الدرس : 06 - سورة النمل - تفسير الآيات 40 - 44

1990-01-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، لازلنا في قصة سيدنا سليمان والملكة بلقيس، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(40)﴾

( سورة النمل )

فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ

الشكر من لوازم الإيمان:

 يبدو من هذه الآية أن هذا النبي الكريم سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم حينما رأى هذا العرش الذي كان في صنعاء قد جاءه في أَقَلَّ من لمح البصر، رأى أن هذه نِعمةً كبرى فشكر الله عليها، ومن صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه كانت تعظُم عنده النعمة مهما دَقَّت، والشكر من لوازم الإيمان، فالإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( الإيمان نصفان ؛ فنصفٌ صبرٌ، ونصفٌ شكر ))

 

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف ]

 و " يا رب كيف أشكرك ؟ "، قال: إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني "، فأن تعرف أن هذه النعمة من الله عزَّ وجل نوعٌ من أنواع الشكر، وأن تَرُدَّ على هذه النعمة بعملٍ صالحٍ تنفع به المؤمنين نوعٌ آخر من أنواع الشكر، وأن تذكر الله عزَّ وجل عند كل حَجَرٍ ومَدَر، في الرخاء وفي الشدة، أن تذكر الله عزَّ وجل عند الحاجة وأنت في غنى فهذا كله شكر لله تعالى، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( أمرني ربي بتسعٍ، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى ))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة ]

 فهذا النبي الكريم.

 

﴿ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (40) ﴾

 

هل المالُ نعمةٌ أم نقمةٌ أم ابتلاء ؟

 الآن ندخل في موضوعٍ دقيق دقيقٍ جداً، يا تُرى المال الذي بين أيدي الناس هل هو نِعمة ؟ من قال: نَعَم، فقد ضل سواء السبيل ؛ إنه ابتلاء، الزوجة التي تروق لك هل هي نعمة ؟ إنها ابتلاء، القوة التي آتاك الله إيَّاها هل هي نعمةٌ ؟ إنما هي ابتلاء، فإذا أنفقت المال في طاعة الله، وتقرَّبْتَ به إلى الله أصبح المال نعمةً، وإذا أخذت بيد الزوجة إلى الله ورسوله وعرَّفتها بربها، وألزمتها طريق الاستقامة، أصبحت هذه الزوجة نعمةً، وتلك القوة التي أنعم الله بها عليك، إذا سخَّرتها لإنصاف المظلومين ولخدمة الحق وأهله، هذه القوة نعمةٌ أنعمها الله عليك، يؤكِّدُ هذا المعنى قول سيدنا سليمان الذي وردَ قبل قليل، قال:

﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي (40) ﴾

أساس الدنيا قائم على الابتلاء:

 إذاً هو ابتلاء.

﴿ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (40) ﴾

 فملخص الملخص أن الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴾

 

( سورة الملك: من الآية 2 )

 يعطيك المال لينظر ماذا تصنع به، يعطيك الصحة والقوة لينظر ماذا تصنع بها، يعطيك الشكل الجميل لينظر ماذا تصنع به، يعطيك ذُرِّيَةً ذُكوراً وإناثاً لينظر كيف تعمل، إذاً أنت في الدنيا في مكان ابتلاء، والدنيا دار ابتلاء والآخرة دار جزاء، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، أريد من هذا التفسير لتلك الآية، أن أحدنا إذا أعطاه الله مالاً فلا ينبغي أن يفرح به بالقدر الذي يفرح به إذا أنفقه في طاعة الله، إذا آتاه الله علماً، إذا آتاه قوةً، إذا آتاه منصباً، إذا آتاه ذريةً، أهلاً وأولاداً، ليست العبرة أن تؤتى هذه النعمة، ولكن العبرة أن تسخرها في طاعة الله عزَّ وجل، عندئذٍ يصبح هذا العطاء نعمة.

 

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلا﴾

 

( سورة الفجر)

 ( كلاّ ) أداة ردعٍ ونفيٍ، ليس العطاء إكراماً، ولا المَنْعُ إهانةً، إنما العطاء ابتلاء، وإنما الحرمان دواء، إذاً هذا النبي الكريم يقول:

 

﴿ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي (40) ﴾

 

 وهذه ( من ) للتبعيض، أيْ أنَّ فضل الله عزَّ وجل عظيم..

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) ﴾

( سورة النساء)

 إذا أتاك صحةً فهذا من فضل الله، إذا أتاك علماً فهذا من فضل الله، إذا أتاك مالاً فهذا من فضل الله، لأن فضل الله عزَّ وجل لا تحدُّه الحدود، ولا يحصى، كيف لا والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾

 

( سورة إبراهيم: من الآية 34 )

 لم يقل: وإن تعدوا نِعَم الله، بل قال:

 

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾

 

( سورة إبراهيم: من الآية 34 )

من إسقاطات الآية في واقع الناس:

 النعمة الواحدة لو أمضيت الحياة كلها في إحصاء فضائلها لما انتهيت، وإذا كنتم عاجزين عن إحصائها فأنتم عن شكرها أعجز، فإذا أردنا أن نستفيد من هذه الآية في حياتنا اليومية، فأيّ شيءٍ تنعم به فهو من فضل الله عزَّ وجل، هذا العقل الذي أنعم الله به عليك، لولا هذا العقل لما كان للإنسان إلا ذلك المكان المعروف، وهو مشفى المجانين، أنعم الله عليك بنعمة العقل، نعمة الأهل، نعمة المأوى، نعمة الفِطْنَة، نعمة الفَهم، نعمة سلامة الحواس والأعضاء، هذه كلها نعم، لذلك الشكر من لوازم المؤمن، والمؤمن دائماً يتقلَّبُ في نعم الله عزَّ وجل، لكن الكافر يرى النعم ويستمتع بها، إلا أنه لا يرى المُنْعِم، وشتانَ بين من يرى النعم وبين من يرى المنعم، سيدنا سليمان قال في سياق هذه الآية:

﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا (41) ﴾

قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا

 هذا العرش الذي جاء من اليمن إلى القدس في أقلّ من لمح البصر، ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن بعض الآثار، معبد أبي سنبل كما أذكر، حينما أنشئ السد العالي في أسوان، صار هذا المعبد وسط البحيرة التي كانت من نتيجة هذا السد، مئة دولةٍ بآليات ومستوى عال جداً من الخبرات، ومستوى متقدم من العِلم تعاونوا حتى نقلوا هذا المعبد من مكان إلى آخر، وهذا العرش العظيم، ألم يقل الهدهد:

﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾

 هذا العرش العظيم نُقِلَ من اليمن إلى بيت المقدس في أقل من لمح البصر، لذلك هذه المعجزات ومثيلاتها التي وردت في القرآن الكريم، هذه مستحيلةٌ عادةً، ولكنها ليست مستحيلةً عقلاً، لأن الله عزَّ وجل إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، زُل فيزول، فمن عرف الله لا يستبعد أي شيءٍ جاء بالخبر الصادق، الذي عرف الله عزَّ وجل، وعرف قدرته اللامحدودة يسهل عليه فهم المعجزات، أما الذي جهل الله عزَّ وجل، وما عرفه، وتحكَّمت به العادات ربما يحمله هذا الفهم الساذج القاصر على إنكار بعض المعجزات.

﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) ﴾

نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ

 فكأن هذا النبي الكريم أراد أن يمتحن عقل هذه الملكة، لأن العقل قوام الدين، والعقل بشكلٍ أو بآخر أداة الإيمان بالله عزَّ وجل، والإنسان شريفٌ بعقله، لأن الإنسان إذا افتخر بجسمه، بشكله، بحجمه، بوزنه، بإبصاره، بسمعه، بحركته، بعضلاته، بأعضائه، ما من حيوانٍ إلا ويفوق الإنسان في هذا المجال، لكن الإنسان شريفٌ لما خلق له، خلق لمعرفة الله عزَّ وجل، وعقله هو الأداة التي وضعها الله عزَّ وجل لمعرفة الله سبحانه، لذلك بعضهم يفسر قوله تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7) ﴾

( سورة الرحمن )

 الله سبحانه وتعالى سمَّى العقل في القرآن ميزاناً، وسمى الشرع في القرآن ميزاناً، وجعل الشرع ميزاناً على الميزان، أعطاك الله العقل ميزاناً تزين به الأمور، وأعطاك الشرع ميزاناً على الميزان، فمن هداه عقله إلى نتائج الشرع صَحَّ تفكيره، ومن هداه عقله إلى نتائج تخالف الشرع ضَلَّ عقله، والعقل يخطئ ويصيب، ولكن الشرع مصيبٌ دائماً، لأنه من عند الله عزَّ وجل، فيبدو أن هذا النبي الكريم أراد أن يمتحن عقل هذه الملكة، لأن عقل الإنسان قوام دينه.

 

﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) ﴾

 امرأةٌ تزوجها النبي عليها الصلاة والسلام، وقد ورد هذا الخبر في السيرة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا:

 

 

(( لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ ))

 

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]

 يبدو أن هذه المرأة ساذجة، ضعيفة التفكير، محدودة الأُفُق صدَّقت ما قيل لها، فلما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام قالت: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ "، فقال عليه الصلاة والسلام لتوِّه:

(( لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ ))

 لأن هذه زوجته، وسوف تُبَلِّغُ عنه، وربما أخذ الناس عنها الشرع، وهي حينما قبلت أن تردد ما قيل لها إذاً هي في مستوى منخفض جداً من الإدراك السليم، لذلك فالنبي ما أرادها أن تكون له زوجة، وكذلك هذه الملكة، إن تنكير العرش يكشف لسيدنا سليمان ما إذا كانت مفكرةً أم لا..

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ (42) ﴾

 

موقف بلقيس عند رؤيتها لعرشها:

1 – فَلَمَّا جَاءتْ

 أي وصلت إليه، وكانت في طريقها إليه، هذه الملكة عرفت أن هذا الكتاب الذي أُلْقِيَ إليها كتابٌ كريم لأنه من سليمان، ويبدو أن هذا النبي العظيم والملك العظيم كانت سمعته تطير في الآفاق، يبدو أنها عَظَّمَت هذا الكتاب لأن شرف الكتاب من شرف المرسِل، شرف الرسالة من شرف المرسل، وقد ورد في نص الكتاب:

 

﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) ﴾

 أيْ أنَّ سليمان لا ينطق باسمه، بل ينطق بسم الله، الله خالق الكون، الرحمن في ذاته الرحيم في أفعاله.

 

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ (42) ﴾

 عندئذٍ توجَّهت إليه، انتقلت من اليمن إلى بيت المقدس..

 

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ (42) ﴾

 

2 – قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ

 نظرت إليه هو، وقد جرى عليه بعض التعديل طبعاً دون أن تعلم، كانت ذكيةً جداً، أجابت إجابةً لو أن هذا العرش عرشها لأصابت، ولو أن هذا العرش ليس بعرشها لأصابت، أجابت إجابةً لا يستطيع السامِعُ أن يأخذها بإجابتها، قالت:

 

﴿ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ (42) ﴾

 

 هذه " كأن " تفيد التشبيه، كأن هذا العرش الذي أمامي هو عرشي، فإذا كان عرشها فعلاً فقد أصابت، وإذا كان بفعل التنكير يعني أنه ليس عرشها فقد أصابت، ففي كلمة:

﴿ كَأَنَّهُ هُوَ (42) ﴾

 إجابةٌ ذكيةٌ جداً، والإنسان أحياناً ذكاؤه يبدو في إجاباته، هناك جوابٌ مُفْحِم، هناك جوابٌ مُسْكِت، هناك جوابٌ قاطع، هناك جوابٌ أريب، هناك جوابٌ لبيب، وهكذا.

 

﴿ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) ﴾

 

معنى: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ

 هذه الآية اختلف فيها المفسرون، بعضهم يقول: " هذا قول الملكة بلقيس "، أي أوتينا نحن العلم بأن هذا النبي نبي الله عزَّ وجل، وما مجيئنا إليه إلا بدليل إسلامنا له، كلام الملكة بلقيس..

﴿ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا (42) ﴾

 من قبل هذه الحادثة، من قبل أن ترى عرشها قد سبقها، هي أيقنت أنه نبيٌ عظيم، وأن الله سبحانه وتعالى سَخَّرَ له الجن والإنس والطير، وقد آتاه الله لُغَةَ الطير، أدركت كل هذا.

 

﴿ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) ﴾

 والشيء الذي يلفت النظر أن الدين عند الله الإسلام، وأن جميع الأنبياء الذين ورد ذِكْرُهُم في القرآن الكريم جميعهم مسلمين، وهذه بعض الآيات التي تؤكِّد ذلك:

 

 

﴿ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) ﴾

 

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ

 لم تكن كافرةً، بل كانت من قومٍ كافرين، فالإنسان أحياناً ينشأ في بيئةٍ كافرة، لذلك قد ينكر قلبه تصرُّفات قومه، ما هم عليه من عادات وتقاليد، هو يميل إلى أهل الإيمان، هذا الذي ينشأ في بيئةٍ كافرٍ، ويحّكم عقله في هذا الذي هو عليه، ويهتدي إلى الله عزَّ وجل، كأن الله سبحانه وتعالى يَعِدُ بهدايته، لقوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69) ﴾

( سورة العنكبوت )

﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (43) ﴾

 هي كانت تعبد الشمس من دون الله، هكذا نشأت في هذه البيئة، ومن شَبَّ على شيءٍ شاب عليه، والإنسان أحياناً يقال: إنه ابن بيئته، هذا قولٌ صحيح أحياناً، وابن وراثته، وابن محيطه، وابن معطياته، ولكن الأصح من كل ذلك أنه ابن نفسه، فالإنسان في جزء من حياته فاعل وليس منفعلاً، فليس الإنسان ماءً إنْ وضعته في المنحدر سال، أو حجرا إذا ألقيته من عَلٍ هوى.
 الإنسان قد يمشي في عكس الاتجاه الذي يظن أنه سيمشي به، الإنسان له اختيار، لذلك فبعض عظماء العالم نشئوا في بيئات ليست في المستوى المطلوب.

 

﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) ﴾

 

معنى الصدّ:

 معنى الصد أي أبعدها، أي صرفها، أي حجبها، الإنسان إذا تأمَّلَ في العادات والتقاليد التي ورثها عن آبائه وأجداده يجب أن يقيسها بالشرع، فإذا وافقت الشرع كانت مقبولة، وإلا فعليه أن يَرْفُضَهَا، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أول امتحان هو امتحان العقل، أراد أن يمتحن عقلها فنكَّرَ لها عرشها، الامتحان الثاني أراد أن يُحَجِّمَهَا، لأن المتكبر لا يهتدي، هذه قاعدة، من تضخَّمَتْ ذاته ورأى نفسه فوق الناس فهذا هو الكبر وهو حجابٌ بينه وبين الهدى، أراد أن يحجمها بأسلوبٍ آخر، فقال الله عزَّ وجل متابعاً هذه القصة:

 

﴿ قِيلَ لَهَا (44) ﴾

 لم يقل لها هو، يبدو أنها وصلت إلى بيت المقدس، واستقبلت رأت عرشها، وعرفت أنه هو، أجابت إجابةً ذكية، وكانت تنطوي على فكرٍ ثاقب، والآن إلى مرحلةٍ أخرى من مراحل التحجيم.

 

 

﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ (44) ﴾

 

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا

1 ـ ما هو الصرحُ ؟

 الصرح يشبه الليوان، أو الإيوان، أي بناءٌ بلا سقف، له جدران، يبدو أن إحدى الجهات مكشوفة وبعض جهات السقف مكشوفة أيضاً، هذا هو الصرح..

 

﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً (44) ﴾

 مياهٌ متدفِّقة كانت تجري تحت البلاط الزجاجي لأرض هذا الصَرْح، البلور كان صافياً جداً إلى درجة أن الداخل لا يرى البلور بل يرى الماء.

 

 

﴿ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ (44) ﴾

 

2 ـ معنى: مُمَرَّدٌ:

 هذا ليس ماءً، هذا صرحٌ ممردٌ ثقيلٌ من الزجاج.

 

﴿ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ (44) ﴾

 معنى ممرد أي ثقيل..

 

 

﴿ مِنْ قَوَارِيرَ (44) ﴾

 

3 ـ مِّن قَوَارِيرَ

 أي من زجاج، عندئذٍ شعرت أن هذا النبي قد آتاه الله ملكاً لم يؤتِهِ أحداً من الملوك، من جهةٍ نبيٌ عظيم وملكٌ عظيم، وفي مجال المساومات لم يقبل هديتها بل أراد أن يهديها إلى الإسلام..

 

﴿ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي (44) ﴾

 

قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي

 ظلمت نفسها فيما مضى من عمرها، فأخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يظلم نفسه، ومتى يظلمها ؟ إذا تركها جاهلة، قال الله عزَّ وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾

( سورة الشمس )

 الفلاح، نبحث عن الفلاح، لن تكون فالحاً إلا إذا تطابقت مقاييس الفلاح عندك مع مقاييس الله في الفلاح، الإنسان أحياناً يظن أنه إذا اغتنى فقد أفلح، أو إذا قوي فقد أفلح، أو إذا انغمس في الشهوات فقد أفلح، ولكن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(15) ﴾

 

(سورة الأعلى )

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾

 

( سورة الشمس )

 الفلاح هو أن تعرف الله عزَّ وجل، والشقاء هو أن تجهل الله عزَّ وجل، لذلك، يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

 

(( ابن آدم، اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

 

﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي (44) ﴾

 لذلك هناك قريةٌ زارها رجل، فإذا على قبور أمواتها تواريخ مُضحكة، هذا الإنسان عاش خمس سنوات، وهذا سبع سنوات، وهذا عشر سنوات، وهذا خمسة عشر عاماً، ما هؤلاء ؟ ما قصتهم ؟ هذه القرية لا يُعَدُّ من عمر الإنسان إلا السنوات التي اهتدى بها إلى الله عزَّ وجل، فهذه الفترة التي أمضاها الإنسان بالمعصية والجهل والبعد عن الله عزَّ وجل أمواتٌ غير أحياء، وربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21) ﴾

 

( سورة النحل: من الآية 21 )

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 122 )

 الكافر ميِّت.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال: من الآية 24 )

 فحينما نظرت إلى ماضيها، وكيف كانت تعبد الشمس من دون الله ؟ وكيف كانت ضالةً تائهةً ؟ وكيف كانت في شقاءٍ ما بعده شقاء؟

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61) ﴾

 

( سورة القصص )

 هذا قولها:

 

﴿ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي (44) ﴾

 إنّ الإنسان قد ظلم نفسه قبل أن يستقيم، وقبل أن يعرف الله عزَّ وجل، وقبل أن ينفق ماله في طاعة الله، وقبل أن يسارع لخدمة الخلق، لكن هذا الظلم يعرفه المؤمن في الدنيا ؛ والكافر يعرفه يوم القيامة، فالمشكلة أن الإنسان إذا عرف الحق وهو في الحياة فطريق الإصلاح مفتوح، أما إذا عرف الحقيقة بعد فوات الأوان فقد خسر الخسران المبين، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27)يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا (29) ﴾

 

( سورة الفرقان)

 الحديث القدسي المعروف:

 

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

 

( من صحيح مسلم عن أبي ذر )

 لذلك:

 

﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ (44) ﴾

 

وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

1 – لا يكون الإسلام والخضوع إلا لله:

 لو أنها قالت: وأسلمت لسليمان، فقد أشركت..

 

﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ (44) ﴾

 

 الإسلام لله عزَّ وجل، لله رب العالمين.

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27) ﴾

( سورة الفرقان)

﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ (44) ﴾

 أي أن الذي يهديك إلى الله عزَّ وجل يبين لك الحق، ويأخذ بيدك إلى الله عزَّ وجل، وهذه كل مهمته، أما التوحيد لله عزَّ وجل، الإخلاص لله عزَّ وجل، الفناء في الله عزَّ وجل، التوكُّل على الله عزَّ وجل، الاستسلام لله عزَّ وجل.

﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) ﴾

2 – لا غالب ولا مغلوب في الإسلام:

 شيءٌ آخر هو أنه في الإسلام لا غالب ولا مغلوب، فإذا اقتضى أن تعامل إنساناً بالقوة أو بالحيلة، وانتصرت عليه، أصبح أخاك في الإسلام، كلُّكم يعلم أن سيدنا عُمَير بن وهب قد التقى بصفوان بن أمية في مكة، في أعقاب موقعة بدر، وبدر وما أدراكم ما بدر قُتِلَ فيها صناديد قريش، يقول عمير بن وهب: " والله لولا ديون ركبتني، وأولادٌ صغار ليس لهم معيلٌ بعدي لذهبت وقتلت محمداً "، هذا الكلام جرى بين عمير بن وهب وصفوان بين أمية وكانا مشركين، وهذا الكلام جرى في ظاهر مكة، ولم يعلم به إلا الله، فانتهزها صفوان مناسبةً ليشجِّعَ عمير بن وهب على قتل سيدنا محمد، فقال له: " أمّا عيالك فهم عيالي، وأما الديون التي ركبتك فهي علي بلغت ما بلغت، فامضِ لما أردت ".
 هذه القصة سأروي بعض فقراتها عليكم لأصل إلى أنه حينما يُسلم الإنسانُ فكل العداوات التي خلَّفها في أيام الشرك تذوب كالملح، فحينما أحرجه صفوان وقال: " أولادك هم أولادي، والديون التي ركبتك أنا أدفعها عنك بلغت ما بلغت "، عندئذٍ توجَّه عمير بن وهب واقتنى سيفاً مسموماً، وركب ناقته وتوجَّهَ إلى المدينة المنورة، وصل إليها فرآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: " هذا عدو الله عمير بن وهبٍ جاء يريد شراً "، أخذ سيفه، وربطه بحمالته وقاده صاغراً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
 دخلا على النبي، وقال عمر: " يا رسول الله، هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، فدعني أضرب عنقه "، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نبي المرحمة، نبي الرحمة، نبي التسامح، نبي العَطْف، قال: " يا عمر أطلقه "، أي فك قيده، أطلقه عمر، قال: " يا عمر ابتعد عنه "، فابتعد عنه عمر، قال: " يا عُمَير ادنُ مني " فدنا منه، قال: " يا عمير، سلِّم علينا " فقال: " عمت صباحاً يا محمد "، قال: " قل السلام عليكم "، قال: " لست بعيد عهدٍ بسلامنا "، هذا سلامنا، فقال: " يا عمير ما الذي جاء بك إلينا ؟ "، فقال: "جئت أريد فكاك أخي من الأسر "، فقال عليه الصلاة والسلام: " وهذا السيف الذي على عاتقك لماذا جئت به ؟ " قال: " قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتها يوم بدر ؟ قال: " ألم تقل لصفوان بظاهر مكة لولا ديونٌ ركبتني ولولا صبيةٌ صغار لذهبت وقتلت محمداً، فقال لك صفوان: أما ديونك فهي علي، وأما أولادك فهم أولادي ؟ "، عندئذٍ يروي كتاب السيرة أن عميراً وقف من شدة الدهشة، لأن هذا الكلام الذي جرى بينه وبين صفوان لم يدر به إنسان إذاً هذا رسول الله حقاً، وقف وقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ".
 والقصة تَذْكُر أن صفوان وهو في مكة كلما التقى بأهل مكة يقول: " انتظروا أخباراً سارة "، وكأنه ينتظر أن يأتي خبر قتل سيدنا محمد، كان يخرج إلى ظاهر مكة ليتلقى ركبانها، ويسألهم: ماذا حصل ؟ مضى أسبوع وأسبوعان وهو يقول: " انتظروا أخباراً سارة "، ثم جاء الخبر بأن عمير بن وهب أسلم.
 الذي أريد أن أقوله هنا: أن سيدنا عمر قال: " والله دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخنزير أحبُّ إلي منه، وخرج من عنده وهو أحب إلي من بعض أولادي "، هذه اللقطة، فمهما يكن عدوك عنيفاً لمجرد أن يسلم صار أخاً لك، هذه عظمة الإسلام، بلقيس جاءت سيدنا سليمان مذعنةً، مستسلمةً، خاضعةً، لم يعاملها كمغلوبة، فحينما أسلمت انتهى كل شيء، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

 

( سورة الحجرات: من الآية 10 )

 المسلم أخ المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يحقره وهكذا.

 

﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) ﴾

 

من علامات معرفة الله عزوجل:

 كأنها عَرَفَت الله عزَّ وجل، المشكلة أن كل إنسان يدَّعي أنه يعرف الله، فالدعوة عريضة.
 ولكن إذا أردنا أن نقف عند بعض الدلائل التي تؤكِّد معرفة الله عزَّ وجل، هناك بعض الدلائل.

1 – الهيبةُ من الله:

 منها كما قال بعضهم: " علامة معرفة الله عزَّ وجل الهيبةُ منه، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته "، حالة الخشوع، فالمؤمن في قلبه خشيةٌ من الله كبيرة.

 

2 – السكونُ:

 علامةٌ أخرى " المعرفة توجب السكون "، والسكون يَعنى السكينة، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من عباده، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة، الشعور بالغنى، الشعور بالسكينة، الشعور بالرضا، هذه من علامات معرفة الله عزَّ وجل، كلٌ يدعي أنه يعرف الله، ولكن هل في قلبك تلك السكينة، السكينة الركون إلى الله عزَّ وجل.

 

 

3 – أنسُ القلبِ بالله:

 قال العلماء: " من علامة معرفة الله أنس القلب بالله، ومن علامة أُنْس القلب بالله أن تُحِسَّ بالقرب منه "، فالمؤمن من الله قريب، والقرآن الكريم يقول:

 

 

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ(19) ﴾

 

(سورة العلق)

 فالإحساس بالقرب من الله عزَّ وجل هذا من علامة المعرفة بالله عزَّ وجل.
 الإمام الشبلي يقول: " ليس لعارفٍ علاقة ـ أي أنَّه وَحَّدَ، توحيده جعله يضع كل علاقاته بالله عزَّ وجل، اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كُلَّها.. فليس لعارفٍ علاقة، ولا لمحبٍ شكوى، ولا لعبدٍ دعوى، ولا لخائفٍ قرار، ولا لأحدٍ من الله فرار".
 قال: " من كان بالله أعرف كان له أخوف "، فإذا كان هناك مؤشِّر لمعرفة الله فإن هذا المؤشر تابعٍ لمؤشرٍ آخر، لخوفك منه، كلما ازدادت معرفتك ازداد خوفك، وكلما قلَّت معرفتك قلَّ خوفك، فمن كان بالله أعرف كان له أخوف، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية ))

 

[ ورد في الأثر ]

4 ـ ضيق الدنيا وسَعتها على المؤمن منوطٌ بمعرفته بالله:

 من علامات معرفة الله " مَن عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها، ومن عرف الله عزَّ وجل اتسع عليه كلُّ ضيق " كيف نوفِّق أنه من عرف الله ضاقت الدنيا بسعتها عليه، وأن من عرف الله اتسع له كل ضيق ؟ أي أن هذا الذي يبحث عن الله عزَّ وجل، هذا الذي يعرف الله عزَّ وجل، هذا الذي أراد معرفة الله عزَّ وجل، لو أطعمته أطيب الطعام، لو أسكنته في أوسع القصور، لو طُفْتَ به في شتَّى بقاع المعمورة، هو يهدف إلى غير ذلك، هذه الدنيا الواسعة المترامية الأطراف تضيق به، أما إذا جلس في ركنٍ ضيق ليطلب العلم، إن هذا الركن الضيِّق يتسع له، فإذا كان المكان ضيقاً وحقق المؤمن به رغبته في معرفة الله عزَّ وجل اتسع هذا المكان، وإذا اتسع المكان، وكان خواءً من معرفة الله عزَّ وجل ضاق به المكان، فمن عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها، ومن عرف الله تعالى اتسع عليه كل ضيق.

 

5 ـ صفاءُ العيش:

 من عرف الله تعالى صفا له العيش، ليس معنى صفاء العيش أن يكون في بحبوحة، ولكن هذه النفس وجدت بغيتها، وجدت ضالتها، ركنت لربها، قنعت به رباً، قنعت بعطائه، اطمأنت لوعده، خافت من وعيده، هذا أيضاً من علامات معرفة الله عزَّ وجل، من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، خوف المخلوقين مؤشرٌ على الجهل بالله، ذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله عزَّ وجل.

 

 

6 ـ قرارُ العين:

 قالوا: " من عرف الله عزَّ وجل قَرَّت عينه بالله، وقرَّت عينه بالموت، وقرَّت به كل عين "، أي أنه وصل إلى هدفه الكبير، الدنيا أصبحت عنده لا قيمة لها، أصبحت خارج اهتمامه، إذا عرفت الله عزَّ وجل قرت عينك به، فإذا ذكر الموت فأنت له مشوق، لأن هذا الموت سينقلك من دار الغرور إلى دار الحقائق، إلى دار الشهود، إلى دار التكريم، إلى دار التشريف، إلى سعادةٍ أبدية، من هنا قالوا: "الموت تحفة المؤمن " فمن عرف الله قرت به عينه، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، لأن الإنسان في شغف، وفي شوق، وفي عطش شديد لمعرفة الله، فإذا عرف الله عن طريق الإنسان ارتاحت نفسه له، ومن لم يعرف الله تَقَطَّعَ قلبه على الدنيا حسرات، لذلك سيدنا الصديق من الأوصاف التي وصِفَ: بها ما نَدِمَ على شيءٍ فاته من الدنيا قط، من عرف الله لم يبق له رغبةٌ فيما سواه.

 

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 وكلُّ ما سوى الله لغو.

لا تجتمع معرفةُ الله والرغبةُ في الدنيا:

 الآن: " من ادعى معرفة الله وهو راغبٌ في الدنيا كذَّبت رغبته معرفته "، قال: " من عرف الله أحبه على قدر محبته به "، إذاً حجم محبتك لله عزَّ وجل بحجم معرفتك به، لذلك ازدد معرفةً تزدد حباً، ازدد معرفةً تزدد خوفاً، ازدد معرفةً تزدد زُهداً وهكذا، من عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وخافه، ورجاه، وتوكل عليه، وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه وأجله وعظمه على قدر معرفته به، لأن أصل الدين معرفة الله عزَّ وجل.
 في الدين أصول وفروع، أصل الدين أن تعرفه، وكيف تعرفه ؟ تعرفه من الكون، وتعرفه من الشرع، فإذا بذلت وقتاً ثميناً في معرفته من خلال الكون، وبذلت وقتاً ثميناً في معرفته من خلال الشرع، فقد وضعت يدك على جوهر الدين.

معرفةُ الله يلزم منها العلمُ بالله:

 شيءٌ آخر، لا يوصف الإنسان بالمعرفة إلا إذا كان عالماً بالله، وبالطريق الموصل إليه، وبآفات الطريق، وبقواطع الطريق، وله حالٌ مع الله تشهد له بالمعرفة، يجب أن تعرفه، إذا أردت أن تدعو إليه يجب أن تعرفه، ويجب أن تعرف الطريق إليه، ويجب أن تعرف آفات الطريق وقواطع الطريق، ويجب أن يكون لك حالٌ معه تشهد لك بالمعرفة، والعارف بالله من عرف الله في وحدانيَّته، وعرفه في أسمائه، وعرفه في صفاته، وعرفه في أفعاله، ثم صَدَّقَ ذلك سلوكه، أي أن العمل، والتعامل اليومي يجب أن يكونا مصداقاً لهذه المعرفة، ثم أخلص له إخلاصاً شديداً، والإخلاص من لوازم معرفة الله عزَّ وجل، أخلص له في قصده وفي نيَّاته كلها، ثم انسلخ من أخلاقك الرديئة وآفات هذه الأخلاق، فلا يتناسب هذا الدين مع مساوئ الأخلاق، "إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه "، ثم تطهر من أدرانه ومخالفته، ثم صبر على أحكامه في نعمه وبلائه، ثم دعا إليه على بصيرةٍ بدينه وآياته، ثم جاءت دعوته مُطَابِقَة لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام.

تعقيباتٌ على القصة:

التعقيب الأول: الأصل في القصة العبرة والمغزى:

 تعقيبٌ سريع على هذه القصة، قلت مراتٍ عديدة في دروسٍ سابقة: إن القصة في القرآن الكريم ليست مقصودةً بذاتها، المقصود نحن، والمقصود أن نستنبط منها حقائق تُعيننا على الوصول إلى الله عزَّ وجل، وقصة سيدنا سليمان تُنْبِئنا أن الهدى يحتاج إلى إعمال فكر، وأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول:

 

﴿ أَفَلا تَعْقِلُونَ(44) ﴾

 

( سورة البقرة )

﴿ أَفَلا تُبْصِرُونَ(72) ﴾

( سورة القصص )

﴿ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58) ﴾

( سورة غافر )

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾

( سورة آل عمران )

التعقيب الثاني: طريق الإيمان يحتاج إلى تواضع:

 النقطة الثانية: أن طريق الإيمان يحتاج إلى تواضع، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت إخوته وحرمت غيبته))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذاً: تحتاج إلى صفة عقلية وصفة خلقية، الصفة العقلية الفكر اليَقِظ، هذا العقل أداة معرفة الله، جعله الله لك ميزاناً، فإذا أهملته دفعت الثمن باهظاً، وإذا أعملته عرَّفَكَ بمعالم الطريق، ويأتي الشرع ليعطيك التفصيلات، إذاً ليس المقصود أن نقرأ القصة ؛ المقصود أن نعرف الحقائق التي انطوت عليها.

 

التعقيب الثالث: قدرة الله عزَّ وجل لا يحدُّها شيء:

 شيءٌ آخر، قدرة الله عزَّ وجل لا يحدُّها شيء، إذا قال الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) ﴾

 

( سورة التغابن )

 فنقل عرش من اليمن إلى بيت المقدس في أقل من لمح البصر، إذاً: قدرة الله لا تحدها حدود، والإيمان يحتاج إلى تواضع وإلى التزام، ويحتاج الإيمان أيضاً إلى فكرٍ يقظ لأنه أداة معرفة الله عزَّ وجل.

 

التعقيب الرابع: قوام الدين والدنيا أربعة رجال:

 أختم هذا الدرس بقول الإمام علي كرم الله وجهه: << قوام الدين والدنيا أربعة رجال ؛ عالمٌ مستعملٌ علمه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم، وغنيٌ لا يبخل بماله، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضَيَّعَ العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره >>.