الدرس : 6 - سورة ص - تفسير الآيات 65- 88، التوحيد والفطرة.

1993-01-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

نهاية العلم التوحيد :

 أيها الأخوة الأكارم، الإيمان ينتهي بك إلى التوحيد، إذا وحدت فقد استرحت وأرحت، لذلك قيل: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، نهاية العلم التوحيد ألا ترى مع الله أحداً.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

 اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، لكن التوحيد يحتاج إلى جهد، إلى جهد في معرفة الله من خلال خلقه، ومن خلال كونه، آياته القرآنية، من خلال أفعاله، فإذا تعمقت في الإيمان ووصلت إلى عقيدة صحيحة قطعية يقينية أن في الكون حقيقة واحدة هي الله، وأن أي شيء يقربك من هذه الحقيقة هو الخير المحض، وأن أي شيء يبعدك عن هذه الحقيقة هو الشر المحض.
 الصلاة تقرِّب، الصيام يقرب، العمرة تقرب، الحج يقرب، غض البصر يقرب، الكسب الحلال يقرِّب، ضبط اللسان يقرب، الغيبة تُبعِد، النميمة تبعد، إطلاق البصر يبعد، المال الحرام يبعد، الاتفاق في المعصية يبعد، في الكون كله حقيقة واحدة، لكنك ترى وتسمع آلاف الأسماء، وآلاف الأقوال، وآلاف المعتقدات، وآلاف الحركات، هذا الذي تراه كما قال سيدنا هود:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

أهمية التوحيد :

 بشكل أو بآخر، وحوش كاسرة مفترسة مخيفة كلها مربوطة بأزمة بيد جهة، هذه الجهة فيها كل الكمال، فيها العدل والإنصاف والرحمة، فأنت علاقتك مع من؟ إن جعلت علاقتك مع هذه الوحوش فالقضية صعبة جداً، تعيش حياة الخوف والقلق والنفاق والتمزق والتبعثر والتشرذم، أما إذا جعلت علاقتك مع هذه الجهة التي تملك هذه الوحوش تستريح وتريح، هذا هو التوحيد، تجاوزت هذه القوى الظاهرة إلى من أعطاها القوة، تجاوزت هذه المتحركات إلى من حركها، تجاوزت هذه المكونات إلى من كونها، تجاوزت هذه المخلوقات إلى من خلقها، تجاوزت هذه الأحداث إلى من أحدثها، هذا هو التوحيد.
 لذلك أنت بالتوحيد سعيد، أنت بالتوحيد مطمئن، لأن علاقتك مع جهة واحدة، أحياناً يقول لك: تجارتي مريحة جداً، لماذا؟ يقول لك: أنا لي زبون واحد مرتاح معه، كل بضاعتي يأخذها ويدفع لي ثمنها نقداً بدون مماطلة، التجارة مع إنسان واحد مريحة جداً، لكن مئتا زبون هذا كذاب، وهذا يدفع وهذا لا يدفع، شيء متعب، أي هذا مثل من واقع التجار، موظف له خمسة أو ستة رؤساء هذا قال له: سافر، وهذا قال له: لا تسافر، هذا قال: بكِّر وهذا لا تبكِّر، يتمزق هذا الموظف، أما إذا موظف له مدير واحد شيء مريح جداً انتهت كل مشاكله، علاقته مع واحد.
 لذلك التوحيد لماذا مريح؟ لأن كل مشاكلك مع جهة واحدة، لا تحتاج إلى أن تحلف له يمين، هذا الإله يعرف، ولا يريد وصل أنك دفعت إلى الجامع، كنت مضغوطاً فصبرت عرف ذلك، يعلم السرّ وأخفى، يعلم ما تبدي وما تخفي، يعلم ما تعلن وما تضمر، يعلم دوافعك الحقيقية تماماً، الأهداف الدقيقة، في شيء تعلنه أنت غير صحيح، هذه الرغبات الباطنة التي تحرك الأفعال يعلمها الله عز وجل، فعندما الإنسان يوحد يرتاح، لا يخاف أحداً، ولا يرجو أحداً، ولا ينافق، ولا يجامل، ولا يتملق، ولا ترتعد فرائصه من تهديد هدد به، ولا ينام مغموماً من وعيد وعد به، لأن حاله يقول: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي.

كن عن همومك معرضاً  وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخير عاجـــل  تنسى به ما قد مضـى
فلرب أمر مسخـــٍط  لك في عواقبه رضــا
ولربما ضاق المضـيق  ولربما اتسع الفضــا
الله يفعل ما يشـــاء  فلا تك معترضــــا
الله عوّدك الجمـــيل  فقس على ما قد مضـى
* * *

آيات قرآنية تؤكد على التوحيد :

 أنا أؤكد على التوحيد.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 أخوة يوسف ماذا فعلوا؟ أرادوا أن يلقوه في غيابة الجب وقد ألقوه ليموت ويستريحوا منه، فقال له ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 15]

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 21]

 سيدنا موسى، فرعون قال: أنا سأذبح كل أبناء بني إسرائيل، هذا الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره، والله غالب على أمره.

افهم كل شيء من خلال لا إله إلا الله عندئذ لا تقهر ولا تتمزق هذا هو جوهر الدين:

 يا أخوة الإيمان، إذا علمت أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أصبحت علاقتك مع الله، أما إذا علمت أن زيداً ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعُبيداً ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن هذا هو التمزق، هذا هو الشرك، هذا هو الشرك الذي يشلّ الإنسان، الذي يمزقه.

﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 لأنه لا إله غيره، أما ما تزعمون هم آلهة مزورة، هم أصنام، أحجار، لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، لا يرفعون ولا يخفضون، لا يرزقون ولا يمنعون، ليس في يدهم شيء، الواحد لا إله إلا هو، القهار أمره نافذ.
 مثلاً يقولون هذه الجهة تملك سلاحاً نووياً، وهذه الدولة دولة قرار، أي عاصمتها عاصمة قرار هذا مصطلح حديث، الله عز وجل قال:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة يونس:24]

 افهم كل شيء من خلال لا إله إلا الله، عندئذ لا تقهر، ولا تتمزق، ترى أن الإله بيده كل شيء، وعليك أن تعبده وكفى، عليك أن تطيعه وعليك أن تنتظر الخير منه، هذا هو جوهر الدين.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

 هذا الإله الواحد الذي لا شريك له، القهار الغالب على أمره، فضلاً عن ذلك هو رب العالمين، كلمة رب فيها معنى التربية، التربية فيها حب، التربية فيها رحمة، التربية فيها حكمة، التربية فيها علم، التربية فيها تيسير لهدف نبيل، هذا معنى رب العالمين، أنا قلت قبل أيام أن الله عز وجل أعطانا عقلاً أداة معرفة الله، أعطانا كوناً‌ يدل عليه، أعطانا فطرة تكشف الخطأ، أعطانا شهوة تدفعنا إليه، أعطانا اختياراً يثمن العمل، أعطانا قوة نحقق بها اختيارنا، أعطانا شرعاً نزن به العقل والفطرة، لو أنه أعطانا كل هذا وتركنا حتى يأتي الأجل، هو إله عظيم وعادل حكيم ولكن أين التربية؟ التربية حينما تختار شيئاً الله عز وجل يعاقبك على ذلك، يعاقبك، يحذرك، ينذرك، يضيق عليك، يشدد عليك حتى تعود إليه، إذاً هو يربيك.

الله عز وجل يكثر على الإنسان الوسائل كي يعرفه ويقبل عليه :

 لا أعتقد أن واحداً من أخواننا الحاضرين إلا وله مع الله خبرات في هذا الموضوع، مثلاً هذه لأنني فعلت كذا، وهذه لأنني أخطأت هذا الخطأ، وهذا لأنني تجاوزت حدي، فحينما تشعر أن إلهاً حكيماً خبيراً يلاحظ أعمالك ويرقبها وهو لك بالمرصاد، ويعالج ويضيِّق ويشدِّد ويُكرم ويشجِّع عندئذ هو رب العالمين.
 خطر في بالي مثل يقرب هذا المعنى وهو معنى الربوبية، مدير ثانوية مثلاً في النظام الداخلي كل طالب غاب أسبوعين يفصل، هذا المدير طلب الدوام ما تكلم للطلاب كلمة ولم ينصحهم وما حذرهم وما أنذرهم، إلا أنه عنده قوائم الدوام، فكلما رأى طالباً تجاوز غيابه خمسة عشر يوماً أصدر قراراً بفصله، هذا عدل وهذا تطبيق للنظام ولا يحاسب المدير على ذلك، لكن هناك مدير رحيم فضلاً عن أنه حازم، غاب الطالب يوماً واحداً استدعاه طلب منه تقريراً أو وليه، وشدد عليه، وكتَّبه تعهداً حتى لا يكررها، خلال سنة لم يدع طالباً أن يغيب أسبوعين، يعالجه من أول الأمر، فهذا بالإضافة إلى أنه مدير حازم هو مربٍّ حكيم.
 فربنا عز وجل لم يعطنا الاختيار وتركَنا نغلط ثم عند الموت حاسبنا إلى جهنم، ليس هكذا، بل إنه من أول غلطة هناك حساب، في حساب وتحذير وإنذار، وهناك معالجة وتضييق وتشديد، وهناك إكرام أحياناً، أحيانا عن طريق رؤيا مخيفة، عن طريق رؤيا سارة، عن طريق صديق أمين صادق مخلص، عن طريق داعية، عن طريق خطيب مسجد، عن طريق كتاب يقرؤه، فالله عز وجل يكثر عليك الوسائل كي تعرفه وكي تقبل عليه هذه هي التربية، لذلك:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 العزيز هو الفرد الذي يحتاجه كلُّ مخلوق في كلِّ شيء، أدق تعريف للعزيز يحتاجه كل شيء في كل شيء، ليس هناك غيره، كل شيء في كل شيء، لا ينال جانبه، أمره هو الغالب، لكن إذا عدت إليه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه العزيز الغفار، إن عُدْتَ إليه قبلك.

الإنسان كائن معقد جداً إذا سار على منهج الله عز وجل يستقر ويسعد نفسياً :

 قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾

 أنا في طريقي كنت في عقد قران، وفي طريقي إلى هذا المسجد قلت كلمة: نبأ عظيم؛ أي إنسان جمع كل أمواله واشترى بها أرضاً ليشيد عليها بناءً ويربح منها، قرأ في الجريدة أخباراً منوعة رياضية وسياسية واقتصادية، إقلاع الطائرات ووصول البواخر، أسعار العملات، ثم قرأ خبراً مقداره سطر واحد فقفز من مجلسه قرأ أن هناك قرار استملاك الأرض، هذا نبأ عظيم، هذا خبر ليس ككل الأخبار.
 مثلاً المؤمن شعر أن هذا القرآن، أحياناً الإنسان بحكم العادة يحضر خطب الجمعة، يحضر مجالس علم، إذا حضر عقد قران يسمع كلمة خطيب الحفل، يقول لك: يا أخي والله إنها كلمة لطيفة، إذا كان الدين بالنسبة لك قضية ثانوية، نشاط اجتماعي من جملة النشاطات الاقتصادية والثقافية والترفيهية أيضاً أنت لك أخوان، القضية أخطر من ذلك، سعادتك كلها تتوقف على علاقتك بهذا الدين، علاقة تصديق وتطبيق إذاً تسعد، علاقة عدم تصديق وعدم تطبيق تشقى، فقل هو نبأ عظيم.
 الإنسان أحياناً يكون ببعثة ومعلقاً آمالاً وأحلاماً على نيل الشهادة، أحياناً تأتيه رسالة عادية: أُلغي إيفادك إلى البلد، هذه رسالة غير عادية، يتلقى مئات الرسائل من أهله، سؤال وجواب عن دراسته وصحته وأحواله ومجاملات وسلام وكلام هذه رسائله، أما هذه رسالة خطيرة ألغت إيفاده، هذا نبأ عظيم.
 أنا أضرب أمثلة، إذا كنت ترى الدين أنك تفهمه فهماً خطيراً الدين مصيري، سعادتك الأبدية مبنية على هذا الدين، استقرارك النفسي، صحتك النفسية في الدنيا، توظيفك في العمل أنت كائن معقد جداً، هناك ضغوط كثيرة يوجد عواقب، يوجد انفعالات، يوجد إغراءات، يوجد نشاطات،، يوجد صراعات، أنت ككائن معقد جداً إذا سرت على منهج الله عز وجل تستقر وتسعد نفسياً، والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
 هذا النبأ عظيم، ستبنى عليه سعادتك في الدنيا والآخرة، يبنى عليه استقرارك، يبنى عليه زواجك، يبنى عليه معاشك ورزقك، قل هو نبأ عظيم.

النبأ العظيم :

 لذلك لا تظن أن إنساناً سمع خطبة جمعة، أو حضر مجلس علم، قرأ صفحة من القرآن قضية خطيرة جداً، الله عز وجل يضعك عند مسؤولياتك، يضعك عند مهمتك في الدنيا، فالإنسان:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة   وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
* * *

 يقولون إن الكاتب العظيم تقرأ قصته فلا تنام الليل، أما الكاتب التافه تقرأ قصته وتتثاءب وتنام، عالَجَ موضوعاً خطيراً بعمق عجيب، وضعك عند مهمتك، قل هو نبأ عظيم.

﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ*وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ*وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾

[ سورة النجم:59-61]

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾

 الناس مقبلون على مُتعها، على شهواتها، على مباهجها، على بيوتها، على تنظيم البيوت، على تزيين البيوت، على إنشاء المزارع، على اقتناء المركبات، على الاقتران بالزوجات، هذا همُّ الناس، أما النبأ العظيم في غفلة عنه، يحسبون حساباً لكل شيء إلا الموت، يحسبون حساباً حينما يولد يسجلون له طلباً للهاتف، أي يحسبون حساباً لعشرين سنة قادمة، أما ساعة المغادرة، ساعة النزول في القبر، ساعة الانتقال إلى الدار الآخرة هذا هو النبأ العظيم.

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾

ما جاء به النبي من عند الله إنما وصله عن طريق الوحي :

 كأن النبي عليه الصلاة والسلام، أو إن الله عز وجل أمر النبي أن يبلغ الناس أن هذا الذي أقوله عن الله عز وجل هو وحي ليس من عندي، والدليل:

﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾

 عندما قال ربنا عز وجل:

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾

[ سورة البقرة: 30]

 هذا الحوار بين حضرة الله عز وجل وبين الملائكة حينما أعلمهم بخلق مخلوق مكرَّم عليه وحيد، مخلوق أمر الملائكة أن تسجد له وإبليس رفض أن يسجد وقال: أنا خير منه، هذا الحوار وهذه المحاجة وهذا التساؤل وهذا الموضوع بكامله من أين جاء به النبي؟ كيف عرفه؟ عن طريق الوحي.

﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ* مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ*﴾

الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان عقلاً وهذا العقل بإمكانه أن يصل إلى الله :

 قال تعالى:

﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

 إن حرف نفي، أي ما يوحى إليّ:

﴿ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

 معنى النذير أنه يعلمك شيئاً، إن لم تستجب له هناك عقاب أليم، وهناك شقاء أبدي.

﴿ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أََا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

 الآن ربنا جلّ جلاله يحدثنا عن قصة خلق العالم، وقبل أن نأتي على تفصيلاتها لا بدّ من مقدمة قصيرة، هو أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان عقلاً، وهذا العقل بإمكانه أن يصل إلى الله من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، وهذا العقل بإمكانه أن يصل إلى أن هذا الكلام كلامه عن طريق الإعجاز، وبإمكانه أن يصل إلى أن هذا الذي جاء بالقرآن رسوله، فبالعقل تؤمن بالله خالقاً ورباً ومسيِّراً، تؤمن به واحداً وموجوداً وكاملاً، تؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، تؤمن بنبوة الأنبياء والكتب السماوية، كل هذا بالعقل.
 لكن العقل بمثابة ميزان له طاقات تحد من قدرته، هذا الميزان تقدر طاقته القصوى بعشرين كيلو، أو ثلاثين، فهناك موضوعات لا يستطيع العقل معرفتها بذاته مستحيل، كيف بدأ الله العالم؟ ما كان، الله عز وجل قال:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

[ سورة الكهف: 51]

الإيمان لا يصح إلا بالعقل لا بالتقليد :

 الإنسان لم يكن موجوداً، كل شيء عجز العقل عن إدراكه أخبره الله به، إذاً في الإسلام معقولات ومنقولات، يقين استدلالي ويقين إخباري، شيء يجب أن تفكر به فإن لم تفكر به لا يقبل منك، الإيمان بالله بالعقل ولو قَلدت به لم يقبل منك، لو قُبِل التقليد بالإيمان لأصبحت كل الفرق الضالة على حق، ما ذنبي أنا قلدْتُ فلاناً، الإيمان لا يصح إلا بالعقل لا بالتقليد، فالإيمان بالعقل، الإيمان بالله وبرسالة أنبيائه وبأنبيائه بالعقل، لكن الموضوعات التي يعجز العقل عن إدراكها لأنها فوق طاقته، العقل أساسه الاستدلال، أساسه شيء مادي أمامه يستنبط منه شيء مغيب عنه، الأقدام تدل على المسير، والماء يدل على الغدير، والبعرة تدل على البعير، أَفسماء ذات أبراج وأرض ذات فِجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير.
 هذا الاستدلال العقلي، فالعقل من شيء مادي إلى شيء مغيب عن الإنسان، هناك شيء ظهرت عينه وأثاره مثل نار تشتعل أمام عينيك وفوق النار دخان، فهذه النار ترى عينها بعينيك وترى آثارها بعينيك؛ اللهب والدخان، هذا اليقين الحسيّ، لكن رأيت جداراً ومن فوق الجدار دخان تقول: لا دخان بلا نار، هذا اليقين الاستدلالي، لا دخان بلا نار.
 لكن جاءك رجل وهو صادق عندك مئة بالمئة وقال: نشب حريق في المكان الفلاني، أنت لا رأيت النار ولا آثارها لكنه أخبرك أن هناك حريق، فأول يقين يَقين حسي، ثاني يقين يقيْن استدلالي، ثالث يقين يقيْن إخباري، فيما يتعلق بذات الله يقين إخباري، فيما يتعلق بأصل الكون وقصة الحياة الدنيا وبدء الخليقة يقين إخباري، فيما يتعلق بعد الموت يقين إخباري، فيما يتعلق بالكائنات غير المرئية كالجن والملائكة يقين إخباري، هذه تسميها مسموعات، تسميها أخباراً، تسميها يقيناً إخبارياً، تسميها إيماناً تصديقيّاً، الأسماء كلها ذات مسمى واحد، أما المعقولات التي أنت مكلف أن تعقلها بذاتك، ولا يقبل منك أن تقلد بها. إذاً الإيمان فيه معقول وفيه منطوق، فيه استدلال وفيه تصديق، فيه تأمل وفيه مسموع.

قصة خلق العالم :

 الآن ربنا عز وجل يحدثنا عن قصة خلق العالم، لو أنت قرأت شيئاً آخر خلاف هذا الشيء لك جواب واحد، ربنا عز وجل قال:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

[ سورة الكهف: 51]

 أنتم لم تكونوا معي، كنت أضرب مثلاً أن إنساناً جالس بمجلس في سهرة وقال: أنا في سنة الثلاثين أخذت محلاً في الحميدية، دفعت فروغه عشرة آلاف، عنده وَلَد وُلِد بعد شراء المحل بخمس عشرة سنة قال له: لا أنت أخذته بعشرين ألفاً بابا، قال له: أنت كنت معي وقتها؟ أنت لم تكن موجوداً حينئذ، عندما يريد الإنسان أن يتنطع ويتحدث عن قصة خلق الكون لم يكن موجوداً.

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

[ سورة الكهف: 51]

 ففيما يتعلق بأصل الوجود، بقصة نشوء الحوادث، بخلق الإنسان هذا يقين إخباري تصديقي، فيما يتعلق بكائنات لا نراها بالعين تصديقي، الحديث عن ذات الله وعن علمه وعن قدرته تصديقي، الحديث عن اليوم الآخر تصديقي، أما الحديث عن وجود الله عقلي استدلالي وعن أسمائه وعن صفاته، فربنا عز وجل الآن يذكر لنا في القرآن ما يعجز العقل عن إدراكه بذاته، عقلنا يعجز عن إدراك هذا الشيء بذاته، الله عز وجل يخبرنا عنه فيقول:

﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾

 كلكم يعلم أن المَلَك رُكِّب من عقل بلا شهوة، المَلَك مخلوقات نورية تسبِّح الله دائماً، لم تُكلّف، ليس فيها شهوات، والحيوان ركب من شهوة بلا عقل، الملك ليس له حساب والحيوان ليس له حساب لأنه لم يكلف.

الإنسان إذا عرف الله واستقام على أمره أصبح فوق الملائكة :

 الإنسان رُكِّب من عقل وشهوة، فإن سما عقله على شهوته سما فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، الإنسان حينما ينقطع عن الله عز وجل يرتكب من الجرائم، في فرنسا قبل أيام ظهرت رغبة أن يعاد العمل بالحكم بالإعدام شنقاً، السبب أن هناك شباب يغتصبون فتيات صغيرات ثم يقتلونهن، مجرم اغتصب ثلاث فتيات وعمرهن ست سنوات ثم قتلهن،عندما ينقطع الإنسان عن الله عز وجل يصبح مجرماً كبيراً، يمكن أن يدمر أمة من أجل مصالحه الشخصية، وعندما يرتقي الإنسان يسبق الملائكة بكثير، لذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 ما من مخلوق يلحق الإنسان إذا عرف الله، أما الذي أعرض عن الله عز وجل أحقر مخلوق خير منه، النبي الكريم حدثنا عن رجل له جار، سافر هذا الجار وأوصاه بزوجته فخانه بها، كلبه قتله، فلما بلغ النبي القصة قال: خان صاحبه والكلب قتله، والكلب خير منه. فعندما ينقطع الإنسان عن الله ويتبع شهوته يصبح مجرماً كبيراً دون الحيوان، فإذا عرف الله واستقام على أمره أصبح فوق الملائكة، فربنا عز وجل خاطب الملائكة:

﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ﴾

 من تراب.

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾

 التسوية أي هذا التنظيم.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 أي هذا المِفْصَل، لولا المِفْصَل لا تستطيع أن تأكل إلا كما تأكل الهرة، يجب أن تنبطح على الأرض وتلعق الصحن ليس هناك غير هذه الطريقة، إذا ألغينا هذا المفصل، لو أن الإنسان يمشي على أربع لما أمكن أن يبني الحضارة، أما طلاقة يديه جعلت هذه الحضارة، إذاً: الإنسان يداه طليقتان ويمشي على رجلين.

السرّ في هذه النفخة أنها من روح الله عز وجل :

 في الرأس، في الدماغ، في العينين بمحجرين تقيهما كل خطر، في هذا الأنف فوق الفم إذا كان الطعام فاسداً الأنف يعطي إنذاراً، هذا اللسان، هذا البلعوم في أحسن تقويم.

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾

 من طين، انظر إلى تمثال من الشمع يضعه بائعو الأقمشة في محلاتهم التجارية، وانظر إلى إنسان من لحم ودم فيه حياة، انظر إلى وردة طبيعية تفوح بالرائحة وانظر إلى وردة اصطناعية من ورق أو بلاستيك، أين الثرى من الثريا؟! قال:

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾

 فالسرّ في هذه النفخة من روح الله عز وجل، صار هناك دماغ يفكر ويحاكم، لو أن إنساناً مات لو صعد إنسان على سرير وتحت السرير ميزان، حينما تخرج روحه إلى السماء يا ترى كم غرام نقص وزنه؟ ولا غرام ولا ميلّي غرام ولا ميكرو غرام، ومع ذلك العين لا ترى، الأذن لا تسمع، الدماغ لا يفكر، المعدة لا تهضم، الرئتان لا تخفقان، القلب لا ينبض، ما الذي حدث؟ ما هذا الذي خرج منه؟ العين تبصر الألوان، تبصر جمال الجبل الأخضر، تبصر جمال البحر الأزرق، تبصر جمال وردة فواحة، تشم رائحة عبقة، تعبر تتكلم، يضحك يبكي يخطب يبيِّن يفسِّر يؤلِّف يتحرك، الإنسان كائن راقٍ جداً فإذا ذهبت روحه أصبح مخيفاً، الغرفة التي ينام فيها الميت تبقى أياماً بل أسابيعَ بل شهوراً مهجورة في البيت، قبل أيام كان هو مصدر أنس البيت، هو الأب إذا دخل هبّ له أولاده فرحين، ما الذي حدث حينما سحبت هذه الروح؟ أصبح مخيفاً، هذه النفخة.

ربنا عز وجل حينما أعطى الإنسان عقلاً وشهوة كرَّمه وكلفه وجعله خليفته في الأرض:

 قال تعالى:

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾

 الموت بالعكس الروح انسحبت وأصبح جثة هامدة، إن كان في الصيف يحتاج إلى حمض الكلور وإلا خرج منه روائح كريهة، أنا في الحج والعمرة كنت أستغرب لماذا الجنائز يصلَّى عليها بعد العشاء، هناك الجنائز في كل وقت، أنا أعجب في الشام العصر آخر وقت، المغرب ليس هناك جنائز لشدة الحر، لا تبقى الجثة في الحنوط أكثر من ساعات وإلا تتفسخ، هذا الإنسان كان مصدر أنس بالنظافة والأناقة والعطور الفواحة، فإذا مات سحبت النفخة منه، ما الذي حدث؟ تفسّخ، وليس من رائحة أكره من رائحة الإنسان إذا تفسخ، يعرف هذا حفارو القبور إذا دعوا أن يفتحوا على ميت بعد فترة، رائحة لا تقابل.

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

 انظر إلى الطفل حينما يولد نضرة سعادة، البيت كله فيه جمال وأنس، لكن لعبة من نفس الحجم لا حياة فيها.

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

 هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، إن الإنسان مكرم، والإنسان هو المخلوق الأول، والإنسان هو المخلوق المسخَّر له الكون من أجله، فربنا عز وجل حينما أعطاه عقلاً وشهوة كرَّمه وكلفه وجعله خليفته في الأرض.

الإيمان انصياع لله عز وجل والكفر استكبار :

 قال تعالى:

﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾

 إبليس ليس مَلَكاً، هذا اسمه استثناء منقطع، إذا قلت حضر الطلاب كلهم إلا المدرس، المدرس ليس طالباً لكنه اجتمع مع الطلاب في وجود الحضور فحضروا ولم يحضر، فالاستثناء منقطع، معنى استثناء منقطع أي ليس المستثنى منه من جنس المستثنى، أي ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبل (إلا)، والدليل سجد الملائكة كلّهم وهذا توكيد أول، و(أجمعون) توكيد ثاني.

﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾

 لذلك الكفر أساسه استكبار، المؤمن:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: 36]

 الإيمان انصياع لله عز وجل، والكفر استكبار، قال:

﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾

 هنا الخلق مباشر من الله عز وجل، الله عز وجل يخلق عن طريق سبب، نحن حينما نخلق من أب وأم عن طريق سبب أرضي، لكن سيدنا آدم خلق من قبل الله عز وجل مباشرة.

أكبر عقوبة ينالها مخلوق أن يبعد عن رحمة الله :

 قال تعالى:

﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴾

 أي أنت أكبر من أن تنصاع لهذا الأمر؟

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

 لذلك قالوا أربع كلمات مهلكات: أنا ونحن ولي وعندي، (أنا) قالها إبليس فأهلكه الله، و(نحن) قالها قوم بلقيس نحن أولو قوة وبأس شديد فانهار ملكها، وقال قارون: إنما أوتيته على علم عندي، أنا عندي كذا، أنا حجمي المالي كذا، أنا أملك كذا، أنا أفعل كذا هذه كلمة مهلكة، وفرعون قال: أليس (لي) ملك مصرَ، إذاً أربع كلمات مهلكات: أنا ونحن ولي وعندي.

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾

 أي أن أكبر عقوبة ينالها مخلوق أن يبعد عن رحمة الله.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

آيات قرآنية تبين اللعنة التي أصابت إبليس وكل من تبع إبليس :

 أكبر مكافأة لمخلوق أن يتجلى الله عليه، إذا تجلى الله عليه أنساه كل شيء، إذا تجلى الله على قلب المؤمن، إذا شعر المؤمن أن الله يحبه وأنه بعين الله، وأن الله يحفظه هذا الشعور لا يوصف، الشعور الآخر شعور الطرد من رحمة الله، اللعنة.

﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة البقرة: 161]

﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ ﴾

[سورة النحل: 106]

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ ﴾

[سورة النساء: 52]

﴿ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾

 العلماء قالوا: فاخرج من رحمتي أو فاخرج من الجنة.

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾

 هذه اللعنة أصابت إبليس وكل من تبع إبليس، كل من استجاب لإبليس وائتمر بأمر إبليس، واستجاب لوسوسة إبليس عليه لعنة الله، إنما ذلك الشيطان يخوف أولياءه فإذا استجبت وخفت وتركت طاعة الله عز وجل حفاظاً على مصالحك فعلى هذا الإنسان اللعنة من الله لأن إبليس ملعون وكل من تبعه ملعون.

مهمة إبليس رئيس الجن :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ* قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

 معناها أن إيمان إبليس بالله ليس منجياً، غير كافي.

﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾

 لذلك إبليس منذ أن خلقه الله وإلى يوم الدين هو حي، حياته مستمرة، هذا طلبه من الله، لكن الجن يموتون ويتزوجون، أما إبليس رئيس الجن حياته مستمرة.

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

 أنا مهمتي يا رب:

﴿ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 أنا مهمتي أن أُبعدهم عنك، أن أزيِّن لهم الدنيا، أن أُوقع بينهم العداوة والبغضاء، أن أجعلهم يحبون الدنيا، أن أجعلهم يحبون المعاصي، أن أزين لهم كل المعاصي، أن أبعدهم عن كل الطاعات، هذه مهمته، لكن إبليس يفهم فقال: يا رب أفعل هذا:

﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾

 هؤلاء لا أستطيع أن أفعل معهم ذلك، هؤلاء حينما اعتصموا بك وأطاعوك واستعاذوا بك وأخلصوا لك انتهت مهمتي معهم.

إبليس لا يغوي إلا الغاوي ولا يزين المعصية إلا لمن يحب المعصية :

 قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾

[سورة إبراهيم: 22]

 إذاً إبليس لا يغوي إلا الغاوي، لا يزين المعصية إلا لمن يحب المعصية، لكن المؤمن في حرز حريز وحصن منيع، المؤمن حينما يطيع الله عز وجل أبعد عنه سلطان إبليس، حينما يطيع الله عز وجل أبعد عنه وسوسته.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 201]

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[سورة الفلق: 1-2]

﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾

 هؤلاء الذين أخلصوا لك يا رب أنت خلصتهم من وساوس الشيطان، خلصتهم من كل هم وحزن.

الدين مغروس في فطرتنا وما هذا الكتاب إلا ليذكرنا بالدين :

 قال تعالى:

﴿ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ﴾

 الله جلّ جلاله لا يقول إلا الحق، هو حق ولا يقول إلا الحق.

﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾

 الإسلام دين الفطرة من دون تكلف، من دون تصنع، المنطق يدل على الله عز وجل، العقل يدل عليه، الفطرة تدل عليه، الحوادث تدل عليه، القرآن يدل عليه، الراحة النفسية لها علاقة بالإيمان، أحياناً تحس أنها دعوة متكلفة فيها شد ومط، تجد الأفكار فلسفة غير طبيعية، الأفكار كلها مؤوَّلة، هذه دعوة باطلة، كل شيء فيه تكلف وتزوير وتأويل دعوة باطلة هذا الحق لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى تزوير ولا إلى كذب، ولا إلى صخب وضجيج، الحق هو الفطرة، الحق هو العقل، الحق هو الواقع، الحق هو ما يألفه الناس ويرتاحون إليه، لذلك:

﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ *إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ* ﴾

 الدين مغروس في فطرتنا، وما هذا الكتاب إلا ليذكرنا بالدين.

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾

البطولة أن تؤمن قبل فوات الأوان :

 كما أقول لكم دائماً قضية الإيمان ليست على النحو التالي، ليست أن تؤمن أو لا تؤمن، قضية الإيمان متى تؤمن؟ لأنه لا بدّ من أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان، فالبطل ليس الذي يؤمن، بل الذي يؤمن في الوقت المناسب، أما فرعون آمن في الوقت غير المناسب، أيُّ مخلوق سوف يؤمن لكن بعد فوات الأوان، إذاً بطولتك أن تؤمن قبل فوات الأوان، أن تؤمن وأنت شاب، وأنت صحيح، وأنت شحيح، وأنت قوي، وأنت غني، فكرك مُتَّقد، عضلاتك مفتولة، الدنيا مقبلة عليك هذا وقت الإيمان، ليس بعد الثمانين ليس هناك شيء.
 أحدهم قال لي: الدولاب ماسح والعداد قالب، ليس في هذا الوقت تؤمن، ليس هناك شيء، ليس هناك شيء تخاف منه أو تخاف عليه، ملَلْتَ الحياة والأكل والشرب، الآن تبحث عن الإيمان؟ يجب أن تؤمن وأنت شاب بأن ريح الجنة الشباب.

﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾

 أي دعوة فيها تأويل، فيها شدّ الآيات، تأويل متكلف، فيها تغيير الحقائق ليس هذا هو الحق، الحق فطري، الحق تسمعه فترتاح له، الحق يؤيده الواقع، الحق تؤيده الفطرة، الحق يؤيده العقل، الحق يؤيده النقل، الحق ينتشر سريعاً، الحق ترضاه النفوس، تطمئن له النفوس، أما التكلف والتأويل والتزوير، وما أنا من المتكلفين:

((إني تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))

[أخرجه أحمد عن حديث العرباض بن سارية]

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾

 هذه فيها تهديد، إذا الحق لم يعجبك فسوف ترى، سوف ترى أن هذا الذي ذُكِّرت به هو الحق، هناك جنة ونار، وهناك نار أبدية، وهناك حساب، وهناك صراط مستقيم، وهناك قبر، هناك عذاب في القبر.

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر: 46 ]

 هذه آية في أصل عذاب البرزخ، القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، يوجد موت والموت حق، وعذاب القبر حق، والجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والحوض حق، وكل ما ورد في هذا القرآن حق، فهنيئاً لمن عرف الحق قبل يوم الحق، إذا عرف الحق قبل يوم الحق استعد لهذا اليوم، فإذا كذبه فسوف يعرفه لكن بعد فوات الأوان.

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾