الدرس : 08 - سورة النمل - تفسير الأية 53

1990-01-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من سورة النمل، كانت الآية وهي قوله تعالى:

﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾

( سورة النمل )

 آخر آيةٍ في الدرس الماضي، أما قوله تعالى:

﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾

وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ

1 – وقفةٌ متأنية عند قوله تعالى: يَتَّقُونَ

 لا بدَّ من وقفةٍ عند كلمة يتقون، الحقيقة أحياناً يمكن أن ندرس موضوعاً على مستوى القرآن الكريم كُلِّهِ، هذا النوع من التفسير سُمِّي التفسير الموضوعي، أي أن تأخذ التقوى في القرآن كله، وتستخرج الآيات التي تنوه بالتقوى وتصنفها تصنيفاتٍ دقيقة، وهذه التصنيفات ربما رأيت من خلالها موضوعاً متكاملاً دقيقاً جديداً كل الجدة، لم تكن لتقف عليه فيما لو قرأت آيات التقوى مع كل موضوعٍ على شكلٍ حيادي، أو على شكلٍ متصل بهذا الموضوع.

 

2 – التقوى جماعُ كلِّ خيرٍ:

 الذي لا شك فيه أن كلمة التقوى وردت في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمائة موضع، والأحاديث الشهيرة والصحيحة تؤكد في مجملها أن التقوى هي جماع كل خير.

 

 

3 – ما هي التقوى ؟

 فما هي التقوى ؟ الحقيقة أن التقوى مشتقةٌ من فعلٍ ثلاثي، الفعل هو وَقَى، والوقاية تكون من شيءٍ خطير، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾

 

(سورة البقرة )

4 – العبادة هي سبيل التقوى:

 معنى ذلك أن العبادة هي سبيل الوقاية، فأنت إذا دعوت إلى الله يجب أن تعتمد على حاجات الإنسان الفطرية، وما منا واحد إلا وهو في حاجةٍ ماسةٍ جداً إلى أن ينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ففي نفس كلٍّ منا ميلٌ جامح وحاجةٌ مُلِحَّة إلى النجاة، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾

 

( سورة البقرة )

 في اللغة العربية هناك قاعدة: أن الفعل إذا حُذِفَ المفعول به المتعلِّق به أطلق الفعل، تتقون ماذا ؟ تتقون كُلَّ خطر، كل مكروه، كل منزلق، كل شقاء، كل عذاب، كل ضيق، كل قلق، كل مصيبة.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾

 

( سورة البقرة )

 إذاً: لا سبيل إلى تحقيق النجاة، ولا سبيل إلى تحقيق السلامة، ولا سبيل إلى أن يبتعد الإنسان عن شقاء الدنيا وعذاب الآخرة إلا بطاعة الله عزَّ وجل، فلذلك فَسَّرَ بعضهم التقوى بأنها اتقاء عذاب الله بطاعته، أي لا منجى منك إلا إليك، لا يستطيع الإنسان أن ينجو من التأديب الإلهي، ولا من المعالجة الإلهية، ولا من العقاب الإلهي، ولا من القضاء الذي يقضيه الله عزَّ وجل للإنسان إلا بطاعة الله عزَّ وجل، هذه النقطة الأولى، إذاً: طاعة الله عزَّ وجل سبيلٌ إلى التقوى.

 

5 – الإنسان له بناءٌ مؤسَّسٌ على تقوى الله:

 نقطة ثانية، الإنسان أيها الإخوة له بناء، معنى البناء أنت لك منظومة قيم، في الموضوع الفلاني لك موقف، في علاقتك بالنساء لك موقف، في علاقتك بكسب المال لك موقف، في علاقتك بإنفاق المال لك موقف، في علاقتك بالجوار لك موقف، في علاقتك بالبيع والشراء لك موقف، في علاقتك بالشهوة التي أودعها الله فيك لك موقف، هذه المواقف تنبع من رؤية أو من قيَم، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾

 

( سورة التوبة: من الآية 109 )

 أنت لك بناء، الأسرة لبنة، العمل لبنة، علاقتك بذاتك لبنة، علاقتك بالخالق لبنة، علاقتك بأهلك ؛ بالوالد، بالوالدة، بالإخوة، بالأخوات، بالأصهار، كل موقف، وكل حركة، وكل سكنة تنبع من رؤية أو من قيمة، فالمؤمن أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، إذاً فالله سبحانه وتعالى لا بدَّ من أن يحميه.

 

6 – غيرُ المؤمنِ بناءُه مؤسَّسٌ على الشهوة والمصلحة:

 غير المؤمن أسّس بنيانه على الشهوة، على المصلحة، على انتهاز الفُرَص، على القَنْص، على حب الذات، على الأنانية، هذا البناء المبني على غير تقوى الله عزَّ وجل كأنه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم، فكل إنسان له بناء، إما أن يبنى هذا البناء على تقوى من الله ورضوان، وإما أن يبنى هذا البناء على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم.

 

 

7 – في الكون إلهٌ واحد يستحقّ العبادةَ:

 الشيء الثاني: أن الإنسان حينما يفكر، ففي هذا الكون العظيم حقيقةٌ كبرى، سنقول حقيقة وحيدة، حقيقة ليس بعدها حقيقة هي الله سبحانه وتعالى، فهل من جهة بالكون تستحق أن يخْشى عذابها، أو أن ترجو رحمتها غير الله ؟ فهل في الكون جهة تستحق أن يرجى ما عندها، وأن يخشى عقابها غير الله عزَّ وجل ؟ ربنا عزَّ وجل يسأل، فإذا كنت في ثُكنة عسكرية فرضاً، فهناك جنود، هناك عرفاء، هناك رقباء، هناك حُرَّاس، وهناك قائد هذه الوحدة، في حسب الظاهر بيده كل شيء، أليس من العقل أن ترجو رضاه، وأن تخشى عقابه، هذا مثل للتقريب.
حينما يفكر الإنسان في هذا الكون يرى أن كل شيءٍ قائمٌ بالله عزَّ وجل:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

 أي قيام الشيء بالله، حياته بالله، كن فيكون زُل فيزول، إذاً: في الكون حقيقةٌ وحيدة ليس بعدها حقيقة، هي الله سبحانه وتعالى، أيعقل أن تخشى غير الله ؟ أيعقل أن ترجو غير الله ؟ أيعقل أن تطمع بعطاءٍ غير عطاء الله ؟ أيعقل أن تخاف من غير الله ؟ أيعقل أن تتقي عذاب غير الله ؟ أيعقل أن ترجو رحمة غير الله ؟ لذلك ربنا عزَّ وجل في آية صغيرة قال:

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾

 

( سورة النحل )

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35) ﴾

( سورة يونس )

 كيف تفكرون ؟ كيف تتأملون ؟

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾

 

( سورة النحل )

8 – التوحيد مفتاح كلِّ شيءٍ:

 مِن هنا كان المؤمن في رعاية الله، لأنه لا يخشى إلا الله، المؤمن وحَّد جهته، المؤمن له وجهةٌ واحدة، ولو كانت على حساب كل العلاقات الأخرى، والعلائق عوائق، المؤمن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( اعمل لوجهٍ واحد يَكْفِك الوجوهَ كلها ))

 

[ ورد في الأثر ]

(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ))

[ الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 هذه كلمة وَحِّد، وحِّد الواحد، هذه كلمة بسيطة في ظاهرها، ولكنها عميقةٌ جداً في مدلولها، أنا لا أبالغ إن قلت: إنَّ أكبرَ بابٍ من أبواب العذاب النفسي هو الشرك، قال تعالى:

 

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 أحد أكبر أسباب العذاب في الدنيا ألا تكون موحِّداً، أن تدعو مع الله إلهاً آخر، لذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾

 

( سورة النحل )

 ربنا عزَّ وجل طمأنك فقال على لسان أحد رسله:

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

 

( سورة هود )

 قال لك:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

 

( سورة هود: من الآية 123 )

 قال لك:

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ﴾

 

( سورة فاطر: من الآية 2 )

 قال لك:

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

 

( سورة الأعراف: من الآية 54 )

 قال لك:

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾

 

( سورة الكهف )

 قال لك:

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

( سورة الفتح: من الآية 10 )

 قال لك:

 

﴿ أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

 

( سورة الأعراف: من الآية 185 )

 فإذا خشيت غير الله، أو رجوت غير الله فلست متقياً، أي: لم تتَّقِ الله عزَّ وجل:

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾

 أنت في قبضته، ولماذا عليك أن تتقي الله ؟ لأن الله عليمٌ بك، وبكل ما يحيط بك..

 

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ﴾

 

( سورة البقرة )

 إذا كان الإنسان مراقباً فإنه يخافُ هذا الذي يراقبه، فربنا عزَّ وجل رقابته عليك مستمرة، فما دامت رقابةُ الله عليك مستمرة ألا ينبغي أن تتقي الله ؟

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 ) ﴾

 

( سورة البقرة )

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 4 ) ﴾

( سورة المائدة )

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ( 203 ) ﴾

( سورة البقرة )

 عليمٌ بكل شيء، شديد العقاب، سريع الحساب، إليه تُحشر، ألا تكفي هذه الدوافع الكبيرة كي تتقي الله عزَّ وجل ؟
 شيء آخر هذه الدوافع، سريع الحساب..

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ( 11 ) ﴾

 

( سورة الأنعام )

9 – اللهُ علَّم عباده طريق التقوى:

 النقطة الدقيقة أن الله عزَّ وجل علَّمك، علّمك من خلال هذا العقل الذي أودعه الله فيك، وعلّمك من خلال هذا الكون الذي نصب فيه الأدلة على عظمته، وعلمك من ملامح الفطرة التي فطرك عليها، وعلمك من خلال هذا الكتاب الكريم الذي أنزله على النبي العظيم، وعلمك من خلال السنة النبوية المطهَّرة التي بينت هذا الكتاب، وعلمك من الحوادث اليومية، هذه الحوادث اليومية فيها تعليمٌ للإنسان، تشفّ هذه الحوادث عن قدرته، وعن حكمته، وعن عدالته، وعلّمك من خلال دعوة الدعاة وإلهام الملائكة، فأنت في حالة تعلم مستمر، والله سبحانه وتعالى يعلمك دائماً، إنْ في الكتاب، وإن في السُنَّة، وإن في الكون، وإن في العقل، وإن في الفطرة، وإن في دعوة الدعاة، وإن في إلهام الملائكة، أنت في حالة تعليم مستمر، فلمَ لا تتقي الله عزَّ وجل ؟ هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 282 )

 نحن نشعر أننا في قبضة الله عزَّ وجل، كل أجهزتك، كل أحوالك، ورأسُ مالُك عقلك، نقطة دم صغيرة جداً إذا تجمَّدَت في بعض شرايين المخ يفقد الإنسان عقله دفعةً واحدة، أو يفقد ذاكرته، أو يفقد سمعه أو بصره، أو يفقد حركته، إذاً: أنت في قبضة الله، بجسمك، وبروحك، وبنفسك، وببيتك، وبأهلك، وبأولادك، وبعملك، وبمن حولك، وبمن فوقك، وبمن تحتك، لذلك:

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾

 

( سورة النحل )

10 – اللهُ هو أهلُ التقوى:

 لكن هناك معنى دقيق جداً، وهو أنَّك يجب أن تتقي ربك، لا لأنك بقبضته فحسب ؛ بل لأنه أهل التقوى وأهل المغفرة، أي أنه رحمنٌ رحيم، ذو الجلال والإكرام، ذو الطَّوْل والإنعام، يعلم السر وأخفى، عفوٌ كريم، رحمنٌ رحيم، لطيفٌ رؤوف، فأنت من جهةٍ تتقي ربك لأنك في قبضته، ومن جهةٍ ثانية تتقي ربك لأنه أهل التقوى وأهل المغفرة، سبحان الله. فالإنسان يتوق إلى أن يتقرَّب من إنسان عظيم، ولكن ألا يتوق إلى أن يتقرب من خالق الأكوان ؟ خالق الأكوان وضع نظاماً للتعامل معه، قد يكون شخص عظيم مزاجي الطبع، وأنت لا تدري كيف تتقرب إليه، قد يصل إلى قلبه بعض الناس صُدفةً أو بظروفٍ طارئة، لكن الله سبحانه وتعالى والخلق كلهم عباده، رسم لهم خطة علاقة منظمة تكون أساساً في تعامل العباد مع خالقهم سبحانه وتعالى، لا كما يتعامل الناس مع شخص ما له مزاجه وظروفه.

 

11 – اللهُ يحب المتّقين:

 خلاصة هذه العلاقة أنَّ ربنا عزَّ وجل قال:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4) ﴾

 

( سورة التوبة )

 فالتقوى منهم والعون والحب منه.
 القضية واضحة كالشمس، الله عزَّ يحب المتقين، أفلا يحب الإنسان أن يكون محبوباً عند الله عزَّ وجل ؟ إذا أحبك إنسان، إذا أحبك زيدٌ أو عبيد فماذا ينفعك حبه ؟ أمَّا لو أحبك سيد الخلق وإذا أحبك الحق، أما سبحانه إذا أحبك فسيِّشد الخلق، فحبه من حب الله عزَّ وجل، وحبه ينفعك، أما إذا أحبك إنسانٌ قوي فيما يبدو للناس، فهذا الإنسان لا ينفعك حبه، ولا يضرُّك بغضه، ولكن إذا أحبك الله عزَّ وجل ألقى حبك في قلوب خلقه فكنت عند الله وخلقه محبوباً..

 

ينادى لـه في الكون أنا نحبه  فيسمع من في الكون أمر مُحِبِّنا
***

 إذاً: إذَا اتقيت الله سبحانه وتعالى أحبَّك الله، وهل من مرتبةٍ في الكون أرقى من مرتبة القرب من الله، الدنيا كلها مراتب ؛ مراتب مالية، مراتب علمية، مراتب اجتماعية، ومراتب رياضية، يقول لك: معه وسام ذهبي، هناك معه ميدالية برونزية، مراتب نفيسة ومراتب جسمية، ومراتب دينية، ألا تعتقد معي أن أعظم مرتبةٍ ينالها إنسانٌ على وجه الأرض هي القرب من الله، وأن يحبه الله عزَّ وجل ؟

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4) ﴾

 

( سورة التوبة )

 هذا كلام بسيط، لكنه خطير، اتقِ الله أن تعصيه يحبك الله عزَّ وجل، اتقِ أن تسخطه يحبك، اتقِ أن تخالف أمره، اتقِ عقابه بطاعته، اتقِ عذابه بالاستقامة على أمره، اتقِ ناره بالعمل لجنته، يحبك، لكن ألا تحب أن يكون الله معك ؟ الكلمة الشهيرة التي أقولها دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
 " ما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ".

 

12 – معيّةُ الله بالحفظ ملازمةٌ للمتقين:

 هل تدري أيها الأخ الكريم أن معيَّةَ الله نوعان، معيةٌ عامة ومعيةٌ خاصة، الله مع كل مخلوق لقوله تعالى:

 

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 

( سورة الحديد: من الآية 4 )

 ولكن المعية الخاصة معية الحفظ، معية الرعاية، معية النصر، معية التأييد، ألا تتمنى أيها الأخ الكريم أن يكون الله معك ؟

 

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ﴾

 

( سورة البقرة )

 ألا يتمنى الإنسان أن يكون خالق الأكوان مدافعاً عنه ؟ ألا تتمنى أن يكون وليك هو الله عزَّ وجل، الولي يخرجك من الظلمات إلى النور، يجعل لك مقعد صدقٍ عنده، يدافع عنك، يكيد لك، ألا تتمنى ذلك ؟

 

﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(19) ﴾

 

( سورة الجاثية )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4) ﴾

( سورة التوبة )

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(19) ﴾

( سورة الجاثية )

 وربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(28) ﴾

 

( سورة ص )

 فمن السذاجة، ومن الغباء، ومن ضيق الأفق، ومن الجهل أن تتصور أن هذا الذي استقام على أمر الله، وتعرف إلى الله، وأمضى وقتاً في تعلُّم العلم، وكان منضبطاً، ضبط حواسه الخمس، ضبط مشاعره، ضبط كسبه، ضبط إنفاقه، وكان محسناً أحسن إلى كل مخلوق، هذا المتقي الذي يتقي غضب الله، يتقي سخط الله، يتقي عذاب الله، أهذا المتقي أيعقل أن يعامل كالفاجر ؟ كالعاصي ؟ كالذي يفعل المعاصي على قارعة الطريق ؟ كالذي يتباهي بالمعصية ؟ شيء مستحيل، فلو أتيح لك أن تقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن التقوى لوجدت أن في هذه الآيات معاني كبيرة جداً، وربنا عزَّ وجل أمرنا أن نكون طَموحين، يقول بعضهم: أنا أريد مكاناً وراء الباب في الجنة، هذا كلام غير صحيح، ربنا عزَّ وجل علمنا في القرآن الكريم أن ندعو الله عزَّ وجل ونقول:

 

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) ﴾

 

(سورة الفرقان )

13 – التقوى درجات ومستويات:

 لا ترضى إلا أن تكون إماماً، والتقوى درجات، التقوى مستويات كبيرة جداً، في أدنى مستوياتها أن تتقي عذاب الله بطاعته، هذا الذي يغض بصره عن محارم الله يتقي الله، هذا الذي يخاف أن يأكل مالاً حراماً يتقي الله، هذا الذي يخاف أن يكذب يتقي الله، هذا الذي يخاف أن تصدر منه مخالفةٌ يتقي الله، هذا مستوى، فهناك أمرٌ إلهي جاءك بالنقل الصحيح، فهذا الرجل المؤمن يحاول أن يطبِّق أمر الله، هذا نوعٌ من التقوى.
 ولكن هناك درجة عالية من التقوى أنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل قذف الله في قلبك النور، فهذا سيدنا يوسف، بربكم امرأةٌ حسناء ذات منصبٍ وجمال، امرأة العزيز، وغلَّقت الأبواب، وهو غير متزوج، وليس في بلده، وعبدٌ لها، وليس ممن مصلحتها أن يفشو هذا الأمر، وقد أمرته بذلك، لماذا امتنع ؟ ماذا رأى حتى قال: معاذ الله ؟ رؤية قلبية، هذا هو النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، يرى به الخير خيراً والشر شراً، الحق حقاً، والباطل باطلاً، الصواب صواباً والخطأ خطأً، الصحيح صحيحاً والزيف زيفاً، هذا هو النور، لذلك فإنَّ الدرجة الأولى أن تقرأ الأحكام، تقرأ الأوامر، تقرأ النواهي، تطبق، هذا مستوى من التقوى، أما المستوى الأعلى أن تجتهد في الطاعة، وأن تجتهد في الاستقامة، وأن تجتهد في البذل والتضحية حتى تنعقد الصِلَةُ مع الله عزَّ وجل، إذا انعقدت هذه الصلة، فمن خلال هذه الصلة، يتجلى الله على قلبك بنوره، عندئذٍ تصبح مستنير القلب..
﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( 46 ) ﴾

 

 

( سورة الحج )

 عندئذٍ ترى في المعصية الوبال، والقطيعة، والدمار، والتأخُّر، والتدهور، والعقاب، وعندئذٍ تقبل على الطاعة وتبتعد عن المعصية، هذا هو النور، الذي قال الله عنه:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾

 

( سورة الأنفال: من الآية 29 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد: من الآية 28 )

 نور تمشي به في الناس، هذا الذي يأخذ ما ليس له أعمى، هذا الذي يُمَتِّعُ عينيه بما لا يحل له أعمى، هذا الذي يؤثر نفسه على إخوانه أعمى، هذا الذي يستضعف إنساناً ويظلمه، يقول لك: هذه مقطوعة ليس لها أحد أعمى، لو أن قلبه استنار بنور الله لَرَأى أن الله ولي هذه المرأة، فإذا تجاوز حده معها نكَّلَ الله به، هكذا، فالمستويات كثيرةٌ جداً.

 

تزكيةُ وتقييم الناس مِن شأن الله وحدَه:

 

 شيء آخر، وهو موضوع التزكية، موضوع تقييم الذات هذا من شأن الله عزَّ وجل، مؤمنون كثيرون يخوضون فيما لا حق لهم أن يخوضوا فيه، تقييم الإنسان من شأن الله عزَّ وجل، النبي عليه الصلاة والسلام حينما عاتب أحد أصحابه بقتل إنسانٍ في المعركة قال: " لا إله إلا الله "، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَتَلْتَهُ ؟!! قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ، قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ ))

[ متفق عليه ]

 لذلك الأدب أن تحكم بالظاهر والله يتولَّى السرائر..

 

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17) ﴾

 

( سورة الإسراء)

 الأدب أن تمتنع عن إصدار الأحكام على الناس، تقول: هذا من شأن الله، وليس من شأن البشر، لذلك قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32) ﴾

 

( سورة النجم )

14 – التقوى خيرُ زادٍ:

 الإنسان يتزوج، الإنسان يُجَمِّع الأموال، يقول: هذه الأموال تنفعني في خريف العمر، الإنسان أحياناً يبني بناء شامخاً، يقول لك: أريد بيتاً فيه كل جيد وجديد، ينتقي أفضل الأثاث، ينتقي أفضل الكسوة، ينتقي أفضل الأجهزة، وقد يقتني أفضل سيارة، يقول لك: أريد شيئاً جيداً، كلُّه من نوع الزّاد، تزوَّدتَ هذه المركبة، هذا البيت، هذا الأثاث، هذه الأجهزة الضخمة، تزودت بأموال تدخرها لوقت خريف العمر، لكنَّ ربنا عزَّ وجل قال بكلمةٍ موجزة، قال:

 

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 197 )

 أي أن أعظم زادٍ تدخره أن تتقي الله، لا أن تعصي الله، من هنا سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال: << الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني >>.
 هذه قاعدة أيها الأخوة، الدين سليم ما لم تعصِ الله عزَّ وجل، ما لم تقترب من حدوده، ما لم تعتدِ على حدوده، ما لم تخرق قواعد الاستقامة، ما لم تُسِئْ إلى إنسان، ما لم يكن في عنقك دينٌ لأحد، أو ظُلامةٌ لأحد، فقد سلم دينك ؟

 

فليتك تحـلو والحياة مريرةٌ  وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر  وبيني وبين العالمين خـرابُ
***

 

15 – التقوى سبيلُ الأمنِ والعافية والرضا:

 دائماً وازن..

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ))

 هذا أمن الإيمان، أنت مطمئن لعدالة الله، أنت مطمئن إلى أن الأمور كلها بيد الله، وأن الله رحمنٌ رحيم، أنت مطمئن إلى أنه لا إله إلا الله، أنت مطمئن إلى أنه لا رافع ولا خافض، ولا معز ولا مذل، ولا معطيَ ولا مانع، ولا باسط ولا قابض إلا الله، أنت مطمئن إلى أن الله سبحانه وتعالى يدَّخِرُ لك عنده عطاءً كبيراً..

 

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5) ﴾

 

( سورة الضحى )

 إذا كنت كذلك فأنت في نعمةٍ لا تعدلها نعمة على وجه الأرض، نعمة أمن الإيمان، وإذا ادَّعى أحد أن عنده أمناً بسبب الأموال الطائلة فهذا أمن مزيَّف، لأن الله عزَّ وجل قد يعاجل هذا الإنسان بمصيبةٍ لا قيمة للمال إطلاقاً في حلِّها، وإذا كان عند الإنسان أمن بحسب صحته الطيبة، وتدريباته ونشاطه، ونظامٍ قاسٍ جداً يتبعه، هذا أمن مزيَّف، الأمن الحقيقي أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، هذا أعلى درجة من درجات الأمن، لذلك:
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

 

[ الترمذي ]

 إذا كنت كذلك فقد ملكت الدنيا بكل حذافيرها، أمن الإيمان، وسلامة الأبدان، وشيءٌ تقتات به، وانتهى الأمر، لذلك فالمؤمن لو أصابته مصيبة، ما دام دينه سليماً، ما دامت صحته طيبة، ما دامت أفعاله كريمة، فلا شيء في الدنيا يضيره.
 هناك كلمةٌ قرأتها عن سيدنا الصديق، قرأتها قبل ثلاثين عاماً، ولا تبرح ذهني إطلاقاً، " ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط ".
 مثلاً: يقول بعض الناس نادباً حظه: لو أخذت هذا البيت، الآن ثمنه ثمانية ملايين، وقد عرضوه علي فيما سبق بمئتي ألف، طال عمره فندب حظه، لو تزوجت فلانة، تأخَّرت في قرار الزواج منها فخطبت.
 ثمة كلمة في قاموس المؤمن يجب ألا تكون موجودة، هذه الكلمة هي: ( لو )، يجب أن تشطبها من قاموسك:

 

(( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

 

[ مسلم ]

 المؤمن لا يندم، ما دام سيدنا الصديق ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فربنا عزَّ وجل يدعونا ويقول:

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾

 

( سورة الصافات )

 بهذه الطريق تنافسوا، في طريق معرفة الله، في طريق طاعته، في طريق فعل الخيرات، في طريق البذل والتضحيات، في هذا الطريق تسابقوا، أما التسابق في جمع الدرهم والدينار فمعركة قذرةٌ خائبةٌ، وكما يقولون في بعض الطُرَف: " إن حماراً كان يقف في بعض الأمكنة، وكان الحرُّ شديداً، والوقت ظهيرة، جاء رجل، وجلس في ظل هذا الحمار، واستمتع بظلِّه الظليل، قام ليشرب، جاء رجل آخر، وجلس مكانه، فلمَّا عاد قال له: هذا المكان مكاني، لا إنه مكاني، من كلمة إلى كلمة تشادا، وتلاسنا، ثم تضاربا، وتلاكما، ثمَّ ذهب الحمار، وذهب معه ظله "، هكذا الدنيا، يأتي الموت فينهي كل مشكلة، دعاوى كثيرة جداً في المحاكم تنتهي بموت أحد المتخاصمين، أعطاك عمره، انتهت الدعوى وشُطِبَت، أما المؤمن فلا يندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، يسعى لمقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، يسعى لتقوى الله عزَّ وجل، إذاً:

 

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 197 )

16 ـ تقوى القلوب أفضلُ لباسِ المسلمِ:

 انظر إلى هذه المعاني الدقيقة، أحياناً تجد إنساناً قد أكرمه الله عزَّ وجل بقِوامٍ جميل، بشكلٍ وسيم، قد يكون ذا ذوقٍ رفيع في ارتداء الثياب، له أذواق رفيعة جداً، قد يكون له ذوقٌ عالٍ جداً في اقتناء الأثاث، قد يختار مركبةً جيدة، قد يعتني بها عنايةٌ بالغة، قد يُلبِسُ أولاده أجمل الألبسة، قد يفرش بيته بأجمل الأثاث، ربنا عزَّ وجل قال في كلمة:

 

﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾

 

(سورة الأعراف: من الآية 26 )

 لباس التقوى ذلك خير، هذا الذي ينفعك بعد الموت، هذا الذي يستمرُّ أثره إلى ما بعد الموت.

 

﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾

 المظهر لا قيمة له..

 

 

((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

 

[من صحيح مسلم عن أبي هريرة]

 القلب بيت الرب، ومنظر الله عزَّ وجل، يقول الله عزَّ وجل:

 

((عبدي، طهَّرت منظر الخلق سنين، أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ ))

 ألا تستحيي من الله أن يطّلع الله عليك فيرى في هذا القلب حِقْدَاً، أو حسداً، أو يرى فيه أنانيَّةً، أو حبّاً للذات ؟ ألا تستحيي من الله أن يطّلع الله على قلبك فيراه ممتلئاً بحبٍِّ الدنيا ؟ ألا تستحيي من الله عزَّ وجل أن يطّلع على قلبك وفيه نيَّةٌ ماكرةٌ لبعض المؤمنين ؟ ألا تستحيي؟..

 

((طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ ))

﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾

( سورة الأعراف: من الآية 26 )

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾

( سورة البقرة: من الآية 197 )

17 ـ التقوى طريقُ الجنة:

 لكن عليك بتقوى الله دائماً، فكل شيء له ثمن كل شيء له ثمن، لو أن أحداً طلب مثلاً قطعة أثاث فاخرة جداً من مستوى رفيع جداً، فهذا الطلب العالي يقابله ثمن غالٍ دائماً، الشيء المتقن ثمنه غالٍ، والشيء غير المتقن ثمنه رخيص، ولكن هل في الحياة كلِّها، هل في الحياة الدنيا والآخرة عطاءٌ يفوق عطاء الآخرة ؟ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه الآخرة الأبديَّة السرمديَّة، حياةٌ ما فيها نَغَص، ولا فيها قلق، ولا فيها حزن، ولا فيها منافسة، ولا فيها زوال، ولا فيها تَدَنّي، هذه الحياة فيها ؟ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر..

 

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾

 

( سورة السجدة: من الآية 17 )

 هذه الآخرة أتظنُّ أن ثمنها بسيط ؟ ثمنها يسير ؟ ركعتان تصلِّيهما وانتهى الأمر، ليرة تلقيها في يدِ فقير وانتهى الأمر، هكذا ؟ لا والله، ألا إنّ سلعة الله غالية، الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 مستحيل أن تصل إلى الجنَّة، وأنت تؤثر حظوظك النفسيَّة، مستحيل أن يُسْمَح لك بدخول الجنَّة، وفي حياتك شهوةٌ مقيمٌ عليها، ألا فلتعلم أن سلعة الله غالية، وطريق الجنَّة ليست طريقاً محفوفةً بالرياحين، إنها طريقٌ محفوفةٌ بالمكاره، هكذا قال عليه الصلاة والسلام..

(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))

(من صحيح مسلم عن أنس بن مالك )

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلاثًا، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

(من مسند أحمد عن ابن عبَّاس )

 يكفي أن تسترخي، يكفي أن تنساق مع هوى نفسك، يكفي أن تطلق بصرك، يكفي أن تطلق لسانك، يكفي أن تُصْغِي بسمعك إلى كلامٍ لا يُرضي الله عزَّ وجل، يكفي أن تأخذ ما ليس لك، يكفي أن تغازل من تراها، يكفي أن تكون ذكياً وتستخدم هذا الذكاء في جمع المال، يكفي أن تكون لطيفاً وتستخدم هذا اللطف في إغواء الفتيات.

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلاثًا، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

18 ـ تقوى نبيّ اللهِ يوسفَ وإحسانُ الله إليه:

 لذلك ماذا قال سيدنا يوسف ؟ وماذا فعل ؟ شابٌ كالمَلَك وضعه إخوته في الجُب، وما أدراكم ما الجُب، ولو رحمة الله عزَّ وجل لهلك في الجُب، شَرَوْهُ بثمنٍ بخس، اشتراه عزيز مصر، وجعله خادماً في القصر لتلقي الأمر، ولتحمُّل الأعباء، فدعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، وهو في ريعان الشباب، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، رفض أن يحقِّق لذَّته التي أودعها الله فيه، رفض أن يحقِّق الشهوة التي يموت الناس من أجلها اليوم، أودعوه في السجن بضع سنين، كل هذا لأنه يتَّقي الله، لذلك قال:

 

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(90) ﴾

 

( سورة يوسف )

19 ـ تقوى اللهِ وعلاقتها بالابتلاء:

 الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سأله سائل: " أندعو الله بالتمكين أم ندعوه بالابتلاء ؟ " فتبسَّم وقال: " إنَّك لن تمكَّن قبل أن تُبْتَلى ".
أقول لكم هذا الكلام: مستحيل لمؤمن يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل ولا يبتليه الله، هذا أمر لا يكون، بل لابدَّ من الابتلاء، هذه السيارة امتحنَّاها في النزول، فإذا هي لها سرعةٌ فائقة، لابدَّ من أن تُمْتَحَنَ في الصعود، تُمْتَحَن في الرخاء لابدَّ من أن تُمْتَحَنْ في الشدَّة، تُمتحن قبل الزواج مثلاً، وتمتحن بعد الزواج..

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3) ﴾

 

( سورة العنكبوت )

 لذلك:

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(11) ﴾

 

( سورة المائدة )

 فإذا اتقيت الله عزَّ وجل ربَّما جاءتك المتاعب، ربَّما وقف في وجهك المعترضون، الناس يرضون عن الفاسق دائماً، فإذا استقمت على أمر الله ترى أقرب الناس إليك يقف في وجهك، ويقال لك: لقد فرَّقت الأسرة بهذا السلوك، لم نألف هذا السلوك، ما هكذا نشأنا، ما هذا الحجاب ؟ ما هذا التشدُّد ؟ ما هذا التزمُّت ؟ ربنا عزَّ وجل يطمئنه فيقول:

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(11) ﴾

 ربنا عزَّ وجل قال وهو يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

 

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) ﴾

 

( سورة النمل )

 سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن توفِّيت زوجته التي عدَّها علماء السيرة سندَه من الداخل، وبعد أن توفي عمُّه الذي عدَّه علماء السيرة سنده من الخارج، من الداخل فَقَدَ السَنَد، ومن الخارج فَقَدَ السَنَد، سمَّى علماء السيرة هذا العام عام الحزن، تتابعت المصائب، تتابعت المِحَن، ومع ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام ما غيَّر ولا بدَّل، ذهب إلى الطائف مشياً على الأقدام، قطع ثمانين كيلو متراً هو وخادمه زيد بن حارثة، في الطائف ردَّه أهلها شرَّ رد، كذَّبوا دعوته، سخروا منه، ردّوا دعوته، رجاهم رجاءً حاراً فقال:

((اكتموا عني هذا الأمر))

 وصل إلى أبواب مكَّة، فإذا أنباء تكذيبه قد سبقته إلى مكَّة، وفي مكَّة هُدِرَ دمه، وكان يقول في هذه المِحنة الشديدة:

 

((إنَّ الله ناصر نبيِّه ))

 لا يمكن أن يعطي الله عطاء بلا امتحان، لا نبي، ولا صديِّق، ولا مؤمن، ولا تقي، هذا مستحيل، أنك ترجو أن تصل إلى مرتبة عالية، إلى سعادةٍ أبديَّة، إلى سعادة الدارين، إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، إلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، أن تصل إلى مكانٍ عَلِيٍ عند الله عزَّ وجل بلا ثمن ؟ بركعتين ؟ بليرتين وانتهى الأمر ؟ لا، هذا مستحيل، لذلك:

 

 

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾

 

( سورة يوسف: من الآية 90 )

 قد تأتي المتاعب من الداخل، قد تأتي المتاعب من الجسم، كبعض الأمراض، قد تأتي المتاعب من العمل، قد تأتي المتاعب من الزوجة، قد تأتي المتاعب من الأولاد، الله عزَّ وجل يريد أن يراك ماذا تفعل عند الشدَّة ؟ هل تصبر أم تتبرَّم ؟ هل ترضى أم تسخط ؟ هل تصبر صبراً جميلاً أم تقول: ماذا فعلت لله عزَّ وجل حتَّى فعل بي كذا وكذا ؟ إنَّ الصبر عند الصدمة الأولى.
 قلت لكم سابقاً: إن الجاهل يقول بعد أيَّامٍ من نزول المصيبة ما يقول المؤمن ساعة تلقِّي النبأ، فهي قضية زمن، المؤمن يقول: الحمد لله رب العالمين، الأمر أمرُ الله، والذي وقع أراده الله، والذي أراده الله وقع، وإرادة الله عزَّ وجل متعلِّقةٌ بالحكمة البالغة، وحكمته البالغة متعلِّقةٌ بالخير المطلق، وما دام الشيء قد وقع فهو خير، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، إنَّا لله و إنَّا إليه راجعون، اللهمَّ أجرني في مصيبتي، واخلفني خيراً منها، هكذا المؤمن، لذلك:

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157) ﴾

 

( سورة البقرة )

الهدفُ من الآيات القرآنية والكونيةُ هو تقوى الله:

 الحقيقة أن ربنا عزَّ وجل حينما بيَّن هذه الآيات ؛ الآيات القرآنيَّة، والآيات الكونيَّة، الهدف الكبير منها أن تتقي الله عزَّ وجل.
يقول الله عزَّ وجل:

﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103) ﴾

( سورة آل عمران )

 أما رأيت هذه الآيات الدقيقة ؟ فهذا الماء الذي يزداد حجمه إذا بلغت درجة حرارته ( + 4 )، هذه القاعدة تشذُّ عن كل قواعد العناصر الكونيَّة، هذا الشذوذ في القاعدة لولاه لما كانت حياةٌ على وجه الأرض، هذه ألا تفكِّر فيها ؟ هذا الطير الصغير في البيضة ينبت له في منقاره نتوءٌ حادٌ مدبَّب من أن أجل أن يكسر البيضة، بعد أن يخرج منها يذوب هذا النتوء، هذه ألم نفكِّر فيها ؟ هذه العين جعل الله في مائها مادَّةً تقاوم التجمُّد، ولو أنَّ أحداً سكن في فنلندا، أو الإسكيمو، أو القطب الشمالي، والحرارة سبعون درجة دون الصفر، بإمكانه أن يضع قبَّعةً على رأسه، وثياب ثقيلة جداً على أطرافه كلِّها، لكن ليس بإمكانه أن يغطي عينيه حين يمشي، فلو مسَّ الهواء الخارجي ذو الدرجة السبعين تحت الصفر ماء العين لتجمَّد، لكن الله سبحانه وتعالى أودع في ماء العين مادَّةً مضَّادَّةً للتجمُّد، فعل من ؟
 هذا الدماغ فيه مركز يحسب تفاضل وصول الصوت إلى الأذنين، أنت تمشي في الطريق فزمَّرت سيارة من خلقك، دخل الصوت من هذه الأذن، ومن هذه الأذن، لكن دخل لهذه الأذن قبل هذه الأذن بجزء من ألفٍ وستمئة جزءٍ من الثانية، هذا الجهاز يحسب من أيّ أذنٍ دخل الصوت أولاً ؟ من اليمنى إذاً: السيارةُ عن يمينك ومن خلفك، فيا أيها الإنسان ابتعد عنها نحو اليسار، وأنت لا تدري.
 وهذا لسان المزمار يشبه شرطي السير الذي يعمل ليلاً ونهاراً، تحبُّ أن تشرب، تحب أن تأكل، يُغْلِقَ هذا اللسان الرغام.. القصبة الهوائية.. تحبّ أن تتكلَّم، يغلق هذا اللسان المريء، لكن وأنت نائم كلَّما تجمَّع اللعاب في الفم ذهب تنبيهٌ إلى الدماغ، الدماغ أعطى أمراً للسان المزمار، فيفتح قناة المريء، ويغلق قناة التنفُّس، وأنت لا تدري، ففي الجسم أشياء لا تصدَّق.

 

الآيات القرآنية المتحدِّثة عن التقوى:

 

 الحقيقة هذه الآيات المتعلِّقة بالتقوى هي آياتٌ لم يمكِّني الوقت من شرحها في خطبة، ولكن والوقت محدود، لذلك حاولت في هذا الدرس شرح الآيات التي لم تُشْرَح في خطبة الجمعة.
 من هذه الآيات ربنا عزَّ وجل يقول:

الآية الأولى:

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17) ﴾

( سورة الليل )

 الأتقى اسم تفضيل، فهناك في اللغة تقي وأتقى، وكذلك وأحسن، وكريم وأكرم، أما الأتقى ما صفاته الأساسيَّة ؟ قال:

 

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) ﴾

 

( سورة الليل )

 المال: الله عزَّ وجل أكرمنا به ليكون وسيلةً للتقرُّب إليه، أحد الصحابة الكرام قال: << حبَّذا المال أصون به عرضي، وأتقرَّب به إلى ربي>>.
 كلماتٌ بليغات أصون به عرضي ؛ أولادك، أهلك، أمك، أبوك بحاجةٍ إليك، صنت بهذا المال عرضك، وتقرَّبت به إلى ربِّك، فربنا عزَّ وجل يصف الأتقى لا يصف التقي، قال:

 

﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17)الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) ﴾

 

( سورة الليل )

 لا تنسَ قوله تعالى:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103) ﴾

 

( سورة التوبة )

 أحياناً يخالف الإنسان أمر الله عزَّ وجل فيأتيه العقاب سريعاً، وقد يكون العقاب مؤلماً، وربنا عزَّ وجل إذا عاقب يعرف كيف يعاقب، إنَّ عذابه أليمٌ شديد، فهذا العذاب الإلهي عذاب ردع، والدليل قال تعالى:

 

الآية الثانية:

 

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179) ﴾

( سورة البقرة )

 فقد تتعرف إلى مؤمن كبير جداً، أساس إيمانه عقاب ناله من الله، خالف الشرع، فجاءه عقابٌ إلهي، فالقِصاص أحد الطُرق المؤديَّة إلى التقوى.
 شيءٌ آخر، هذا الذي يتقي الله عزَّ وجل أليست لهذه التقوى ثمرةٌ يانعة ؟ إن ثمرة التقوى اليانعة النجاة من عذاب الله..

 

الآية الثالثة:

 

﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61) ﴾

( سورة الزمر)

 لم يقل الله عزَّ وجل: لا يصيبهم السوء ؛ بل قال: لا يمسُّهم.

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61) ﴾

الآية الرابعة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16) ﴾

( سورة الذاريات )

الآية الخامسة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54) ﴾

( سورة القمر)

الآية السادسة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ(17) ﴾

( سورة الطور )

الآية السابعة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41) ﴾

( سورة المرسلات)

 الإنسان أمره عجيب، أحد الصحابة زوجته طلبت منه حاجة لعل فيها حُرمة، فقال: << اعلمي يا أمة الله أن في الجنَّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنَّ على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلكِ >>، القضيَّة تجاريَّة، فلأن أضحي بكِ من أجلهن، فلذلك:

 

الآية الثامنة:

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) ﴾

( سورة الذاريات)

 لأن ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾

 

( سورة التغابن: من الآية 14 )

 هذه عداوة مآل، وليست عداوة الحال، أما لو أنَّ إنساناً مشى في ركاب زوجته، وحملته على معصية الله وخسر الجنَّة، لا يرى في الآخرة من هو أشدّ عداوةً منه لزوجته، ذلك، لأنها ساقتها في طريق معصية الله، لذلك:

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) ﴾

 

( سورة الذاريات)

الآية التاسعة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54) ﴾

( سورة القمر)

الآية العاشرة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ(17) ﴾

( سورة الطور)

الآية الحادية عشرة:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41) ﴾

(سورة المرسلات )

 الشيء الأخير: الحياة دواليبها تدور، وعلى مسرح الحياة أناسٌ يصعدون، أُناس يهبطون، أناس يربحون، أناس يخسرون، أناس يعيشون في بحبوبحة، أناس يعيشون في ضيق، أناس يفقدون حرِّيتهم، أناس يتربَّعون على مركز القوَّة، الدولاب يدور، ولكن هذا الدولاب يدور، ويدور، ثم يستقر على مبدأٍ ثابت..

 

الآية الثانية عشرة:

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) ﴾

( سورة الأعراف )

الآية الثالثة عشرة:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132) ﴾

( سورة طه)

 وباللغة الدارجة.. التقوى أقوى.. أي أن في النهاية لا يسعد إلا المتقي، لا يفوز إلا المتقي، لا ينجو إلا المتقي، لا يُفلح إلا المتقي، لا ينجح إلا المتقي، لا يسعد إلا المتقي..

 

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) ﴾

 

( سورة الأعراف)

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132) ﴾

( سورة طه)

 لكن من أجل أن تقطف ثمار التقوى يانعةً ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 63 )

 بقوَّة، هناك أخذ بلين ؛ ومسايرة، ومجاملة للآخرين، مواقفه دائماً ضبابيَّة، دائماً متردِّد، دائماً مُرتاب، دائماً يُطيع الله ولكن على مضض، يخاف أن يعصيه، ولكن يرغب أن يعصيه، هذا الموقف المتردِّد الضبابي، موقف الأخذ والرد، موقف عدم الثقة، عدم اليقين، موقف المتخاذل، موقف متردِّد، هذه المواقف ليست من صفات المؤمنين..

الآية الرابعة عشرة:

﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63) ﴾

( سورة البقرة: من الآية 63 )

 فقد يستحيي أن يقول: أنا أريد أن أصلي، يقول: اسمح لي أن أذهب فعندي موعد، قل له وافتخر: أريد أن أصلي، فالإنسان يجب أن يفتخر بدينه، يجب أن يفتخر بإسلامه، طبعاً وفق الحكمة، لكن:

﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾

 آخر شيء:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 

( سورة التحريم: من الآية 6 )

 فالإنسان كما هو مأمورٌ أن يقي نفسه النار مأمورٌ أن يقي أهله وأولاده النار ؛ من خلال التوجيه، من خلال المراقبة، من خلال الإكرام، من خلال العِقاب، يجب أن يكون المرء حكيماً، لكنَّه مسؤولٌ عن أولاده وزوجته مسؤوليَّةً لا حدود لها، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 

( سورة التحريم: من الآية 6 )

عليكم بالقرآن قراءةً وحفظا وتعلُّمًا وتعليما فإنه أصل التقوى:

 فحبَّذا الإنسان كلَّما مرَّت به آيةٌ في القرآن الكريم متعلِّقةٌ بالتقوى حبَّذا لو سجَّلها، وحبذا لو جمعها في كُتيِّب مع مثيلاتها، وحبذا لو صنَّفها، وحبذا لو استنبط منها موضوعات دقيقة جداً، لعلَّ الله سبحانه وتعالى ينفعنا بهذا القرآن، إنه منهجنا، إنه كتابنا، هذا كتاب العُمُر، هذا الكتاب المقرَّر، القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه، ولا يوجد عمل في حياة الإنسان بلا استثناء أهم من تعلُّم كتاب الله.
 فمن يقول: أنا على حسب فراغي أذهب إلى الدروس، هذا كلام فارغ، هذا الدرس يجب أن تأخذ وقته من زُبْدَةِ وقتك، لأنه لا عمل أشرف من تعلُّم كتاب الله، ألا يكفيكم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ليس مني إلا عالمٌ أو متعلِّمٌ ))

[ ورد في الأثر ]

 إن لم تكن عالِماً، ون لم تكن متعلِّماً فلست من أمَّة سيدنا محمَّد، ألا يكفيك قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( خَيْرُكُمْ ))

 من دون استثناء، من دون تحفُّظ..

 

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[ البخاري عن عثمان ]

 والله الذي لا إله إلا هو لو تعلَّمت آيةً واحدةً فعملت بها لسعدت بها أبد الآبدين، ألا يكفينا هذا الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " يا رسول الله عظني "، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 

( سورة الزلزلة )

 فقال: " قد كُفيت "، القرآن ستمئة صفحة، اكتفى بآيةٍ واحدة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فَقُهَ الرجل ))

 صار فقيها، والله الذي لا إله إلا هو ؛ آيةٌ واحدة لو طبَّقناها لكفتنا، ألا يكفيكم قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ﴾

 

( سورة النساء )

 ألا تكفي هذه ؟ لو كنتَ تحت رقابة إنسان لكنت في انضباطٍ ما بعده انضباط، ألا يكفيك أن الله يراقبك ؟ ألا يكفيك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

 

[ الجامع الصغير عن أنس بلفظ: لا يخرف..."، وفي سنده مقال ]

 مستحيلٌ أن يحزن، لأن أمرك كلَّه بيد الله، والله رحمن رحيم، كريم، غفور، رحيم، لطيف، قدير، غني، الأمر كلُّه إليه.
أرجو الله سبحانه وتعالى في الدرس القادم أن نتابع قصة سيدنا لوط.