الدرس : 17 - سورة البقرة - تفسيرالآية 30 ، الإنسان خليفة الله في الأرض

1998-10-16

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السابع عشر من سورة البقرة.

المعرفة الحسية والمعرفة العقلية:

 مع الآية الثلاثين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء هناك معرفة حسية تتم عن طريق الحواس، الأشياء المادية تعرفها عن طريق الحواس، وهناك معرفةٌ عقلية تحتاج إلى آثارٍ مادية يستنبط العقل منها حقائق هذه الأشياء، هذه هي المعرفةٌ العقلية، فالشيء إذا ظهرت عينه، وظهرت آثاره سبيل معرفته الحواسُّ الخمس هذا هو اليقين الحسي، أما إذا غابت عينه، ذاته، وبقيت آثاره سبيل معرفته العقل، وهذا هو البصير العقلي، أما إذا كان الشيء مغيَّباً عنا أصلاً، ولا آثار له فالحواسُّ لا يمكن أن تعرفه ؛ لعدم وجود آثار له، ولا يمكن أن يعرفه العقل، لأنه ليس له آثار، هذا هو اليقين الإخباري، هذا التمييز دقيق، الأشياء التي تجسَّدت لها جُرْم، لها وزن، لها شكل، لها لون، لها رائحة، لها مَلْمَس، لها حَيِّز، لها طول، لها عرض، لها ارتفاع، هذه أشياء حسية، سبيل معرفتها الحواسُّ الخمس، أما جدار وراءه دخان، والعقل يقول: لا دخان بلا نار، فالعقل رأى آثار النار وهو الدُخان فحكم بوجود النار من آثار النار فقال: لا دخان بلا نار.
 إذاً وراء هذا الجدار نار، الكهرباء لا تُرى بالعين لكن تألُّق المصابيح، تكبير الصوت، حركة المراوح تبيِّن أن هناك قوة كهربائية موجودة، فهذه المعرفة معرفة عقلية، والمعرفة العقلية لا بدَّ من أن تعتمد على حِسِّيات، على آثار حِسِّية، أما إذا لم تكن هناك آثار حسية فلا توجد معرفة عقلية، لأن العقل يعتمد على الأثر ويحكم منه على المؤثِّر، أي أنه يرى النظام فيكتشف المنظِّم، يرى التسيير فيعرف المسَيِّر، يرى الحكمة فيعرف الحكيم، يرى آثار العلم فيعرف العليم، يرى آثار القُدرة فيعرف القدير، هذا هو العقل.

 

المعرفة الإخبارية هي النوع الثالث من أنواع المعارف:

 لو تخيَّلت شيئاً غابت عنا ذاته وغابت عنا آثاره، لا يستطيع العقل أن يعرفه إطلاقاً، نقول: هذه الأشياء التي غابت عنا ذاتاً وآثاراً لا سبيل إلى معرفتها إلا بالخبر الصادق، الآن ما الموضوعات التي يمكن أن تكون من المرتبة الثالثة ؟ الماضي السحيق، قصة خلق الإنسان، قصة خلق العالم، المستقبل البعيد، ماذا بعد الموت ؟ الجنة، النار، الحوض، الصراط كلها خبر صادق، المستقبل، الماضي السحيق خبر صادق، كائنات ليس لها آثار ؛ الجن خبر صادق، الملائكة خبر صادق، هذا هو المنهج الإسلامي، المعرفة حسية أو عقلية أو إخبارية، قصة خلق الإنسان من النوع الثالث، لا تستطيع الحواس أن تعرفها، ولا يستطيع العقل أن يثبتها، الحواس معطلة والعقل معطَّل، ليس عندنا إلا الخبر الصادق، وقيمة هذا الخبر من قيمة قائله، فالصادق خبره صادق.

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) ﴾

( سورة النساء )

 دقق في هذه الآية:

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾

( سورة الكهف )

 هناك معنى مخالف يستنبط من الآية من يكشفه ؟

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾

( سورة الكهف )

 معنى ذلك أن كل قصة وردت مخالفة لبيان القرآن وردَت بالباطل.

 

الموضوع الإخباري سبيل معرفته الخبر الصادق:

 الذين يقولون: " إن الإنسان أصله قِرْد "، هم يقصّون نبأ الإنسان الأول بالباطل لماذا ؟ لشيءٍ بديهي لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51) ﴾

( سورة الكهف )

 أي إذا جلس إنسان عمره ثمانون سنة في مجلس مع مجموعة من التُجَّار وقال: أنا أخذت محلاً من زمن بعيد بسوق الحميدية وكلَّفني خمسة آلاف ليرة، فقال له ابنه الذي كان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة: يا أبي هذا الكلام غلط، فنظر إليه ـ القصة من أربعين سنة ـ قال له: هل كنت وقتها ؟ هل كان لك وجود وقتها عندما أخذت المحل بخمسة آلاف ؟

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51) ﴾

 من منا شهد بداية العالم ؟ من منا شهد خلق آدم ؟ هذا موضوع إخباري، لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق فقط، وإذا كان الخبر من عند الله عزَّ وجل، من عند خالق السماوات والأرض، فأنت تَرْكلُ بقدمك مليون قصة وتؤمن بما قاله الله عزَّ وجل، هناك نظريات لا تُعَدُّ ولا تحصى عن بداية العالم وعن أصل الإنسان، بعضهم يقول: كان مخلوقاً وحيد الخلية، ثم تعقَّدت حياته إلى أن صار إنساناً سوياً، بعضهم يقول: أصله قرد، و ارتفع القرد درجة فدرجة فصار إنساناً، العبرة أن هذا الموضوع إخباري، سبيل معرفته الخبر الصادق.

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) ﴾

( سورة النساء )

قصص الله عزَّ وجل لها أهداف كبيرة جداً:

 إذاً دقق:

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ (13) ﴾

( سورة الكهف )

 إذاً هناك من يَقُصُّ عليك نبأهم بالباطل، هناك من يقدِّم لك رواية عن بداية العالم بالباطل، تكهُّنات ما أنزل الله بها من سلطان، ليس لها دليل، تكهُّن، تخيُّل، توهُّم، لكن لا يوجد دليل حسي لأن الشيء غائبٌ عن حواسنا، ولا يوجد دليل عقلي لأنه ليس له آثار، ليس له ذات نكشفها بحواسنا، وليس له آثار نكشفها بعقولنا، إذاً قصة بداية العالم، قصة خلق الإنسان لا نأخُذها إلا من الواحد الديان، وأية روايةٍ، وأي عرضٍ، وأي تحليلٍ، وأي تصورٍ لخلق الإنسان إن خالف القرآن اركله بالأقدام، وانتهى الأمر، هذه النقطة الأولى.
 الآن لماذا يقص الله علينا القَصَص ؟ الإنسان من عادته أن يقرأ القصة ليمضي الوقت بها، ليستمتع بها، يقول لك: لأقتل الوقت بها، إذا كان مسافراً، جالساً بمفرده في فندق يأخذ معه قصة ليقرأها، كل قصص بني آدم لعلها من هذا القبيل، إلا أن قصص الله عزَّ وجل لها أهداف كبيرة جداً، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

( سورة يوسف: آية " 111 " )

 القصة لها دور تربوي خطير، يقول الله عزَّ وجل في آية ثانية:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) ﴾

( سورة هود )

 معنى ذلك أن الله عزَّ وجل حينما يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم قصةً ليُثَبِّتَ فؤاده، لكن من هو أولى بالتثبيت النبي أم نحن ؟ نحن أولى، لأن يكون التثبيت على قدر الإيمان، وأعلى إيمان هو إيمان النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك:

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾

( سورة هود )

 نحن من باب أولى، معنى ذلك أن القصة لها هدف تربوي كبير.

 

قصة سيدنا يونس قصة وقعت والله تعالى جعلها قانوناً حينما عَقَّب عليها:

 إذا قرأ الإنسان قوله تعالى عن سيدنا يونس:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾

( سورة الأنبياء )

 هل هناك واحد بالمليار أمل لنجاة إنسان وجد نفسه في بطن الحوت، وفي أعماق البحر ؟ وفي الليل ؟ كم نسبة الأمل في النجاة ؟ صفر، إنسان وجد نفسه في بطن حوت في الليل في أعماق البحر، سيدنا يونس نادى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

 نجيناه هو:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88) ﴾

 قصة وقعت، أما حينما عَقَّب الله عليها جعلها قانوناً، قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

 أي أنت أيها المؤمن في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف صعب، مهما بدا لك الظرف حرجاً، مستحيلاً، ضيِّقاً، لا تخف لأن الله عزَّ وجل يتدخل وينقذك، مهما كان المرض عضالاً، مهما كان الفقر مدقعاً، مهما كان العدو شرساً.

 

القصص في القرآن الكريم هادفة لتثبيت المؤمنين ولإحداث أثر عميق جداً في نفس المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، هناك في القرآن الكريم تطمينات من قبل الله لكن الناس لا ينتبهون إليها.

﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) ﴾

( سورة الأنفال )

 أي أن كيدهم يضعِفُهُ الله عزَّ وجل إن كنتم أنتم مؤمنين، إن كنتم مؤمنين فالله سبحانه وتعالى موهن كيد الكافرين.
 الشيء الثاني: هذه القصص، قصة تبيِّن لك أهل الكهف مثلاً، هؤلاء الفتية الذي فَرّوا بدينهم إلى الكهف، هذا نموذج متكرر، ذو القرنين الذي مَكَّنَهُ الله في الأرض فأقام العدل، هذا نموذج متكرر يجب أن يحتذى، السيدة مريم حينما أُشيع عنها أنها زانية لكن الله برَّأها هذه قصة، سيدنا نوح حينما دعا قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، هذا النفس الطويل في الدعوة، كل نبي يمثِّل نموذجاً بشرياً، سيدنا إبراهيم عانى من أبيه، والسيدة آسيا عانت من زوجها، وسيدنا لوط عانى من زوجته، وسيدنا نوح عانى من ابنه، وسيدنا يوسف دخل السجن ظلماً، فكل نبي له قصة يحتاجها كل مسلم، إذاً القصص في القرآن الكريم هادفة، هادفة لتثبيت النبي، وتثبيت المؤمنين، وهادفة إلى إحداث أثر عميق جداً في نفس المؤمن.

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى (111) ﴾

( سورة يوسف: آية " 111 " )

رؤية لقصة سيدنا موسى من عدة زوايا:

 أضع بين أيديكم قصة سيدنا موسى، وهذه القصة وردت في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، هذه القصة من بعض عُروضها:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾

( سورة القصص: آية " 7 " )

 أمران:

﴿أَرْضِعِيهِ﴾

  وإذا خفت علي

﴿فَأَلْقِيهِ﴾

 في اليم، ونهيان:

﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي (7) ﴾

( سورة القصص: آية " 7 " )

 وبشارتان:

﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾

( سورة القصص: آية " 7 " )

 يتوهم الإنسان أن القصة مكررة، ففي آية ثانية:

﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ (39)﴾

( سورة طه )

 اليم مأمور من قبل الله عزَّ وجل أن يأخذه إلى الساحل، وعدو الله، وعدو موسى مجبور على أن يلتقط هذا الغلام:

﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ (39) ﴾

( سورة طه: آية " 39 " )

 وألقى الله عزَّ وجل على سيدنا موسى محبَّةً:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾

 رأته امرأة فرعون فأحبَّته حباً كثيراً:

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

( سورة القصص )

 الآية الثانية ليست تكراراً، لكنها إغناء لتفصيلات لم ترد في الآية الأولى، الآية الثالثة:

﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً (8) ﴾

( سورة القصص: آية " 8 " )

 النتيجة: آية أعطت البدايات، آية أعطت التفصيلات، آية أعطت النتائج، فلا يوجد تكرار، لكن من عدة زوايا ! يمكن أن تأتي إلى دمشق من طريق درعا، جبل قاسيون له منظر فأخذنا له صورة، يمكن أن تأتي دمشق من طريق بيروت جبل قاسيون له منظر أخذنا صورة أخرى له، يمكن أن تأتي إلى دمشق من طريق حلب جبل قاسيون له زاوية منظر التقطنا صورة، لو جمعنا هذه الصور الثلاث من الزوايا الثلاث لظهر معنا مجسَّم لقاسيون، هذه الزوايا إذا تعاونت وتكاملت تعطي شكلاً كاملاً ومجسماً بأبعاده الثلاث.

 

معنى الأمانة:

 أيها الأخوة، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ (30) ﴾

 الملائكة مخلوقاتٌ كُلِّفوا أن يكونوا رسلاً بين الله وخلقه، هناك فعل باللغة اسمه لأَكَ، أي أرسل، لأك يألكُ، أرسل يرسل، ومنه المَلَك، فالملائكة مخلوقات ليست مكلَّفة لأنها اختارت القرب من الله عزَّ وجل، يسبِّحون الله لا يفترون، هؤلاء لهم مهمَّات كثيرة من أول مهمَّاتهم أنهم رسلٌ بين الله وخلقه.

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 أي أن الله عزَّ وجل خلق الخلق في عالم الذَر، وعالم الذَر قبل عالم الصوَر، لم يكن هناك صور للمخلوقات، مجرَّد مخلوق، هذا المخلوق صار جبلاً، هذا المخلوق صار زهرةً، هذا المخلوق صار حصاناً، هذا المخلوق صار أَفعى، هذا المخلوق صار إنساناً، خلق الخلق في عالم الذَرْ، وعرض عليهم الأمانة:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ (72) ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 72 " )

 الأمانة أن يَمْلِكوا أنفسهم ويزَكُّوها، فإن زكوها استحقوا نعيماً أبدياً لا حدود له.

قَبِلَ الإنسان حمل الأمانة فصار المخلوق الأول:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾

 أي عرضنا على إنسان أن يقود قطاراً براتب محدود جداً، وعرضنا عليه أن يقود سيارة كبيرة لنقل الركاب براتب أعلى، لأن القطار ليس عنده أخطار، ولا حوادث، فهناك سكةٌ يمشي عليها، وعرضنا على إنسان أن يكون طياراً، هو يحتاج إلى علم عالٍ جداً ويحتاج إلى خبرة عالية جداً، وإلى صفات نفسية عالية جداً، وليس له راتب، معه شيك مفتوح مثلاً، هناك وظيفة محدودة المسؤولية سهلة العمل لكن دخلها محدود، ووظيفة أعلى، ووظيفة أعلى، فربنا عزَّ وجل عرض عرضاً مغرياً جداً، عرض على المخلوقات أن يحملوا أمانة أنفسهم فيزَكّوها، ومعنى يزكوها أي أن هناك نوازع، وشهواتٍ، وأهواءً، وحرية اختيار، وعقلاً، وفطرة، وكَوْناً، ومنهجاً، ورُسُلاً، القضية معقدة.
 قال أب لولده: تعال إلى المحل واعمل بطعامك وبمصروفك، وعرض على ابن آخر: أتحب أن تحمل أعلى شهادة في العالم ؟ أعطيك نصف أملاكي، هناك بالطبع سفر، وهناك لغة، وهناك أخطار، وهناك جامعات صعبة جداً، وهناك جهد ثلاثين سنة، ولكنه إذا قبل هذا العرض، ونجح فيه فله مكانة عليّة في المجتمع، هذه الأمثلة تقرِّب معنى الآية:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) ﴾

 قَبِلَ الإنسان حمل الأمانة فصار المخلوق الأول:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ﴾

( سورة الإسراء )

الإنسان حينما قَبِل حمل الأمانة سخَّرَ الله له الكون كله ومنحه قوةً إدراكية وهي العقل :

 هذا الإنسان الذي قبل حمل الأمانة، لأنه قبل حملها:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

( سورة الجاثية )

 هذا قرآن:

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ (13) ﴾

( سورة الجاثية )

 اطلعت اليوم على موسوعة علمية مترجمة تحوي العدد التقريبي للمجرات، يحوي العالم اليوم مئة ألف مليون مجرة، مجرتنا درب التبانة مجرة متوسِّطة فيها مئة ألف مليون كوكب ونجم، طول هذه المجرة المتوسطة المتواضعة مئة ألف سنة ضوئية، ما المسافة التي يقطعها الضوء في الثانية ؟ عرض هذه المجرة خمسة وعشرون ألف سنة ضوئية، إذا مثَّلناها على شكل عضلة أو مغزل، وجئت بقلم ناشف ووضعت نقطة على هذا المغزل، هذه النقطة هي المجوعة الشمسية، طول المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة، ولكن طول المجرة مئة ألف سنة ضوئية، المسافة بين الشمس والأرض ثمانية دقائق، وبين الأرض والقمر ثانية واحدة، لكي تعرف، أرض قمر ثانية، أرض شمس ثمانية دقائق، المجموعة الشمسية كلها ثلاث عشرة ساعة، طول مجرتنا مئة ألف سنة ضوئية وهي مجرة معتدلة صغيرة وهناك مئة ألف مليون مجرة، يقول تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (13) ﴾

( سورة الجاثية )

 لأنك أيها الإنسان قَبِلْتَ حمل الأمانة سخَّرَ الله لك الكون كله، هذه واحدة، حينما قبل الإنسان حمل الأمانة كرَّمه الله، وسخَّر له الكون، منحه قوةً إدراكية وهي العقل الذي يعد أعقد شيءٍ في الكون.

العقل خُلق لتعرف الله به لكن البعض أساء استخدامه:

 مرة قرأت كلمة أنه لو أردنا أن نصنع حاسوباً أو كمبيوتراً يؤدّي وظائف العقل البشري لاحتجنا إلى أضخم شارع في نيويورك، وكل الأبنية على طرفي الشارع ناطحات سحاب، تحوي جميع هذه الأبنية مكثِّفات من الداخل ومن الخارج، حتى يؤدِّي هذا الشارع الضخم بكل أبنيته الشاهقة مهام العقل البشري، الذي هو أعقد آلة في الكون، وهذا العقل البشري خُلِقَ لتعرف الله به فاستخدمه الناس لجني المال الحرام، للسرقة، لارتكاب الجرائم، للسيطرة على العالم، لإيقاع الفتن بين الشعوب، لجمع الثروات بالباطل، الكفار أذكياء جداً، يضعون الخطط المدهشة من أجل استعباد الشعوب، من أجل نهب ثرواتهم، يقومون بتمثيليات مذهلة، كل شيء يفعلونه تمثيلاً من أجل جر الثروات إليهم، مستخدمين العقل البشري، مع أن العقل خلق لتعرف الله به.
 يمكن أن تستعمل آلة تصوير ملونة لتزوِّر بها العملة ويكون المصير إلى السجن، ولك أن تستخدمها استخداماً إيجابياً فتصبح غنياً جداً من خلالها، الآلة واحدة، إن استخدمتها لغير ما صنعت له بالتزوير فالمصير إلى السجن، وإن استخدمتها في تصميم الأغلفة، والتقاويم، والبطاقات تعش من ورائها حياة كريمة جداً، والآلة واحدة.

معان متعددة لكلمة (خليفة):

 أيها الأخوة، جعل الله عزَّ وجل هذا الإنسان المخلوق الأول، جعله خليفةً له، معانٍ كثيرة جداً.

 

1ـ المعنى الأول لكلمة (خليفة) أي يأتي بعضهم وراء بعض ليتعظوا:

 أول معنى من معاني خليفة:

 

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 أي أن سيدنا آدم حينما كان في الجنة لم يخرج منها بسبب أنه أكل التفاحة، لا، فسيدنا آدم مخلوق في الأصل للأرض، والدليل هذه الآية، لكن الله جعل هذا الدرس البليغ له ولذريته من بعده، فليس التصميم أنه مخلوق للجنة، فلما أخطأ نقل للأرض، لا فالإنسان في الأصل مخلوق للأرض.

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 لكن الله شاءت حكمته أن يعطي سيدنا آدم درساً بليغاً في عداوة الشيطان، أما مصير الإنسان فهو إلى الأرض، هذه النقطة الأولى.
 النقطة الثانية، جعله خليفة أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن، جيلاً بعد جيل، كما قال الله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ (165) ﴾

( سورة الأنعام: آية " 165 " )

 وقال:

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) ﴾

( سورة الزخرف )

 وقال:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ (59) ﴾

( سورة الأعراف: آية " 169 " )

 توضح هذه الآيات معنى كلمة الخليفة، وهو الله عزَّ وجل شاءت حكمته أن يأتي الناس إلى الدنيا تِباعاً، وأن يغادروها تباعاً ليتَّعظ بعضهم ببعض، هذا معنى من معاني:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

2ـ المعنى الثاني لكلمة (خليفة) أي لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته:

 المعنى الثاني: أن الله لكرامة الإنسان عنده أعطاه بعض صفاته، الله عزَّ وجل فرد، وجعل الإنسان فرداً، ليس في الأرض كلها إنسان يشبهُك، أنت فرد نسيج وحدك، بلازما الدم تنفرد بها، رائحة الجلد تنفرد بها، قزحية العين تنفرد بها، الزمرة النسيجية تنفرد بها، نبرة الصوت تنفرد بها، بصمة اليد تنفرد بها، لكرامتك عنده جعلك فرداً لا مثيل لك، ولا مشابه لك، هكذا شاءت حكمة الله، لكرامتك عنده سمح لك أن تُشَرِّع، أعطاك نصوصاً ظنية الدلالة، ولك أن تجتهد، لكرامتك عنده سمح لك أن تُبْدِع عن طريق المورِّثات والتهجين، فالإنسان الآن يبدع في النباتات، وفي الحيوانات، وفي الزراعة، لكرامتك عنده سمح لك أن تحكم، جعلك خليفةً في الأرض لتقيم العدل، وتردع الظالم، وتكافئ المحسن، مَكَّنَك في الأرض، في الشخص القوي بيده مصير الأشخاص الآخرين، هذا خليفة الله في الأرض.

﴿ يَا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (26) ﴾

(سورة ص)

 الأنبياء والأولياء والعُلماء والدعاة هؤلاء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدين، والملوك والأقوياء خلفاء الله في أرضه ليقيموا أمر الدنيا، فالله عزَّ وجل أعطى الإنسان قوة، الإنسان لديه قدرة أن يحرك جيشاً، يعلن حرباً، يفجِّر قنبلة مثلاً، سمح الله للإنسان أن يكون قوياً، فكلمة جعله خليفته في الأرض، المعنى الأول: يأتي بعضهم وراء بعض، والمعنى الثاني: لكرامة الإنسان عند الله أعطاه بعض صفاته، وهناك حديث يحتاج إلى شرح طويل:

(( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ ))

[ رواه حيى بن جعفر عن أبي هريرة ]

 لكرامة الإنسان عند الله عزَّ وجل.

 

3ـ المعنى الثالث لكلمة (خليفة) أي أن الإنسان مُمَكَّن أمره نافذ ومعه سلطة:

 إذا كان لك أولاد، أنت تزوّجت أمهم وأنجبت هؤلاء، جعل أمرهم بيدك، طعامهم وشرابهم بيدك، تربيتهم بيدك، مستقبلهم بيدك، توجيهَهُم بيدك، أنت خليفة الله في أسرتك، أنت معلِّم أنت خليفة الله في صَفَّك، مدير مدرسة أنت خليفة الله في هذه المدرسة، أنت مدير تربية فأنت خليفة الله في هذه المحافظة، وزير تربية في القطر، كل إنسان ممكَّن؛ هذا بالتربية، هذا بالصحة، هذا بالاقتصاد، هذا بالأوقاف، فالإنسان مُمَكَّن معه صلاحية، أمره نافذ، معه سلطة، هذا معنى ثالث.
 المعنى الأول: الخليفة أي نأتي إلى الدنيا تباعاً ونغادرها تباعاً.
 المعنى الثاني: لكرامتك عند الله منحك شيئاً من صفاته، أنت فرد، فرد في أشياء كثيرة، صُنِعت أقفال الآن لا تُفتح إلا على قزحية العين لأنه لا يوجد إنسان في الأرض يشبهك في قزحية العين فهذا القفل لن يُفتَح إلا من قِبَل صاحبه، رائحة الجلد، نبرة الصوت، بلازما الدم، الزُمرة النسيجية، بصمة اليد، جعلك فرداً، جعلك مُشَرِّعاً، جعلك مبدعاً، جعلك مريداً أعطاك حرِّية الاختيار، جعلك حاكماً تقيم العدل وتقمع الظلم.

 

 

الإنسان شيء كبير جداً يمكن أن يقوم بأعمال لا تفعلها الجبال:

 قال تعالى:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 من الممكن أن يجعل الله على يدك هداية مليون شخص أو مليار كالنبي عليه الصلاة والسلام، المسلمون مليار ومئتي مليون في صحيفة واحد، ويمكن والعياذ بالله أن يكون خمسون مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية بسبب شخص واحد كهتلر، الإنسان شيء كبير جداً يمكن أن يقوم بأعمال لا تفعلها الجبال، ويمكن أن يقوم بجرائم لا تفعلها أشرس الوحوش في الأرض ؛ هذا الذي ألقى قنبلة على هيروشيما أباد ثلاثمئة ألف إنسان في ثلاث ثوان، توجد الآن حروب ؛ حروب كيماوية، حروب غازية، حروب جرثومية، توجد أسلحة فتَّاكة، توجد قنابل حارقة على بعد دائرة قطرها مئتي متر يصبح فحماً، النابالم أعطى للإنسان قدرات سمح له أن يخترع البارود، القنابل، أن يطير في أعماق السحاب، أن يغوص في أعماق البحار، أن يصل إلى القمر، أعطاه إمكانات مذهلة، الإنسان معه إمكانات بشكل غير معقول.

قمَّة الكمال البشري النبوّة وحضيض السقوط البشري الإجرام:

 يقول لك: الإنسان أصله قرد، ماذا فعل القرود ؟ اخترعوا طيارة ؟ أنت تركب طيارة ستمئة وستين راكباً كلَّها طعام وشراب، وقهوة وشاي، ومقاعد مريحة على ارتفاع أربعين ألف قدم، هل نقلوا الصورة والصوت ؟ ما هو موضوع الفاكس ؟ موضوع الأجهزة، الإنترنت، شيء لا يُصدق، هذا كلَّه من إنجاز الإنسان، جعله خليفته في الأرض، المشكلة أن هذه الإمكانات الضخمة التي أعطاها الله للإنسان استخدمها في الشر، هذه الأجهزة المعقَّدة جداً المذهلة جعلها لإفساد الأخلاق، ماذا في المحطَّات الفضائية ؟ إفساد، ماذا في هذه الأجهزة المعقَّدة جداً لنقل الصورة ؟ إفساد عقائد، وإفساد أخلاق، وإفساد بيئة، الإنسان لأنه مخيَّر كل شيء فيه حيادي، قمَّة الكمال البشري النبوّة، وحضيض السقوط البشري الإجرام، هناك أشخاص يتلذَّذون بشقاء الآخرين، يمكن لشعب متقدم عند الناس مزدهر حسب مقاييس البشر وفي عصر العلم أن يقيم رفاهيته على أنقاض شعوب، ماذا يفعل أعداء الإنسانية ؟ يخلقون مشكلات في العالّم ويبيعون أسلحة، ويعيشون على أنقاض الشعوب، هذا الذي يحدث بؤر متوترة في العالم ؛ في آسيا بؤرة، في الصين بؤرة، في السودان بؤرة، في إفريقيا بؤرة، بؤر متوترة تحتاج إلى أسلحة، يبيعون أسلحة بعقود إذعان وبأسعار خيالية ويعيشون على أنقاضنا جميعاً، لغير ما صُنِع له، أما العقل فهو يجعلك أكبر مؤمن، يجعلك أكبر مُصْلِح، يجعلك أكبر إنسان، استُخدِم العقل البشري لغير ما صُنِع له، فلذلك:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 خليفة يخلفني، أي إنسان رحيم والله رحيم، إنسان عليم، إنسان عادل، إنسان لطيف، إنسان قوي.

أسماء الله عزَّ وجل كلَّها حسنى وصفاته فُضلى:

 قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾

( سورة الشورى )

 إنسان عَفو ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء ـ كأن الله عزَّ وجل أراد أن نتخلَّق بكماليات الله عزَّ وجل ؛ بالرحمة، بالشفقة، بالإنصاف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[ البخاري عن عائشة ]

 عدل، رحمة، عفو، حلم ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء ـ لمن هذا الوادي ؟ هو لك. ما معنى خليفته في الأرض ؟ أي إنه اقْتَبَس من كماليات الله، أسماء الله عزَّ وجل كلَّها حسنى وصفاته فُضلى، خليفته في الأرض اقتبس منه الرحمة، والعدل، والقوة، والحرص، والإنصاف، هذا كلَّه مُقتبس من الله، هذا معنى:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) ﴾

 قالت الملائكة:

﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

خلق الله تعالى الجن قبل الإنس وعليه قاست الملائكة أن الإنسان سيفسُد ويسفك الدماء:

 طبعاً تردد هذا السؤال مرَّات عديدة، كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سيفسُد وسيسفك الدماء ؟ تجيب الآية عن ذلك:

﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ (27) ﴾

 أي من قبل الإنسان:

﴿ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) ﴾

( سورة الحجر: آية " 27 " )

 عالم الجن ارتكبوا الموبقات، وسفكوا الدماء، وفسدوا في الأرض، فالملائكة قاسوا على الجن، لأن الله عزَّ وجل أعطى الأمانة للإنس والجن معاً:

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (33) ﴾

( سورة الأنعام: آية " 130 " )

 وقال:

﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) ﴾

( سورة الرحمن )

 وقال:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

( سورة الذاريات )

الكمال في خلق الإنسان أن تأتي الآخرة متوافقة مع الدنيا فقط:

 لصنفان اللذان قَبِلا حَملَ الأمانة هما صنف البشر وصنف الجن، وهما مكلَّفان، وكل جنس له طبيعة خاصَّة، فالبشر من طين والجان من نار، لذلك قالت الملائكة:

﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أي إذا أنشأنا جامعة ضخمة جداً، وقسم من طلابها وليكن ربع الجامعة لم يدرسوا، ولم يتعلموا، وأهملوا واجباتهم هل نلغي الجامعة ؟ لا، لأنه يوجد طلاب في المقابل نالوا شهادات عُليا، وقدَّموا لأمتهم خدمات كبيرة جداً، فلو فرضنا أنه يوجد قسم فاسد هل نلغي الجامعة ؟ إننا لا نلغيها:

﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 سيكون هناك أنبياء كبار، وأولياء، ومؤمنون، ومجاهدون، ومجتمعات راقية جداً:

﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 هل الكمال في الجامعة أساساً أن ينجح جميع الطلاَّب كلَّهم بتفوق ؟ لا، الكمال في الجامعة أن تأتي النتائج وَفْق المقدِّمات، عندما ينجح المجتهد ويرسب الكسول هذا كمال في الجامعة، الكمال في خلق الإنسان أن تأتي الآخرة متوافقة مع الدنيا فقط.

 

آيات من الذكر الحكيم تبين أن الله لا يتدخَّل لأن الإنسان مخير :

 قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46) ﴾

( سورة فصلت: آية " 46 " )

 الله لا يتدخَّل لأن الإنسان مخير:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾

( سورة الكهف: آية " 29 " )

 وقال:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) ﴾

( سورة الإنسان )

 وقال:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " )

ليس الكمال أن يكون الناس كلهم مؤمنين بل الكمال أن يُعطى كل ذي حقٍ حقه:

 الإنسان مخير، ولذلك ليس الكمال أن يكون الناس كلهم مؤمنين، لا، الكمال أن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، الكمال:

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) ﴾

( سورة طه )

 هذا هو الكمال، افعل ما تشاء كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (40) ﴾

( سورة فصلت: آية " 40 " )

 افعل ما تشاء ولكن لكل شيء ثمن:

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

 الكمال أن تأتي النتائج مطابقةً للمقدِّمات فقط، قال الله عزَّ وجل:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ (40) ﴾

( سورة فصلت: آية " 40 " )

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ]

الإنسان وحده هو المسؤول ولن يحاسَب أحد عن أحد:

 تصبح الآية:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أنا سأخلق مخلوقات، أعطيها حرية الاختيار، أعطيها عقلاً، أسخِّر لها الكون تسخير تعريفٍ وتكريم، أعطيها شهوات، أعطيها منهجاً:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (46) ﴾

( سورة فصلت: آية " 46 " )

 أنت مسؤول، هذا الدرس مصيري يحدد مصير الإنسان، افعل ما تشاء، الله عزَّ وجل ينبِّهك، يُسمِعُك الحق، يضيِّق عليك لكنك في النهاية مخير، وعملك بسبب اختيارك، وأنت وحدك المسؤول، ولن يُحاسب إنسان عن إنسان:

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (84) ﴾

( سورة الإسراء)

 وقال:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164) ﴾

( سورة الأنعام: آية " 164 " )

 هذه الآية تبين أنك المخلوق الأول، والمكرَّم، والمكلَّف، وأنت خليفة الله في الأرض، خليفته على مستوى أب، خليفته على مستوى معلِّم، خليفته على مستوى طبيب، خليفته على مستوى مهندس، خليفته على مستوى مدير دائرة ، أنت خليفته في الأرض.

 

العبرة أن تأتي النتائج وَفْقَ المقدمات فقط:

 جاء في بعض التفاسير:

﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 أي أن الله تعالى يقول:

(( إنني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف ما لا تعلمون مع كل المفاسد التي ذكرتموها، سأجعل فيهم الأنبياء، أُرسِل فيهم الرُسل سيكون فيهم الصدّيقون، والشهداء، والصالحون، والعبَّاد، والزهَّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرَّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبَّون لي، والمتبعّون لرسلي، وقد ثبت في الصحيح: أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون آتيناهم وهم يصلّون.. فقد ورد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

 هؤلاء في المسجد هنا، لماذا أنتم هنا ؟ لا يوجد طعام ولا يوجد شراب، ولا تكريم ولا رواتب آخر الشهر، أنتم أتيتم لمعرفة الله، أتيتم لوجه الله، إذاً:

﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ﴾

 يوجد عباد مؤمنون، صادقون، مخلصون، محبِّون، ورعون، مقبلون، محسنون، متفوِّقون، العبرة أن تأتي النتائج وَفْقَ المقدمات فقط:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) ﴾

( سورة الجاثية )