في الوقت المناسب فيجد الاستقبال الحار، والمكان المريح، والطعام الطيب، والمؤانسة، والابتسامة، والتكريم، والهدايا، شتان بين من يذهب إلى الله وفداً وبين من يساق مجرماً، فرق كبير.

 

إذا لم يكن الإيمان باليوم الآخر أحد ركائز الإنسان فمشكلته كبيرة جداً:

 لذلك أحد العلماء سئل كيف القدوم على الله ؟ قال: أما المؤمن فكالغائب يرد إلى أهله، وأما الكافر فالعبد الآبق ردّ إلى مولاه.
 تلاحظون ملاحظة أن ربنا عز وجل في أكثر الآيات يقول: آمن بالله واليوم الآخر.
 أي إذا لم يكن الإيمان باليوم الآخر أحد ركائز تصوراتك، أحد ركائز عقيدتك، أحد ركائز حركتك في الحياة، فالمشكلة كبيرة جداً، قبل أن تفعل شيئاً، قبل أن تأخذ، قبل أن تعطي، قبل أن توافق، قبل أن تغضب، قبل أن تضرب، قبل أن تُطَلِّق، قبل أن تتزوج، قبل أن تشارك، قبل أي حركة، تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل، وهو يسألك لماذا فعلت هذا يا عبدي ؟ الشهوات انتهت، الميزات المتع انتهت، المباهج انتهت، بقيت المسؤولية.

 

كل إنسان محاسب يوم القيامة على عمله:

 لذلك الميت حينما يُشَيَّع في الجنازة، يشيع إلى قبره، ورد في بعض الأحاديث: " أن روحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال مما حلّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي ".
 الكافر الذي أعطاه الله مالا فأنفقه على ملذاته وعلى شهواته يسأله الله يوم القيامة يقول له عبدي أعطيتك مالاً فماذا فعلت فيه ؟ سؤال كبير !!

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ))

[ الدارمي عن معاذ بن جبل]

 والله أيها الأخوة: لو واحد منا سيسأل من قبل إنسان مهم لا ينام الليل، لو قيل له تعال إلينا بعد يومين فقط، لا ينام الليل لأنه سيسأل ماذا قال ؟ ماذا تكلم ؟ ماذا فعل ؟ لا ينام، يقول: ما غفلت، إذاً رب العالمين رافع السماوات بغير عمد سوف تقف بين يديه وسوف يسألك عن كل أعمالك ولا تستطيع أن تكذب أبداً.. الآن بعد قليل تأتي الآية يوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم... كيف بك أيها الإنسان إذا عرضت عليك أعمالك كلها عمل عَمل، لماذا فعلت كذا ؟

 

حشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة:

 فيا أيها الأخوة نصيحة لوجه الله عز وجل أنصح بها نفسي قبلكم، قبل أن تفعل شيئاً تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل، ويقول لك: يا عبدي لماذا فعلت كذا ؟ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ لا يوجد كذب، قال: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، قال: ألم تعلم أني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر قد أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، يقول: أنا الحافظ لأولادك من بعد.
 يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة: فريق جمع المال من حرام أنفقه في حرام فيقال خذوه إلى النار، حسابه سريع جداً، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام، حرام حَرام إلى النار، حلال حرام إلى النار، حرام حلال إلى النار، بقي الصنف الرابع وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال قال هذا قفوه فاسألوه هل تاه بماله على عباد الله؟ هل قال أصحابه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا ؟ هل شغله ماله عن فرض صلاة ؟ عن مجلس علم ؟ عن عمل صالح ؟ عن واجب ديني ؟ فالنبي كان بليغاً قال: فما زال يسأل ويسأل انتظر، انتظر، قائمة أسئلة فتركه يسأل وذهب، فما زال يسأل ويسأل.

 

 

كل عمل يعمله ابن آدم محفوظ عند الله عز وجل:

 إذاً:

 

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(54)﴾

 أي دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء هذا المستوى تسأل عنه..، قشة نزعتها من المسجد وضعتها في جيبك ما قيمة هذا العمل ؟ قال الله:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾

(سورة الزلزلة: الآيات7-8)

 نملة أثناء الوضوء حاولت ألا تغرق بالماء، نملة أنقذتها من الغرق، هذا العمل محفوظ عند الله عز وجل، فما قولك بما هو فوق ذلك ؟ دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، امرأة تدخل النار من أجل هرة، وامرأة أخرى يغفر لها من أجل كلب سقته كاد يموت عطشاً:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾

 هذا هو القرآن الكريم.

 

لا يرقى الإنسان إلى الخالق سبحانه إلا إذا طبق كل آية سمعها:

 

 أحد الأعراب سأل النبي الكريم وقال: " عظني وأوجز ـ أو لا تطل ـ فتلا عليه الآية الكريمة:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾

 فقال هذا الأعرابي: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل ".
 أيها الأخوان تعليق على هذه الآية كل واحد منا يعرف من القرآن أو الحديث أضعاف أضعَاف أضعاف ما هو مطَبِّق له، فالمشكلة ليست في زيادة العلم، المشكلة في تطبيق ما تعلم، ماذا عملت بما علمت ؟ هنا المشكلة، نتعلم كل درس أحلى من الثاني، أخي والله الدروس حلوة، ليس هنا القصيد المشكلة ماذا عملت فيما علمت ؟ إذا الإنسان وطّن نفسه كما فعل الصحابة ألا ينتقل من آية إلى أخرى حتى يطبقها يرقى إلى الله سريعاً، رقي بدرجات سريعة جداً لا تنتقل من شيء حتى تطبقه:

﴿ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) ﴾

 فالفوز كل الفوز، والنجاح كل النجاح، والفلاح كل الفلاح، والعقل كل العقل، والذكاء كل الذكاء، أن تكون من أصحاب الجنة.

 

وصف أصحاب الجنة:

 اسمعوا الآن وصف أصحاب الجنة:

 

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) ﴾

 قال العلماء " مشغول بإكرام الله له، مشغول بضيافة الله له، مشغول في هذا النعيم المقيم، مشغول في النظر إلى وجه الله الكريم "، ورد في بعض الأحاديث:

 

(( أن المؤمن ينظر إلى وجه الله يوم القيامة لأن النبي يقول إنكم سوف ترون ربكم يوم القيامة فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة، في بالجنة حور عين ))

 

[ ورد في الأثر]

 ألم يقل أحد الصحابة لزوجته عندما طلبت منه شيئاً، قال: اعلمي يا أمة أنه في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك.

 

أعلى شعور للإنسان يوم القيامة النظر إلى وجه الله الكريم:

 يوجد في الجنة حور عين، و أنهار من عسل مصفى، و ثمار قطوفها دانية، الفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة، و أنهار من لبن لذة للشاربين، و لبن لا يتغير طعمه، وجنات تجري من تحتها الأنهار:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾

(سورة الحاقة: الآيات19-24)

 وأبلغ من كل ذلك أن تنظر إلى الله عز وجل، ومع هذه النظرة إحساس بأن الله راض عنك، وهذا أعلى شعور وأشد المشاعر إسعاداً للإنسان.

 

لجنة أساسها الطلب و الدنيا أساسها العمل:

 

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) ﴾

 أي على الأرائك في إكرام ما بعده إكرام:

﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ (56) ﴾

 زوجته التي في مستواه فإن كانت في الدنيا زوجته في مستواه كانت زوجته يوم القيامة، وإلا فله زوجة تكون رفيقته في الجنة:

﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) ﴾

 بالمناسبة نظام الجنة نظام يختلف اختلافاً كلياً عن نظام الدنيا، فنظام الدنيا بالسعي، ونظام الجنة بالطلب، أنت في الدنيا لا يمكن أن تصل إلى شيء إلا ببذل جهد واضح، هذا السعي، إن الله كتب عليكم السعي في الدنيا، فتحتاج إلى مهنة، إلى عمل، إلى كسب مال، إلى شراء بيت، إلى تجهيز البيت، إلى زواج، إلى مهر، إلى شراء بيت في مصيف، يحتاج إلى مال، إلى جهد إضافي، فكل شيء تناله في الدنيا نظير تعب وجهد حقيقي، لكن في الجنة يكفي أن يخطر في بالك شيء ليتحقق فوراً، الجنة أساسها الطلب، الدنيا أساسها العمل.

 

إكرام الله عز وجل للإنسان في الآخرة يفوق كل إكرام:

 قال:

 

﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) ﴾

 أي ما يدعون أي ما يطلبون، أي طلب يطلبه المؤمن يتحقق فوراً، إذاً هو مشغول بإكرام الله له، ومشغول بنعيمه مع زوجته، ومشغول بما يقدم له من طعام نفيس وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفوق كل هذا تأتي قمة السعادة:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

 أي إكرام الله له يفوق كل إكرام، أحياناً تدخل بيت فيه طعام طيب لكن صاحب الدعوة مقطب تقطيباً، صاحب الدعوة يذهب لذة الطعام، لكن إذا دخلت إلى بيت وجلست على أريكة وثيرة وقدم إليك الشراب البارد، جاء الطعام النفيس، جاءت الفواكه ودائماً صاحب البيت يقول: أهلاً وسهلاً، شرفتنا، نورتنا، إيناس صاحب البيت لا يقل إسعاداً لك عن الضيافة التي يقدمها لك، فربنا عز وجل في هذه الآيات الثلاث:

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) ﴾

 مشغول في نعيمه المقيم:

﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58)﴾

 

أعظم شيء يذوقه الإنسان يوم القيامة أن يكون محجوباً عن ربه:

 لكن أعظم شيء يذوقه يوم القيامة أن يكون عن ربه محجوباً:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ﴾

(سورة المطففين:الآية15)

 حيث أنَّ الحجاب من أشد أنواع العذاب:

﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) ﴾

فرق كبير بين إنسان في ضيافة الرحمن و إنسان مُبعد عن الله:

 إنسان في ضيافة الرحمن، خالق الكون يسلم عليه:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

 أنت إذا شخص سلم عليك ذو شأن تصبح أسبوعاً و أنت فرح ؛ صافحني وتصورت معه ؛ انظر الصورة ذو شأن، فإذا سلّم عليك النبي بالمنام تبقى أشهر وأنت في نشوة هذا المنام، هذه الرؤية الصادقة، فكيف وخالق الكون يقول لك:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

 خالق الكون يسلم عليك، أما المجرم:

﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) ﴾

 أبعدوا عنهم المجرمين، لا يوجد خير أبداً، أي كل حركاته بالمال، لا يتحرك حركة إلا بأجر باهظ، تحس أنه يذبحك بهذا الأجر، هكذا أهل الدنيا شيء لله لا يوجد، يغادر الدنيا ولم يترك عملاً صالحاً واحداً، حتى لو خدم له عمولة، حتى خدماته بغير اختصاصه يريد عليها أجرة، هذا الذي يتحرك بالأجر الباهظ وكل شيء حاسبه...، الله عز وجل ألم يقل كذلك ؟

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

(سورة البقرة: الآية245)

أي عمل صالح للإنسان هو قرض لله عز وجل:

 يا أخوان أي عمل صالح هو قرض لله عز وجل، خدمت إنساناً، علمت إنساناً عاونت إنساناً، نصحت إنساناً، دللت إنساناً، أي بذلت من وقتك، من جهدك، من طاقاتك، من فكرك، من عضلاتك، من مالك، هذا كله قرض حسن لله عز وجل. أنت إذا بذلت خدمة، بذلت لإنسان شيئاً أعطاك ثمنها سعراً باهظاً، لو فرضنا معك حاجة ثمنها عشر ليرات بعتها بمئة ليرة بألف، لكن لو أنك أقرضتها لله عز وجل لجاءتك السعادة الأبدية مقابلها، فلذلك أخسر إنسان هو الذي يتقاضى عن أعماله الصالحة أجراً.

﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) ﴾

 هذا هو الشقاء، بيته اشتراه بعشرين ألف صار ثمنه 25 مليون، بيته بالجنة، لا ليس بيته بالجنة، سوف يغادر الدنيا إلى دار الحساب، والحساب دقيق، فالبطولة أن تبني قصراً في الجنة، البطولة أن تحتل عند الله مقعد صدق، البطولة أن تكون من أصحاب الجنة، أن تكون في شغل متفكه، أنت وزوجتك في ظلال على الأرائك، أما إذا الإنسان حصل على الدنيا ولم يعبأ إن كان من حلال أو حرام، ولم يعبأ إن كان مستقيماً أم منحرفاً، ثم جاء ملك الموت فهو في خسارة كبيرة.

 

نصيحة خالق الكون للإنسان ألا يتحرك بوسوسة من الشيطان:

 الآن العتاب الإلهي:

 

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ (60) ﴾

 الشيطان ماذا يعمل ؟ قال: إنما يأمر بالفحشاء، الشيطان يخوفك، يقول لك على الله ما لا تعلم، يخوفك من العمل الصالح، من طاعة الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) ﴾

 خالق الكون نصحك في القرآن كله ألا تتحرك بوسوسة من الشيطان، أن راقب الناس فتجد خصوماتهم داخل فيها الشيطان، فمعظم حالات الطلاق أساسها الشيطان، تجد الشيطان يحمس الزوج ويكرهه بزوجته، ويحمس الزوجة ويكرهها، يزيد الشيطان البيت جحيماً، لو في البيت صلاةً لما صار هذا الشيء، لو فيه قرآن ما صار هذا الشيء، لو فيه طاعة لله ما صار هذا الشيء، لأن الرحمن يكون قد دخله.

 

الناس نوعان شيطاني و رحماني:

 الناس نوعان: شيطاني و رحماني، الشيطاني: يتحرك بدافع الشيطان، اضربه مثلاً، كُلْ ماله، دائماً في دوافع عدوانية، المؤمن يقول لك: سامحه، عاونه، اعف عنه، فهنيئاً لمن يتحرك بإلهام الملك، والويل لمن يتحرك بوسوسة الشيطان:

 

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)﴾

 هناك أدلة كثيرة، فمثلاً عندما ترى إنساناً تدمر نتيجة كسب المال الحرام، أو العدوان، أو الانحراف الأخلاقي، دُمِّرَ وفضح، أفلس مثلاً، أو حكم عليه بالسجن، أو أعدم، قل هذا من عمل الشيطان. فمسافة كبيرة جداً بين إنسان رحماني يهتدي بهدي الله عز وجل وبين إنسان الشيطان يؤزه أزاً.

 

من تمسك بكتاب الله و سنة نبيه فلن يضل أبداً:

 

﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِي (61) ﴾

 يا رب كيف نعبدك ؟

﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) ﴾

 هذا منهج القرآن فيه كل شيء، والسُنّة فيها كل شيء، عندك الكتاب والسنة، ما إن نتمسك بهما فلن نضل أبداً، معك منهج من خالق الكون، معك تعليمات الصانع، معك دستور، مع قانون، معك مفتاح السعادة، معك مفتاح السلامة، معك نور مبين مع حبل متين، معك حصن حصين هو كتاب الله، انظر هذه الآية:

﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي (61) ﴾

 كيف يا رب ؟

﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) ﴾

السعيد من يقرأ القرآن الكريم و يتعظ بآياته:

 ألم تر أمماً دمرها الله عز وجل، شعوباً فسقت فأهلكها الله عز وجل، أمما ذات حضارة عريقة انتهت وطويت صفحاتها، أين هم ؟ هم أسرى أعمالهم، الله عز وجل قال:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا (46)﴾

(سورة غافر:الآية46)

 مثلاً: الفراعنة مضى على دمارهم 6000 عام وكل عام فيه 365 يوم وباليوم مرتين، والخير لأمام:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾

﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) ﴾

 الآن العالم الشرقي والعالم الغربي يعاني من أمراض الانحرافات الأخلاقية، الآن هناك مليون إصابة إيدز بالغرب، بينما من يحمل المرض يقدر عددهم بعشرين مليون حامل لمرض الإيدز، والتقدير لعام ألفين أن يكون عدد الإصابات 15 مليون إصابة غير الحاملين لهذا المرض، فهو مرض مخيف أساسه الانحراف:

﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا (62) ﴾

 أمماً، شعوباً، قروناً:

﴿ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) ﴾

 هذا هو الجزاء.

 

فرق كبير بين من صدق الله عز وجل و بين من كذب بالقرآن الكريم:

 أيها الأخوة الكرام: هذا كلام خالق الكون، هذا الكلام لم يحصل بعد، ربنا عز وجل رحمة بنا ذكره لنا قبل أن يقع كي نتلافى هذه الأخطار الوبيلة، لذلك السعيد يقرأ القرآن ويتعظ بآياته، فلعل الله عز وجل ينجيه من مغبة تقصيره أو انحرافه، فشتان بين من صدق الله عز وجل واتقى النار وبين من كذب بهذا القرآن فجاء بهذا الموقف العصيب الحرج، وقيل له:

 

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) ﴾

السعيد من جعل عمله وفق الشرع والشقي من حاد وانحرف ودفع الثمن باهظاً:

 الإنسان أحياناً يكون طليق اللسان، ذكي جداً، يتمكن من أن يقنع الناس بموقفه المنحرف، فهذه الطلاقة وهذا الذكاء وهذا اللسان وقوة الحجة لا تنفعه يوم القيامة إطلاقاً، مصدر قوة الكافر أحياناً طلاقة لسانه، فلسفته، تعمقه، يقنع أنه على حق، فربنا عز وجل في هذا الموقف العصيب:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) ﴾

 تعرض أعمال الإنسان عليه عملا عملاً، لسانه معقود:

﴿ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) ﴾

 فلذلك يا أخوان قبل أن تفعل شيئاً تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل، وهذا اليوم لابد من أن يأتي مهما طال الأمد، لابد من أن نقف جميعا لنسأل عن كل أعمالنا، فالسعيد من جعل عمله وفق الشرع، والشقي من حاد وانحرف ودفع الثمن باهظاً.