الدرس : 16 - سورة البقرة - تفسير الآيتان 28-29، الموت والحياة

1998-10-09

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة البقرة.

لا يوجد الكون شيءٌ إلا ويشير إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً:

 مع الآية الثامنة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾

 يقول علماء اللغة: إن

﴿ كَيْفَ ﴾

 اسم استفهام، يستفهم به عن الحال، تقول لأخيك: كيف حالك ؟ اسم استفهام يستفهم به عن الحال، ولكن الاستفهام أحياناً يخرج عن أصله إلى معانٍ أخرى، فإذا أردت أن توبِّخ إنساناً تقول له: كيف تفعل هذا ؟ أردت أن توبِّخه، أو إن أردت أن تُنْكِر عليه، أو إن أردت أن تردعه، فالاستفهام هنا هو استفهام إنكاري، كيف يكفر هذا الإنسان وقد خلقه الله عزَّ وجل من ماءٍ مهين ؟ كيف يكفر وقد خلق له ما في الأرض جميعاً ؟ كيف يكفر وقد منحه نعمة العقل ؟ كيف يكفر وقد خلق له من نفسه زوجةً ؟ كيف يكفر وقد خلق له من نفسه أولاداً يتحركون أمامه ؟ وهو يعلم علم اليقين كيف تم خلق هؤلاء الأولاد من نطفةٍ من ماء مهين ؟ كيف يكفر وكل ما حوله يدل على الله عزَّ وجل ؟ كيف يكفر وما في الكون شيءٌ إلا ويشير إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً ؟ فهذا الاستفهام استفهام توبيخي، واستفهام إنكاري:

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ (28) ﴾

 قال علماء التفسير:

﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً (28) ﴾

 أي كنتم في حالة العدم، الموت الأول موت العدم:

﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾

 جاء بكم إلى الدنيا، ثم أماتكم بعد انتهاء الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة لتلقوا نتائج أعمالكم، إذاً أولاً موت العدم، ثم إحياء الدخول في الدنيا، ثم موت الخروج من الدنيا، ثم إحياء يوم القيامة للحساب والعقاب والجزاء.

 

هذه الحياة التي تنعُم بها إنما هي من الله عزَّ وجل:

 أيها الأخوة الكرام، حياة الإنسان بيد الله، الله عزَّ وجل مُتَحَكِّمٌ بإيجاده، متحكمٌ بحياته، الله عزَّ وجل هو الذي منحه نعمة الحياة، أنت كائن حي تتحرك، ترى، تسمع، تتحسس، تأكل، تشرب، تذهب إلى بيتك، هذه الحياة التي تنعُم بها إنما هي من الله عزَّ وجل، هو الذي منحك الحياة.

﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾

 منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، وهذه هي النعم الكبرى.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾

( سورة الإنسان )

 منحك نعمة الحياة، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهُدى والرشاد.

﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ (28) ﴾

 أنت بين قَوْسين قوس الحياة وقوس الممات، الله عزَّ وجل هو المتحَكِّم بالحياة، واهب الحياة، الله عزَّ وجل هو المميت، هو الذي ينهي حياة الإنسان، فإذا كانت البداية من خلق الله والنهاية من خلق الله لم لا تكون الحياة لله ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة ".

 

عظمة الله في خلقه:

 الدنيا ساعة، الزمن يمضي سريعاً، الإنسان زمن، الإنسان بضعة أيام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، والإنسان العاقل يَعُدُّ عمره عداً تنازلياً يقول: كم بقي لي من عمري ؟ كيف مضى الذي مضى ؟ مضى الذي مضى كلمح البصر، فإذا مضى ثُلثا العمر فالثلث الباقي يمضي كلمح البصر أيضاً، الإنسان فجأةً أمام حسابٍ دقيق، وجزاءٍ دقيق، وعقابٍ دقيق.

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً (28) ﴾

 كنتم في طور العدم.

﴿ فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾

 أصل الإنسان من ماء مهين، هناك خمسمئة مليون حوَين في اللقاء الزوجي، وتحتاج البويضة إلى حوين واحد، و البويضة لا ترى بالعين لأنها صغيرةٌ جداً، ثم تنقسم البويضة إلى عشرة آلاف قسم وهي في طريقها إلى الرحم، تنشأ لها في الرحم استطالات كالأرجل من أجل أن تعلق في جدار الرحم، إذا علقت بدأت تأخذ الغذاء من جدار الرحم في تسعة أشهر وعشرة أيام، هذه البويضة التي لا ترى بالعين، وهذا الحوين الذي لا يرى بالعين يشكلان كائناً بداخل دماغه ما يقرب من مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، هناك في قشرة الدماغ أربعة عشر مليار خلية، يحوي العصب البصري تسعمئة ألف، الشبكية مئة وثلاثين مليون عُصية ومخروط، الشم عشرين مليون نهاية عصبية شمِّية، لكل نهاية سبعة أهداب، الأهداب مغمَّسة بمادة معينة تتفاعل مع الرائحة، تصبح الرائحة شكلاً هندسياً تشحن إلى الدماغ، في الدماغ تعرض على ملف فيه عشرة آلاف رائحة من أجل أن تعرف الروائح، العين ترى الأشخاص بالحجم الحقيقي واللون الدقيق، وتفرق العين البشرية بين لونين، بين درجتين من ثمانمئة ألف درجةٍ من اللون الواحد، لو درجنا لوناً واحداً ثمانمئة ألف درجة تدرك العين البشرية السليمة الفرق بين درجتين.

 

خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته:

 في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، شعر الإنسان، دماغ الإنسان، السمع، البصر، الشم، السمع قضية معقدة جداً، جهاز التوازن، الغدة النخامية وزنها نصف غرام تفرز اثني عشر هرموناً، وهي ملكة الغدد تسيطر على كل الغدد الصمَّاء في الجسم، ملكة وزنها نصف غرام تفرز اثني عشر هرموناً، لو تعطَّل إفراز أي منها لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، هرمون النمو، هرمون الجنس، هرمون توازن السوائل، شيء لا يصدَّق، الغدة الدرقية مسؤولة عن الاستقلاب فهي تحول الغذاء إلى طاقة، الكظر مسؤول عن مواجهة الأخطار، الخطر الداهم، يعطي أمراً للقلب لرفع نبضه، وأمراً للرئتين لزيادة وجيبهما، وأمراً للكبد لطرح كمية سكر إضافية، وأمراً للأوعية فتضيق لمعتها، وأمـراً للكبد لإفراز هرمون التجلُّط، شيء لا يصدَّق هذا الكظر فتضيق، والمعدة فيها خمسة وثلاثون مليون عصارة تفرز في وجبة الطعام، ونصف لتر من حمض كلور الماء من أجل هضم الطعام، والبنكرياس، والطُحال، والكبد فيه خمسة آلاف وظيفة، وتقوم كل خليةٍ من خلايا الكبد بكل هذه الوظائف، والعظام، والعضلات، والأعصاب، والقلب، والشرايين، هذا كلُّه يُصَنَّع في أكمل صناعة في تسعة أشهر، الله منحنا الحياة وبيده كل شيء، إنسان ملء السمع والبصر، غني، قوي، يصبح خبراً بثانية، نعوة، ينتهي.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) ﴾

( سورة المؤمنون )

 واهب الحياة هو الله، المميت هو الله، وحياتك بين هذين القوسين، فلمَ لا تكون لله عزَّ وجل ؟ " الدنيا ساعة اجعلها طاعة ". في أول ليلةٍ يوضع الإنسان في قبره ـ هكذا ورد في الأثر ـ يُنادى أن: رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.

 

مثال عن استحالة إيجاد مخرج في معصية الخالق :

 الآية الكريمة:

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾

 طلب إنسان من عالم أن يجد له مخرجاً في معصية الله، فقال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرُّك معصية ـ شيء رائع جداً ـ ما هي هذه الأشياء ؟ قال له: إن أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال له: وأين أسكن إذاً ؟ قال له: أتسكن أرضه وتعصيه ؟!! أمعقول هذا ؟! إذا أدخلك إنسان إلى بيته وأنت ضيفه، أمعقول أن تضرب له ابنه وأنت في بيته ؟ معقول أن تضع السم في الطعام وأنت في بيته ؟ تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له: هات الثانية، قال: إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه ؟ قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟! أمعقول ؟! قال له: هات الثالثة، قال له: إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، قال:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) ﴾

( سورة الحديد )

 قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً   وتنظر ما به جاء وعدنــــا
* * *

 قال له: هات الرابعة، قال: إن أردت أن تعصيه وجاءك ملك الموت فلا تذهب معه، قال له: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ؟ قال له: هات الخامسة، قال له: إن أردت أن تعصيه وجاء الملكان بك إلى النار فلا تذهب معهما، قال له: لا أستطيع، قال: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت ولا ملائكة العذاب ؟ قال له:كُفيت؟

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾

الله يمهل ولا يهمل :

 وجودك من الله، سمعك، بصرك، نُطقك، ذكاؤك، عضلاتك، أمعاؤك، جهاز الهضم، جهاز الدوران، جهاز التصفية، العظام، الأعصاب، كل هذه بيد الله، أيعقل أن تعصيه بِنِعَمِهِ ؟ أيعقل أن تعصيه بالأعضاء التي منحك الله إياها ؟ كيف ؟ هذا استفهام إنكاري، واستفهام توبيخي، واستفهام تعجُّبي في آن واحد.

 

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾

 لم أر أشد غباءً من الذي يتجاهل وجود الله ويفعل ما يشاء، والله عزَّ وجلٍ يمكن أن ينهيه في أي ثانية، هذا الذي يتجاهل القوة الوحيدة في الكون، الحقيقة الوحيدة في الكون إنسان أحمق وهناك آلاف القصص، إنسان مشى في طريق العدوان فدمَّره الله عزَّ وجل، مشى في طريق المعصية فدمره الله عزَّ وجل، ولكن الله يمهل ولا يهمل، بعد ذلك:

﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾

 يجب أن يغلب على يقينك أن كل حركةٍ، وكل سكنةٍ، وكل كلمةٍ، وكل ابتسامةٍ وكل عبوسٍ، وكل وصلٍ وكل قطعٍ، وكل عطاءٍ وكل منعٍ، مسجلٌ عليك وسوف تسأل لماذا فعلت هذا ؟ قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

ما دام في العمر بقية فالصلح مع الله سهلٌ جداً لأنه ينتظرك :

 ما دام في العمر بقية فالصلحة بلمحة، ما دام في العمر بقية فالصلح مع الله سهلٌ جداً لأنه ينتظرك:

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد )).

[ ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 مرةً ثانية أقول لكم: قصة الأعرابي الذي ركب ناقته وعليها زاده وشرابه:

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )).

[مسلم عن أنس بن مالك]

 أصاب قلبه، وأخطأ لسانه، فقال عليه الصلاة والسلام: " لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته "، فهل الصورة واضحة ؟ هذا كلام النبي في الصحاح: "لله أفرح بعبده التائب من هذا البدوي بناقته" ، ماذا تنتظر ؟!!

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

( سورة الزمر )

الغنى والفقر بعد العرض على الله:

 إذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله: لبَّيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد، قال الله له: لبَّيك لبيّك عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك.

 

فيا خجلي منه إذا هو قال لـي أيـا عبدنا ما قرأت كتابنــا ؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظـر ما به جاء وعدنـــا
* * *
إلى متى أنت باللذات مشغول ؟  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه   ذاك لعمري في المقال شــنيع
لو كان حبـك صادقاً لأطعته  إن المحـــب لمن يحب يطيع
* * *

 كيف ؟ خالق الكون يعجب ؟ خالق الكون يعجب ؟!

 

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ (28) ﴾

 أنت حي، هذه الحياة منحةٌ من الله عزَّ وجل، وبعد الحياة موت، وبعد الموت حسابٌ دقيق، فكيف ؟ من هنا قال سيدنا علي كرَّم الله وجهه: " الغنى والفقر بعد العرض على الله"، يكون الغني غنياً والفقير فقيراً بعد العرض على الله، والغنى غنى العمل الصالح.
 خالق الكون يعجب كيف ؟ منحتُ نعمة الهدى، نعمة الإيجاد، نعمة الهدى والرشاد، نعمة الإمداد، التقيت رجلاً فقلت له: ألا ترى أن الله خالق السماوات والأرض إلهٌ عظيم ؟ قال: لا، قلت له: هل في جسمك شيءٌ غير مُتقن ؟ قال لي: نعم الزائدة الدودية، قلت له: ما رأيت من جسمك إلا الزائدة الدودية ؟ اسمها الزائدة المدافعة هي خط دفاعٍ كاللوزتين، قال لي: اللوزتان متعبتان أيضاً.

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾

القلب السليم فيه تعظيم وخوف وحب معاً:

 كيف يعرف الإنسان الله ؟ من صنعته، من نعمته، من عقابه، ورد في الأثر القدسي:

(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي )).

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
 القلب السليم فيه تعظيم وخوف وحب معاً، التعظيم من خلال الآيات الكونية، مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، وتحتاج أربع سنوات ضوئية إلى خمسين مليون عام كي نصل إليها بمركبة أرضية، الأربع سنوات الضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام فثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية كم نحتاج كي نصل إليها ؟ وأين هي ؟

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

( سورة الواقعة )

 هذا الإله العظيم أيُعصَى ؟ لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.

 

كل ما في الأرض خُلِق خصيصاً للإنسان:

 إذاً الموت الأول موت العدم، الإحياء الأول إحياء الدخول في الحياة الدنيا، الموت الثاني الموت عقب انتهاء العمر في الحياة الدنيا، والإحياء الثاني هو إحياء يوم القيامة للحساب والجزاء، ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 دقق

﴿خلق لكم﴾

 فأنت أحياناً تقيم مأدبة أو وليمة، هناك ضيف شرف هو الأساس، تدعو معه صديقه، جاره، ابنه، الأساس هذا الضيف الأول، صُنِع هذا الطعام خصيصاً لهذا الضيف، وهو يأكل الطعام يُطرق الباب، يأتي طارق، تقول له: أدخل وكل معنا، هذا دخل وأكل، لكن هذا الطعام صنع خصيصاً للضيف الأول وليس للطارق، هذا المعنى المستفاد من كلمة

﴿لكم﴾ .

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 كم معدن موجود في الأرض ؟ معادن تصدأ تصبح أملاحاً، معادن لا تصدأ، معادن ثمينة تصلح لأن تكون قِيَماً كالذهب والفضة، معادن مُشِعَّة، معادن خفيفة، الفلذات والمعادن لا يعلم خصائصها ودقائقها وأنواعها وعددها إلا الله، وأشباه المعادن، والمواد العضوية، وأنواع النباتات، يوجد في البحر مليون نوع من السمك، من حوتٍ يزيد وزنه عن مئة وخمسين طناً إلى سمكة زينة في أحواض السمك لا يزد طولها عن سنتيمتر واحد، فسفورية، سوداء، تكون شفافة أحياناً، تُرى أحشاؤها، شيء لا يصدق، هناك أسماك للزينة، حيتان كبيرة جداً، مليون نوع من السمك، كم نوع من الطيور ؟ كم نوع من النباتات ؟ أذكر أنني اطلعت على كتاب مؤلف من ثمانية عشر جزءاً، كل صفحة فيها نوع من الأبصال، هذا الكتاب كله أبصال فقط غير الورود، والكتاب تحت يدي، والورود، والنباتات، وأزهار الزينة، شيء لا يصدق، هذه كلها ليست للأكل وإنما لمتعة العين فقط.

﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 أنواع النباتات، والحيوانات، والأطيار، والأسماك، والخضراوات، والفواكه، وأشجار الزينة لا تعَدُّ ولا تحصى.

 

النبات أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته:

 النبات ؛ هناك نباتٌ صنع خصيصاً من أجل أثاث بيتك كخشب الخيزران، هناك خشب للأغراض الصناعية، تزيد أنواع الأخشاب عن مئة نوع، هناك آلات للأغراض الصناعية لا تعمل إلا على قاعدة من خشب التوت لأن ألياف هذا الخشب مرنة ومتينة، فحركة المكوك تمتصها القاعدة، هناك أخشاب تصلح أساساً للأبنية الضخمة، هناك بناء في ساحة المرجة أساسه من الخشب، يزداد حجمه مع الماء، هناك خشب لا يتأثر بالماء، والهواء، والحر، والبرد إطلاقاً، وهو خشب النوافذ، وكأنه مصمم للنوافذ، لا يتغير مع الأمطار، والرياح، والبرد، والحر، والتبدلات، ولا ميليمتر، ولا يصلح الخشب الأغلى منه لو وضعته للنوافذ، الخشب الزان لأثاث البيوت، هناك خشب طري كخشب الكبريت، للأعمال الصناعية التعامل معه سهل جداً، هذه الأشجار التي صممت لتكون خشباً لك، هذه باب قائم بذاته، وهناك أشجار زينة هدفها أن تمتع عينك بها، أشجار مظَلاَّت، وأشجار حدودية، هناك أشجار تعطيك الكاوتشوك، أشجار تعطيك الفلِّين، نباتات تعطيك الأدوية، نباتات تعطيك الأصبغة، نباتات تأكل منها، نباتات تعطيك أواني، نباتات تعطيك حبات المسبحة ؛ كرة مثقوبة، جاهزة، نباتات لتنظِّف أسنانك بها، نباتات لتنظف ما بين الأسنان ؛ الخُلَّة، نباتات لتكون ورقاً كورق البُردي، قال الله عزَّ وجل:

﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ (99) ﴾

( سورة الأنعام: آية " 99 " )

 هناك نبات ورق، نبات سواك، نبات نكَّاشة أسنان، نبات ليفة، وجه ناعم ووجه خشن ؛ الخشن على الخشن، والناعم على الناعم، أنواع النباتات لا تعد ولا تحصى، كلها مخلوقةٌ من أجلك، تكريماً لك.

كل شيء خلقه الله جعله مذللاً للإنسان:

 قال تعالى:

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 الجبال، الوديان، الصحارى، السهول، البحار، الأنهار، البحيرات، الينابيع، الجبال العالية، أنواع الحيوانات، كم خروفاً يستهلك البشر في اليوم الواحد ؟ أعداد فلكية، من خلقها ؟ كم دابة تستخدم لطعام الإنسان في اليوم الواحد ؟ أرقام فلكية.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 تقول القاعدة: إن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، من الممكن أن تنتفع بمكيِّف دون أن تفقه شيئاً عن تركيبه، ولا عن آلية عمله، وهذه من نعم الله العظمى، تنتفع بكل ما في الأرض دون أن يكون هذا الانتفاع مبنياً على معرفةٍ به، إذاً هو مُذلل لك، هناك أجهزة معقَّدة جداً لا تستفيد منها، إن لم تعلم طريقة تشغيلها وكأن الجهاز ليس له قيمة، أما كل شيء خلقه الله جعله مذللاً لك، ولكن أحياناً تصبح الرياح المذللة أعاصيرَ مدمرة، والأمطار المنعشة تصبح فيضانات مدمرة، والأرض المستقرة تصبح زلازَل مدمرة، ما حكمة الزلازل والفيضانات والعواصف ؟ قال: إذا توهَّم الإنسان أنها تعمل بأمره أو تعمل بإرادته، أو أنه هو الذي استغلها و سيَّرها فهو واهم، هو لا يملكها، تأتيه أحياناً فتنفعه وأحياناً تدمِّره، إذاً الله عزَّ وجل هو الذي ذللها، راقب إنساناً يقترب من البقرة، منظرها مؤنس، أحد أخواننا قال لي: جنَّت بقرة في الغوطة فقتلت رجلين وجرحت الثالث، ما كان من صاحبها إلا أن أطلق عليها النار فقتلها، لأنها جنَّت، علماً أن ثمنها سبعون ألف ليرة ! من جعلها مذلَّلة ؟ الجمل لا تخاف منه أما العقرب فإنك تخاف منه لأنه غير مذلَّل، الأفعى غير مذلَّلة، الضبع غير مذلَّل، أما الجمل فمذلَّل، الحصان مذلّل، الدواب مذلَّلة قال تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) ﴾

( سورة يس )

الأصل في الأشياء الإباحة :

 أيها الأخوة الكرام، استنبط العلماء من هذه الآية:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (29) ﴾

 أن الأصل في الأشياء الإباحة، لمن خلقت ؟ خلقت للإنسان فهي مباحة، إلا ما ورد فيه نص تحريمي، الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، ولا يُحرَّم شيءٌ منها إلا بنصٍّ صحيحٍ قطعي الدلالة، دينُنا منهجي، الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم يحتاج إلى نص صحيح قطعي الدلالة، أما في العبادات فالعكس، الأصل فيها الحظر ولا تُشرع عبادةٌ إلا بنصٍ صحيح قطعي الدلالة، فالأشياء أصلها مُباحة، والعبادات أصلها محظورة، لذلك الذي يُحرِّم ما خلق الله للإنسان هو إنسان جانب الصواب:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (29) ﴾

 قد تقول: الله عزَّ وجل يعلم، والإنسان يعلم، تقول: الله عزَّ وجل قدير، والإنسان تقول: رجل قدير، فهل يُعقل أن تكون قدرة الإنسان كقدرة الله ؟ وأن يكون علم الإنسان كعلم الله ؟ واستواء الإنسان كاستواء الله ؟ الله عزَّ وجل ليس كمثله شيء، كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، لذلك أكمل شيء أن نوكل إلى الله المعنى الدقيق للآيات القليلة جداً المتعلقة بذات الله، كيف استوى الله إلى السماء ؟ الله أعلم بهذا الاستواء، الاستواء معلوم والكيفُ مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب، الاستواء معلوم لكن الكيفَ مجهول، استواء الله غير استواء الإنسان، استوى زيدٌ على بلاد الشام أي ملكها، إذا قلنا: ملكها، فبيد من كانت قبله ؟ هذا المعنى لا يليق بحضرة الله عزَّ وجل، فالاستواء إذا نسب إلى الله فهناك معنى لا يمكن أن يكون كالمعنى البشري، لأن الله ليس كمثله شيء، لذلك قال الإمام مالك: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب "، هذا متعلقٌ بذات الله، الأكمل أن نَكِلَ إلى الله المعنى الدقيق للأشياء المتعلقة بذات الله، أو أن نُؤوِّلها تأويلاً وفق ما يليق بكمال الله:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ (22) ﴾

( سورة الفجر: آية " 22 " )

 أي جاء أمره:

﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾

( سورة الأنفال )

 أي علمه، وهكذا

الآية التالية تشير إلى المجموعة الشمسية:

 قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ (29) ﴾

 هناك تفسير دقيق، وجيد، ومقنع، وراجح، هو أن هذه السماوات السبع سبعٌ بشكلٌ دقيق، أحصى علماء التفسير خلال ألف ومئتي عام الكواكب فوجدوا أنها خمسة وهي: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، والآية سبعة، أضافوا الشمس والقمر فصار العدد سبعة، لكن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً (16) ﴾

( سورة نوح )

 في هذه الآية لا علاقة للشمس والقمر بالسماوات السبع، اكتُشف بعد ألف ومئتي عام أنه يوجد نجم سادس وهو أورانوس، ونجم سابع وهو نبتون، فكأن هذه الآية تشير إلى المجموعة الشمسية، والشمس مركز هذه المجموعة، والقمر تابع للأرض، فكواكب المجموعة الشمسية كما اتضح بعد ألف ومئتي عام هي سبعة نجوم: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون.

 

كل شيء يزهو الإنسان به موجود في الأرض ومسخَّر ومذلل:

 أيها الأخوة الكرام، ثمة تفسير آخر ؛ كلمة سبعة تفيد التكثير في اللغة العربية، والقرآن حمَّال أوجه، لك أن تَعُد أن هناك سماوات كثيرة، ولك أن تقول: هناك سبع سماوات، هي سبعة نجوم سيّارة حول الشمس:

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ﴾

 على كلٍ هذه الأشياء مسخَّرةٌ لنا، ونحن لم نفعل شيئاً إلا أننا انتفعنا بها، كل شيء ظن الإنسان أنه قدَّمه هو موجود في الأرض، هو كشفه فقط، هل هناك إنسان صنع معدناً ؟ إنه اكتشف المعدن، ولكن عندنا وهم كبير أن الإنسان حقق معجزات، لم يفعل الإنسان شيئاً إلا أنه اكتشف واستفاد، أما الأشياء فهي موجودة، المعادن موجودة، البترول موجود، كل شيء يزهو الإنسان به موجود في الأرض، ومسخَّر، ومذلل.

ما بين الحياة والموت ينبغي أن يكون لله عزَّ وجل:

 الشيء نفسه أحياناً يستعصي، الأرض مذللة فإذا اهتزت انتهى كل شيء، والرياح مذللة فإذا هاجت دمَّرت كل شيء، والماء مذلل فإذا زاد عن حدِّه المعقول دمَّر كل شيء، معنى هذا أن فيضان الأنهار، وانتشار العواصف المدمِّرة، وزلزال الأرض هذا يؤكِّد أن الإنسان ضعيف، وأنَ هذه الأشياء المذللة له أرادها الله مذللة، فماذا إذا أخرجها عن طبيعتها ؟ تملك بريطانيا أكبر قطيع بقر في العالم، وهي الدولة الأولى المصدّرة للحوم البقر وتوابع هذه اللحوم، أطعمت البقر طحين لحم الجِيَف، علماً أن البقر مصمم ليكون غذاؤه نباتياً، فأطعموه طحين اللحم، فجنَّ البقر، هذا الجنون اسمه الاعتلال الإسفنجي الدماغي، اضطرهم هذا الجنون إلى حرق ثلاثة عشر مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثون مليار جنيه إسترليني، حينما جنَّت لم تعد مذللة، ومرضها قد ينتقل إلى الإنسان، هذا شيء خطير جداً، توقفت كل هذه التجارة، فالأشياء مذللة وإذا ظنّ الإنسان أنه سخَّر الطبيعة، وسيطر عليها، واستغلَّها، وهي تعمل بإمرته، فإن هذا كلام فيه جهل كبير جداً، الشيء المذلل يستعصي بلحظة من اللحظات على أن يكون مذللاً لك، وهذا الشيء نراه كل يوم، إنسان يمشي، ولكنه يصبح مشلولاً بلحظة، يرى بلحظة يفقد بصره، يسمع بلحظة يفقد سمعه، يفكر بلحظة يفقد عقله، بلحظة يموت .
 كنَّا في تعزية البارحة، شابٌ في الثانية والثلاثين من العمر، في ريعان الشباب، حافظٌ لكتاب الله، متقنٌ للقراءات العشر، توفَّاه الله عزَّ وجل بسبب صغيرٍ جداً، أصابه سعال شديد، وارتفع ضغطه، فسبب له سكتة دماغية، وعمره اثنان وثلاثون سنة، من منَّا يضمن أن يعيش ثانيةً واحدة ؟ الله عزَّ وجل هو الذي خلق حياة الإنسان، وهو يخلق الموت، فهو:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾

( سورة الملك )

 ما بين الحياة والموت ينبغي أن يكون لله عزَّ وجل، القوس الأول للحياة، والقوس الثاني هو الموت، وأنت بين قوسين، وخالق الحياة هو الله، وخالق الموت هو الله، وهو معك دائماً فكيف تعصيه ؟ هذا شيء مستحيل.

مهما اعتنيت ببيتك القبر هو المثوى الأخير:

 اليوم درسنا أيها الأخوة:

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (28) ﴾

 استفهام تعجُّبي، استفهام إنكاري، استفهام توبيخي:

﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) ﴾

 والله أيها الأخوة الموت وحده أكبر درس، كل شيء تملكه تفقده بثانية، يكون للميت درج خاصّ فيه، بعض التحف، يُفتح هذا الدرج وتؤخذ مقتنياته يؤخذ مفتاح سيّارته، لا يوجد شيء في حياته حريص عليه إلا ويفقده بعد موته، يُصبح جثةً هامدةً، يكون معه مئات الملايين، الخام أسمر وليس مقصوراً لأنه يحرم استعمال المقصور، الكفن خام أسمر، والقبر ؛ لا يوجد قبر خمس نجوم، ولا نجمة، توجد نجوم الظهر، هذا هو القبر، فالقبر هو المثوى الأخير، مهما اعتنيت ببيتك القبر هو المثوى الأخير، وقد كان نقش خاتم عمر " كفى بالموت واعظاً يا عمر"، هذا الحدث الذي لا بدَّ منه، العاقل، والذكي، والموفَّق الذي يُعِد لهذه الساعة التي لا بدَّ منها، هذا الحدث ـ حدث الموت ـ ينبغي أن لا تفاجأ به، ينبغي أن تسعى ليلاً نهاراً إعداداً له، لأن القبر سيكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران ؛ فآل فرعون:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً (46)﴾

( سورة غافر: آية " 46 " )

 منذ ستة آلاف سنة:

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾

( سورة غافر: آية " 46 " )

من نعم الله علينا نعمة التنفس الآلي:

 هذا القبر، والقبر مصير كل حيّ، فنحن في هذا المسجد كم أخ كان معنا ثم فقدناه ؟ والله مئات، كان ملء السمع والبصر توفاه الله عزَّ وجل وأصبح رهين عمله، وكلنا على هذا الطريق سائرون، والموت مصير كل حيّ:

﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) ﴾

 كنا في طور العدم أحيانا الله، ثم أماتنا، ثم يحينا للحساب والجزاء، وكل ما في الكون خُلِق لنا، خُلِق لنا تكريماً، وخلق لنا تعريفاً، خلق لنا تكريماً وتعريفاً، ويمكن أن تنتفع بهذه الأشياء دون أن تعلم عنها شيئاً.
 نعمة واحدة، إنسان ينام ويتنفَّس طوال الليل، يوجد مركز في البصلة السيسائية مسؤول عن تنبيه الرئة النومي، لو تعطَّل هذا المركز تصبح حياة الإنسان جحيماً، ينام فيموت، إنه يحتاج إلى التنفُّس الإرادي، يُقَلِّص ويضغط، هذا المرض يصيب بعض الأشخاص، طبعاً من يصابون به يموتون على الفور، لأن الذي ينام يموت، حيث أن مركز التنفس المركز معطَّل، يتوقف التنفس فيموت الإنسان، وجد له دواء الآن، ولكنه غالٍ جداً، ويجب أن تأخذه كل ساعة بالليل، يضع المريض عدة منبهات، فهل تعرفون نعمة التنفُّس الآلي ؟ نعمة الهضم الآلي، يحتاج الطعام خمس ساعات ليُهضم، وبآلية معقدة جداً ؛ حمض كلور الماء، والبنكرياس، والصفراء، والكبد، أنت كل وامشِ فقط، كل واذهب إلى النوم.

فضل الله علينا ونعمه لا تعد ولا تحصى:

 لو كان الهضم بأيدينا ؛ عندي هضم لا أقدر !! لا أقدر أن أذهب عندي هضم، الهضم كل وارتح، يعمل القلب آلياً، لو كان القلب بيدك، فالانتحار وشيك، فكلْ وارتح، ليس القلب بيدك، والرئتان كذلك، ملايين النعم نعيشها ولا نعرف عنها شيئاً، أنت تمشي متوازناً على قدمين، لو اختل جهاز التوازن.

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) ﴾

 هذا من فضل الله علينا، ما علينا إلا أن نطيعه، وأن نحبَّه، وأن نعظَِّمه، وأن نخافه، وأن نُخلص إليه، وأن نشتاق إليه، وأن نقول: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.