الدرس : 4 - سورة يس - تفسير الآيات 33-50 ، كل شيء في الكون آية من آيات الله الدالة على عظمته

1992-07-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم: مع الدرس الرابع من سورة يس.

الطريق إلى الله يبدأ بمعرفته:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الثالثة والثلاثين في قوله تعالى:

 

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) ﴾

 بعد أن بيّنَ الله جل جلاله مغبة الصد عن سبيل الله، ورَفْضَ رسالات الأنبياء، وضرب لنا مثلاً حياً عن أقوام كذبوا رسلهم، وأهلكهم الله عز وجل، وأوقعهم في شر أعمالهم، وكيف أن الذي عرف الله عز وجل لقي الله وهو عنه راض فدخل جنة الخلد.
 بعد أن بيّنَا الأمور النظرية والأمثلة التطبيقية، بيّنَ الله جل وعلا الطريق إليه، الطريق إليه يبدأ بمعرفته، ومعرفة الله عز وجل هي أصل الدين، أصل الدين معرفة الله عز وجل، هذه أصول، وفروع الدين كثيرة، إذا خضنا في فروع الدين ولم نملك هذا الأصل القويم فإننا في متاهات كثيرة، ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة ؟ لماذا الآيات المكية كلها تتحدث عن الله وعن آياته الكونية ؟

 

 

مراحل الدعوة إلى الله:

 إذاً مرت الدعوة إلى الله بمرحلتين: مرحلة مكية، ومرحلة مدنية، في المرحلة المكية تم التعريف بالله من خلال آياته، وإذا قرأت الآيات المكية لوجدت العجب العجاب، كلها إشارات إلى آيات الله في الأرض:

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) ﴾

(سورة الشمس:الآية1)

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) ﴾

(سورة الليل:الآية1)

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) ﴾

(سورة الانفطار: الآية1)

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) ﴾

(سورة التكوير: الآية1)

﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) ﴾

(سورة الذاريات: الآية47)

قيمة الأمر من قيمة الآمر:

 لو تتبعت الآيات الكونية لوجدتها كلها حول محور واحد: الإيمان بالله من خلال آياته والإيمان باليوم الآخر، إذا صحّ إيمانك بالله صحّ إيمانك بكل شيء، عندئذ يأتي دور الفروع: دور التشريع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام البيوع، كل هذه الأوامر والنواهي لها معنى عندئذ إنها طريقٌ إلى الله، إنها تنفيذٌ لأمر الله، إنها طاعةٌ لله.
 الأمر والنهي لا معنى له قبل معرفة الآمر والناهي، لذلك ما من دعوة تنجح إلا إذا بدأت بتعريف الناس بالله، وما من دعوة بدأت بالعكس، بدأت بتعريف الناس بشرع الله دون أن يُعَرِّفُوهم بأمر الله عز وجل، هذه الدعوة لا تنجح، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، فإذا لم تعرف للآمر قدراً، هل تعرف للأمر قدراً ؟ ربنا عز وجل قال:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (91) ﴾

(سورة الأنعام: الآية91)

 

من أراد أن يتعلم أو يعلّم عليه أن يعرف الناس بالآمر أولاً:

 لذلك دائماً إذا أردت أن تعلم أو أردت أن تتعلم، ابدأ بالآمر قبل الأمر، ابدأ به، من هو الآمر ؟ هذا الذي أمرني أن أفعل كذا وكذا، من هو الله عز وجل ؟ قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (54) ﴾

(سورة الأعراف:الآية54)

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (2) ﴾

(سورة الرعد:الآية2)

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ (96) ﴾

(سورة الأنعام:الآية96)

﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) ﴾

(سورة المزمل:الآية9)

 حينما يُسَلِّم المريضُ نفسه لطبيب، نقول: هذا الطبيب دَرَسَ في بلد أجنبي، معه بورد، متفوق باختصاصه، شهادته امتياز، أجرى عشرة آلاف عملية كلها نجحت، يطمئن المريض، حتى المريض يسلم نفسه لطبيب، يجب أن نُعَرِّفَهُ بهذا الطبيب.

 

آيات الله عز وجل كلها تعرفنا بذاته العلية:

 لكي يستسلم الإنسان لله عز وجل في تنفيذ أمره وفي الانتهاء عما عنه نهى، يجب أن يعرفه، هنا النقطة، الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام: أنه أمضى ثلاث عشرة سنة في مكة يُعَرِّف أصحابه بالله وباليوم الآخر من خلال الآيات الكونية، فلما جاء للمدينة بدأ الشرع ينزل تباعاً: آيات الدَيْن، آيات الطلاق، آيات البيوع، هذا كله جاء في مرحلة مدنية، فالله عز وجل حينما أراد أن يعرفنا بذاته، بدأ بهذه الآيات قال تعالى:

 

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ (33) ﴾

 انظر بشكل بسيط إلى الأرض في الشتاء، تراب، انظر إلى الأشجار في الشتاء، خشب يابس، أرض ترابية قاحلة وخشب مغروس فيها، انظر إليها في الربيع: الحشيش الأخضر، الأزهار الورود، الرياحين، الأشجار اكتست حلة قشيبة، أين كان هذا الجمال كله في الشتاء ؟ أين كان مخبئاً ؟

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ (33) ﴾

النبات من آيات الله الدالة على عظمته:

 أي انظر إلى الأرض بأشجارها وترابها في الشتاء، وانظر إليها بالربيع.

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا (33) ﴾

 اذهب إلى سهول حوران في الربيع تراها بساطاً أخضر كلها، حبوب أُنْبِتَتْ، الحبة: عبارة عن رشيم هذا الرشيم له سويق وله جذير وهو كائن حي وله محفظة غذائية وله قشرة، فإذا جاءته الرطوبة، نما جذيره ونما سويقه على حساب المحفظة الغذائية إلى أن تتمكن جذوره أن تمتص الغذاء من التربة، عندها تصبح نبتة، هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته.

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) ﴾

تناسق غذاء الإنسان مع حاجاته تناسقاً عجيباً:

 تحدثت في الدرس الماضي: أن القمح هو الغذاء الأول، الغذاء الرئيسي في حياة الإنسان، وهو متناسق تناسقاً عجيباً مع حاجات الإنسان، الأمر الذي يدعو إلى أن تقول يقيناً: إن الذي خلق هذه الحبة حبة القمح والذي خلق الإنسان هو إله واحد ؛ للتناسق الدقيق بين بنية هذه القمحة وبين مكوناتها الأساسية وبين بنية الجسم وحاجاته الطبيعية: فيه نشاء، فيه حديد، فيه منغنيز، فيه فوسفور، فيه كذا ستة معادن في القشرة كذا فيتامين، مواد سكرية، مواد نشائية، كلها في هذه القمحة، والقمح خبز وأنواع منوعة، يمكن إذا نظرت إلى محل يبيع المواد الغذائية لرأيت معظم مكونات هذه البضاعة من القمح، الحلويات وأنواع المعجنات وأنواع الخبز كل هذه المواد الغذائية أساسها القمح:

﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) ﴾

 فعندما الإنسان يشتري ربطة خبز، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم، هل تعرف ماذا تعني كلمة: بسم الله الرحمن الرحيم ؟ يعني أيها الإنسان هل فكرت في هذا الخبز ؟ هل نفذت أمر الله في تناول الطعام ؟ هذه البسملة كي تَذْكُرَ أمر الله في تناول الطعام، والبسملة كي تذكر نعم الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم أأكل، يعني هذه أأكل بعد بسم الله الرحمن الرحيم، أي وفق أمره ومستنيراً بنوره، فإذا شربت فقل بسم الله الرحمن الرحيم، أي هذا الماء من نعمة الله علينا أن جعله عذباً فراتاً، وسوف أشربه وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نضج المحاصيل في وقت واحد لتسهيل الأمر على الإنسان:

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ (34) ﴾

 الأرض غير القمح وغير محاصيل القمح والشعير والعدس والحمص إلى آخره...الأصناف يعلمها الأخوة الذين يعملون بالزراعة، المحاصيل لحكمة أرادها الله تنبت في وقت واحد، تنضج في وقت واحد تسهيلاً على الإنسان، وفوق هذا وذاك يصيبها السوس بعد حين، لولا هذا السوس الذي يصيب هذه الحبوب والمحاصيل لاحتكر الإنسان قوت أخيه الإنسان، ولأمكن للإنسان أن يجمع القمح كله ولأن يبيعه بمئة ضعف عن رأسماله، لكن هذا السوس الذي يصيبه هو الذي يفقده ثمنه بعد حين إذاً لابد من أن يبيعه هذا من حكمة الله عز وجل حكمة بالغة.

 

النخل من آيات الله الدالة على عظمته من فوائده:

 

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ (34) ﴾

 الحقيقة العلماء قالوا ": إن أطول الأشجار عمراً هي النخيل "، بعض أشجار النخيل عمرها أكثر من ستة آلاف عام، أطول الأشجار عمراً من دون استثناء هو النخيل، وهناك صفات أخرى للنخيل، أنه إذا قطع رأسها لا تنمو كالإنسان، وأن ثمار النخيل عقدت عليه مؤتمرات: أنا قرأت عن مؤتمر في العالم عقد لدراسة بنية ثمرة النخيل، حتى أنهم قالوا عن ثمرة النخيل إنها صيدلية، إذ أنَّه ستة وأربعون مادة داخلة في تركيب التمر.

1 ـ التمر مادة مسكنة لأعصاب الإنسان:

 التمر مادة مسكنة إذا إنسان أعصابه مشدودة ينصح بأكل التمر.

 

2 ـ التمر مادة مهدئة:

 إذا طفل شرس الطباع تُنصح أمه بإطعامه التمر، فيه مادة مهدئة. ولما ربنا عز وجل قال:

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي (26) ﴾

(سورة مريم:الآية25)

3 ـ احتوائه على مادة تقبض الأوعية:

 التمر فيه مادة تقبض الأوعية، فالمرأة التي ستولد أخطر شيء في الولادة النزيف، لأن مئات الألوف من الأوعية التي في الرحم سوف تتمزق، فإذا كان هناك مادة تقبض هذه الأوعية فالولادة سليمة، فلذلك التمر يفيد المرأة التي على وشك الولادة لأن المادة في التمر تقبض الأوعية فتسهم في انقطاع النزيف.

 

4 ـ في التمر مادة ملينة:

 في التمر مادة ملينة، لأن الأمعاء في المرأة إذا كانت ممتلئة بالفضلات تعسر الولادة، مما يسهل الولادة أن تفرغ أمعاءها، في التمر مادة مسهلة ملينة، وفي التمر مادة قابضة، وفي التمر مادة مضادة للنزيف، وفي التمر مادة تسرع في تقلص العضلات، يعني كل المواد التي في التمر لها علاقة مَسِيسة بالولادة، هذا معنى قول الله عز وجل:

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) ﴾

5 ـ التمر لا يتلوث:

 وفوق هذا وذاك، التمر لا يتلوث، لأن شدة تركيز المادة السكرية فيه تمتص ماءه أية جرثومة تقع عليه، التمر معقم دائماً ويخزن التمر يعني كما قرأت عنه صيدلية في حبة، حتى أن أخوة كثر حدثوني عن النتائج الطيبة التي عاينوها في أجسامهم بعد تناول التمر.

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ (34) ﴾

 والتمر أنواع منوعة، سمعت عن تمر ثمن الكيلو مئة ريال يعني ألف ليرة سوري للكيلو الواحد، يعني أفخر أنواع الحلويات لا يرقى إلى مستواه أنواع منوعة.

العنب من آيات الله الدالة على عظمته:

﴿ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ (34) ﴾

 العنب يعدّ المادة الغذائية الأولى في الفواكه، أي فيه سكريات وفيه فيتامينات وفيه مواد مرممة لدرجة أنه يعد الفاكهة الأولى، أيضاً أنواع منوعة، العنب يمكن أن يخزن زبيباً قوت أساسي، نعم.

الينابيع وطبقات الأرض آية من آيات الله الدالة على عظمته:

﴿ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) ﴾

 كل كلمة في هذه الآية موضوع للتفكر، موضوع تفجر الينابيع موضوع طويل أساسه تصميم طبقات الأرض، طبقة نفوذة، طبقة كتيمة، طبقة نفوذة، طبقة كتيمة، حوض مثلاً فتحت هذا الحوض صخور معدنية تذاب قليلاً قليلاً في الماء، الماء الذي يخرج منها ماء معدني يرمم الجسم البشري، حديث طويلٌ طويل حول:

﴿ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) ﴾

الماء آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 الماء أساسه مالح، والبحر لولا أنه مالح لما تمت حياة على سطح الأرض، ثم يبخر، يقطر هذا الماء عن طريق السطوح المائية الواسعة، وعن طريق أشعة الشمس، وعن طريق سطوح التبخر، وعن طريق تحمل الهواء بخار الماء، وعن طريق سوق الرياح لهذه السحب، وعن طريق انعقاد السحاب على شكل حبات مطر،...وبحث طويل طويل كيف يتخلى الهواء عن بخار الماء إذا برد، وكيف يستوعب هذا البخار إذا سخن، وكيف قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) ﴾

(سورة النبأ:الآية14)

 كيف أن الضغط الجوي يسهم في تحويل بخار الماء إلى قطرات ماء، وكيف أن هذه القطرات لا تنعقد إلا على ذرات من الغبار في السماء، بحث طويل.

 

الثمار آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ (35) ﴾

 يعني هذه الثمار، قف أمام بائع فاكهة: كل هذه الثمار مصممة لك، لإكرامك، في لونها، في حجمها، في قوامها، في رائحتها، في شكلها، في طعمها، الطعم والرائحة والحجم والقوام والشكل واللون هذه كلها تسهم في إكرام الإنسان، الفواكه لها منظر جميل بحد ذاتها قبل أن تأكلها، الفاكهة من حيث الجمال قطعة فنية، تصميم مبدع، تصميم إله عظيم، فهذه الفاكهة.

فوائد النبات لا تعدّ و لا تحصى:

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (35) ﴾

 هذه إشارة دقيقة في القرآن على أن النبات له فوائد لا تعد ولا تحصى تزيد على أنه نبات تأكله. الآن الأساس من الخشب، أكثر الأدوية النافعة المفيدة من النبات أدوية نباتية، الأصبغة من النبات، الأدوية من النبات، الخشب من النبات، الفلين أصله نبات، المطاط أصله نبات، السواك أصله نبات، الخلة أصلها نبات، أدوات التنظيف القش هذا أصله نبات، القش الخشن والقش الناعم كله نبات، أشجار الزينة نبات، أشجار الحدود نبات، يوجد نبات أوعية، نبات سبحات، أي لو أن الإنسان حصر ذهنه في الفوائد العظمى التي يجنيها الإنسان من النبات لما انتهى إلى إحصائها، قال:

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (35) ﴾

النبات خلقه الله عز وجل لإمتاع العين و إكرام الإنسان:

 الخشب من النبات، انظر إلى البيت: النوافذ وغرفة الضيوف وغرفة النوم، الطاولات والكراسي كلها أساسها من النبات، قد تستخدم القماش من النبات: الكتان والقطن من النبات، فالنبات تارة كساء، تارة دواء، تارة صباغ، تارة شيء يمتع البصر، كم نوع من نباتات الزينة ؟ يعني كتب مؤلفة، كتاب ضخم، كتاب نبات الصالونات هذه النباتات التي تعيش في غرف الضيوف في الشتاء بحث قائم بذاته، الورود باب آخر، الأبصال باب آخر، الأزهار باب آخر، العدد يأخذ بالألباب.
 ادخل عند أخ بائع زهور: كم نوع عنده ؟ هذه مستحية، خير إن شاء الله، هذه الشاب الظريف، اسمع الأسماء، شيء يضحك، أسماء وأنواع، وهذه ساعة، وهذه قنديل، وهذه ياسمينة عراتلية، شيء عجيب، هل هذه خلقت للطعام ؟ لا والله، للزينة، لإمتاع العين ولإكرام الإنسان.

 

النبات من تصميم الخالق سبحانه:

 

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (35) ﴾

 النبات أحياناً أساس الصناعات الغذائية، الشاي نبات، البن نبات، أنواع منوعة من الزهورات، هذه للسعلة وهذه لترطيب الجوف وهذه مسكن وهذه مقشع....، تجد كتباً ضخمة جداً في التداوي بالأعشاب الآن، يوجد موسوعات ومعاجم عن الأعشاب يعني ألفي صفحة: كل نبات صورته ومقوماته فوائده استعمالاته تصميم من هذا ؟

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ﴾

لن تعذبوا إذا شكرتم وآمنتم:

 يا أخوان، إذا آمنت بالله وشكرته حققت المراد من وجودك لقول الله عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147)﴾

(سورة النساء:الآية147)

 يعني إذا شكرتم وآمنتم فلن تعذبوا، يعني إن آمنتم وشكرتم حققتم المراد الإلهي من خلقكم لذلك:

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، مهما دقت النعمة تعظم عند الله عز وجل، فالمؤمن إذا شرب كأس ماء أو إذا أكل تفاحة، إذا تناول طعاماً، إذا أكل رغيف خبز، إذا شرب كأس حليب، دائماً فكره يفكر في هذه النعم من خلقها ؟

 

الانتقال من النعمة إلى المنعم:

 أيها الأخوة: يجب أن نعلم، الآن سأذكر لكم شيئاً تحدثت به سابقاً، كل شيء خلقه الله عز وجل له هدفان أساسيان: الهدف الأكبر أن تعرف الله من خلاله، والهدف الأصغر أن تستفيد منه، فإذا استفدت منه ولم تتعرف إلى الله من خلاله ضيعت أثمن ما فيه، يعني إنسان أكل العسل وما عرف الله من خلال النحل والعسل، خسر خسراناً مبيناً ولو أنه أكل آلاف الكيلو غرامات من العسل في حياته كلها، وإنسان ما أتاح له دخله أن يأكل لعقة عسل، لكنه قرأ كتابا عن العسل ففاضت عيناه بالدموع خشية لله عز وجل، هذا الإنسان الذي لم يذق العسل في حياته حقق المراد من خلق النحل وخلق العسل، لهذا قال عليه الصلاة والسلام حينما رأى هلالاً قال هلال خير ورشد.
 دائماً أيها الأخوة إذا فكرك أعملته في نعم الله عز وجل معنى ذلك أنك حققت المراد الإلهي من خلقه، الانتفاع بالشيء فرع من فروع وجوده.

 

دعوة الله عز وجل الإنسان إلى التفكر:

 عند الأجانب وعند أهل الدنيا الانتفاع بالشيء هو أصل الوجود، عند المؤمنين الانتفاع بالشيء فرع من فروع وجوده، لكن الاهتداء به إلى الله أصل وجوده، لذلك:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

(سورة الذاريات:الآية21)

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾

(سورة عبس:الآية24)

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) ﴾

(سورة الطارق:الآية5)

 دعوة إلهية إلى التفكر:

﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ﴾

نظام الزوجية في الإنسان والذرات والمجرات والنبات والجماد يؤكد وحدة الخالق

 الآن ربنا عز وجل أشار بهذه الآية القادمة:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ (36) ﴾

 يوجد في الكون ظاهرتان اثنتان: الأولى ظاهرة التنوع والثانية ظاهرة التوحد، الآن للنظر: كل إخواننا الحاضرين كل واحد له وجه غير وجه الآخر، لو دققت في ألوان الوجوه لرأيت أن كل واحد له لون لا يشركه فيه آخر، أبداً كل إنسان له لون خاص بقزحية عينه، له رائحة خاصة، إذاً الله عز وجل خلق خمسة آلاف مليون إنسان، كل إنسان له رائحة تختلف عن الآخر، والدليل تتبع المجرمين عن طريق الكلاب البوليسية، إذا أعطيت الكلب البوليسي شيئاً من حاجات الملاحق فشمها، تتبع رائحته من بين آلاف الأشخاص، فالآن العلم يؤكد أن لكل إنسان رائحة لا تتشابه مع رائحة إنسان آخر، ولكل إنسان لون لقزحية العين لا تشترك مع قزحية عين آخر أبداً، ولكل إنسان تركيب لدمه لا يشترك مع تركيب دم آخر، ولكل إنسان بنية نسيجية، عندنا زمر دموية معروفة، عندنا الآن بنية نسيجية، أحدث بحث عن البنى النسيجية أن عدد البنى النسيجية الآن 2.5 مليار وحدة يعني تقريباً في الأرض في واحد آخر يشبهك بتركيبك النسيجي، وهذا ما يدعو الذين يزرعون الكلية في اختيار إنسان معين مقترب إلى حد ما من نسيج الآخذ.

 

كل شيء في الكون أساس توالده النظام الزوجي:

 

 إذاً هناك بنىً نسيجية تتميز بها، هناك بلازما للدم تتميز بها، هناك رائحة خاصة تتميز بها، هناك شكل خاص للقزحية تتميز بها، هناك بصمة تتميز بها، هناك نبرة صوت تتميز بها، نبرة الصوت، وقزحية العين، وتركيب الدم، ورائحة الجلد، وبصمة اليد، هذه كلها أشياء منوعة.
 أما إذا تناولت دواء صنع في كندا فرضنا تناوله إنسان يعيش في أستراليا، هذا الدواء مسكن يسكن ألمه، ما معنى ذلك ؟ أن الخمسة آلاف مليون إنسان مصممة وفق بنى واحدة، إذاً من أسماء الله الواحد، تحس أن في الكون وِحْدَة، من أسمائه الواسع، تحس أن في الكون سعة، في تنويع شديد، وفي وحدة.
 ونظام الزوجية: مما يؤكد وحدة الخالق، كل شيء في الكون أساس توالده النظام الزوجي.

التلقيح في النبات:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ (36) ﴾

 عملية تأبير النخل عملية مزاوجة، والآن في مخابر أرقى شركات البذور يتم التلقيح باليد، يلقحوا النبات باليد، ويغلقوا الزهرة بملقط لئلا يدخل غبار طلع آخر يفسد هذه المزاوجة، إذاً التقليح في النبات في نبات مؤنث، في نبات مذكر، فالتلقيح يتم تارة عن طريق النحل، وتارة عن طريق الرياح، وتارة عن طريق الإنسان نفسه، أشجار التين تلقح عن طريق الإنسان، والنخل يلقح نفسه، تأبير النخل يتم عن طريق الإنسان، وفي نباتات تلقح عن طريق الرياح:

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ (22) ﴾

(سورة الحجر:الآية22)

 وفي نباتات تلقح عن طريق النحل، والنحل ربما كانت وظيفته الأولى تلقيح النباتات.

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) ﴾

قانون الله عز وجل يشمل كل شيء:

 الآن نظام الذرة أصغر وحدة وظيفية في الكون هي الذرة، أصغر وحدة وظيفية وليست وحدة بنيوية، فيها إلكترون سالب وموجب وفي مدارات، نظام الزوجية في الذرات، نظام الزوجية في المجرات، في كواكب مزدوجة تترافق مع بعضها، فنظام الزوجية في الإنسان وفي النبات وفي الجماد، إذاً في وحدة، إذاً في مصمم واحد، في خالق واحد يتضح قانونه في كل خلقه.

 

الليل آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ (37) ﴾

 هذا الليل الله جعله سكناً، الإنسان ينام في النهار ساعات طويلة ويبقى مشدود الأعصاب، ساعة في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخر الليل، من جعل الليل سكناً؟ والذي صمم حجم الأرض لو أن حجمها أكبر لكان انجذابها للشمس مختلفاً، وإذا كان انجذابها مختلفاً تبدل الليل والنهار، فالليل والنهار متعلق بحجم الأرض ومتعلق بسرعة دورتها حول نفسها، لو أن الأرض تدور حول نفسها كل ساعة لكان نصف ساعة ليل ونصف ساعة نهار، يعني على طول في ليل و نهار، ظهر وصبح. لو كان الليل ثلاثين ساعة تنام ثمان ساعات تكتفي من النوم ولازال الليل قائماً، في أربع ساعات أخرى. صار الليل يساوي النهار تقريباً، ففي تناسب. من صمم هذا التناسب ؟ من نسق بين الليل والنهار وبين حاجة الإنسان؟ الله سبحانه وتعالى، وآية لهم الليل، الليل موضوع للتفكر.

 

الشمس من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ (37) ﴾

 النبي الكريم كان يقول:

 

(( سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل ؟ ))

 

[ ورد في الأثر ]

 تجد الشمس مشرقة، الجبال متألقة، السهول نضرة، يأتي الليل: فإذا هو ظلام دامس موحش، أين كان ذلك الأنس مع الضوء ؟ وأين ذهب ذلك الأنس مع ذهاب الضوء ؟

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ (37) ﴾

 انسلاخ لطيف، أحياناً الإنسان يتألق المصباح فجأة فتنبهر عيناك أو ينطفئ فجأة فلا يرى شيئاً، لكن هذا التدرج في ذهاب الشمس شيء عجيب، فأثناء غيابها تجد الضوء يضعف قليلا قليلاً، فإذا جاء وقت العشاء وغاب الشفق الأحمر، رأيت الظلام الدامس، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي (38) ﴾

التناسق بين الليل و النهار و بين حاجة الإنسان:

 الأرض تدور حول نفسها دورة وحول الشمس دورة وحول نفسها كل أربع وعشرين ساعة، يعني سرعتها عند خط الاستواء ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، أسرع طيارة يركبها الإنسان تجارية ألف كيلو متر، الطائرات العسكرية تصل ألف وستمئة، الطائرة العسكرية ممكن تنطلق من كراتشي إلى أمريكا والشمس هِي هِيَ تنطلق مع الغياب وتصل بعد سبع عشرة ساعة طيران مع الغياب ما معنى ذلك ؟ هذا يعني أنها سارت بسرعة الأرض، فالشمس بقيت في مكانها، فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، لكن حول الشمس تدور بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية، نحن بدأنا الدرس ثمانية وربع الآن التاسعة إلا عشر دقائق، أي مضى على بدء الدرس خمس وثلاثون دقيقة، كم ثانية ؟ ضرب ستين بخمس و ثلاثين، ضرب ثلاثين كيلو متراً، نحن الآن قطعنا مسافة تقدر بمئات ألوف الكيلو مترات، هذه أشياء بديهية جداً، الأرض تدور حول الشمس بسرعة تزيد على ثلاثين كيلو متراً في الثانية، أما الآن بالآية الكريمة:

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي (38) ﴾

 الشمس تدور حول نفسها كل خمسة وعشرين يوماً دورة، وتجري بسرعة مئتي كيلو متر في الثانية الواحدة، أي المجموعة الشمسية كلها تجري، هذه حقيقة ثابتة، نحن في مجرة درب التبان قطرها ثلاث عشرة ساعة.

 

درب التبان المجرة التي نحن فيها المجموعة الشمسية كلها نقطة في طرفها:

 بالمناسبة بين الأرض والقمر ثانية ضوئية واحدة أي ثلاثمئة وستين ألف كيلو متر، عندما أرسلوا مركبة للقمر وهي أول مركبة حيث كلفت أربع وعشرين ألف مليون دولار، وبقيت في الطريق إليه ثلاثة أيام، وسرعتها أربعون ألف كيلو متر بالساعة، بعد ثلاثة أيام وصلت للقمر، أي قطعوا ثانية ضوئية واحدة، بعد الشمس ثماني دقائق، الآن: المجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة ضوئية، أي الضوء يقطع قطرها في ثلاث عشرة ساعة، أما درب التبان المجرة التي نحن فيها المجموعة الشمسية كلها نقطة في طرفها بكل نجومها وكواكبها، نقطة في طرف درب التبان، درب التبان طوله مئة وخمسون ألف سنة ضوئية، الرقم دقيق ! الآن أقرب بعد نجم ملتهب إلى الأرض في المجموعة الشمسية أربع سنوات ضوئية، هذا النجم لو أردنا أن نصل إليه بمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام، أربع سنوات 60 ضرب 60 ضرب ثلاثمئة وستين إلى آخره، تجد رقماً قسمه على أربع و عشرين ثم على مئة بالساعة تمشي المركبة، يظهر رقم قريب من خمسين مليون عام، إلى أن تصل لأقرب نجم ملتهب للأرض، نجم القطب أربعة آلاف سنة، إذاً المرأة المسلسلة مليون سنة ضوئية، أحدث نجم 16 ألف مليون سنة، فربنا عز وجل قال:

 

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) ﴾

 تمشي الشمس لمستقر لها، الشمس آية من آيات الله تتسع لمليون و ثلاثمئة ألف أرض، ستة آلاف حرارة سطحها، بأعماقها عشرين مليون درجة لو ألقيت فيها الأرض لتبخرت في ثانية واحدة، ومع ذلك تجري، يقدر العلماء أنه مضى على تألقها خمسة آلاف مليون عام.

 

القمر آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (39) ﴾

 أول القمر هلال ( قيل كهلال الشك) هلال رفيع يزداد حجماً إلى أن يصبح بدراً أي كتقويم في السماء.

﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (39) ﴾

 في آية أخرى:

﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) ﴾

(سورة يونس:الآية5)

 يعني القمر يدور حول الأرض، والأرض تدور، لو جاءت سرعة القمر في دورته حول الأرض مع سرعة الأرض في دورتها حول نفسها لأصبح القمر في مكان واحد ثابت، لكن حكمة الله عز وجل أنه هناك تفاضلاً بين سرعة دورة الأرض حول نفسها وسرعة دورة القمر حول الأرض، من هذا التفاضل تجد القمر يشرق ويرتفع ويغيب، لولا التفاضل لبقي القمر مع الأرض في مكان واحد ثابت، هذا التفاضل هو روعة الخلق، تفاضل سرعة القمر في دورته حول الأرض، وسرعة الأرض في دورتها حول نفسها سَبَّبَ شروق القمر، لأن القمر لو تحرك مع الأرض هكذا لما كان شروق وغروب ولبقي القمر مثلاً فوق أمريكا دائماً.

الهلال قبل أن ينمحق يبدو فيه لون أقل تألقاً من لونه عندما يولد:

﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ (39) ﴾

 عزق النخيل، عنقود النخيل إذا نزعت عنه التمر يبقى خيطاً أصفر اللون، فربنا عز وجل شبه القمر بالعرجون، أما كلمة

﴿القديم﴾

 ما معناها ؟ العلماء قالوا: " الهلال عندما يولد يبدو متألق اللون، أما حينما يقترب من نهايته يبدو شاحب اللون "، فجاءت كلمة القديم إشارة إلى أن الهلال قبل أن ينمحق يبدو في لون أقل تألقاً من لونه عندما يولد.

 

الكون آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ (40) ﴾

 نحن نسمع كل يوم عن اصطدام قطارين، طائرتين، أو بين باخرتين عملاقتين اصطدمتا تلوث البحر بالبترول، طائرتان اصطدمتا، قطاران تداخلا ببعضهما بعضاً، في كوارث كثيرة ولكن لم نسمع أبداً أن خطأ حدث في الجو:

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40) ﴾

 واستنبط علماء التفسير أن هذه الآية:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40) ﴾

 أن كل تفيد الشمولية المطلقة، يعني كل شيء خلقه الله في فلك يسبح، ابتداء من الذرة وانتهاء بالمجرة:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40) وَآَيَةٌ لَهُمْ (41) ﴾

 آية ثالثة:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) ﴾

قانون دفع الماء للأشياء نحو الأعلى آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 نظام الماء: المادة الصلبة يثبت شكلها وحجمها، والمادة السائلة يثبت حجمها لا شكلها، والمادة الغازية حجمها غير ثابت وشكلها غير ثابت، فتعريف السائل حجمه ثابت لكن شكله متغير بحسب الإناء، هذا الماء أودع الله فيه قوة تماسك، هذه القوة هي التي تجعله يحمل السفينة، يعني السفينة مبنية على دافعة أرخميدس (هذا العالم الذي وضع يده في وعاء الماء وهو في الحمام فشعر بقوة تدفعها نحو الأعلى فخرج عاريا وقال وجدتها وجدتها) وجد قانون الإنسان يحمل وعاء يملأه ماء و يغمسه في البحرة ذهب نصف وزنه، ذهب ثلاثة أرباع وزنه أين ذلك الوزن ؟ هناك في الماء قوة تدفعه نحو الأعلى، هذا قانون أرخميدس له قانون دقيق بقدر الماء المزاح، فالناقلات الضخمة مكونة على أساس أنها تزيح ماء أكبر من وزنها، أما لو فرضنا ألقينا قضيب حديد يسقط إلى أعماق البحر لأنه يزيح ماء أقل من وزنه لا يطفو الحديد على سطح الماء إلا إذا أزاح ماء أكثر من وزنه، لذلك تبنى السفن على أساس مجسمات كبيرة جداً وسطها فارغ كي تزيح ماء كثيراً وتتسع لبضاعة كبيرة جداً.
 الآن الناقلات أكثر من مليون طن صار الآن في ناقلات تحمل ألفَ ألف طن كلها مبنية على قاعدة أرخميدس قانون دفع الماء للأشياء نحو الأعلى هذه آية.

 

إكرام الإنسان بتسخير البر و البحر له:

 

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) ﴾

 أي الفلك إن كان بخارياً، وإن كان رياحياً، وإن كان على الشراع، وإن كان على الذرة الأساس واحد، لولا أن الله خلق في الماء قوة تدفع نحو الأعلى لما كانت هذه السفن، انتهى الأمر، كله طبعاً في هذه الآية إشارة إلى سفينة نوح التي حملت ذرية البشرية:

﴿ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (4)﴾

 في البحر هناك سفن، وفي البر هناك جمال و خيول و بغال و حمير، ويخلق ما لا تعلمون، هذه السيارات والقطارات والطائرات والصواريخ ويخلق ما لا تعلمون:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾

(سورة النحل: الآية8)

 دخلت فيها كل المركبات.

 

الله عز وجل قادر على كل شيء:

 

﴿ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ (43) ﴾

 لا يتذوق هذه الآية إلا من ركب البحر، أضخم سفينة عملاقة هي سفينة صنعت بعام 1912 اسمها التيتانيك، مشهورة كثيراً، سفينة قيل في كتيب أصدرته الجهة الصانعة أن هذه السفينة لا يستطيع القدر إغراقها، فهي من أضخم السفن التي بنيت في وقتها، وقامت بأول رحلة من بريطانيا إلى أمريكا، ركب في هذه السفينة علية القوم في أوربا، أغنياء أوربا حملوا من الذهب من الحلي من الألماس من الأحجار الكريمة ما يقدر ثمنه بألوف الملايين، طبعاً السفينة مدينة عائمة ففيها: الحمامات، المسابح، المطاعم، الأثاث، الثريات، أي أفخر ما في أوربا وضع في هذه السفينة باعتبار أنها لا تغرق، صنعت من جدارين اثنين وبين الجدارين حواجز عرضية، فلو أنها أغرقت من مكان أغلقت الحواجز فمنعت دخول الماء، فهذه السفينة من عجائب صنعها أنها لم يصنع لها قوارب نجاة لأنها لا تغرق، وفي أول رحلة لها غرقت في عرض المحيط الأطلسي حيث اصطدمت بجبل جليدي شطرها إلى شطرين، وأرسلت استغاثات ولكن كل السفن التي حولها ظنت أنها تحتفل بأول رحلة، وقرأت عنها مقالة قبل حين قبل سنة أخرجوها عثروا عليها قبل عام لأنهم يطمعون بما فيها من ثروات وذهب وألماس عثروا عليها بقاع المحيط الأطلسي قال:

﴿ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) ﴾

من جاء أجله لا يستأخر ساعة و لا يستقدم ساعة:

 مَنْ قرأ منكم غرق الباخرة المصرية بين جدة وبين مصر، أنا قرأت تفاصيل عنها، شيء عجيب، تحس بقدرة الله عز وجل، ليس إلا الله، إنسان بقي على خشبة ثلاثة أيام وفي بطنه تحويشة العمر كما يقولون ونجا، وأشخاص كانوا في أفخر درجات هذه السفينة في غرف فخمة ماتوا غرقاً أي الرقم وصل إلى ثمانمئة إنسان غرقوا في هذه السفينة وغرقت في ثواني أقل من عشر دقائق كانت في قعر البحر الأحمر، أقل من عشر دقائق يعني خطأ بعض التفسيرات حصل فاتجه باتجاه الجزر المرجانية فانشطرت شطرين فغرقت فوراً، فهي إن نشأ نغرقهم، شخص راكب طائرة فهو برحمة الله وبلطفه وأي خلل تسمع خبر سقوط الطائرة وموت جميع ركابها، في الأخبار حوادث طيران كثيرة ومات جميع ركابها، بالطيران إن نشأ نسقطهم، وفي البحر إن نشأ نغرقهم، وفي البر إن نشأ نصدمهم، فلا صريخ لهم، إنسان راكب سيارته بفضل الله عز وجل وبتوفيقه ورحمته، أي هناك الكثير من الحوادث، انفجار عجلة يموت كل ركاب السيارة، عجلة واحدة، إذا انفجرت العجلة الأمامية بسرعة فوق الـ120 تساوي حادث مميت لكل ركاب السيارة، أحياناً جمل يقع من عليه يدق عنقه، لو ركب جمل لو ركب حصان في حالات وفاة، بالسيارة وفاة، بالطيران وفاة، بالبواخر:

﴿ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) ﴾

 أي أنت سُمِحَ لك تعيش كذا سنة، لماذا لم يصبني أي حادث ؟ لأنك مسموح تعيش لسن معين، لماذا لم يحدث هذا الحادث ؟ لأن الله عز وجل كتب لك عمر معين:

إن الطبيب له علم يدل بــــه  إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلتـــه  حــار الطبيب وخانته العقاقير
* * *

من انتهى أجله يأتيه الموت لأتفه سبب:

 عندما ينتهي الأجل تجد لأتفه سبب جاء الموت، الآن ربنا عز وجل سيشير بعد قليل إلى أقاويل الكفار قال:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(46)﴾

 أي لم يعد هناك تأثير، يا أخي الله عز وجل خالق الكون يقول لك، صح يوجد موت، يقول الموت حق، طب في شرع، يقول صح، إذاّ لماذا لا تستقيم ؟ حتى الله يهديني، كلام فارغ، ليس لك أي حجة، الله عز وجل موجود، وهذا الكون يدل عليه، وهذا الكتاب كلامه وإعجازه يدل عليه، وهذا النبي نبيه وهذا الكتاب يدل عليه، في عندك إله له كلام وله نبي وله سنة إذاً لماذا لم تستقم ؟

 

المؤمن بنى حياته على العطاء والكافر بنى حياته على الأخذ:

 

﴿ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)﴾

 إذاً لماذا لا تعاون الناس ؟ ادفع يا أخي أنت رجل غني:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ (47) ﴾

 هذا منطق الكفار يا أخي، لا يكفي العباد إلا الله عز وجل، إذاً عاونه، له رب لا ينساه، هذا كلام ظاهره فيه تلبيسة، لكن باطنه فيه بخل..، لا يكفي العباد إلا رب العباد، إذاً الله عز وجل أمرك أن تعمل الصالحات.

 

امتحان الغني بالإنفاق و امتحان الفقير بالصبر:

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) ﴾

 الإنسان الله جعله غنياً ليتصدق، وجعله قوياً ليعاون الضعيف، وجعله عالماً ليعلّم، إذا الله أعطاك شيئاً ! الله عز وجل وصف المؤمنين أنهم:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾

(سورة البقرة:الآية3)

 فيقول الإنسان أنا ليس لي علاقة، الإنسان له رب لا ينساه، الله عز وجل لا ينساه عن طريقك أفقره وأمرك أن تعطيه، من أجل أن تمتحن أنت ويمتحن هو، هو بالصبر وتمتحن أنت بالإنفاق، فهذا منطق أهل الدنيا.

 

على الإنسان أن يتوب إلى ربه قبل أن يأتيه الموت فجأة و هو لا يعلم:

 ثم يقولون استهزاءً:

 

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) ﴾

 أحياناً الإنسان يستهزئ متى يا سيدنا ؟ هذا ليس سؤالاً هذا استهزاء:

﴿ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) ﴾

 قال تعالى:

﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) ﴾

 هو له قضية بقصر العدل ضد خصمه أثناءها مات أحد الخصمين، أثناء الحساب مات أحد المتحاسبين، أثناء مشادة ما مات أحد الطرفين وهم يخصمون:

﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾

 لا يتمكن من أن يكتب وصية ويتصل بأهله وهذا موت الفجاءة نعوذ بالله منه، لا وصية، ولا توبة، ولا إشارة، ولا عبارة، ولا تنبيه، ولا تبيين إطلاقاً:

﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) ﴾