الدرس : 05 - سورة يونس - تفسير الآيات 12 – 17

1985-10-18

 الحمد لله العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾

وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً

1 ـ كلمة ( الإنسان )في القرآن الكريم :

 أما كلمة الإنسان تتكرَّر كثيراً ..

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا(83)﴾

( سورة الإسراء )

﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

( سورة الطارق )

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)﴾

( سورة إبراهيم )

 قال بعض المفسِّرين : " حيثما وردت كلمة الإنسان مُعَرَّفةً بأل فإنها تعني هذا الإنسان المُعْرِض ، هذا الإنسان الغافل ، أما الإنسان إذا عرف الله صار اسمه مؤمناً ..

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

(سورة التحريم : من الآية 8 )

﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾

( سورة غافر : من الآية 28)

﴿ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

( سورة الحديد : من الآية 12)

 تبدَّل اسمه ، إذا كان ساهياً ، لاهياً ، ضائعاً ، تائهاً ، شارداً فهو إنسان ، أما إذا عرف الله صار مؤمناً ، فربنا عزَّ وجل يعطينا نموذجاً من الإنسان المُعرِض ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾

2 ـ وَإِذَا مَسَّ :

 انظر إلى كلمة مَسَّ ، أحياناً تمسَّ التيَّار الكهربائي في ثوانٍ تقفز من على الأرض ، فكيف لو وُضِعَت اليدُ على تيارٍ عالٍ ؟ يتفحَّم على الفور ..

﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾

 فربنا عزَّ وجل حكيم ، يمسُّ الناس بالضُر مسًّا ؛ آلام ، مغص ، نوبة رمل ، يصيح ويستريح ، تأتي نوبات ، أحياناً تأتي حالات ضيق ، كل المصائب التي يُصاب بها الإنسان تحت قوله تعالى :

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾

 ومن معاني مسَّ فيها لطف ، وفيها تقدير دقيق ، وفيها عناية بالغة ، لو رفعنا التيَّار يتفحَّم الإنسان ، لكننا نحن يجب أن نكهربه من دون أن يتفحَّم ، نعطيه مسَّاً خفيف ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾

3 ـ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً

 قالوا : " هذه اللام بمعنى على " ، أي دعانا على جنبه ، وهو مضطجع يقول : يا رب ..

﴿ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾

 أي أنه دعانا في كل أحواله ، مضَّجعاً أو قاعداً أو قائماً كقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران )

 معنى قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم أي في الأحوال كلِّها ، أما هذا الإنسان المُعْرِض ، الشارد، التائه ، الغافل ، الضائع .

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾

كلُّ إنسان يعرف ربَّه في الشدة ، والعاقل يعرفه في الرخاء :

 الآن عرفتني يا عبدي ؟ فرعون عرف الله عزَّ وجل حينما أصابه الغرق ، قال :

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس : آية 90 ـ 91)

 حينما كنتَ شابَّاً ، حينما كنت غنياً ، حينما كنت قوياً ، حينما كنت تقفز على الأرض قفزاً نسيتنا ، غفلت عن ذكرنا ، لم تبال بكتابنا ، حينما جاء المرض ، حينما جاء العجز ، حينما ألمَّت بك المصيبة قلت : يا رب ، لا بأس ادعني ، ولكن ليتك دعوتني حينما كنت في بحبوحة ، ليتك دعوتني حينما كنت صحيحاً ، ليتك دعوتني حينما كنت قويَّاً ، ليتك دعوتني حينما كنت غنياً ، ليتك دعوتني حينما كنت في الرخاء ، وفي الحديث عن ابن عباس :

(( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ))

[ أحمد ]

 لكنك إذا دعوت الله في الشدَّة دعاء المُضطر لا دعاء العارف ، دعاء الذي تحت وطأة السيف لا الذي تحت وطأة العقل ، العقل يقول لك : اعرف الله في الرخاء ، لذلك النبي الكريم قال

(( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[ الحاكم عن ابن عباس ]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ سنن الترمذي]

 أي إلى أن عُطِبَ الجسد تقول : يا رب ، كنت مستعلياً على الناس، كنت لا تنظر إلى أحدٍ دونك ، حينما جاءت الأزمة القلبيَّة صار إلى تواضع ، أخي ادعُ لنا ، أستاذ ادعُ لنا ، الآن تقول : ادعُ لنا ؟! كيف كانت حالك قبل أن تُصاب بهذا المرض ؟ ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾

 طائرة تطير دخلت في عاصفة مكهربة فاضطربت ، وكادت تسقط ، وهبطت ، وجنحت ، لم يبق في الطائرة واحدٌ إلا ويقول : يا الله ، فلمَّا هبطت على الأرض عُرِفَ أن هذه الطائرة تحمل أناساً لا يؤمنون بالله إطلاقاً ، لكن مسَّهم الضر فدعوا الله مخلصين له ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ ﴾

 أي أن البطولة وأنت في الرخاء ، حيث الصحَّة طيّبة ، الزوجة ممتازة ، الأولاد أبرار ، الدخل وفير ، المكانة جيدة ، وأنت في قمَّتك ، وأنت في قمَّة مجدك ، وأنت في الوظيفة وليس بعد التقاعد ، يجب أن تكون متواضعاً وأنت على رأس عملك ، والناس أمامك ينتظرون ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾

 الإنسان بالمال يستعلي ، وبالقوَّة يستعلي ، وإذا كانت له وظيفة يستعلي بها ، وإذا كان مقتدراً يستعلي ، وإذا كان معه شهادة عالية والناس بحاجة له يستعلي ، ولا يكلِّم أحداً ، لكن إذا جاءت المصيبة فإنه يتواضع ، ليتك تواضعت قبل المصيبة ، ليتك عرفت الله وأنت في الرخاء ، ليتك عرفت الله وأنت في بحبوحة ، ليتك عرفت الله وأنت قويٌّ نشيط ، لكن متى ؟! بعد فوات الأوان ! بعد أن ضيَّعت ما ضيَّعت ! ..

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾

 لكن ربنا عزَّ وجل لإلحاحه بالدعاء ، يا رب ، يا رب ، يا رب ، ما لي سواك ، أنقذني قال :

 

﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ ﴾

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ

1 ـ إذا زال الضر عادت حليمة إلى عادتها القديمة :

 هذه الأزمة زالت ، هذا المرض انحسر ، هذا القلق تبدَّد ، هذا الخوف تلاشى ..

﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 يقول لك : والله هذا الطبيب مستواه عالٍ ، فلان ذهبت إليه وقلت له : أنا قريبك ، تدخَّل وخلَّصني ، أين الله عزَّ وجل ؟ لا يوجد الله عزَّ وجل .

 

﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

2 ـ البلاغة في كلمة ( مَرَّ ):

 أما كلمة ( مرَّ ) ففيها بلاغة رائعة ، سيل عارم مندفع وضعت أمامه حاجز ، فلمَّا أزلت الحاجز مرَّ وتابع اندفاعه ، أي أن الإنسان أحياناً تتعقَّد معاملته ، فيأتي إنسان ، ويأخذها منه ، ويوقِّعها من فلان ، وفلان ، وفلان ، ويقول له : تفضَّل ، جاء هذا الإنسان مسك هذه المعاملة نظر وذهب ، قال له : شكراً ، فهذا الذي وقف ، وعاونك ساعة ، وتجاوز الدور ، وكانت المعاملة تحتاج إلى خمسة أيَّام ، وفيها تعقيدات ، وقد يوافقون أو لا يوافقون ، أخذها بنفسه ، ومشَّاها لك ، وناولك إياها ، نظرت فيها فهي مع الموافقة ، التوقيع بالأخضر ، ومشيت من فورك ، أين يا أخانا ؟ مرَّ ، ومرَق ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ))

[ متفق عليه عن أبي سعيد الخدري ]

 أي أنه يمر ..

 

﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 قل : يا رب لك الحمد ، يا رب لك الشكر ، هذا توفيقك ، هذه عنايتك ، هذا فضلك ، هكذا يقول الإنسان ، منتهى اللؤم ، منتهى الجحود ، منتهى الكفر ، ابنه حرارته واحد وأربعين فحصه الطبيب فقال له : عنده التهاب سحايا ، إنه على وشك الموت ، يا رب ليلاً ونهاراً ، وبعد هذا الحرارة انحسرت والله عزَّ وجل عافاه له ، اسجد سجود الشكر لله عزَّ وجل ، قل له : يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضا ، هذا فضلك يا رب ، لا إنه مرَّ شيء مادي وقف في طريقه ثم فتحت له المجال فاندفع ، من دون إحساس ، من دون قِيَم ، من دون شعور ، من دون اعتبارات ..

﴿ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 هذا نموذج اللئيم ، إذا وقع تحت الشدَّة قال : يا رب ، فإذا انحسرت الشدَّة نسي الله عزَّ وجل ، ونسي أنه دعاه ، ونسي أنه تذلَّل له ، ونسي التضرٌُّع ، لكنه رأى ما عنده من إنجاز..

 

﴿ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾

مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

1 ـ كان النبي عليه الصلاة والسلام يعظِّك النعمة مهما دقَّت :

 النبي اللهمَّ صل عليه كانت تعظم عنده النعمة مهما دَقَّت ، لو شرب كأس الماء ، تعظُم عنده النعمة مهما دقَّت ، حينما دخل مكَّة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس تواضعاً لله عزَّ وجل ، هكذا الإنسان ، النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لنا ..

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 21 )

 إنسان لبس ثياباً جديدة ، دخل إلى بيته ، يقول : الحمد لله الذي آواني ، وكم ممن لا مأوى له ، وإذا أكل طعاماً يحبُّه قال : الحمد لله الذي أطعمني وأسقاني ، وإذا وجد أن له زوجة في البيت ، وله أولاد ، بيته نظيف ، له دخل يقول : يا رب لك الحمد .. " الحمد على النعمة أمانٌ من زوالها ".. الحد الأدنى في الشكر أن تعرف أن هذه النعمة من الله ، والحد الأعلى أن تُقابِل على النعمة بخدمة العباد ..

 

﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

( سورة سبأ )

 لكن أنا لا أتصوَّر إنساناً يشكر الله على نعمه ، على حواسِّه الخمس ، على عقله ، على زوجته ، وعندما يتزوَّج الإنسان ..
 شُرَيْح القاضي لقيه صديقه قال له : " يا شُرَيح ، كيف حالك في بيتك ؟ " قال له : "والله يا فلان .. اسمه الشَعْبي .. والله منذ عشرين عاماً لم أجد ما ينغِّص حياتي أو يعكِّر صفائي " ، قال له : " وكيف ذلك ؟ " قال له : " خطبت امرأةً من أسرةً صالحة ، فلمَّا دخلت بها وجدت كمالاً وصلاحاً ، أي أنه وجد عقلاً وأدباً وجمالاً ، فقمت وصَلِّيت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة ".. وفي بحث الصلاة في الفقه صلاة الشكر ، إنسان اشترى بيتاً ، يدخل إلى بيته الذي هو ساكن فيه ، أول عمليَّة يتوضَّأ ، ويصلي ركعتي الشكر ، نجح في شهادته الجامعيَّة ، أول عمليَّة صلاة الشكر ، تزوَّج ، اشترى محلاً ، صفقة باعها ، وربح فيها ، صلاة الشكر مشروعة ، ربنا عزَّ وجل قال في الحديث القدسي :

(( إني والإنس والجنُّ في نبأٍ عظيم ، أخلق ويُعْبَد غيري ! وأرزق ويُشكَر سواي ! خيري إلى العباد نازل ، وشرُّهم إليَّ صاعد ! أتحبَّب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي ، وهم أفقر شيءٍ إليَّ ، من أقبل عليَّ منهم تلقَّيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ))

[ ورد في الأثر ]

 هكذا مرَّ ، الصحَّة طيّبة ، والأكل في البيت من كل الأنواع ، لست محروماً من شيء ، نعمة الزوجة موفورة ، نعمة السكن موفورة ، الماء فُرات ، فلا ينقصك شيء ..

 

﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 شعرت بوضع غير طبيعي فأجريت فحصا فوجدت أنك سليم ، يا رب لك الحمد ، كان الاحتمال ورما خبيثا فظهر أنه ورم عادي ..

 

﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

اللئيم لا يشكر أحدا :

 أهكذا المؤمن ؟ هذا حال الإنسان العادي ، هذا حال الإنسان الكافر، هذا حال الإنسان الجاهل ، المُعْرِض ، المُقَصِّر ، اللئيم ، سيدنا علي قال : " والله والله ، مرَّتين ، لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليَّ من طلبِ حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين " ..

أُعلِّمه الرماية كل يومٍ  فلمَّا اشتدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نَظْمَ القوافي   فلمَّا قال قافيةً هجاني
* * *

 هكذا !! تسمع أحياناً أن صانعاً كان عند معلِّمه ، فتح محلاً فتجده فيتكلَّم عليه ، إنه علَّمك المصلحة ، وأكرمك ، ودلَّلك ، وعندما صار معك إمكانيَّات لتفتح محلل لك تقول : هذا معلمي غشَّاش لا تذهبوا إليه ، هكذا اللؤم ؟! والله اللؤم في الأرض الآن كأنه طوفان ، من علامات قيام السَّاعة أن يكون المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، ويفيض اللئام فيضاً ، ويغيض الكرام غيضاً ، أول أنواع اللؤم مع الله عزَّ وجل ..

 

﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 كنت تولول قبل ساعة ، ظهر بالتحليل أنه لا يوجد شيء ، يالله سوف أعمل سهرة اليوم، أي سهرة هذه ؟ كان المصير أسود ، أين السهرة اليوم ؟ ..

﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾

 ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾

قليل من يفي بعهد الله :

 والله هناك آية قرآنيَّة يقشعر لها البدن ، الله قال :

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 102 )

 يذهب إلى الحج يعاهد ربَّه عند الحجر الأسود ، يا رب لا أُعصيك أبداً ، فيأتي بعد سبعة أيَّام يعصيه ، يا أخي معوَّد ، وقد قال لي أحدهم : تبنا يا أخي ، كنَّا نشرب الخمر فتبنا ، ذهبنا إلى الحج ، وعاهدنا الله ، جلس مع رفاقه فقالوا له : اشرب ، فقال لهم : لا أنا معاهد ، فقالوا له : خذ منا ثمن الحِجة واشرب ، فقال : والله شربت فماذا أفعل ؟

 

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ(102)﴾

 فاسق ..

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾

معاني الحروف المقطّعة :

1 ـ الإهلاك بسبب الظلم :

 انظر إلى دقَّة القرآن الكريم ، لا يوجد هلاك بلا سبب ، أخي الطبقة الأرضيَّة هشَّة ، على مقياس رختر كانت الدرجة ثماني فتهدَّمت المكسيك ، ما هذا ؟ الموضوع على رختر فقط ، أم هي إهلاك من الله عزَّ وجل ؟ هي إهلاك من الله ، ومن السُخف أن تفسِّر هذه الظواهر الخطيرة في العالَم تفسير أرضي ، مع أن التفسير الأرضي مقبول إذا جمعته مع التفسير الإلهي ..

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

( سورة النحل )

2 ـ الإهلاك بسبب الظلم لا ينافي التفسير العلمي :

 يمكن أن تفسِّر أنه عندما أراد ربنا عزَّ وجل إهلاك قرية فاسقة ، فاجرة ، تتاجر بالأفيون ، توزِّع الأفيون لجميع أنحاء العالَم كان يمكن أن تفسِّرها أنها إهلاك من الله عزَّ وجل عن طريق هزَّة أرضيَّة ، قد تجمع التفسير الإلهي مع التفسير العلمي ، والتفسير الإلهي والتفسير العلمي لا يتناقضان إنما يتكاملان ، أما أن تقول : فقط هزَّة أرضيَّة على مقياس رختر فقط ، معنى هذا : " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر " أصبحت نفسه هي المصيبة ..

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾

 لما ظلموا .. ما دام يوجد ظلم فهناك هلاك ، لذلك حينما يعمُّ الفساد في آخر الزمان ..

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

( سورة الروم : من الآية 41)

 قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)﴾

( سورة الإسراء )

الهلاك نوعان :

 لكن العلماء قالوا : " الهلاك نوعان ؛ هلاكٌ مُبرَم وهلاكٌ بطئ " ، أي ضُعف الموارد ، شُحُّ السماء ، قلَّة النبات ، ازدياد الحاجات ، قلَّة الدخل ، الضغط الاجتماعي ، هذا أحد أنواع الهلاك ، هذا يسمونه موتا بطيئا ، إما موت بضربة قاصمة أو موت بطيء ، فالهلاك هلاكان ، عندما يجد الإنسان أن ليس معه مال ، أموره ليست بيده ، الله عزَّ وجل قال :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور : من الآية 55 )

 أي أنه إذا لم يستخلفنا الله في الأرض ، بل استخلف أعداءنا ، ولم يمكِّن لنا ديننا الذي ارتضى لنا ، ولم يبدِّلنا من بعد خوفٍ أمناً فهذا أحد أنواع الهلاك ، لكن ليس هلاك قاصم ، بل إنه هلاك ببطء ، لكن السبب :

 

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

 العبادة لم تحصل ، فلمَّا أخلَّ العباد بما عليهم فالله سبحانه وتعالى في حلٍّ من وعده ..

 

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

( سورة مريم )

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

 العلماء وقفوا عند هذه الآية ، لماذا ..

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ

1 ـ انتبه إلى قوله : وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ

 لأن نفي الإيمان شيء ، ونفي الإمكانيَّة شيءٌ آخر ، مثلاً تقول : فلان لم يسرق ، إنك نفيت عنه حدث السرقة ، لكن تقول : فلان ما كان له أن يسرق ، إنك نفيت عنه إمكانيَّة السرقة ، ورغبة السرقة ، واستعداده للسرقة ، نفيت عنه كل ما يتصل بالسرقة ، هذا يسمُّونه النفي المُبالَغ ، ما كان لي أن أفعل ، ما فعلت شيئاً ، أنا ما أفطرت ، والله أنا صائم يا أخي ولم أفطر ، لكن ما كان لي أن أفطر ، أي مستحيل ، شيء لا يخطر في بالي إطلاقاً ، لا يوجد عندي استعداد أن أفطر ، ولا توجد عندي نيَّة لأفطر ، ولا توجد عندي إمكانيَّة لأن أفطر ، ولا أرضى أن أفطر ، مهما دعوتني فلا أفطر ، ما كان لي أن أفطر ، هذه( ما كان )تفيد نفي الإرادة ، ونفي الإرادة أبلغ من نفي الحدث ، فلان ما كان له أن يسرق أي مستحيل ، لكن لم يسرق أي قد يكون عنده إمكانية لأن يسرق ، ولكن ما سرق ، لكن ما كان له أن يسرق أي مستحيل ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

2 ـ لماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى إيمانهم مستحيلاً ؟

 لماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى إيمانهم مستحيلاً ؟ إذا كان هدف إنسانٍ أن يصل إلى حَلَب ، فمشى باتجاه درعا ، فماذا تقول ؟ تقول : ما كان له أن يصل ، إذا كان ذاهباً إلى حلب ، ووقف في حمص ، ولم يُكمِل تقول : لم يصِل بعدُ ، أما إذا كان ماشياً بعكس الاتجاه فتقول : ما كان له أن يصل ، كلَّما مشى بعد عن هدفه ، فعندما يمشي الإنسان في طريق الدنيا ، ويتوغَّل فيها ، ويقع في الظلم والبغي والعدوان ، والدنيا أكبر همِّه ، وينغمس في شهواته ، لا نقول : هذا لا يؤمن بل نقول : هذا ما كان له أن يؤمن بهذا المعنى ، فالطالب الذي لم يداوم إطلاقاً هل تقول : لم ينجح ؟ لا إنك تقول : ما كان له أن ينجح ، أما إذا داوم ولم يجتهد تقول : لم ينجح ، أما إذا لم يداوم ولا يوماً ، ولا فتح كتاباً ، ولا اشترى كتباً تقول : لم ينجح ؟ إنك تقول : ما كان له أن ينجح ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

 لكن لماذا أهلكهم الله عزَّ وجل ؟ لأنهم ما كانوا ليؤمنوا ، ربنا عزَّ وجل ما دام لهم أمل في الإيمان فلا يوجد هلاك ، ما دام هناك بقيَّة أمل فلا هلاك ، إلى أن يسير الرجل في طريقٍ معاكسٍ للإيمان بزاوية مائة وثمانين درجة ، أي نصف دائرة .. فهو هكذا ، والإيمان هكذا في اتجاه آخر .. عندئذٍ يستحقُّ الهلاك ، لأنه ..

 

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

 الهلاك أمر من الله عزَّ وجل مدروس ، فليس هناك هلاك عشوائي ، أو هلاك من دون مبرِّر، أهلكهم الله عزَّ وجل لأنهم :

﴿ ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾

 جاءتهم الرسل أعرضوا عنهم ، تجاوزا الحدود ، غرقوا في الدنيا ، وقعوا في الظلم فأهلكهم الله عزَّ وجل ، كلام ربنا عزَّ وجل دقيق ..

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾

كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

1 ـ القانون المطّرد بوجود سببِه : كَذَلِكَ نَجْزِي

 كلمة( كذلك )خذها قانونا ..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾

 قال :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

( سورة القصص )

 هذا قانون ، تعريف القانون في العلم : علاقةٌ ثابتة بين متحوِّلين ، أي أنك عندما تُحسن يؤتيك الله العلم والحكمة ..
 " من أخلص لله أربعين صباحاً تفجَّرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه " .
 قانون :

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾

 القصَّة انتهت ، القانون :

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء )

 كن مؤمناً ، واستحقَّ النجاة في كل عصر ، في كل عصر كن مؤمناً تستحقَّ على إيمانك أن تنجو من كل شيءٍ تخافه .
 قانون :

 

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾

 وقبل ظلمهم ..

﴿ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

 فكذَّبوا بها ..

 

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾

2 ـ كلُّ قومٍ أهلكهم الله لا جدوى منهم :

 إذاً كلَّما رأيت قوماً أهلكهم الله عزَّ وجل تأكَّد أنهم لا جدوى منهم ، لا أمل منهم ، لو كان فيهم بقيَّة أملٍ في هدايتهم لما أهلكهم الله عزَّ وجل ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ ))

[ مسلم عن ابن عباس ]

 لا يهلك إلا من هلكت نفسه ، وبعدت عن الحق .. ولا يهلك إلا من شرد على الله شرود البعير ، ابتعد وغاص كثيراً في ضلال مبين .
 الخمر مثلاً تُذهِب العقل ، وتحطُّ المكانة ، وتُضعف المَلَكَات ، وتُثَبِّط الهمم ، فمن شربها فهو في ضلالٍ مبين ، وفي ضلال بعيد ، الضلال البعيد ؛ واحد ماشي في طريق باتجاه حمص مثلاً ، وجد مفرقاً فمشى فيه ، بعد ما مشى مائتي كيلو متر إذا به بطريق تَدمُر ، وهو يريد حمص ، هذا اسمه ضلال بعيد ، أي أنه ابتعد كثيراً ، لو مشى عشرة كيلو مترات ورجع فهذا ضلال قريب ، فهناك ضلال مبين ، وضلال بعيد ، أحياناً الإنسان يبعد كثيرا ، يعتقد اعتقادات فظيعة ، أنه لا توجد غير الحياة الدنيا ، هذا ضلاله بعيد ، هذه هي الدنيا فهي كل شيء ، من كان فيها غنياً فهو في جنَّة ، ومن كان فيها فقيراً فهو في جهنَّم ، وليس بعد الدنيا شيء ، هذا في ضلال بعيد ، ويوجد ضلال مبين ، فمن كان مجرماً استحقُّ الهلاك..

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

1 ـ لا تعيِّر غيرَك بما فيك :

 يكون في المحل ابن يعمل عند أبيه ، وليس راضياً عن أبيه ، يقول لك : بيعه صعب ، أنا أحب أن أبيع بسهولة ، أبي كذا ، أبي كذا ، يتوفَّى الأب ، ويأخذ الابن المحل مكان أبيه ، فيأكل مالا حراما ، ويغش ، كل الذي تنتقد فيه أباك وقعت فيه ، بل في أشدَّ منه ، والله عزَّ وجل يمتحن الإنسان ، فقد يكون موظَّفا في دائرة فينتقد الأعلى منه ، أُزيح فوضعوه مكانه ، فتجده كذلك أغلق بابه عن المراجعين ، كيف كان ينتقده من قبل ، وقع في نفس المرض ، ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾

 الإنسان لا ينتقد ، وإذا انتقد ينتبه ، فإن عيون الناس مفتَّحة ، فإذا وقع فيما انتقد غيره فقد وقع في أبشع شيءٍ ، وهو التناقض ، فأبشع صفة في العقل التناقض ، أي أن تقول شيئاً وتفعل عكسه ، أن تقيس الناس بمقياسين : مقياس تقيس به نفسك ، ومقياس تقيس به الآخرين ، هذا تناقض ، هذا تفريق ، هذا خطأ ، وخلل فكري ..

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾

2 ـ الاستخلاف في الأرض سنة الله :

 وهكذا ، الآن انظر ترى السوق مشهوراً في الشام ، أما بعد ستين سنة كل هذا الطقم يتغيَّر ، إما أن يتسلَّم المحل ، أو أن يُباع ، أو يأتي الابن مكان أبيه ، تجد وجوهاً جديدة ، ستين سنة أخرى تجد طقماً جديداً ، هذا على مستوى المحلَّات ، أما على مستوى البيوت ؛ هذا البيت يتوفَّى الأب ، فيُباع أو يسكن فيه ابنه ، وُجد وجه جديد ، ومعاملة جديدة ، فربنا عزَّ وجل جعلنا خلائف في الأرض ، الإنسان يخلف أباه ، يخلف شريكه ، يخلف موظَّفا في دائرته ..

﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾

3 ـ الاستخلاف في الأرض تحت المراقبة الإلهية :

 أنت تحت المراقبة ، عندما يراقب الإنسانُ إنساناً آخر يربكه ، فكيف وأن الله سبحانه وتعالى يراقبنا جميعاً ؟!

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

( سورة النساء )

 حال المراقبة قاله الصوفيّون ، الإنسان دائماً شايف الله ناظر إليه.. اعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ..
 اغتسل أحدهم عُريانا عند النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال له :

(( خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله ))

[ ورد في الأثر ]

 حالة المؤمن أنه تحت المراقبة ، مراقبة إلهيَّة ، مراقبة رحيمة ، مراقبة خَيَّرة ، مراقبة فيها لطف ليس فيها إزعاج ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

 في أثناء البيع ، تقول : الله وكيلك ليس فيها ربح ، الله على رأسك ، هل صحيح أنك لم تربح ؟ تحاكي نفسك بالمائة مائة وأنت رابح ، الله وأذَّن المؤذِّن فتقول : أخي نريد أن نلحق بالصلاة ، أيّ صلاة هذه ؟ حلفت بالله أنه ليس فيها ربح وأنت رابح ، هكذا دين الناس الآن ، يقول لك : كل شيء لحاله ، ولم يعلم أن كل شيء محاسب عنه ..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

( سورة الحجر )

 إذاً :

 

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ{14} وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ

1 ـ انظرْ كيف يرد الناس القرآن ؟

 لم يعجبه القرآن ، منع الربا لم يعجبه ، يقول لك : هذا الربا ، مال تضعه من دون فائدة ، مجنون أنا فأضعه من غير فائدة ؟ غيري يستفيد منه ، ولا أنا أستفيد منه ، هذه الآية يا أخي ليست لهذا الزمن ، بعد هذا الله قال :

﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 130 )

 انتبه يا أخي النهي ليس عن خمسة بالمائة، النهي عن خمسة وعشرين بالمائة ، هكذا الله قال ..

 

﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾

 لم تعجبه هذه الآية ، وآية غض البصر لم تعجبه كذلك ، أين أذهب بعيوني يا أخي ؟ أنا شغلي كلَّه مع موظَّفات ، ماذا حصل إذا نظر إليها ، هذه بدّلها لنا يا أخي ..

 

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾

 هذا فيه تضييق كبير ، ثقيل .

 

﴿ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾

2 ـ انظرْ كيف وصل الناس إلى المطالبة بتبديل ما في القرآن ؟

 أو تعديلات طفيفة ، أي ألغِ لنا آية النظر ، ألغِ لنا آية الربا ، ألغِ لنا آية الاختلاط ، هكذا يكون في مرونة ، يقول لك : هذا شيخ عصري ، مرن ، لا يعقّدها كثيراً على التلاميذ ، فقط قلبك يكون مع الله يا ابني افعل ما شئت ..

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي ﴾

لماذا لا تجامل في أمور الدنيا وتجامل في أحكام الله ؟

 إذا كنت مهندساً ، وجاءك شخص ، وقال لك أريد مخططاً ، عملت له المخطط ، قال لك : هذا الحديد اثنا عشر ميليمترا هل يستبدل بثمانية مليمترات فقط للسواري ؟ والله لا يجوز ذلك يا أخي ، هنا لا مجاملة ، عوض عن الستة أكياس يمكن أن نضع أربعة ، هنا لا مجاملة ، هذا بناء بثمانية طوابق ، تضع أربعة أكياس يقع البناء ، المهندس مسؤول ، تضع عوضاً عن اثني عشر ميليمترا ثمانية مليمترات يقع البناء ، هنا لا مجاملة ، لأنه توجد قوانين ، هذا البناء مبني على علم ، السنتيمتر مربَّع يتحمَّل مائتي كيلو ، إذا كان هناك أربعة أكياس بدل ستة لا يتحمَّل مائة وخمسين كيلوا ، كلَّه حسابات ، هل توجد مجاملة بالموضوع ؟ لا مجاملة ..

 

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾

 فهذه نفس بشرية ، فإذا سمحنا لها بالاختلاط تعلَّقت بالنساء ، أي صلاة بقيت هذه ؟ انقطعت عن الله عزَّ وجل ، إذا سمحنا لها بالربا وقعت في الحرام ، أصبحت خجولة ، أي أن القضية ليس معها لعبة ، محطَّة وقود مكتوب عليها : ممنوع التدخين ، لا تعقِّدوها كثيرا ، غير معقول ، هذا تعقيد ، التدخين يُذْهِب بالكازيَّة كلها يفجرها ، هذا إعلان مصيري ، وليست قضيَّة سهلة ، فكل شيء الله عزَّ وجل نهى عنه أو أمر فيه ليس فيه مجاملة ، ولا حل وسط ، ولا بالمائة ثلاثين ، هذا دين ..

(( ابن عمر دينك دينك ـ أي الزم دينك ـ إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ ورد في الأثر ]

 كل إنسان يتساهل معك فاعلم أنه لا يفهم شيئاً .. فلو أن إنساناً يريد أن ينشئ معمل غسَّالات ضخماً ، وجد أن موضوع تنشيف الآلة صعب ، قال : هذه سوف أُلغيها ، بدونها أحسن ، ماشي الحال ينشفوا الملابس بأيديهم ، عصر الغسيل كذلك صعب فألغاه ، تسخين الماء صعب فألغى التسخين ، الآن دورانها صعب ألغى الدوران ، هذه أصبحت وعاء غسيل وليست بغسَّالة .. كلَّما ألغيت صعوبة صرت بعد ذلك بلا شيء ، لذلك الدين ليس فيه لعب ، مثل اللعبة مثلاً ، شروط اللعب إذا ألغيتها وقلت : ليس بشرط أن تأتي الكرة في السلَّة ، لم تعد هناك بطولة ، لو جاءت نحوها تعتبر ، هذا لم يعد لعباً ، إذا لم توجد شروط صعبة دقيقة لم تعد هنا بطولة ، فكلَّما ألغيت شيئاً من الدين تهدِّم الدين .

(( الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

[ ورد في الأثر ]

 أخي أنا قلبي نظيف لا أنوي لأحد شراً ولكن لا أصلي ، لا ينفع هذا لأن

(( الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

 لذلك :

 

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾

 هناك معنى دقيق هو : أن القرآن من عندك إذاً دبِّره ، كأنَّهم يظنَّون أو يتهمون النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا القرآن من عنده لذلك بدِّله لنا، غيّره أو عدّله ، هذه الآية احذفها لنا ..

 

﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي ﴾

قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي

 أنا رسول ، أنا مبلِّغ .
 إذا صدر مرسوم من رئيس الوزراء ، وأتى موظَّف من الدائرة يبلغك فتقول له : يا أخي احذف لي هذه المادَّة ، ما الذي أدخلني أنا في الموضوع ؟ أنا مبلِّغ فقط ، تقول لواحد يبلغك مرسوما : احذف لي هذه المادَّة ؟ عدِّلها لي ، هذا بيد رئيس الوزراء ، وليس بيد موظَّف بسيط..

﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

1 ـ الخوف يتناسب مع الإدراك :

 إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو ما هو من الرفعة والعظمة يخاف إن عصى ربَّه عذاب يومٍ عظيم ، فما بال عامَّة الناس ؟! لذلك الخوف يتناسب مع الإدراك ، فإن كان الإدراك ضعيفا كان الخوف ضعيفا ، لأن الخوف يتناسب طرداً مع الإدراك ، فإن لم يكن هناك إدراك فلا خوف .
 مرَّة قال لي طالب : أنا لا أخاف من الله عزَّ وجل ، قلت له : معك حق ، عندما قلت له : معك حق ، استغرب ، قلت له : أحياناً يضعون طفلاً صغيراً في الحصيدة فيمر ثعبان فيلمسه الطفل ، لأنه ليس لديه إدراك ، طبعاً لا تخاف من الله عزَّ وجل ، لأنك لا تعرف ما معنى الله عزَّ وجل ..
 في بدر قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً ))

[ ورد في الأثر ]

2 ـ لا يستخفّ بعدالة الله إلا غبي أحمق :

 هذه هي عظمة الأنبياء ، لا محاباة عند الله ، الله عزَّ وجل لا يقرِّب إنساناً على باطل ، لا يُقرِّب معتدياً ، لا يقرِّب ظالماً ، بل إنه يقرِّب إنساناً مستقيماً ، يقرب إنساناً محسناً ، لأن الله كامل ..

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ))

[ صحيح مسلم عن أبي هريرة ]

 فإذا كان رسول الله اللهمَّ صل عليه يقول :

 

﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 إذا كان سيدنا عمر قال : << والله لو أن الله أنزل على نبيّه أنه معذِّبٌ واحداً من خلقه لخِفْتُ أن أكون أنا >> ، فإذا كان سيدنا عمر عملاق الإسلام الذي قال : << والله لو تعثَّرت بغلةٌ في الفرات ـ وهو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها ، لمَ لمْ تُصْلِح لها الطريق يا عمر ؟ >> ، وإذا كان سيدنا عمر يقول : << ليت أمَّ عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيمَاً >> ، ماذا رأى ؟ ماذا رأى من شدَّة الحساب ، ومن عدالة الله سبحانه وتعالى ؟ لا يستخفُّ بعدالته إلا أحمق ، لا يستخفُّ بعدالته إلا غبي ..

﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ{15} قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾

قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ

1 ـ لماذا لم يتّهموا النبي عيه الصلاة والسلام قبل البعثة :

 أربعين سنة لم أتكلَّم ولا كلمة ، معنى هذا أن الكلام ليس من عندي ، لو كان من عندي لكنت أتكلَّمه وأنا بالثلاثينات ، أتكلَّمه بالخامسة والعشرين ، أتكلَّمه بالعشرينات ، أربعين سنة لم أتكلَّم كلمة ، هذه واحد .
 الشيء الثاني: هل جرَّبتم عليَّ من قبلُ كذباً قط ؟
 يقولون : إن هرقل ملك الروم التقى بأبي سفيان ، وكان على الشرك قبل أن يؤمن ، حدَّثه عن رسول الله ، أن عندنا رجلا ادعى أنه نبي ، ويقول : أنا نبي ، وهكذا ، هرقل كان ذكياً قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب ؟ قبل البعثة ؟ قال : " لا والله " ، فقال هرقل : " قد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يكذب على الله " ، هرقل نفسه قال هذا الكلام ..

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾

 الشيء الثاني : عندما استقبل النجاشي وفد المسلمين ، وقال له : يا جعفر حدِّثنا عن نبيُّكم " قال له : " يا أيها الملك ، كنَّا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحِم ، ونسئ الجِوار ، ويأكل القويَّ منَّا الضعيف .. هذه الجاهليَّة الأولى مثل الثانية .. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه .. أربعة أشياء ، نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه .. فدعانا إلى الله لنعبده ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، فعدا علينا قومنا ليعذِّبونا ويفتنوننا عن ديننا ، وقد لجأنا إليك " فقال : " أنتم آمنون في بلادي " ، إذاً :

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾

 من معاني عُمُراً من قبله : أنني في هذا العمر لم أتكلَّم كلمة في القرآن ، معناها الآن هو ليس من عندي .

 

2 ـ الأمين قبل البعثة وبعدها :

 المعنى الآخر : أنني كنت عندكم صادقاً وأميناً فهل يُعْقَلُ أن أكذب الآن ؟ ..

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾

 يقولون : إن عمرو بن العاص كان صديقاً لمسيلمة الكذَّاب ، التقى معه قال له : " ماذا يقول الآن نبيُّكم ؟ .. أي قل لنا ما هي آخر الأخبار ؟ ، قال له : " يزعم أنه نزل عليه قوله :

 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

( سورة العصر )

 فقال له : " أنا كذلك أُنزِل عليّ مثل هذا الكلام " قال له : " ما هذا أسمعنا " قال له : " يا وَبَر يا وبَر إنما أنت أّذنان وصدر ، وسائرك حقرٌ نقر " ، فقال له عمرو بن العاص : " والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذَّاب "..

 

﴿ قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾

 ثم يقول الله عزَّ وجل :

 

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُون

1 ـ الافتراء على الله والتكذيب بآياته من أكبر الجرائم :

 ربنا عزَّ وجل وصف هذا العمل بأنَّه جريمة ، هناك جريمتان ؛ الأولى أن تفتري على الله كذباً ، أن تزعم أنه قد أوحي إليك ولم يوح إليك ، أن تزعم شيئاً لم يقله الله ، أن تبدِّل في الدين ، أن تغيّر ، أن تزوِّر ، أن تحرِّف هذه جريمة ، والجريمة الثانية هي أن تكذِّب بالحق ، الافتراء على الله بالكذب جريمة ، والتكذيب بالحق جريمة ..

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾

 ليس هناك إنسان أظلم ..

﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

 ابن سلاَّم حينما كان في المدينة المنوَّرة وقَدِمها النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً قال : " انجفل الناس إليه ، فلمَّا رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب .. من رآه بديهةً هابه ومن عامله أحبَّه .. فلمَّا سمعه يقول :

(( أيها الناس افشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلَّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنَّة بسلام ))

[ أحمد ]

 انشرح قلبي للإسلام .

 

2 ـ لابد من معرفة المصير المحتوم :

 هناك أمور مصيريَّة في حياة الإنسان ، أخطر موضوع تعالجه موضوع الإيمان بالله عزَّ وجل لأنك بعد الموت سوف تكون مع الله إلى الأبد ، فإذا كنت قد آمنت به من قبل وعرفته ، واستقمت على أمره ، وأطعته وتقرَّبت إليه سعدت إلى الأبد ، وإن كنت قد أعرضت عنه ، ولم تطع أمره ، وأسأت إلى عباده ، ثم كان منقلبك إليه ، ورجعت إليه ، فرأيت العمل السيئ ، هذا العمل أشقاك إلى الأبد ، هذا موضوع خطير جداً ، أن تعرف أين المصير ، الناس في غفلة عن هذا ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( والذي نفس محمدٍ بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ـ تختفي قابليتكم نهائياً ـ ولا شربتم شراباً ، ولذهبتم إلى الصعُدات تلدمون أنفسكم وتبكون عليها))

[ ورد في الأثر ]

 الإنسان يوم القيامة حينما يأتيه الموت يصرخ صرخةً لو سمعها أهل الأرض لصُعِقوا بها ، الآن قبل فوات الأوان ونحن أصحَّاء ، ونحن في قوَّتنا ، وصحَّتنا ، اِعرف الله في الرخاء قبل أن تضطر إلى معرفته في الشدَّة .