الخطبة : 1137 - الثقوب السوداء - الإيمان و أثره في النفس.

2010-01-22

الخطبة الاولى:

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وآل بيته الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

الله تعالى الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن :


أيها الأخوة الكرام ، في الحديث الصحيح :

(( أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ )) .

 

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]


لكن الذي يلفت النظر أن بحوثاً فلكية متطورة جداً وحديثة جداً تتحدث عن الثقب الأسود ، وهو شيء يكاد لا يصدق لكنه واقع ، أما أن يكون في القرآن الكريم آية أو آيتان تتحدثان عن الثقب الأسود ، هذا يؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، ما الآية ؟ قال تعالى :

 

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم ﴾

 

 

( سورة التكوير: 15-19 )


هذه الآية الكونية التي حدثنا الله عنها بل وأقسم بها ، جواب القسم أن القرآن حق، أي أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام على حق فهو رسول الله حقاً .

 

 

العبرة من ذكر الآية التالية :

أيها الأخوة ، ما الفائدة وما العبرة من ذكر هذه الآية ؟ :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم ﴾

 

( سورة التكوير: 15-19 )


جواب القسم :

 

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم ﴾ .



أيها الأخوة الكرام ، هذه الآيات تحدثنا عن مخلوقات كونية سماها القرآن الكريم بالخنس ، ولكن ما معنى كلمة خنس ؟ أي المخلوقات التي لا نراها ويستحيل أن نراها ، الخنس مخلوقات عملاقة لا نراها ولا نستطيع أن نراها ، لكن لأقرب لكم بالمثل التالي ، قطر أرضنا اثنا عشر ألف كيلو متر ، محيطها أربعون ألفاً ، لو تحولت إلى ثقب أسود لأصبح قطرها سنتمتراً واحداً بالوزن نفسه :

 

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * ﴾ .

 

 

( سورة الطارق ) .


تصور وزن الأرض بحجم سنتمتر مربع ، ما الذي يقف أمامه ؟ هذا ما يؤكده علماء الفلك ، ولكن جاءت التسمية خاطئة ، وهناك بعض الهيئات العلمية سمتها المكانس الفضائية كما سماها القرآن الكريم :

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوَارِي الْكُنَّسِ ﴾

، الخنس الشيء الذي لا تراه :

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*مَلِكِ النَّاسِ*إِلَهِ النَّاسِ*مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾

.

( سورة الناس ) .


لا تراه ، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ، فالخناس هو الشيء الذي لا يرى .

 

مبدأ المراكب الفضائية :

أيها الأخوة ، لو أمسكت بكرة وضربتها نحو الأعلى ما الذي يحصل ؟
بعد قليل تعود إلى الأرض ، ما الذي أعادها إلى الأرض ؟ أعادتها قوة الجاذب التي أودعها الله في الأرض ، لكن لو تمكنا أن نطلق هذه الكرة بسرعة تقدر بألف ومئتي كيلو متر بالثانية لتابعت سيرها ، وخرجت من جاذبية الأرض ، هذه السرعة سماها العلماء سرعة الهروب من الأرض ، أي جسم انطلق بسرعة ألف ومئتي كيلو متر بالثانية لا يرجع ، وهذا مبدأ المراكب الفضائية تنطلق بأعلى من هذه السرعة إذاً لا ترجع ، تتجاوز طبقة الهواء وتنطلق إلى الفضاء الخارجي .
العلماء قالوا : سرعة الهروب من القمر مئتا كيلو متر ، القمر أصغر ، الآن تصوروا سرعة الهروب من على سطح الثقب الأسود تزيد عن سرعة الضوء أي فوق الثلاثمئة ألف كيلو متر ، لذلك لا يمكن أن يصدر من هذا الثقب أشعة ، الأشعة طاقة والطاقة ترتد إلى الثقب ، أخطأ العلماء وسموه ثقباً أسوداً ، هو ليس بالثقب ، هو كتلة ذات نوعية متميزة ، ذات كثافة تفوق حدّ الخيال ، تخيل الأرض بحجم سنتمتر مربع .
أيها الأخوة ، لذلك هو ليس بأسود ولكنه لا يرى وليس ثقباً ، هو كتلة لكن كثافتها تفوق حدّ الخيال .

الثقب الأسود هو مرحلة ما قبل موت النجم :

أيها الأخوة ، لماذا أقسم الله بالخنس ؟ إنه يحدثنا عن مخلوقات كونية لا ترى أبداً ولذلك سمى الله الشيطان بالخناس
ذكرت قبل قليل :

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ*مَلِكِ النَّاسِ*إِلَهِ النَّاسِ*مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ .

 

( سورة الناس ) .


لذلك الآية :

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِي ﴾

، الجواري التي تجري ، هذه الخنس تتحرك بسرعة مذهلة ، تقترب من سرعة الضوء ، مئتان وأربعون ألف كيلو متر بالثانية ،

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوَارِي الْكُنَّسِ ﴾


إذاً سرعتها مئتان وأربعون ألف كيلو متر بالثانية ، أما الكنس التي تكنس أي شيء تصادفه ، لا يمكن إلا أن تبتلع كل شيء تصادفه، حتى سميت مقبرة النجوم ، والنجم تماماً كالإنسان يولد ثم يصبح طفلاً ثم شاباً مكتملاً ، ثم رجلاً ، ثم كهلاً ، ثم شيخاً ، ثم يموت ، الثقب الأسود مرحلة ما قبل موت النجم .
كائن له عمر ، شمسنا بيضاء وكانت حمراء وسوف تكون ثقباً أسوداً أو :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ ﴾ .


أيها الأخوة الكرام ، هذه النجوم التي انكفأت على ذاتها ، وأصبحت سرعة الانطلاق منها تزيد على سرعة الضوء إذاً هي سوداء أو لا ترى .
أيها الأخوة الكرام ، هذه حقائق أساسية بديهية في الحقول الاختصاصية ، نحن لنا مجرة اسمها درب التبابنة هذه المجرة التقدير الأخير لما فيها من النجوم هو مئة ألف مليون نجم ، أي مئة مليار ، وهذه المجرة بالنسبة إلى بقية المجرات ـ وبقية المجرات تقترب من ثلاثمئة ألف مليون مجرة ـ لا ترى أمام المجرات إطلاقاً ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ، ألا تخشى ناره ؟

 

علم الله و قدرته تطول الإنسان أينما كان :

أيها الأخوة الكرام ، الكون يحوي مئات بلايين المجرات :

أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

 

 

( سورة الطلاق ) .



اختار الله من أسمائه اسمين ؛ اسم العليم واسم القدير ، أي علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، فكيف تعصيه ؟ مثلاً أنت مواطن أمامك إشارة حمراء ، وهناك شرطي واقف ، وشرطي آخر على دراجة نارية ، ويوجد ضابط في السيارة ، هل يعقل أن تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ مستحيل وألف ألف ألف مستحيل ولا سيما بعد قانون السير الجديد هناك آلاف مؤلفة لماذا ؟ لأنه في أعماقك قد ركز أن واضع قانون السير علمه يطولك وقدرته تطولك .

أيها الأخوة الكرام ، مرة ثانية :

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

 

 

( سورة الطلاق ) .


أنت مع إنسان قوي ، علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه :

 

 

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري ، أهل مودتي ، أهل شكري ، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) .

 

 

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 

 

الله عز وجل ينقص الأرض من أطرافها و هذه إشارة إلى موت النجوم :


أيها الأخوة الكرام ، حينما ينفذ وقود هذا النجم وحينما يشيخ بقي أن يموت ، حينما يُستهلك وقوده فإنه يشرف على الموت ، يصبح بالمصطلح الغربي المرتجل غير الصحيح ثقباً أسوداً ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾

 

(سورة النجم)


الله عز وجل ذكر أنه ينقص الأرض من أطرافها و هذه إشارة إلى موت النجوم .
أيها الأخوة الكرام ، قدر العلماء وزن الشمس بطريقة عجيبة ، ألفا مليون مليون مليون مليون طن ، هذه الشمس هناك نجوم أكبر منها بعشرين ضعفاً حينما تنهار تتضاءل وتتكاتف وتصبح ثقباً أسوداً ، بعد حين تنفجر فتموت ، فتغدو دخاناً كما بدأ الله الخلق يعيده، كانت الأرض دخاناً وتعود دخاناً وهذا شأن المجرات والنجوم .

 

 

من رحمة الله عز وجل بالإنسان أن هذه الثقوب السوداء لها حيز قريب منها :

أيها الأخوة الكرام ، كل نجم يتحرك ، قال تعالى :

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

 

( سورة يس الآية :40)

 

 

طبعاً أيها الأخوة الكرام ، الآن يوجد مراصد عملاقة منها مرصد (هابل ) أين موجود ؟ في الفضاء الخارجي ، التقط هذا المرصد صوراً عديدة للغبار الكوني ، وكيف أن الثقوب السوداء أو الخنس تكنس كل الغبار الكوني ، لكن رحمة الله عز وجل أن هذه الثقوب لها حيز قريب منها ، لو أن حيزها أكبر لالتقطت الأرض ، لكن لها سقفاً ليس بعيداً عن مركزها
لكن كل شيء دخل إلى ما تحت هذا السقف يؤخذ من هذا الثقب الأسود ، وهذا الثقب الأسود يدور حول نفسه بسرعة واحد على عشرات المئات بل الألوف من الثانية ، شيء لا يصدق ، وهي في علم الفلك بديهيات ، وأنا بذلت جهداً كبيراً لأبسطها لكم ، الثقب الأسود لا يرى ، يدور حول نفسه بسرعات مذهلة ، يتم دورة حول نفسه بأجزاء الثانية ، وينطلق بسرعات كبيرة جداً تقترب من سرعة الضوء :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾

، النجوم التي لا ترونها :

﴿ الْجَوَارِي ﴾

، تجري :

﴿ الْكُنَّسِ ﴾

، تكنس كل شيء تراه أمامها .

هذه الثقوب بمثابة المقابر الكونية ، وفي النهاية تموت هذه النجوم :

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾

 

( سورة الرحمن)


أيها الأخوة الكرام ، الذي يلفت النظر أن التسمية القرآنية أدق تسمية ، قبل خمسة وعشرين عاماً عالم ارتجل هذه التسمية قال : ثقب أسود ، ثقب أي فراغ ، هو ليس فراغاً ، هو كتلة ذات كثافة تفوق حدّ الخيال ، وليس أسوداً ، هو لا لون له ، لا يرى إطلاقاً ، قد يكون ملتهباً ، قال : هذه الثقوب بلايين بلايين الأطنان ، القرآن ما سماها ثقباً سماها الخنس الشيء الذي لا يرى .
أيها الأخوة ، طبعاً قد يقول أحدكم كيف تنضغط الأرض إلى حجم سنتمتر مكعب بالوزن نفسه ؟ لأن في الذرة فراغات بينية كبيرة جداً تفوق حدّ الخيال .

 

 

الله عز وجل خلقنا لنسعد بقربه في الدنيا والآخرة :

أيها الأخوة الكرام ، هذه المخلوقات ، هذه الثقوب السوداء ، هذه الخنس ، تصدر ترددات صوتية باستمرار أثناء حركتها وانتقالها وكأنها تسبح الله عز وجل ، ومن هنا يقول الله عز وجل :

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .

 

( سورة الإسراء : 44) .


أيها الأخوة ، أراد الله أن نعرفه ، خلقنا لنعرفه ، خلقنا لنعبده ، خلقنا لنسعد بقربه في الدنيا والآخرة ، خلقنا ليرحمنا :

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾

، جوا بالقسم ،

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم ﴾

، قال : لو قمنا بأخذ حفنة قليلة من هذا الثقب الأسود ، أو من النجوم الخنس بحجم ملعقة شاي ، سيكون وزنها أربعمئة ألف مليون طن ، ما قولك ؟ هذا الإله العظيم ألا ينبغي أن نعرفه ؟ ألا ينبغي أن نسأل لماذا خلقنا ؟ ألا ينبغي أن نسأل من أين وإلى أين ولماذا ؟ ألا ينبغي أن نسأل أين منهجه ؟
العلماء وجدوا أن هناك ثقوباً سوداء أي خنس كتلتها أكبر من بعشرة آلاف مرة من الشمس .

 

الثقوب السوداء هي أعظم ظاهرة في الفلك :

أيها الأخوة ، بمجرتنا آلاف الثقوب السوداء ، يقول علماء الفلك : إن ظاهرة الثقوب السوداء هي أعظم ظاهرة في الفلك .

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .

 

( سورة النمل الآية : 88 )

 

 

القرآن الكريم كلام الله لأنه أشار إلى حقائق كشفت بعد ألف وأربعمئة عام :

 

 


قال الكفار عما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ .

 

( سورة النمل الآية : 88 ) .


ما الدليل الأقوى على أن هذا القرآن كلام الله ؟ أنه أشار إلى حقائق كشفت بعد ألف وأربعمئة عام ، والتسمية أصح وأدق الخنس أي النجوم التي لا ترى ، الجواري أي التي تجري بسرعة تقترب من سرعة الضوء ، الكنس التي تجذب كل شيء إليها ، من القدرات والمواد والطاقات ، الضوء طاقة ، لماذا سمي أسوداً ؟ لأنه لا يمكن للضوء أن يخرج منه ، الضوء ينجذب إليه فيرتد نحوه .

 

 

التفكر في خلق السماوات والأرض أسرع طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه على الله :

أيها الأخوة الكرام ، أسرع طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، التفكر في خلق السماوات والأرض :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .

 

( سورة آل عمران : 190-191) .



أيها الأخوة الكرام ، أحاول أن أضع يدي على مشكلة المسلمين ، عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر ، ولو عرفوا الآمر ثم عرفوا أمره لتفانوا في طاعته .
أيها الأخوة الكرام ،

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

. عبادة التفكر أرقى عبادة ، العبادة الأولى التي تعرفك بالله ، وإذا عرفت الله عرفت كل شيء ، "ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء" .
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين .

 

* * *

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

الإيمان ليس مجرد إعلام المرء بلسانه أنه مؤمن وإنما الإيمان بوجود الله تعالى ووحدانيته :

لذلك ، الإيمان ليس مجرد إعلام المرء بلسانه أنه مؤمن :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا (136) ﴾

 

(سورة النساء)



إيمانكم لا يكفي ، وليس الإيمان مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر اعتاد أن يقوم بها المؤمنون ، وليس مجرد معرفةً ذهنية بحقائق الإيمان ، وبكلمة مختصرة ليس الإيمان مجرد عمل لساني ، ولا عمل بدني ، ولا عمل ذهني ، إنما هو عمل نفسي ، يبلغ أغوار النفس ، ويحيط بجوانبها كلها ، إدراكاً ، وإرادة ، ووجدان .
لابدّ من إدراك ذهني تنكشف به حقائق الوجود على ما هي عليه ، وهذا الانكشاف الكامل المطلق لا يتم إلا عن طريق الوحي الإلهي المعصوم ، و لابدّ أن من أن يبلغ هذا الإدراك العقلي حدّ اليقين :

 

 

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾ .

 

 

( سورة التكاثر ) .



لا يزلزله الشك ولا الارتياب ، ولابدّ من أن يصحب هذه المعرفة الجازمة إذعان قلبي ، وانقياد إرادي ، يتمثل بالخضوع والطاعة ، ولابدّ من أن يتبع تلك المعرفة حرارة وجدانية ، مضمون هذا الإيمان وجود الله تعالى ، ووحدانيته ، وكماله ، والإيمان بالنبوة والرسالة ، وبوحدة الدين ، والإيمان بمُثُل عليا إنسانية واقعية ، وقدوات بشرية ممتازة ، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق ، وصالح الأعمال ، وفضائل النفوس ، حقائق واقعة وشخوصاً مرئية للناس ، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس ، أو أمان في بعض النفوس ، أو نظريات في الكتب والقراطيس ، كيف يقبل العقل الحُرّ ، أو ترضى الفطرة السليمة ، أن تنتهي الحياة ، وقد طغى فيها من طغى ، وبغى فيها من بغى ، وقتل فيها من قتل ، وقتل فيها من قتل ، وتجبر فيها من تجبر ، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه .
عند ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ يرى أن الإيمان باليوم الآخر دليله عقلي ، وعند معظم العلماء دليله إخباري ، لأن العقل لا يقبل أن يكون هناك قوي وضعيف ، والقوي يأكل الضعيف ، وظالم ومظلوم ، وتنتهي الحياة ولا شيء بعدها .
أيها الأخوة الكرام ، هذا الذي أجرم ونجا ؟ وفي المقابل كم استقام من استقام، وأحسن من أحسن ، وضحّى من ضحّى ، وجاهد من جاهد ، وقدّم من قدّم ، ولم ينل جزاء ما قدّم ، ألا يحق للعقل أن يؤمن إيماناً جازماً أنه لابدّ من أن توجد دار أخرى تسوّى فيها الحسابات ، يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ؟ هذه بعض حقائق الإيمان .

 

 

آثار الإيمان في نفس الإنسان :

ما هي آثار الإيمان في نفس الإنسان ؟

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ .

 

( سورة الإسراء ) .



إن الإنسان مخلوق كريم عند الله ، خلقه في أحسن تقويم ، وكرمه أعظم تكريم ، وصوَّره فأحسن صورته ، خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وميزه بالعلم والإرادة ، وجعله خليفته في الأرض ، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، فكل ما في الكون له ولخدمته ، أما هو فجعله الله تعالى لذاته ، لذلك يشعر المؤمن بقيمته عند الله عز وجل ، إنه يعتز بانتسابه إلى الله عز وجل ، وارتباطه بكل ما في الوجود ، ويحيا عزيز النفس ، عالي الرأس ، أبياً للضيم ، عصياً على الذل ، بعيداً عن الشعور بالتفاهة ، والضياع ، والصغار ، والفراغ.
لذلك قال بعض العارفين بالله :

 

 

دَوَاؤكَ فيكَ وما تَشْعُـرُ و داؤكَ منكَ و ما تبصرُ
وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ
***

 

 

الدعاء :


اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، انصر المسلمين في كل مكان ، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين ، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين