الدرس : 39 - سورة الأنعام - تفسيرالآيتان 103-104 ، من أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها

2005-09-23

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

طبيعة أجسامنا لا تحتمل أن نرى الله في الدنيا لكن يوم القيامة هناك بشارة قرآنية :

 مع الآية الثالثة بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾

 طبيعة الجسم البشري لا تحتمل أن يرى الله في الدنيا بعينيه ، لكن يوم القيامة هناك بشارة قرآنية ، يقول الله عز وجل :

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

( سورة القيامة )

 ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم في الجنة يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام ، فنحن كما وعدنا ربنا عز وجل ـ ونسأل الله أن نكون من أهل الجنة ـ يمكن أن نرى الله في الجنة ، لكن طبيعة أجسامنا لا تحتمل أن نرى الله في الدنيا ، سيدنا موسى قال :

﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾

( سورة الأعراف )

من لم يكن طالباً لمعرفة الله فهو مشغول عن هذه المعرفة بشهواته :

 إن لم نستطع أن نرى الله بأعيننا يمكن أن نراه ببصائرنا ، يمكن أن نراه بعقولنا، فالله عز وجل جعل الكون كله دالاً عليه ، وجعل الكون كله تجسيداً لأسمائه الحسنى ، ومظهراً لصفاته الفضلى ، فكل شيء في الكون يدل على الله ، يدل عليه موجوداً ، ويدل عليه واحداً ، ويدل عليه كاملاً .
 لكن الإنسان متى يراه ؟ هذه الأدلة الصارخة ، وعلى رأسها الآيات الكونية ، ثم الآيات التكوينية أفعاله ، ثم الآيات القرآنية ، إذا أراد ، إذا طلب ، ما لم يكن طالباً لمعرفة الله فهو مشغول عن هذه المعرفة بشهواته ، لأن حبك الشيء يعمي ويصم .

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْراً﴾

( سورة الأنعام الآية : 24 )

 إياك أن تتصور أن هذا الـ (جعل) من الله ، هذا يسميه علماء التفسير تحصيل حاصل فأنت حينما تغلق الباب الخارجي لهذا المسجد فالداخلي مغلق حكماً ، ولو أنه مفتوح ، حبك الشيء يعمي ويصم :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)﴾

( سورة البقرة )

 أيضاً هذا الختم بالتعبير الحديث تحصيل حاصل ، لماذا ؟

﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾

( سورة البقرة)

 أنت حينما تغلق منافذ القلب فالقلب مختوم عليه حكماً ، منفذ القلب السمع والبصر إما أن ترى الآيات بأعينك ، وإما أن تستمع للحق بآذانك ، لا تستمع إلى الحق لأن الشهوة حجاب بينك وبين الحق ، ولا تلقي نظراً إلى الآيات لأن الشهوة حجاب بينك وبين الآيات .

 

يستحيل لقلب ملوث بالشهوات والشبهات أن يدرك معاني القرآن الكريم :

 أيها الأخوة ، هناك آية تقرب المعنى :

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾

( سورة الواقعة )

 هذه( لا ) نافية ، و( لا ) النافية تؤكد أمر الله التكويني ، بينما ( لا ) الناهية تؤكد أمر الله التكليفي ، فلا يمكن ويستحيل لقلب ملوث بالشهوات وبالشبهات أن يدرك معاني هذا القرآن الكريم . دليل آخر :

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)﴾

( سورة الشعراء )

 إنسان أعجمي فارسي ، فقرأه عليهم باللغة الفارسية :

﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

( سورة الشعراء )

إن أردت الحقيقة فأبسط شيء يدلك على الله :

 قال :

﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)﴾

( سورة الحجر )

 الآن أنت لو التقيت مع إنسان يتكلم اللغة الكردية مثلاً ، أو اللغة الفارسية ، والله حتى الأرقام لا تعرفها ، أنا كنت في إيران ، حتى الأرقام لا أعرفها ، فكنت أمسك بآلة حاسبة وهو يضغط على الأزرار كي أعرف السعر ، لو أن هذا القرآن نزل باللغة الفارسية مثلاً ، وقرئ علينا بالفارسية لا نفهم منه حرفاً .
 أحياناً يسافر الإنسان إلى بلد لغته بعيدة عن اللغة الأصلية ، يستمع إلى الأخبار فلا يفهم كلمة ، ولا حرفاً ، قال تعالى :

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 إذاً الإنسان يشبه آلة تصوير غالية جداً ، فيها دقة بالغة ، فالذي يريد الحقيقة ففي آلته فيلم ، والذي لا يريدها مهما نقلت الصورة عبر العدسة إلى داخل الآلة لكن ليس فيها فيلم، التقط رغبتك في معرفة الحقيقة ، هذه القطع التي تنطبع عليها الصور .
 بشكل أعمق : أنت حينما تطلب الحقيقة هل تصدق أن غديراً يدلك على الله ؟ الماء يدل على الغدير ، والبعرة تدل على البعير ، وآثار قدم تدل على المسير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
إن أردت الحقيقة فأبسط شيء تعرف الله به ، وإن أبيت الحقيقة لو أنك موظف في محطة ( ناسا ) الفضائية أكبر محطة فضائية في العالم ، وهناك تلسكوب عدسته استغرق تبريدها أكثر من عشر سنوات ، تبريد العدسة ، وقد ترى المجرات بألوان تأخذ بالألباب ، وقد ترى بهذه المراصد ما لا يصدق ، ولو كنت في موقع صحي في مجهر إلكتروني ، ورأيت الخلية ، ورأيت في الجسم أشياء لا يصدقها العقل ، لو استطعت أن ترى الذرة تحوم حول النواة ، ولم تكن مريداً للحقيقة لا تنتفع بها إطلاقاً .

 

الكون كله عن طريق عقلك يدلك على الله :

 هناك قرار داخلي يا أخوان ، إن أردت معرفة الله فكل شيء يدلك عليه ، بدءاً من كأس الماء ، وانتهاء بالمجرات ، طعامك ، شرابك ، ابنك .
 مرة عرضنا على أخواننا الطلاب موسوعة علمية عن خلق الإنسان ، أكثر ما يلفت النظر أن الأوعية الدموية التي طولها مئة وخمسون كم عبارة عن خلايا تتجانس ، تتشابه في نموها ، تتواصل ، بالنهاية تصبح أنبوباً مغلقاً ، ويبدأ الدم يسري فيها ، ولو دخلت في تفاصيل الوعاء الدموي طبقات وعضلات ، أحيانا الإنسان يصفر ، كيف يصفر ؟ يوجد في كل الأوعية الدموية عضلات دائرية تضيق لمعته توفيراً للدم من أجل العضلات ، الخائف يصفر لونه ، هناك مرونة بالغة ، الوعاء قلب الوعاء ، معنى قلب ، حينما يأتيه النبض يتوسع فإذا توسع يعود إلى حجمه الطبيعي بمرونته ، صار قلباً ، توسع وضغط .
 لذلك الإنسان متى يتعب قلبه ؟ حينما تتصلب شرايينه ، وما هو الدواء الغذائي الأول في تليين الشرايين ؟ زيت الزيتون ، الإنسان أحياناً لو نجا من كل الأمراض الوبيلة يموت بتصلب الشرايين ، وزيت الزيتون يهيئ للإنسان ليونة في الشرايين إلى أقصى وقت ممكن ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( كلوا الزيت ، وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة ))

[ رواه الترمذي عن عمر وأحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي أسيد ]

 هذا ليس من عنده :

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم )

 إذاً أنت ببصرك ، بعين رأسك لا يمكن أن ترى الله ، ولكن الكون كله عن طريق عقلك يدلك على الله ، فالمعرفة اليقينية محققة .
 تماماً كما لو رأيت دخاناً وراء جدار ، عقلك جهاز دقيق جداً ، له مبادئ ، يقول لك عقلك : لا دخان بلا نار ، فأنت تحكم على أن وراء الجدار ناراً بالمئة مليون ، هذا اليقين العقلي ، أما حينما تلتف وراء الجدار ، وترى النار بأم عينك صار يقيناً حسيّاً ، هذا عين اليقين ، أما إذا اقتربت من النار ، ووصل وهجها إلى وجهك فهذا حق اليقين ، من علم اليقين إلى حق اليقين إلى عين اليقين ، فنحن في الدنيا بعلم اليقين هناك استنباطات تأخذ اليقين المطلق ، وأنت لا ترى الشيء .

 

العقل أداة معرفة الله عز وجل وهو مناط التكليف :

 أنت لاحظ أخواننا الكرام الذين يعملون في تصليح الآلات ، يقول لك : وضعنا الشريط بالمأخذ الكهربائي ، المكواة لم ترتفع حرارتها ، أول احتمال لا توجد كهرباء ، ندير مفتاحاً فيتألق المصباح ، إذاً هناك كهرباء ، إذاً لعل هذا المأخذ فيه خلل ، نأتي بوسيلة ، ببلورة نضعها في المأخذ فتتألق ، إذاً كان احتمال الخطأ أن ليس هناك كهرباء ، ثم نشأ احتمال آخر وهو خلل في المأخذ ، فلما أثبت المأخذ أنه سليم معنى ذلك أن الخلل في الشريط نأتي بشريط آخر ، فإن لم تعمل المكواة فالمكواة معطلة في أصلها ، نظرت كيف الفكر البشري ؟
 الله أعطانا جهازاً له ثلاثة مبادئ ، مبدأ السببية ، مبدأ الغائية ، مبدأ عدم التناقض، أنت لا تفهم شيئاً بلا سبب ، ولا تفهم شيئاً بلا غاية ، ولا تقبل التناقض ، والكون مصمم على مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض ، الله عز وجل برمج عقلك وفق الكون ، خلق الكون وفق مبادئ ، وبرمج عقلك وفق مبادئ ، فلذلك العقل أداة معرفة الله عز وجل وهو مناط التكليف ، والآيات التي تتحدث عن العقل تقترب من ألف آية .

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

 لكن العقول أيها الأخوة تصل إلى الله ولا تحيط به .

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

( سورة البقرة الآية : 255 )

 أنت لاحظ بيتك ، أنت جالس في غرفة ، لكنك محيط بهم ، طبعاً تعرف غرفة النوم ، وغرفة الاستقبال ، وغرفة الطعام ، وغرفة الأولاد ، تعرف المطبخ ، والحمام ، والمرافق ، أنت جالس بمكان محدود لكنك أحطت بكل ما في البيت علماً ، وتعرف ما في البيت إما عن طريق الصوت ، أو عن طريق الرائحة ، إذا هناك شيء له رائحة ، فتعرف .
 الذي أريد أن أقوله لكم : أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تحيط به ، هو لا نهائي ،

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

 ولكن العقول تصل إليه ، تماماً كما لو ركبت مركبة واتجهت إلى الساحل ، هذه المركبة تصل بها إلى الساحل ، لكنك لن تستطيع أن تمخر بها عباب البحر ، العقل يقف .
 لذلك قالوا : لا يعرف الله إلا الله ، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك ، وعين العلم به عين الجهل به ، وعين الجهل به عين العلم به .

 

الله تعالى معنا في كل حركة وسكنة ولا تخفى عليه خافية :

﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

 ما علاقة اللطيف الخبير بالآية ؟ هو موجود ، لو أن إنساناً صاحبك لا تحتمله ، الله معك ، في خلوتك ، وفي جلوتك ، وفي سرك ، وفي علانيتك ، الآية الكريمة :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

( سورة الشعراء )

 هو معك ، لكنه لطيف ، معك ويراقبك ، ويعلم ما تقول ، وما تنطق من كلمة إلا هو يعلمها ، ولا تأتيك خاطرة إلا وهو يعلمها .

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

 

( سورة الأنفال )

 أقرب شيء لك قلبك ، واللهُ بينك وبين قلبك ، حتى الخواطر مكشوفة عند الله ، لا تخفى عليه خافية .

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾

( سورة الحاقة )

معنى كلمة خبير :

 إذاً الله معنا ، لكنه لطيف ، لطيف وهو معنا .

 

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾

( سورة الحديد )

 معكم بعلمه ،

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

 كلمة خبير الحقيقة تحير ، ما الفرق بينها وبين العليم ؟ والله قضية خبرة شخصية ، أحياناً تصنع آلة وفق أعلى مواصفات علمية ، كلها قوانين بالميكانيك ، والفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، لكن على الاستعمال تكتشف بعض الأخطاء ، أن قطعة المحرك هذه ضعيفة ، عدة مركبات كسرت ، فالخبرة أن تعلم صلاحية هذه الأفكار النظرية في أثناء التطبيق ، في أشياء كثيرة تصنع ثم تعدل ، أوضح شيء بالبذور ، ما من شركة زراعية يمكن أن تقول لك: هذه البذرة هكذا مواصفاتها ، تقول لك : ازرعها وأعطنا النتائج ، لا تأخذ خصائص البذور إلا من التجارب ، لكن ما من جهة علمية تستطيع أن تتنبأ بخصائص هذه البذرة ، فالخبرة هي علم مطبق ، أو هي علم قابل للتطبيق من دون ثغرات ، وهناك أشياء لا تعد ولا تحصى في الصناعة ، في الميكانيك ، في الأدوية أحياناً ، خبرة نظرية رائعة ، على التطبيق هذا الدواء يسبب مرضاً جلديّاً ، يسبب حساسية ، هذا الدواء يؤثر على القلب ، هذا الدواء يحدث جلطة .
 الآن دقق : ما كان بإمكان الإنسان أن يعلم وهو يصنع الدواء أن هذا الدواء له مضاعفات في القلب خطيرة إلا بعد أن يطرح بالأسواق ، أو يجرب على الفئران سابقاً ، ثم على بني البشر في العالم الثالث لاحقاً ـ وهذه وصمة عارٍ بحق البشرية ـ أن الشركات العملاقة في العالم الغربي الآن تجرب دواء على دول في العالم الثالث ، على أساس دواء مسموح باستيراده ، يرسلون مندوبين ليكتشفوا النتائج ، فإذا كان فيه سلبيات يمنع طرحه للبيع في بلد المنشأ ، فلذلك ليس بإمكان أي شركة أدوية أن تصنع دواء وتتنبأ بالأخطاء الجانبية التي يمكن أن تنتج عنه ، هذه تريد خبرة ، الله هو الخبير ، لذلك قال تعالى :

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

( سورة فاطر )

 أنت دائماً لا حظ نفسك إذا كان ـ لا سمح الله ولا قدر ـ عندك أعراض مرض عضال ، لا يمكن أن تسلم نفسك لطبيب عادي ، إلا لطبيب معه اختصاص من أكبر دولة في العالم بهذا المرض ، دعك من جسمك ، الجسم غالٍ جداً ، جهاز كمبيوتر لا تسلمه لبائع خضار يصلح لك خلله ، تبحث عن وكيل الشركة الصانعة ، فأنت تحب الخبير .

 

أن تشعر بمعيَّة الله عز وجل هذه أكبر ضمانة لاستقامتك :

 والله قال :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 صدق وآمن أن الله وحده هو الخبير بأسباب سلامتك ، وأسباب سعادتك ، وحينما تتوهم أن السعادة بالمعصية فهذا منتهى الجهل ، مستحيل وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، أو أن تعصيه وتربح ، لكن الله عز وجل يحب أن يمتحن الإنسان ، كل المعاصي تقريباً محببة ، ويبدو أنها تسعد الإنسان إلى حين ، لكن السعادة الحقيقية تأتي من الطاعات ، القضية تحتاج إلى إيمان ،

﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

 لذلك ورد في بعض الأحاديث : أن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ، ومقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، الحقيقة أن تشعر بمعيَّة الله عز وجل هذه أكبر ضمانة لاستقامتك ، ثم يقول الله عز وجل :

﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)﴾

( سورة الأنعام )

 أخواننا الكرام ، الإنسان بجبلته دائماً يميل إلى أن ينسب أخطاءه لغيره ، أولاً لئلا يختل توازنه ، أو لئلا يكون مداناً عند الناس ، فما من سيئة إلا وتنسب إلى القضاء والقدر ، هكذا الله أراد لي ، نحن عبيد ، ما بيدنا شيء ، هذا ترتيب الله ، ترتيب سيدك ، يرتكب حماقات وأخطاء ، وهناك نغمة ثانية ، كلما ارتكب خطأ يقول : الله يلعن الشيطان ، العن نفسك ، الشيطان لا علاقة له .

 

لا يستطيع أحد أن يُضل أحداً إلا إذا كان على شاكلته :

 قال تعالى :

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾

( سورة إبراهيم )

 والله أيها الأخوة ، الذي يرتكب خطأ ، أو معصية ، أو حماقة ، ثم يلعن الشيطان مثله تماماً كإنسان يرتدي أجمل الثياب البيضاء في الصيف ، والثياب مستوردة وغالية جداً ، أناقة ما بعدها أناقة ، ورشاقة ما بعدها رشاقة ، إذا هو يسقط في حفرة فيها مياه آسنة ، مياه المجاري ، سوداء ، يخرج من هذه الحفرة ، ويتجه لتوه إلى المخفر ليشتكي على شخص ما ، فقال له الشرطي وهو يكتب الضبط : هو دفعك إلى هذه الحفرة ؟ قال : لا والله ، حرام ، ما دفعني ، لماذا تشتكي عليه إذاً ؟ لعله شهر في وجهك مسدساً ، وأجبرك على أن تنزل ؟ لا والله لم يفعل هذا ، أيضاً حرام ، هناك ملائكة تحاسبني ، لماذا تشتكي عليه ؟ هل دفعك ؟ لا والله ، لا دفعك ولا أجبرك ، لماذا تشتكي عليه ؟ قال له : قال لي انزل فنزلت ، هذا يحتاج إلى حَجْر السفاهة ، هكذا الشيطان :

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

 وأنا أيها الأخوة ، أعتقد ومعي أدلة في القرآن كثيرة أن لا أحد يستطيع أن يضل أحداً ، إلا أن الذي يتبين أن زيداً أضل عبيداً ، عبيد عنده استعداد للضلال ، ويرغب في الضلال ، فكان ضلاله بسبب كلمة فلان ، أحياناً طالب في صف يستطيع أن يوسوس للصف كله ، لكن لا يستجب له إلا من كان على شاكلته فاسداً ، الإنسان مخير ،

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾

النبي مبلِّغ فقط وأنت إما أن تستجيب أو لا تستجيب :

 والله الآن يا أخوان ، الحق واضح وضوحاً لا يوصف ، في الخمسينات كان الحق يمثل اللون الأبيض ، والباطل اللون الأسود ، وهناك عشرة آلاف لون رمادي بينهما ، فالناس تائهون في هذه الألوان التي بين الأبيض والأسود ، الآن سبحان الله ! إما ولي ، وإما إباحي ، إما مؤمن مستقيم ، وإما ملحد ، الآن الوضع آخذ حالات حادة ، حادة جداً ، إما فتاة تكاد تخرج من كل ثيابها ولا تعبأ بشيء ، أو فتاة لا يبدو منها شيء ، الأولى تبحث عن المتعة الرخيصة ، الأولى متفلتة ، والثانية تبحث عن مرضاة الله عز وجل ، الأمر واضح جداً ، والعالم أصبح صغيراً جداً ، كل شيء واضح مع أن الآن الضلال كبير ، وقوي ، بالمقابل الهدى كبير وقوي ، فلذلك :

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾

 ـ الآن ـ

﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

( سورة ا\لبقرة الآية : 256)

 وقال :

﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾

( سورة فاطر )

 النبي مبلِّغ فقط ، أنت إما أن تستجيب أو لا تستجيب ، وأنت مخير فيما أنت مكلف به ، والله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً في إرادتك ، تماما مثل كرة ، ليس لنا أن نمسكها بيدنا ونضعها في محل معين ، ولا أن ندفعها إلى مكان معين ، لمس الكرة ممنوع ، لكن نحن نعمل لها مسطحاً مائلاً ، نرغبها بالإيمان ، إذا كانت معصية يصبح مسطحاً صاعداً، نحن نعمل ظرفاً محيطاً بها يكرهها بالمعصية ، وظرفاً محيطاً بها يحببها بالإيمان ، الله قال :

 

﴿اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾

( سورة الحجرات الآية : 7 )

يشدك إلى الدين معاملة الله لك بعد أن اصطلحت معه :

 الله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً في إرادتك ، ممنوع ، لكن أجمل ما في الموضوع أنت حينما تتخذ قراراً صحيحاً يرضي الله ، الله عز وجل يملأ قلبك راحة وطمأنينة، الآن أفعالك تدعمك بالتوفيق ، جرب ، اطلب طلباً يرضي الله ، الأمور كلها في خدمتك ، تطلب أن تنفق يأتيك الله بالمال من حيث لا تحتسب ، تطلب أن تدعو إلى الله يلهمك أن تقول كلاماً مؤثراً ، تطلب أن تعاون الناس يعطيك وسائل المعاونة ، لذلك : " إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق العمل فيك ونسبه إليك " .
 الله عز وجل لا يتدخل تدخلاً مباشراً ولكن يحيطك بظروف تدعوك إلى الإيمان ، وأحياناً يخوفك أو يرسل لك عقبات تمنعك أن تعصي الله عز وجل .
 رجل كان عليه زكاة مال ما يقارب عشرة آلاف ليرة ، طلبت منه زوجته أن يشتري أثاثاً جديداً للبيت ، وأن يدهنه ، ضغطت عليه إلى أن حملته على أن يمتنع عن دفع زكاة ماله ، وأن يصلح البيت بهذا المال ، ارتكب حادث سير مع سيارة ثانية ، أقسم بالله العظيم أن كلفة إصلاح السيارة كانت ما يقارب عشرة آلاف ليرة ، هذا الدرس من الله ، المبلغ الذي لم يدفعه زكاة ماله دفعه لإصلاح مركبته ، وقس على هذا الأمر .
 أنا أرى أن الذي يشدك إلى الدين شدّاً قويّاً ليست أفكار الدين ، مع أن أفكار الدين رائعة ، الدين قدم لك فلسفة أولاً عميقة وشاملة ومتناسقة ، ثلاث كلمات ، عميقة وشاملة ومتناسقة ، الإنسان إذا كفر بالله عنده ثغرات في فهمه ، عنده ألف سؤال بلا جواب ، أما المسلم حينما اهتدى إلى الله وقرأ القرآن فعنده فلسفة شاملة ، وكاملة ، وعميقة ، ومتناسقة عن الكون والحياة والإنسان ، عن المصائب ، عن الغنى والفقر ، عن العمر ، عن الإنجاب وعدم الإنجاب ، معه تفسير دقيق ، لكنني متأكد أن الذي يشدك إلى الدين ليست هي أفكار الدين ، مع أنها عميقة ، وشاملة ، وكاملة ، ودقيقة ، ومتناسقة ، لكن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك بعد أن اصطلحت معه .

 

الإنسان مخير فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها :

 شاب مؤمن يعمل في معمل ، المعمل لوالده ، والمعمل ضخم ، وجيد ، ودخله كبير جداً ، جاءه من يطلب منه قطعة من البلاستيك بعدد كبير ، وأرباحها كبيرة ، طبعاً فرح ووافق ، وكل شيء انتهى ، وهو يخرج قال له : هذه أريد لونها خمري ، قال له : مثلما تريد ولكن ما السبب ؟ قال له : أريد أن أضعها مَسكة لعلبة وِيسكي ، قال : والله أعتذر ، ما ترك طريقة يتوسل له بها أن ينفذ هذا العقد ، فلما امتنع وصل إلى والده ، الوالد ليس بمستوى ابنه غضب كثيراً ، قال له : أنت لا علاقة لك ، هذا تزمت ، أصرَّ الابن ، أنا لا أفعلها ، هذه تتناقض مع مبدئي ومع ديني ، يقسم بالله العظيم وهو حي يرزق ، وأنا استأذنته أن ألقي قصته على المجموع ، قال لي : والله بعد اثنين وعشرين يوماً جاءني عرض ، أقول : إذا كانت أرباح العرض الأول أربعمئة ألف فأرباحه هنا كانت أربعة وعشرين مليوناً .

(( ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))

[ رواه ابن عساكر عن ابن عمر ]

 هذا الأخ يمكن في المستقبل أن تأتيه في معصية فيوافق ، ما الذي شده للدين ؟ معاملة الله له ، وأنا أقول لكم كلاماً دقيقاً : ما منا جميعاً واحد يخطب ود الله إلا ويرى بالملموس والمحسوس وفوراً معاملة الله تغيرت ، بصحتك ، ببيتك ، بأولادك ، بعملك ، بتوازنك ، بسعادتك ، براحة نفسك ، بطمأنينتك ، الله موجود ، هو ينتظر من هذا العبد حركة .

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

( سورة الكهف )

 أيها الأخوة ، هذه الآية مضمونها واضح أن الإنسان مخير فمن أبصر فلنفسه ، للتوضيح هناك بث إذاعي ، أنت معك جهاز استقبال ، تفتح وتلتقط البث باختيارك ، أو لا تلتقط البث باختيارك ، أو تضع المؤشر على أغاني ساقطة أيضاً باختيارك ، فالبث موجود ، والاختيار بيدك ، انظر الآية :

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾

 فأنت مخير ، الأدلة على كل شيء في الدين موجودة ، فأنت إن أردت الدين فالأدلة موجودة ، استقبلها ، وإن لم ترد فالأدلة موجودة ، أعرض عنها ، لكن عليها :

﴿ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

 النبي e نذير ومبلغ ، لكن ليس علينا بحفيظ .

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾

( سورة الغاشية )

 ليس بحفيظ ، ولا بوكيل ، ولا بمسيطر أنت مخير .