الدرس : 09 - سورة النمل - تفسير الآيات 54 - 58

1990-02-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس التاسع من سورة النمل، وصلنا في الدرس الماضي إلى مطلع القصَّة الأخيرة من قصص هذه السورة، حيث أنهينا الحديث في التعقيب على قوله تعالى:

﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾

( سورة النمل )

تتِمّةٌ لموضوع التقوى: الإيمان قبْل التقوى:

 إذاً: كان الحديث في الدرس الماضي عن التقوى، ولكن لابدَّ من تعقيبٍ آخر متمِّمٍ لهذا الدرس، التقوى كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(57) ﴾

( سورة المائدة )

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف: من الآية 96 )

 في آيتين اثنتين جاء الإيمان قبل التقوى، الإيمان تصديقٍ وإقبال، والكفر تكذيبٌ وإعراض.

 

1 – طريق الإيمانِ هو العلمُ:

 ولكن هذا التصديق ما طريقه ؟ ما طريق التصديق ؟ لا شكَّ أن طريق التصديق هو العلم، فالعلم هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله عزَّ وجل، لقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر: من الآية 28 )

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 << اغدُ عالماً، أو متعلِّماً، أو مستمعاً، أو محبَّاً، ولا تكن الخامس فتهلك >>.
 الخامس أن تبغض العلم وأهل العلم، << اغدُ عالماً، أو متعلِّماً، أو مستمعاً، أو محبَّاً، ولا تكن الخامس فتهلك >>... والخامس أي الحالة الخامسة، وهي أن تبغض العلم وأهل العلم.

 

2 – العلمُ كلمةٌ ذاتُ مدلولٍ واسعٍ:

 الشيء الذي لابدَّ من التعقيب عليه هو أن العلم كلمة ذات مدلول واسع جداً، فهذا الذي يدرس الطب يتعلَّم، والذي يأخذ اختصاصاً في الهندسة يتعلَّم، والذي يدرس أصول التجارة يتعلَّم، وفروع الجامعة كما ترون أنواعٌ منوَّعة، وكلُّها تعطي العلم، فإذا مَرَّت كلمة العلم في القرآن الكريم فهو معنى العلم الذي أمرنا الله به !! هذا العلم الذي يتعلَّمه الطلاب في الجامعات أساسيٌ جداً لصلاح الحياة الدنيا.
 كنت قد ذكرت في خطبةٍ قديمة: من أن علوم الكون، أو العلوم الحديثة، أو علوم الخَلْق، أو علوم الخليقة.. أسماءٌ متعدِّدة.. وهي أصلٌ في صلاح الدنيا، وعلم الشريعة أصلٌ في عبادة الله عزَّ وجل، وعلم الحقيقة أصلٌ في معرفة الله، يجب أن تعرف الله، ويجب أن تعرف أمره، ويجب أن تعرف خصائص الأشياء، فإذا عرفت الله عرفت نفسك، عرفت من أنت، عرفت أين كنت، عرفت أين المصير، عرفت ما يجوز، وما لا يجوز، معرفة الرب أصل الدين، وأصل الدين معرفة الله عزَّ وجل، ومعرفة الشرع أصل العبادة، فإذا عرفته، ألا ينبغي أن تعبده ؟ كيف تعبده ؟ لابدَّ من أن تعرف أحكامه، وإذا تعلَّمت العلوم الماديَّة، هذه العلوم أصلٌ في صلاح المجتمع على المستوى الجماعي، وطريقٌ لكسب الرزق على المستوى الفَرْدِيّ، فالعلوم التي نتعلَّمها في الجامعات مع أنها ثمينةٌ جداً، ولها علاقةٌ وطيدةٌ بحياتنا، ولكنَّها شيء، ومعرفة الله شيءٌ آخر.
 لذلك بعض الأئمَّة القُدامى يسمّون هذا العلم باسم العلم الأعلى: وهو أن تعرف الله عزَّ وجل، أن تعرف الهدف الذي من أجله خُلِقْتْ، أن تعرف أين كنت، أن تعرف أين ستكون، أن تعرف سرَّ الوجود، حقيقة الحياة، جوهر الأشياء، سرَّ التصرُّف الإلهي، هذا كلُّه ينطوي تحت باب العلم الأعلى، يسميه اليوم الفلاسفة علم ما وراء الطبيعة، ويسميه السلف الصالح العلم الأعلى، وهذا العلم أصلٌ في صحَّة العقيدة.
 فيجب أن تعرف هويتك، أنت إنسان إذاً أنت مكلَّف، مكلَّفٌ بنفسك.

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾

( سورة الشمس )

مقوِّماتُ التكليف:

1 – العقلُ:

 حينما كلَّفك الله عزَّ وجل أعطاك مقوِّمات التكليف، أعطاك عقلاً يتطابق تطابقاً تاماً مع الكون، وأساس الكون مبدأ السببية، مبدأ الغائيَّة، مبدأ عدم التناقض، وأساس عقلك هكذا.

 

2 – الكون:

 أعطاك كوناً سخَّره لك تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم.

 

 

3 – الفطرة:

 أعطاك الله فطرةً سليمة تحضُّك على فعل الخيرات وترك المنكرات، تؤلمك إذا انحرفت، وتريحك إذا اتبعت الطريق الصحيح، الفطرة عطاء إلهي، والكون عطاء إلهي، والعقل عطاء إلهي.

 

 

4 – المنهجُ والشرعُ:

 أعطاك كتاباً أنزله على نبيِّه الكريم، أعطاك سُنَّةً تفهم بها هذا الكتاب، أعطاك دعاةً يشرحون لك الأمور، أعطاك دروساً من خلال الحوادث، أعطاك إلهاماتٍ من خلال إلهامات الملائكة، أعطاك الرؤية، وأعطاك أشياء كثيرة، لذلك هذا العلم الذي نتعلَّمه هو أصلٌ في معرفة الله عزَّ وجل.
 النقطة الدقيقة: أن هذه العلوم العصريَّة التي يتعلَّمها الطلاب في الجامعات لم يكن الإسلام في لحظةٍ من اللحظات حَجَرَ عقبةٍ أمام هذه العلوم، إنها لصلاح الدنيا، وصلاح الدنيا مطلوبٌ في الدين، لأن الدين جاء ليحقِّق المقاصد الخمسة الكبيرة ؛ حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ العِرْض، فالإسلام ما وقف لحظةً في وجه تقدُّم هذه العلوم، بل كانت هذه العلوم موازيةً له، لأن هذه العلوم من نوع والعلم الديني من نوعٍ آخر، لم تقف هذه العلوم موازيةً لهذا الدين، بل لم تنشأ تناقضاتٌ بينها وبين الدين إلا أن تكون هذه العلوم فرضيَّاتٍ ونظريات، كأن تناقض نظرية داروين في مبدأ خلق الإنسان، أو أن تكون النصوص الدينية التي تُصادم هذه العلوم نصوصاً غير صحيحة، أما صريح المعقول فلا يمكن أن يناقض صحيح المنقول.

 

الفهمُ العلمي والعقلية العلمية:

 لكن قبل أن نمضي في الحديث عن القصَّة الأخيرة في هذه السورة لابدَّ من وقفةٍ صغيرة، لأن العلم طريق الإيمان، والإيمان طريق التقوى، وكان الحديث في الدرس الماضي عن التقوى، لابدَّ من وقفةٍ قصيرة حول هذا الذي يسمونه ـ العقليَّة العلميَّة ـ التي رَعَاها الإسلام ونمَّاها القرآن، من خلال القرآن فقط، من خلال آيات الله عزَّ وجل ربَّى ربنا سبحانه وتعالى عباده على الفهم العلمي والعقليَّة العلميَّة، فمثلاً:

لا للعقلية الخرافية !!!

 نحن عندنا عقليَّةٌ تسمَّى العقليّة العاميَّة، أو العقليَّة الخرافيَّة، يمكن أن ترى إنساناً يتمتَّع بهذه العقليَّة، فما صفات هذه العقليَّة العاميَّة والعقليَّة الخرافيَّة ؟ إنها تقبل كل شيء، إنها تصدِّق كل شيء، إنها تعتقد بكل شيءٍ ينتهي إليها، ومثل هذا الإنسان الذي عقليَّته عقليَّةٌ عاميَّة خُرافيَّة، كأن تستمع من زيدٍ أو من عبيد إلى كلامٍ تصدِّقه من دون تحقيق، من دون تمحيص، من دون سؤال، من دون طلب الدليل، من دون طلب الحُجَّة، إذا كنت من هؤلاء فعقليَّتك عاميّة، وعقليَّتك خرافيَّة، وهذه العقلية تتناقض مع صفات المؤمنين.
 سأريكم بعد قليل كيف أن القرآن يربِّي في الإنسان العقليَّة العلميَّة، أما أن تستمع وتصدِّق، أن يُلْقَى إليكَ كلامٌ فتقبله، أن تستمع إلى زيدٍ أو عبيد فتصدِّقه من دون سؤال، من دون جواب، لأن فلان قاله، هذه العقليَّة الخرافيَّة والعاميَّة لا مكان لها بين المؤمنين، وهذا الذي يصدِّق كل شيء يكذِّب كل شيء، وهذا الذي يصدِّق كل شيء لأدنى ضغطٍ أو أدنى إغراءٍ يفقد كل شيء.
نحن نريد أن نبني شخصيَّة المؤمن بناءً صحيحاً، لو أن هذا المؤمن ربَّيناه على أن يقبل كل شيء، مثل هذا المؤمن ستنهار مقاومته أمام أصغر ضغطٍ، أو أمام أقلِّ إغراءٍ، يقال: انتكس، لماذا انتكس ؟ لأن عقليَّته في الأصل عقلية خرافيَّة، وعقليته في الأصل عقلية عاميَّة قَبِلتْ كل شيء من دون دليل، لذلك يمكن أن ترفض كل شيء من دون دليل، تمثِّلُ هذه العقلية آيةٌ كريمة يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾

 

( سورة المائدة: من الآية 104)

 إذاً: هو يقول: هكذا قال الناس، أنا مع الناس، أنا مع الخط العريض، أكُلُّ هؤلاء الناس في ضلالٍ مبين ؟ أنا مع هؤلاء، هذا الانتماء العفوي غير المدروس لأفكار عامَّة الناس، لقيمهم، لمعتقداتهم من دون تمحيص، من دون تأمُّل من دون دراسة، صاحب هذه العقلية اسمه في العلوم الإنسانيَّة عقليَّته عقليَّةٌ عاميَّةٌ خرافيةٌ ليست بشيءٍ إطلاقاً إذا ما وُزِنَت بالعقليَّة العلميَّة.

صفاتُ العقلية العلمية:

1 – الدليل والحجة في الأمور العلمية:

 ما صفات العقليَّة العلميَّة ؟ إذا كنت مؤمناً يجب أن تتمتَّع بالعقليَّة العلميَّة، إذا كنت مؤمناً، وسوف ترى بالدليل القرآني كيف أن المؤمنين الصادقين يتمتَّعون بعقليَّةٍ علميَّة، العقلية العلمية من لوازمها ألا تقبل شيئاً من دون دليلٍ قطعي، وألا ترفض شيئاً من دون دليلٍ قطعي، فإن كان الموضوع موضوعاً نظرياً يتعلَّق بالأفكار لابدَّ من البرهان النظري والحجَّة المنطقيَّة، والدليل قال تعالى:

 

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) ﴾

 

( سورة البقرة )

 هذا الموضوع فكري، وهذا الموضوع أساس في بحث العقيدة، وكذلك هذا الموضوع يتعلَّق بالعقليَّات، إذاً: فلابدَّ من الدليل العقلي والحُجَّةِ القاطعة..

 

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) ﴾

 

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

( سورة المؤمنون: من الآية 117 )

 هكذا صفات المؤمنين، لا يقبلوا إلا بالدليل العقلي والحجَّة البالغة.

 

2 – الحواسّ الخمسُ هي الحَكَم في الماديات:

 وإذا كان الموضوع متعلِّقاً بالمشاهدات الحِسيَّة والأمور الماديَّة فلابدَّ من أن تكون الحواسُّ هي الحَكَمَ الأخير في هذا الموضوع، والدليل قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾

 

(سورة الزخرف: من الآية 19 )

 قالوا: العالَم بدأ كذا وكذا وكَذا..

 

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾

 

( سورة الكهف: من الآية 51 )

 حينما يزعمون أو يتخرَّصون من أن العالَم بدأ بطريقةٍ كذا أو كذا، ربنا عزَّ وجل يردُّ عليهم فيقول:

 

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

 

( سورة الكهف: من الآية 51 )

 فالموضوع إذا كان موضوعاً مُجَرَّداً متعلِّقاً بالعقائد لابدَّ من البرهان العقلي والحُجَّة الناصعة، وإذا كان الموضوع حسياً لابدَّ له من الدليل الحسي كالمشاهدة، والسماع، واللمس، وما إلى ذلك، وإذا كان الموضوع نقليَّاً إخبارياً لابدَّ من صحَّة الرواية، قال تعالى:

 

﴿ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(4) ﴾

 

( سورة الأحقاف )

 في العقليَّات لابدَّ من البرهان، في الحسيات لابدَّ من المشاهدة والتجربة، في الإخباريات لابدَّ من صحَّة الرواية، هكذا يربي ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين على عقليّةٍ لا تقبل إلا الحق ولا ترفض إلا الباطل.

 

3 – اليقينُ لا الشكُّ:

 شيءٌ آخر، في الإسلام أو كما نَطَقَ به القرآن ؛ الظن مرفوض، إذا كنت في أمور العقيدة لست متأكِّداً، فإنك تقول: هكذا قال الناس ولعلَّه كذلك، أرجو أن يكون كذلك..

 

 

زعم المنجِّمُ والطبيبُ كلاهما  لا تُبْعَثُ الأمـواتُ قلت إليكما
إن صحَّ قولكما فلست بخاسرٍ  أو صحَّ قولي فالخسار عليكما
***

 هذا التردُّد، عدم اليقين، الشك، عدم الجزم، عدم القطع، هذا الظن ليس من صفات أهل الإيمان، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا(28) ﴾

 

( سورة النجم)

 إذاً: الظن والشك والوهم كله مرفوض في العقيدة..

 

﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾

 

( سورة النساء )

4 – رفضُ الأهواء والنزوات:

 شيء آخر، أيضاً من لوازم العقليَّة العلميَّة أن ترفض الأهواء والنزوات، يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ ﴾

 

( سورة النجم: من الآية 23)

 قد يكون هواك في هذا الفعل، ولكن ليس من صفات المؤمن أن يتَّبع الهوى، يجب أن تتبع العقل، آيةٌ أخرى:

 

﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى ﴾

 

(سورة ص: من آية " 26 " )

 آيةٌ ثالثة:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 

( سورة القصص: من الآية 50 )

 الهوى مرفوض، وكذلك النزوات الشخصيَّة، والمِزاج الشخصي مرفوضٌ في الحق، والظن مرفوضٌ أيضاً، ولابدَّ من دليلٍ قطعيٍّ عقليٍّ في العقليَّات، وحسيٍّ في الحسِّيات، وصحيحٍ في الإخباريَّات، هكذا تبدو ملامح العقليَّة العلميَّة التي يجب أن يتمتَّع بها المؤمن، وكل هذا من كتاب الله، لذلك إيَّاكم أن تتمتَّعوا بعقليَّةٍ خرافيَّة، أو عقليَّةٍ عاميَّة تقبل كل شيء بلا دليل، أو ترفض بلا دليل، مثل هذه الأفكار التي تتأتَّى إلى الإنسان من دون هذا التمحيص أغلب الظن أنه يفقدها أو يكذِّبها أو ينكرها لأدنى ضغطٍ ولأدنى إغراء.
 المؤمن كأنه قلعةٌ متينة، لكن لو لم يكن إيمانه مبنياً على هذه الأسس الصحيحة لأصبح إيمانه هَشًّا كبيت العنكبوت، سريعاً ما ينهار، البطولة لا أن تبدأ ؛ بل أن تثبت، كم من شابٍ انطلق إلى طاعة الله عزَّ وجل، ولسببٍ تافه بعد أن عمل في وظيفة، بعد أن دخل الجامعة، بعد أن تزوَّج انهار كل إيمانه، وعاد إلى سيرته الأولى، أين إيمانه ؟ لأنه لم يبْنِ إيمانه على تحقُّق، لم يكن يتمتَّع بالعقليَّة العلميَّة التي لا تقبل إلا بالدليل، ولا ترفض إلا بالدليل.

 

5 – رفضُ الجمودِ والتقليدِ:

 الشيء الآخر، من لوازم العقليَّة العلميَّة التي وردت ملامحها في القرآن الكريم، أن المؤمن يرفض الجمود والتقليد والتبعيَّة الفكرية للآخرين، والله سبحانه وتعالى وصف أهل الكفر بأنَّهم كذلك، قال:

 

 

﴿ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾

 

( سورة البقرة: من آية 170 )

 التبعيَّة الفكريَّة، التقليد الأعمى، الانتماء العفوي للكبراء، للعُظماء من أهل الدنيا من دون تبصُّر هذا من صفات أهل الكفر، ربنا عزَّ وجل ردَّ عليهم فقال:

 

﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(170) ﴾

 

( سورة البقرة )

 كيف يتَّبعون ما ألفوا عليه آباءَهم ؟..

 

﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَة ))

 

[ الترمذي عن حذيفة ]

 هذه التبعيَّة الفكريَّة،

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَة ))

 من هو الإمَّعة ؟ هو الذي يقول: " أنا مع الناس ؛ إن أحسنوا أحسنت، وإن أساءوا أسأت "، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

 

[ الترمذي عن حذيفة ]

 أما هذا الذي مع الخط العريض، مع التيار العام، مع عامَّة الناس، كيفما يرتدوا ثيابهم يرتدِ ثيابه، ولاسيما النساء، على حساب دينهم، وعلى حساب قيمهم الأخلاقيَّة، وعلى حساب انتمائهم الروحي، فهذا إذاً من ذوي التبعيَّة العفويَّة الجاهلة، تبعية للكبراء وللعادات والتقاليد، وهذه ليست من صفات المؤمنين، الأهواء والنزوات والميول الشخصيَّة لا يمكن أن تكون موجِّهةً للإنسان في عالَم الإيمان، الظن والريب والشك والوهم ليس من صفات المؤمنين.
 العقليَّة العلميَّة لا تقبل إلا الدليل والحجَّة والبرهان والخبر الصادق، من أجل هذا إذا بنيت إيمانك وفق هذه الأُسس كان هذا العلم طريقاً إلى الإيمان، وكان الإيمان طريقاً إلى التقوى.
 هذا تعقيبٌ على الدرس الماضي الذي بيَّنت فيه أن التقوى أساسها الإيمان، وأن الإيمان أساسه العلم، والآن لمتابعة القصَّة الأخيرة من سورة النمل، يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

قصة لوط: وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ

1 – وَلُوطاً:

 جاءت كلمة ولوطاً منصوبة، واذكر لوطاً، أو ولقد أرسلنا لوطاً، ما دام جاءت منصوبة لابدَّ من فعلٍ مقدَّرٍ قبلها، ولقد أرسلنا لوطاً، أو واذكر لوطاً..

 

﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

2 – وَلُوطاً: إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ

 ما هي الفاحشة ؟

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾

 

( سورة النحل: من الآية 90 )

 أي الفعل الشنيع الذي إذا فعله الإنسان فُضِحَ بين الناس، هذه فاحشة، وليس من فاحشةٍ أشدُّ من أن تخالف السنن الطبيعيَّة في علاقتك بالآخرين، ففعل قوم لوط فاحشةٌ وأية فاحشة، لأنهم أولاً خالفوا الفطرة، قال ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

3 – مخالفة الطريق السليم عدوانٌ:

 من ابتغى هذه الشهوة خلاف الطريق التي رسمها الله عزّ‍ وجل فهو من العادين، ما من طريقٍ لقضاء هذه الشهوة إلا طريق الزواج، ولا شيء غير الزواج، هذا هو الطريق المشروع، هذه هي القناة النظيفة، هذه هي سُنَّة الله في خلقه، هذه هي السُنَّة الشريفة، أما من ابتغى لقضاء هذه الشهوة طريقاً آخر غير الزواج، كالزنا فهو فاحشة.
 إنّ عمَلَ قوم لوط أشدُّ أنواع الفواحش، بل هو إثمٌ مرَّتين، أولاً: لأن العلاقة غير مشروعة، وثانياً: هي غير طبيعيَّة، وبعيدة عن أن تكون مشروعةً، وعن أن تكون مألوفةً طبيعيَّةً، فلذلك سمي عمل قوم لوط فاحشة..

 

﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

معاني: وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ

المعنى الأول:

 بعضهم قال: " إنهم لشدَّة فجورهم، وشدَّة استهتارهم واستهانتهم يأتون هذه الفاحشة على مرأى من بعضهم بعضاً "، ومن يرتكب المعصية يسمَّى عند الله عاصياً، وأما من يفعلها أمام الناس، أو من يفتخر بها فيقول: فعلت كذا وكذا، هذا يسمَّى عند الله فاجراً، والفاجر أشدُّ من العاصي لأجل المقولة المعروفة: " إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا"، هذا الذي يفعل الفاحشة على مرأى من الناس، ومن علامات الساعة أن الزنا يكون على قارعة الطريق، والذين يذهبون إلى بلاد الغرب يعودون بهذا الانطباع، ففي المركبات العامَّة، في أنحاء الطرق، في الحدائق، عشرات الألوف من الأجنَّة يجدونها في زوايا الحدائق العامَّة في بلاد الغرب، من علامات قيام الساعة أن يُرْتَكَبَ الزنا على قارعة الطريق، وكلمة:

 

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

 لها معنيان، المعنى الأول: ربَّما قام هؤلاء بهذا الفعل الشنيع على مرأى من بعضهم بعضاً، أو ربَّما تحدَّثوا به، فالحديث عن الفعل الشنيع شناعةٌ وفجور..

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

المعنى الثاني:

 بعض العلماء قال: هناك معنىً آخر لهذه الآية، وهو المعنى الثاني: أنكم تعلمون أنها فاحشة، وتعلمون أنها عدوان، وتعلمون أنها مخالفةٌ لأمر الواحد الديَّان، تعلمون أن هذا العمل قذر، وان هذا العمل يؤذي، وأن هذا العمل يضيِّع المروءة في الفاعل والمفعول..

 

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ ))

[من صحيح البخاري عن النعمان بن بشير]

الانحرافُ يولِّد في النفسِ الكآبةَ والضيقَ والتأنيبَ:

 فالإنسان له فطرة سليمة، أيّ إنسانٍ في أيِّ مكان يتمتَّع بفطرةٍ سليمة، فإذا فعل شيئاً خِلاف فطرته شعر بضيق، حتى إن علماء النفس وهم لا يعرفون عن الدين الإسلامي شيئاً، يذكرون أن من حالات الكآبة، المنحرفون إذا انحرفوا عن الطريق الصحيح فانحرافهم هذا يولِّد عندهم حالاتٍ من نوع الكآبة والضيق، كل عملٍ غير أخلاقي تعقبه حالةٌ من الضيق الشديد هي مخالفة الفطرة، بل إن بعض الأمراض النفسيَّة لها اسمٌ على خِلاف ما يعرفه الناس جميعاً.. الهيستريا.. الهيستريا مرضٌ عضويٌ أساسه نفسي، أي شلل، فتصاب العضويَّة بشللٍ لا لأسبابٍ ماديَّة، فالشرايين، والأوردة، والأعصاب، والجهاز الحسي والحركي في أعلى درجة من الجاهزيَّة، ومع ذلك يصاب الإنسان بشلل حينما يبلغ تأنيب ضميره له درجةً عالية، هذا المرض مصطلح على تسمية الهيستريا وهو شللٌ عضوي لأسبابٍ نفسيَّة، لأسباب فطرية، فيكون الإحساس بالكآبة.
 سألوا إنساناً: لماذا لا تخون زوجتك ؟ قال: " لا أستطيع أن أواجه شعوري بالذنب "، هذه فطرة، الله عزَّ وجل فطر الإنسان فطرةً عالية، فَطَره على حبِّ الكمال، وأنْ تحبَّ الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، قد تحبُّ الكمال ولا تكون كاملاً، أما إذا كنت كاملاً فتلك هي الصبغة، وفرقٌ بين الفطرة والصبغة، الفطرة أن تحبَّ الكمال، والصبغة أن تكون كاملاً، لذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

(سورة الروم: من الآية 30 )

 وقال:

 

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 138 )

 لذلك المعنى الثاني:

 

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

 إنَّ فطرتكم سليمة، إن فطرتكم تُنْبِئكم أن هذا العمل فاحشة، من دون أن تسألوا.. فأحياناً الهِرَّة تملك فطرةً سليمة، فالهرَّة مثلاً إذا أطعمتها قطعة لحمٍ تأكلها أمامك، أما إذا اختلست هي قطعة اللحم تَفِرُّ بها بعيداً لتأكلها في زاويةٍ، إذاً: هي تشعر أنك إذا أعطيتها هذه القطعة فهي إذاً تفعل شيئاً مشروعاً، فإذا اختلستها تشعر أنها مذنبة.. إذاً: فالإنسان يتمتَّع بهذه الفطرة..

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

المعنى الثالث:

 إنَّكم حينما تأتون هذه الفاحشة، وقد انتهى إلى علمكم أن أقواماً كثيرة فعلوا المعاصي فأهلكهم الله عزَّ وجل، فلابدَّ لكم من مواجهة المصير ذاته ؛ قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ(8)وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ(9)وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ(10) ﴾

 

(سورة الفجر )

 وهذا على مستوى حياتنا اليومية، ألم ينتهِ إلى سمعك آلاف القصص من أن فلاناً أكل مالاً حراماً فأتلفه الله، وأن فلاناً تتبَّع عورات المسلمين ففضحه الله في عُقر بيته، وأن فلاناً أوقع الأذى بالناس فدمَّره الله عزَّ وجل، وفلاناً غشَّ المسلمين فدمَّر الله ماله، وفلاناً تكلَّم في أعراض المسلمين فتكلَّم الناس في عِرضِه، وفلاناً زنا فزُنِي بأهله، هذه القصص الصارخة أليست في متناول يدك ؟

 

﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) ﴾

 

 عواقبَ الذين يعصون الله عزَّ وجل.
 المعنى الأول: تفعلونها على مرأى من بعضكم بعضاً، أو تفعلونها وتفتخرون بها.
 المعنى الثاني: إنكم تبصرون أنها فاحشة، تعلمون أنها فاحشة بحسب فطرتكم السليمة.
 المعنى الثالث: رأيتم بأمِّ أعينكم، وانتهى إلى سمعكم أن هؤلاء الذين فعلوا الفاحشة كيف انتهوا إلى مصائب وبيلة.
 يتابع الله عزَّ وجل قصَّة هذا النبي الكريم مع قومه فيقول:

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) ﴾

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ

الجمعُ بين قوله: وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ، وقوله: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ

 ماذا تجهلون ؟ هنا السؤال دقيق جداً، كيف وأنتم تبصرون، هنا وأنتم تجهلون ؟ كيف أثبت الله لهم البصر، وكيف نعتهم الله بالجهل ؟ يمكن أن تكون عالِماً بجزئيَّات وتفصيلات ولكن، لأنَّك لم تعرف الله عزَّ وجل، غاب عنك أن هناك إلهاً عظيماً سيحاسب حساباً عسيراً، فلو أن الإنسان عرف الله عزَّ وجل لما عصاه، يستحيل في حقِّ إنسانٍ عاقل أن يعرف الله ثمَّ يعصيه، لا يعصي الله إلا من جَهِلَ به، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه ))

 

[ ورد في الأثر ]

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ ))

[من سنن الدارمي عن مسروق ]

 لمجرَّد أن تعصي الله عزَّ وجل فأنت لا تعرفه، لا تعرف أن هناك إلهاً عظيماً عنده عطاءٌ كبير إذا أطعته، وعنده عذابٌ أليم إذا عصيته، فهذا الذي يلبِّي شهوته الطارئة هو لا يعرف الله عزَّ وجل..

 

﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) ﴾

 

معنى: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ

 تجهلون ما أعدَّ لكم من جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه ]

 تجهلون الثمن الباهظ الذي تدفعونه لهذه المعاصي، تجهلون الثمن العظيم، وهي الجنَّة التي ضاعت عليكم بسبب هذه المعاصي، فالموضوع لا أن تعلم علماً جزئياً، بل لابدَّ معرفة صحيحة بأدلَّة، ربنا عزَّ وجل وصف أهل الدنيا بأنهم لا يعلمون، وبعد هذه الآية مباشرةً قال تعالى:

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة الروم: من الآية 7 )

 لا يعلمون ويعلمون، كيف هذا ؟ ما عرفوا الله، وما عرفوا ما بعد هذه الدنيا، وما عرفوا ما ينتظرهم من عذاب، ولا من جنَّةٍ لو أنهم أطاعوا، ولكنَّهم عرفوا دقائق الأمور في الدنيا، عرفوا من أين تُؤكَل الكَتِف، عرفوا كيف ينتهزون المناسبات، وكيف يقتنصون الفُرَص، عرفوا كيف يستمتعون، عرفوا كيف يغرقون في ملذَّاتهم، عرفوا كيف يجمعون المال، عرفوا كيف ينفقونه، تمتَّعوا بأذواقٍ عالية في طعامهم، وشرابهم، وملبسهم، ورحلاتهم، ونُزهاتهم، وأفراحهم، وأتراحهم، وفي مظهرهم الخارجي، هذا كله عرفوه، ولكنَّهم ما عرفوا الله الذي إليه مصيرهم، وما عرفوا الله الذي عنده حسابهم، وما عرفوا الله الذي عنده مكرهم..

 

﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا (56) ﴾

 

 والله في نفسي أن أوضِّح لكم.

﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) ﴾

إسقاط لمعنى الآية في واقع الناس:

 مرَّة ثانية، لو تصوَّرنا أن مدينةً فيها نهرٌ ملوَّث، وهذا النهر الملوَّث يصيب سكَّان هذه المدينة بأمراضٍ شتَّى، القائمون على هذه المدينة أرسلوا الأطبَّاء إلى بلاد الغرب ليتعلَّموا، ويتفقَّهوا في هذه الأمراض التي أصابت أهل المدينة، وأنشؤوا المستشفيات، وجاءوا بالأجهزة الراقية للتحليل والتصوير الشعاعي، وما إلى ذلك، أتسمي هذا الطب، وهذا التحليل، وهذا التصوير، وهذه المستشفيات، وهذه الأدوية الدقيقة جداً هل تسميها جهلاً ؟ لا والله إنها علم، ولكن أيهما أفضل، أن ندع هذا النهر الملوَّث يسمِّم هذه الأجسام، ويصيب هذه النفوس بالأمراض والأوبئة، ونأتي بالأطبَّاء، والصيادلة، والأدوية، والأجهزة، وننشئ المستشفيات ؛ أم نغلق هذا النهر، أو نغطي هذا النهر، أو أن نمنع تلوُّث هذا النهر ؟ إنَّ من العلم لجهلاً، طبعاً الأولى معالجة موضوع النهر ففسد الذريعة.
 نحن نسمح للشباب بكل عملٍ منكر، وبعد ذلك إذا انحرفوا يحتاجون إلى عمليَّة جراحيَّة، يجب أن نكافح المخدَّرات، من أين جاءت المخدَّرات في الأساس ؟ من ضعف الوازع الديني، تحتاج مكافحة المخدَّرات إلى سنوات طويلة في المستشفيات، ويصاب المجتمع بالشلل، يجب أن نرعى أخلاق الشباب بادئ ذي بدء، يجب أن نحول بين المرض وبين أن يصل إلينا، رغم أنه لابدَّ من تعلم الطب لمعالجة هذا المرض فيما إذا وقع والوصول إلى علمٍ من أعلى مستوى.
 أنا أريد أن أقول: إن الإنسان أحياناً يتمتَّع بذكاء، ولكنَّه يشرب الخمر، يتمتَّع بذكاء ولكنَّه يكذب، يتمتَّع بذكاء ولكنَّه يظلم، يتمتَّع بذكاء ولكنَّه يأخذ ما ليس له، يتمتَّع بذكاء ولكنَّه يعتدي على الناس، قد يبني مجده على أنقاضهم، قد يبني غناه على فقرهم، هو ذكيٌّ فيما هو فيه، ولكن لو عرف أن هناك إلهاً عظيماً سيحاسبه عن كل حركةٍ وسكنة، وعن كل نفس، وعن كل كلمة، وعن كل درهم من أين كسبه وكيف أنفقه؟ لغيَّر كل حساباته، كيف يجتمع في إنسان العلم والجهل ؟ إنسان يحمل أعلى شهادة ويشرب الخمر، هو في اختصاصه متفوِّق جداً ؛ ولكنَّ في العلم الأعلى جاهلٌ فيه، في العلم الضيِّق متفوِّق، ولكن في العلم الشمولي جاهل، في اختصاصه متفوِّق، في حرفته متفوِّق، في ذكائه متفوِّق، في مطالعته ممتاز ؛ ولكن لأنه ما عرف الله عزَّ وجل، وغابت عنه الحقائق الكبرى دفع الثمن باهظاً، لذلك: لا ينفع ذا الجد منه الجد، الأمور ليست بالذكاء فقط ولكن بالتوفيق، الهدى شيء والثقافة شيءٌ آخر، إذاً:

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) ﴾

بيْنَ الأُمِّية والجهلِ:

 الحقيقة أن الأميَّة شيء والجهل شيء، الأميَّة أن يكون وعاؤك فارغاً لا تعرف شيئاً، أنت أميِّ، وأما الجهل فن يكون هذا الوعاء ممتلئاً بمعلومات غير صحيحة، مثلاً: مصباح في مقدَّمة السيارة أو عند السائق، إذا تألَّق فهذا التألُّق يعني أن المحرِّك ليس فيه زيت، وأن الأمر خطر، فينبغي أن يقف فوراً ليملأ الزيت، هذه معلومة صحيحة، إنسان آخر عندما يتألَّق هذا المصباح فيقول: لماذا تألَّق لا أعرف لماذا هو تألّق ؟ هذا الأميِّ، إنسان ثالث يقول: هذا المصباح تألَّق من أجل أن يسليني في الطريق، هذا هو الجهل، إذا فهمت الشيء فهماً مغلوطاً فهذا هو الجهل أما إذا فهمته فهماً صحيحاً فهذا هو العلم، أما إذا لم تفهمه فهذه هي الأميَّة.
 لذلك الجهل يعني أنه قد يكون الإنسان مثقَّفاً وهو جاهل، أي أنه عرف دقائق مهنته، عرف دقائق حرفته، عرف كيف يكسب المال، عرف كيف ينجو من بين براثن الناس، عرف كيف يرفع من شأنه بين الناس، عرف كيف يأخذ ما ليس له، هذا كلُّه يحتاج إلى ذكاء، ولكن لأنه ما عرف الله عزَّ وجل، ما عرف أن هناك إلهاً يعرف كل شيء.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر: الآية 19 )

 لأنه ما عرف الله، وما استقام على أمره فلابدَّ من أن يكون علمه جهلاً، وذكاؤه غباءً، ونجاحه فشلاً، وتفوُّقه تدنياً، وهكذا..

 

﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)﴾

 

َمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

 هذا ردُّ فعلهم النهائي، وفي هذا الموقف اضطراب وتناقص..

﴿ أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) ﴾

المعنى الأول لقوله: ِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

 فالعلماء وقفوا من هذه الآية موقفين يوضحان اضطراب القوم وتناقضهم، بعضهم قال: إنهم قالوا هذا الكلام استهزاءً، أي فلان يحبُّ الطهارة فيسخرون منه.

 

المعنى الثاني:

 أن المنحرف في أعماق نفسه يعرف أنه منحرف، وأنه بشكل أو بآخر يقدِّر الطاهر، المرأة البَغِيّ إذا رأت امرأةً شريفةً عفيفة تتمنَّى أن تكون مكانها، لا شك، لأن هذه المرأة البغي مفطورةٌ فطرةٌ سليمة، وهذه الفطرة تدعوها، أو تتوقُ إلى أن تكون مثل هذه الشريفة العفيفة، فإما أنهم قالوا هذا الكلام من باب الاستهزاء، وإما أنهم قالوا هذا الكلام من باب اليقين الداخلي، فربنا عزَّ وجل وصف المشركين يوم القيامة..

 

 

﴿ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23) ﴾

 

( سورة الأنعام )

 فقال الله عزَّ وجل:

 

﴿ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24) ﴾

 

(سورة الأنعام )

 إذاً..

 

﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ(57)﴾

 

عاقبة قوم لوط: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ

 أي أصابها غبار قومها لأنها أحبَّت قومها وآثرتهم على الحق أصابها من غبارهم، فاستحقَّت الهلاك معهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( من هوى الكفرة حُشِرَ معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً ))

[ ورد في الأثر ]

 إذا عرفت أن هناك من يفعلون الفواحش في الظاهر وفي الباطن ولكنَّهم يتمتَّعون بذكاء، وبأناقة، وبأبنية شاهقة، وبصناعة مُتقنة، وبحياة مرفَّهة رغم أخطائهم وانحرافهم، وأنت تقدِّرهم فهذه مشكلة..

 

(( من هوى الكفرة حُشِرَ معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً ))

 

﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) ﴾

توضيح بعض المفارقات في هذه السورة:

 الجمعُ بين إثبات البصر والوصف بالجهل:

 من أجل توضيح بعض المفارقات في هذه السورة، كيف أن الله سبحانه وتعالى أثبت لهم البصر، وكيف وصفهم بالجهل، لابدَّ من كلمةٍ قصيرة عن العلم.

1 – العلمُ ثلاثة أنواعٍ:

 العلم أنواعٌ ثلاثة: علم الحقيقة، وعلم الشريعة، وعلم الخليقة، أو علمٌ بالله، وعلمٌ بأمر الله، وعلمٌ بخلق الله.
 العلم بخلق الله، أو علم الخليقة من أجل صلاح الدنيا فقط، فالإنسان يستطيع أن ينال أعلى الشهادات وهو بعيدٌ عن الله بعد الأرض عن السماوات، يستطيع أن يتعلَّم كل شيء، وأن يكون من أهل النار، هذا العلم كالحرفة تماماً يعينك على أمر دينك، ربَّما وسَّع الأُفُق، ربَّما أعطاك موضوعيَّةً، ربَّما أعطاك إدراكاً سليماً ولكن لا يكفي، لابدَّ من أن تعرف الله عزَّ وجل، لذلك الإمام أبو حامد الغزالي يقول: " حيثما وردت كلمة العلم في القرآن الكريم فإنَّما تعني العلم بالله ".

 

2 – العصيان دليلُ الجهلِ:

 قد يكون الإنسان مثقَّفاً، ويحمل أعلى الشهادات، ولا يكون عالماً بالله، والدليل: يكفي أن يعصيه، يكفي أن تعصي الله لتؤكِّد لكل الناس أنَّك لا تعرف الله، لأنك لو عرفته ما عصيته، لو عرفت ما عنده من إكرام، وما عنده من عقاب ما عصيته، فالعلم بالله شرطٌ أساسي وهو أصل الدين، وأصحاب النبي عليهم رضوان الله ما تفوَّقوا، ولا وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا لأنهم جرَّدوا أنفسهم لمعرفة الله، معرفة الله تتمُّ من خلال التفكُّر في خلق السماوات والأرض، تتمُّ من خلال التأمُّل في أحكام الشريعة، إذا عرفت الله عندئذٍ تنشأ عندك حالةٌ ملحَّةٌ كي تعبده، علم الشريعة أصلٌ في عبادة الله، تعرفه بالتفكُّر من طريق الكون، وتعبده بتطبيق العلم علم الأمر والنهي، فإذا أردت أن تأخذ اختصاصاً من أجل أن تعيش حياةً راقيةً هذا بحثٌ آخر.
 الشيء الأساسي أن تعرف الله عزَّ وجل كما قال الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه: << أصل الدين معرفة الله >>.