الدرس : 09 - سورة الأعراف - تفسير الآيات 18- 23

2007-02-09

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الثامنة عشرة ، وهي قوله تعالى :

﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

( سورة الأعراف )

وقبلها :

 

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

( سورة الأعراف )

خطة الشيطان :

1 – إن ربك لبالمرصاد :

أيها الإخوة ، بلغ الغرور للشيطان أنه رسم خطة ، وظن أن هذه الخطة ستنجح ، وهذا يذكرنا بقوله :

 

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ﴾

( سورة الأنفال الآية : 59 )


أي أن الذين كفروا حسبوا أن يفعلوا شيئاً ما أراده الله ، أو أن يتفلتوا من عقاب الله .
أيها الإخوة ، لمجرد أن تتوهم أنك تستطيع أن تفعل ما تشاء فأنت لا تملك من الإيمان شيئاً ، إبليس توهم أنه سيرسم خطة ينتقم بها من آدم الذي أبى أن يسجد له ، وصار من الصاغرين ، وينبغي أن ينتقم منه ومن ذريته إلى يوم القيامة ، فلذلك قال الله له :

﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾

ماذا تذكرنا كلمة :

﴿ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ﴾

المؤمن محمود عند الله ، وعند الخلق ، وعند نفسه ، وغير المؤمن مذموم عند الله ، وعند الخلق ، وعند نفسه .

2 – إياكم وانهيار الإنسان الداخلي :


وقد لا ننتبه من انهيار الإنسان من داخله ، لأن فطرة الإنسان متطابقة مع الشرع تاماً تطابقا ، فإذا بنى مجده على أنقاض الآخرين يختل توازنه ، وتنهار نفسه ، ويحتقر ذاته ، وقد يكون عند الناس ، لكن الأعمال السيئة تدرك بالفطرة ، والفطرة تعذب صاحبها ، فهؤلاء الذين اصطلحوا مع فطرهم ، واصطلحوا مع ربهم ، بمعنويات عالية جداً ، لأنهم انتصروا مع أنفسهم ، لكن هؤلاء الذين بنوا مجدهم على أنقاض الآخرين ، وبنوا حياتهم على موتهم ، وأمنهم على خوفهم ، هؤلاء سقطوا من الداخل ، هذا اسمه انهيار داخلي ، أو اختلال توازن داخلي ، أو احتقار الذات ، قد يكون عند الناس عظيماً مبجلاً محترماً ، لكنه في الحقيقة يحتقر ذاته .

 

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا

أيها الإخوة ،

 

﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾

الاحترام والسمعة الطيبة من صفات المسلم :

يقابل هذا المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام من أسمائه محمود ، أي محمود عند الله ، ومحمود عند الناس ، ومحمود بين أهله ، ومحمود عند نفسه
احترام المرء لذاته لا يقدر بثمن ، أن تكون مستقيماً وصادقاً ووفياً ، ومنصفاً ، وعزيز النفس ، ولو كنت في المرتبة الدنيا من المجتمع ، ولو كنت مستخدماً ، الذي يطيع الله عز وجل يشعر بعزة .
يروى أن سيدنا الحسن مشى مشية فيها زهو ، فقيل له : يا ابن رسول الله ، ما هذا ؟ قال : هذا عز الطاعة .
المؤمن عزيز ، فإبليس لأنه كاد لآدم ولبنيه من بعده ، وقرر أن يغويهم أجمعين انتقاماً من آدم الذي لا علاقة له بصغاره ، هو أبى أن يسجد ، فكان عند الله من الصاغرين ، أراد أن ينتقم من آدم ومن ذريته أجمعين فقال :

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

والآية شرحت في اللقاء السابق .

تمهيد للآية :

1 – بين العقل والذكاء :


أيها الإخوة ، هذا يقودنا إلى موضوع دقيق ، هو أن الإنسان عنده ذكاء ، وعنده عقل ، والعقل شيء ، وقد يظن الناس أنهما شيء واحد ، لأنه قيل : ما كل ذكي بعاقل ، فقد تملك دماغ بمستوى عالٍ جداً ، وهذا المستوى يقاس الآن في علم النفس بعلامات ، معظم الناس يحتلون درجة مئة ، والعباقرة 140 ، والأغبياء في الثمانين ، بالحد الوسط مئة ، هناك عباقرة ، هناك قادة ، هناك نجوم ، هناك متفوقون ، هؤلاء ذكاؤهم بأعلى مستوى ، لكن ما كل ذكي بعاقل ، قد تتقن عملاً ، قد تبرع في كشف شيء ، قد تخترع شيئاً ، قد تملك ذاكرة قوية جداً ، قد تملك ملاحظة قوية جداً ، قد تملك قوة محاكمة كبيرة جداً ، لكن لأنك لم تعرف ربك ، ولم تعرف سر وجودك ، ولم تعرف غاية وجودك ، ولم تستقم على أمر ربك ، ولم تتقرب إليه ، ولم تضع الآخرة نصب عينيك ، ولم تعمل للجنة ، فأنت لست عاقلاً ، الإنسان يكون عاقلاً إذا عرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، يكون عاقلاً إذا عرف ربه .

2 – ذكاءٌ إبليسيٌّ :


فإبليس في أكثر الكتب تشهد له بالذكاء ، بمعنى أنه بارع جداً في إضلال البشر ، هذا الذي يخترع سلاحا فتاكا ، وليكن سلاحا جرثوميا ، أو سلاحا كيماويا ، وآثار السلاح مخيفة ، لا شك أنه ذكي جداً ، لكنه ليس عاقلاً ، لأنه كان أداة لهدم المجتمعات ، وإنزال المصائب ببني البشر ، هذه كلمة دقيقة : ما كل ذكي بعاقل ، العاقل من عرف الله .
ولما مشى النبي عليه الصلاة والسلام ، ورأى مع أصحابه مجنوناً ، وسأل من هذا ؟ طبعاً سألهم سؤال العارف ، قالوا : مجنون ، قال : لا ، هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله .

 

 

3 – إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا

أيها الإخوة ،

 

 

﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴾

ثم قال لنا في سورة أخرى :

 

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء )


صحيح هو الشيطان يتمنى إغواء بني آدم ، لكن الله طمئننا .

 

﴿ ِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾

( سورة الإسراء الآية : 65 )

اطمئنوا .

 

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

( سورة إبراهيم الآية : 22 )

الشيطان ليس له علينا سلطان ، والشيطان ليس له على عباد الله سلطان ، والشيطان يحترق بكلمة واحدة ،

( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ﴾

 

( سورة الأعراف )

تملك أن تقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فينتهي دور الشيطان ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾

كائن قوي ، ومعك سلاح فتاك ، ولا يملك مثل هذا السلاح ، عن بُعد شديد تصوب نحوه فتقتله ، انتهى الأمر ، هكذا الشيطان .
أيها الإخوة ، لكن حينما قال :

 

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

( سورة يوسف الآية : 28 )

4 – إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ

الشيطان كيده ضعيف ، والمرأة كيدها عظيم ، لأنك بحاجة إليها ، ولأن جزء من كيانك متعلق بها ، لذلك تعرف كيف تُضعف من تعلق بها ، ولا يكون المؤمن مؤمناً إلا إذا كان حراً من كل الشهوات ، لا أقول : أن لا يقبل عليها بالحلال ، لا ، ليس هذا هو المعنى ، لكن :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

تعس عبد الفرج ، وبالمقابل سعد عبد الله ، عبد الله حر ، يتزوج ، ويُكرم بزوجة ، تسره إن نظر إليها ، وتطيعه إن أمرها ، وتحفظه إن عاب عنها ، ولكن ليس عبداً لها .
صحابية ضغطت على زوجها من أجل حاجة دنيوية ، فقال زوجها الصحابي الجليل : << اعلمِ أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداها على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهم من أجلك >> .
فلذلك :

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾

وبالمقابل :

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ

ثم يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

( سورة الأعراف )

1 – ما هي الجنة المقصودة في هذه الآية ؟

أية جنة هذه ؟ هناك من يظن أنها جنة الآخرة ، جنة الآخرة من خصائصها أن من دخلها لا يخرج منها ، والدليل :

 

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾

( سورة الحجر )

وجنة الآخرة تأتي بعد التكليف ، لا قبل التكليف ، وكلمة جنة يعني مكان محجوب عن الآخرين ، منها المِجنّ .

 

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾

( سورة الأنعام الآية : 76 )


والمجن هو الترس ، والجنة لا يطلع من كان خارجها على ما فيها ، فأي مكان جميل محاط بأسوار هو جنة ، على كلٍ أكثر المفسرين على أن الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام هي جنة في الأرض ، والذي يتوهم أن البلاء كله من حواء التي أغرته بأكل التفاحة من الشجرة فاستحق هو وزوجته أن يخرجا هذا كلام مضحك ، لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

( سورة البقرة الآية : 30 )

أنت أيها الإنسان مخلوق في الأرض ، وما كان آدم في الجنة إلا ليتلقى درساً بليغاً له ولذريته من بعده ، الدرس البليغ :

 

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾

( سورة فاطر الآية : 6 )

درس بليغ ، قد يكون في الأرض كذب ، لأن الشيطان قاسمهما :

 

﴿ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾

( سورة الأعراف )

كان كاذباً بهذا القسم ، فدرس كبير أن الشيطان عدو للإنسان ، ودرس آخر أن هناك شيء اسمه الكذب ، وكذب الشيطان عليهم .

2 – الأرض موطن الامتحان :

على كلٍ أيها الإخوة ، أريد أن أبين أن الله سبحانه وتعالى جاء بآدم إلى الأرض ليمتحن فيها ، ومعه أوامر ونواهٍ ، افعل ولا تفعل
مهمة الشيطان أن يوسوس لك ، وأن يغريك بالذي أمرت أن تفعله ألا تفعله ، ومهمة الشيطان أن يوسوس لك ، وأن يغريك بالذي نهيت على فعله أن تفعله ، هذه بشكل دقيق وموجز مهمة الشيطان أن يبعدك عن طاعة الله وأن يقربك من معصية الله ، أن يغريك بالدنيا ، وأن يزهدك بالآخرة ، أن تسير بعكس منهج الله ، أن تتفلت من منظومة القيم التي أرادها الله لك ، وقد يقول بعضهم ما معنى قوله :

 

﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾

( سورة ق )

قال بعض المفسرين : إن الجنة تتسع لبني البشر جميعاً لو أنهم جميعاً آمنوا ، وأن النار تتسع لبني البشر جميعاً لو أنهم كفروا .
أحيانا يدعو إنسان مئة شخص ، ويهيئ مكانا لتسعين ، متوقعاً أن البعض لا يأتي ، لو أنهم جاءوا جميعاً ، وفاجئوه لم يكن مستعدا .
لكن الله سبحانه وتعالى يطمئننا أن الجنة تتسع لكل الخلق ، لو أنهم عرفوه ، وأن النار تستوعب كل الخلق لو كفروا .

أمرٌ ونهي لآدم وحواء :

1 – الأمر : فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا

أيها الإخوة ، الذي يلفت النظر ، قال تعالى : * فَكُلَا مِنْ * ـ من الجنة ـ * حَيْثُ شِئْتُمَا * ، يعني يا آدم ويا حواء كلا من الجنة

﴿ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾

هناك مئة نوع ، ألف نوع ، عشرة آلاف نوع ، مليون نوع ،

﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾

2 – النهي : وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ


أما المحرم :

﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾

ونسبة الحلال إلى الحرام ملايين الأضعاف ، أو نسبة الحرام إلى الحلال واحد بالمليون ، كم نوعا من الشراب المباح في حياتنا ؟ والله أكثر من مئة نوع تقريباً ، وهناك أكثر مئة نوع من الشراب محرم الخمر ، كم نوعًا من اللحم أبيح لنا ؟ والله مئات الأنواع ، المحرم لحم الخنزير ، ودائماً نسبة الحلال إلى الحرام أضعاف ، مئات الأضعاف ، ألوف الأضعاف ، بل ملايين الأضعاف ، الحرام في الأرض هو امتحان من الله .
 

وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ

الآن :

﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

1 – هامش الأمان :

قد يُظن أنه أمِرا أن يأكلا من حيث شاءا ، ولا يأكلا من هذه الشجرة ، الآية ليست كذلك :

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾

أيْ يجب أن تدع بينك وبين المعصية هامش أمان ،

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

( سورة الإسراء الآية : 32 )


في الدنيا ، الزنا محرم ، لكن مقدماته محرمة أيضاً ، أن تتنزه في طرقات فيها غاديات ورائحات ، كما أن الزنا محرم أسبابه محرمة ، إطلاق البصر محرم ، التنزه في الطرقات ، فيها ملاحظة شديدة ، الحديث عن النساء ، صحبة الأراذل ، إطلاق البصر ، عدم التفريق بين الأولاد في المضاجع ، الاختلاط ، أن تقرأ قصة ماجنة ، أن تشاهد عملاً إباحياً ، كل المقدمات التي تقود إلى الزنا محرمة ، لأنه ما لا يكون الحرام إلا به فهو حرام ، ما يتوصل به إلى معصية فهو معصية ، من هنا جاءت الآية دقيقة :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

فالله عز وجل نهى آدم عن أن يقترب من الشجرة .
تماماً لو كتب وزير الكهرباء على بُعدٍ كافٍ من تيار التوتر العالي لوحة : " ممنوع الاقتراب " ، والتيار له مسافة معينة إذا دخل فيها الإنسان جذبه ، وأصبح فحمة ، فالإعلان الحكيم لا يكون : ممنوع مس التيار ، الإعلان الحكيم : " ممنوع الاقتراب من التيار " .

2 – الشريف من يفرّ من أسباب المعصية :

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾


لذلك من هو الشريف ؟ لا الذي يهرب من الخطيئة ، لكنه الذي يهرب من أسباب الخطيئة ، كجلسة لا تليق أن يكون فيها ، أو مكان لا يجوز أن يكون فيه نزهة ليست منضبطة ، حفل ليس منضبطاً ، لقاء مختلط ليس منضبطاً ، لا الحديث منضبط ، ولا الثياب منضبطة ، تجارة فيها شبهات كثيرة ، فإذا شاركت تاجراً لا يقدم عنده الأمر ولا يؤخر لا ينبغي أن تكون معه .

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾

أعطاك الاحتياط ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 187 )

يجب أن تبقي بينك وبين كل معصية هامش أمان ، كأن المعصية نهر عميق وله شاطئان ، شاطئ زلق مائل ، وشاطئ مستوٍ جاف ، فالمشي على الشاطئ المستوي الجاف فيه أمان واطمئنان ، بينما المشي على الشاطئ المائل الزلق هناك احتمال كبير جداً أن يسقط الإنسان في النهر .
لذلك :

﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾

إذاً : المؤمن يهرب من أسباب الخطيئة ، المؤمن يدع بينه وبين الخطيئة هامش أمان .

3 – وجوب الابتعاد عن الشبهات :

المؤمن يبتعد عن الشبهات .

(( الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ ))

[ متفق عليه عن النعمان بن بشير]


فمن ترك الشبهات فقد حصن نفسه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .
أيها الإخوة ،

﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

أيضاً قال تعالى :

 

﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾

( سورة الحج الآية : 30 )


حتى في العقائد تجلس مع أناس عقائدهم زائغة ، ولا تستطيع أن تقنعهم ، ولا تملك الحجج القوية على ذلك ، فزينوا لك الباطل ، والانحراف ، والتفلت ، وإنكار الوجود الإلهي أن إن لم تكن قوياً تستطيع أن تدحض افتراءاتهم ينبغي أن تبتعد عنهم ، والمقياس في ذلك لعبة شد الحبل ، إن جلست معهم ومعك من القوة النفسية ، والحجة العقلية ، والأدلة الشرعية ما تشدهم إليك اجلس معهم لا مانع ، أما إذا كنت أضعف ممن تقنعهم بل أقنعوك ، إذا كنت أضعف ممن أن تجرهم إليك فجروك إليهم ، إذا كنت أضعف من أن تأتيهم بالأدلة فجاءوك بأدلة مضادة ، إذاً ولا تقربهم .
المؤمن يحتاج إلى حمية ، فقد يخاف على عقيدته من الشبهات ، وقد يخاف على سلوكه من الشهوات ، الشهوات لها مشكلة ، والشبهات لها مشكلة ، الشبهات عقدية والشهوات سلوكية .

﴿ وَلَا تَقْرَبَا ﴾

نحن أمام درس بليغ يتلقاه سيدنا آدم من ربه ، أولاً الحلال لا يعد ولا يحصى ، والحرام محدود .
ثانياً : العقائد أخطر شيء في حياة الإنسان ، فإن لم تكن متمكناً بأدلة عقلية ونصّيّة ، وإن لم تملك قوة نفسية فابتعد إلى أن تقوى .
فلذلك كما قلت قبل قليل : لعبة شد الحبل ميزان في أن تلتقي مع الآخرين ، وأن لا تلتقي ، إن شددتهم إليك فالتقي معهم ، وإن شدوك إليهم ابتعد عنهم .

ليست هذه الجنة بجنة الآخرة :

أيها الإخوة ،

﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾

يعني الجنة التي في الأرض ، لكن كان لهما طبيعة خاصة ، وقد يكون الإنسان له جسم وله نفس ، فإن كانت نفسه غلافاً لجسمه تستمتع بكل شيء من دون عبء .

للتقريب : إذا نظرت إلى تفاحة وصلتك لذتها ، أنت في الدنيا تأكل تفاحة ، تشتريها ، تغسلها ، تقشرها ، تقطعها ، تأكلها ، تعضها أولاً ، تمضغها قبل أن تبلع اللقمة يضغط اللسان على اللقمة إلى سقف الحلق ، هناك أعصاب الذوق تشعر بطعمها ، لكنها دخلت إلى جوفك أصبحت عبئًا عليك .
أحيانا يأكل الإنسان أكثر من حاجته ، وهناك طعام غير جيد ، لكن هذا تحليل ظني .
لكن في الجنة كيف أن شعلة الشمعة محيطة بالفتيل ، في الجنة النفس محيطة بالجسد ، يمكن أن تأكل مليون تفاحة ، وأن تأكل في مليون وليمة دون أن تحس بالتخمة ، لأن النفس خارجية ، والنفس اتصلت اتصالا مباشرا مع هذه الأشياء الطيبة ، فاستمتعت بها دون أن يكون هناك جهاز هضم ، وفضلات ، وخروج ، وبول ، كل هذه المتاعب ليست في الجنة .
فالشيطان جاء دوره ، وعندنا دليل آخر ، إذا كانت هذه جنة الآخرة فكيف يكون الشيطان فيها ؟ أيضاً مستحيل ، جنة الآخرة تأتي بعد التكليف ، جنة الآخرة من دخلها لا يخرج منها ، أو لا يُخرج منا ، جنة الآخرة ليس فيها مكان للشياطين .

 

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾

( سورة الأعراف )

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ

1 – معنى الوسوسة :


أيها الإخوة ، وسوس أي همس سراً ، مزيناً أو مغوياً ، الواحد لو فرضنا اقترب من شخص قريباً جداً ، وشده إليه ، وأمسكه من ذقنه ، وأدار أذنه إلى فمه ، وقال له : اجتهد ، هذا كلام مضحك ، الاجتهاد لا يحتاج إلى همس ، قل هذه الكلمة بصوت مرتفع ، لماذا الهمس ؟ للمعصية ، لاختلاس الأموال ، لتلقي الأموال الباطلة ، بالإشارات درج مفتوح فقط ، الشيء الحرام لا يتم علانية ، يتم سراً ، هذا معنى وسوس ، والوسوسة فعل ثانئي مضعف ،( وس وسَ )( زل زلَ )( قل قلَ )( عس عسَ )

 

وسوس يعني ألقى في أذنه همساً مغرياً إياه بالمعصية الوسوسة لا تكون إلا بالشر .

2 – بين إلهام الملَك ووسوسة الشيطان :

لذلك كمصطلح الملَك يُلهم ، والشيطان يوسوس ، والحقيقة أنك مخير ، وأحياناً تأخذ وضعاً سكونياً ، يقال لك : تحرك ، إما أن تستجيب للملَك فتأتي إلى المسجد ، وإما أن تستجيب إلى الشيطان فتذهب إلى الملهى ، تحرك فقط ، ليس هناك إسلام سكوني ، وكأن إلهام الملك ووسوسة الشيطان من أجل أن تتحرك .

الطالب في الامتحان لا يكتب ، يقول له المراقب : انتهينا ، إما أن تكتب أو اخرج ، وضع صعب جداً ، أصعب وضع أنه لا يكتب ولا يخرج ، لا حرب ، ولا سلم ، هذا من أصعب الأوضاع .

 

﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾

( سورة طه )

فالشيطان وسوس ، همس مغرياً إياه بالمعصية ، والوسوسة بالشر ، إذاً أمُّنا حواء لم تكن السبب إخراجنا من الجنة لئلا تتهم ظلماً ، البشر في الأرض كلهم يتهمون أمنا حواء بأنها السبب ، الآية :

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ﴾

هي ضحية أيضاً

﴿ فَوَسْوَسَ ﴾

لا وسوست له :

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ﴾

هذه الآية واضحة ، فأمّنا حواء بريئة من هذه التهمة .

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ﴾

3 – تبعات الوقوع في المعصية :

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ﴾


أن يدخلا التفاحة إلى جوفهما ، إذا دخلت صارت في المريء ، وفي المعدة ، حيث الهضم ، والمرارة ، والبنكرياس ، والأمعاء الدقيقة ، والأمعاء الغليظة ، والفضلات ، والخروج ، والروائح ، والحمامات ، هنا اختلف الوضع ، كان آدم وزوجته حواء يستمتعان بالجنة من دون أعباء ، من دون متاعب إطلاقاً ، فلما أكلا من هذه الشجرة انعكست خصائص فأصبحت النفس في الداخل ، والجسم في الخارج .

 

 

 

 

الإنسان بين طبيعة الحياة الأرضية وطبيعة الحياة الأخروية :

مثلاً : الإنسان في الجنة ، لو فرضنا الأرض كلها جنة ، ابنه في أمريكا ، خطر في باله ابنه ، فاطلع فرآه أين هو جالس ، أما لما تكون النفس داخل الجسم يحتاج أن يأخذ الفيزا ، وقد تستغرق شهرا أو شهرين ، ويركب طائرة عشرين ساعة ، وهناك وقفة في المطارات ، أصبح جسمه هو الأصل ، في الجنة النفس هي الأصل ، قال :

 

 

 

 

 

﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

( سورة الصافات )

﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾

( سورة الصافات )


نظرة ، بالجنة أنت كلك أعين ، كلك آذان ، كلك مشاعر ، كلك أحاسيس ، أنت بالجنة تأكل ما تشاء ، وبأكبر كمية تشاء ، دون أن يكون الأكل عبئاً عليك .

﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾

لما وسوس لهما ، وأقنعهما بأكل التفاحة دخلت التفاحة إلى الجوف ، والنفس أصبحت في الداخل ، والجسم بالخارج ، وصار الطعام عبئًا ، وصار يحتاج إلى سعي ، أنت في الجنة لا تجوع فيها :

 

﴿ وَلَا تَضْحَى﴾

( سورة طه )

في الدنيا جوع ، ويريد الإنسان أن يأكل ، إذاً : ينبغي أن يعمل ، ينبغي أن يخرج من البيت الساعة الخامسة صباحاً ، هناك عمل ، هناك جهد ، هناك مؤسسات ، هناك شركات ، هناك دوام ، هناك تأخر ، هناك عقاب ، هناك عمل ثماني ساعات ، من أجل أن تأكل ، وأن تسكن في بيت ، وأن تتزوج ، أما نظام الجنة فنظام آخر ، نظام :

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية : 35 )

﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ﴾

( سورة الإنسان الآية : 14 )


نظام الجنة كل شيء بين يديك ، بل أغرب من ذلك على الخاطر ، كل شيء خطر في بالك تجده أمامك .

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾

أما في الدنيا :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾

( سورة الانشقاق )

لا تستطيع أن تدخل بيت ، مفتاحه معك ، وهناك زوجة في البيت ، وعندك ولدان إلا بعد أربعين سنة من العمل ، والدراسة ، والتأسيس ، واشتريت بيتًا خمسين مترا ، شماليا ، لأن الحياة معقدة ، لذلك في الدنيا الكدح ، والجهد ، والمجاهد ، والتكليف .
لما أكل سيدنا آدم من التفاحة انعكست المقاييس ، كان الإنسان كما سيكون في الجنة ، كان الإنسان في جنة الأرض كما سيكون في جنة الآخرة ، فلما أكل التفاحة هو مخلوق للدنيا ، لا خطأ أبداً ، لكن الدرس أن الله علّم الإنسان أن الشيطان عدو له .

لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا

أيها الإخوة ، ليس في الجنة عورات ، لأنه لا خلاف لمنهج الله ، وفي الدنيا عورات ، العورة فتحة ، المشكلة لا في الفتحة بل بما يخرج من الفتحة ، هذه عورة أساسها نظام الدنيا الذي يختلف عن نظام الآخرة .

ذكاء الشيطان في الوسوسة :


دائماً هناك نقطة دقيقة ؛ أن الشيطان حينما يغوي بني آدم يغويه بذكاء ، فالشيطان وسوس لهما

﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ ﴾

إن أردت أن تكون ملَكاً ، وأن تكون خالداً في هذه الجنة فكُلْ من هذه الشجرة ، وليس هناك تجربة سابقة لآدم بالكذب ، آدم ما صدق أن مخلوقاً من مخلوقات الله يقسم كذباً ، أول يمين كذب في تاريخ البشر يمين إبليس
 

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ

﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾

( سورة الأعراف )


أقسم لهما أنكما إذا أردتما أن تخلدا في الجنة فكلا من هذه الشجرة .

﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ﴾

أحياناً يقول لك : أخوك ناصحك ، افعل هذه المعصية ، استمتع بالحياة ، الدنيا مؤقتة .

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
***

ناصحك بقوله :

﴿ إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ﴾

﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

( سورة الأعراف )

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ

1 – معنى : دلاّهُما :


يعني دليت الشيء ؛ أنزلته ، دلاّهما ؛ أي أسقطهما في المعصية ، واسأل كل إنسان تورط في معصية ، تأتيه موجة كآبة بعد المعصية لا يحتملها ، لأن الإنسان حينما يعصي الله يحس بكآبة ، بجفاء ، ببعد .

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾

إذاً : دلاّهما أنزلهما بالمعصية .
 

2 – بغرور :

بغرور يعني مرة تلوى المرة ، إلى أن استجاب هذا الإنسان ، وكل المعاصي والآثام تبدأ بالوسوسة ، والإلحاح ، والتزيين ، والإغراء ، والتحميس .

فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا

﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ﴾

كما قلت : لقد اختلف الوضع ، كانا بنظام فأصبحا بنظام آخر ، كانا بنظام يشبه نظام الجنة ، فلما أكلا من هذه الشجرة انعكست هذه الآية فأصبحا بنظام يشبه نظام الدنيا .

1 – ما هي السوءة ؟

﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ﴾

والسوءة سميت سوءة لأن منظرها يسيء لصاحبها ، لو أن الإنسان كُشفت سوأته يتألم أشد الألم ، لذلك من بعض أنواع العقاب الذي لا يحتمل أن يجرد الإنسان من ثيابه ، كما فعل من جاءوا إلى العراق من أجل الديمقراطية ، في سجن( أبو غريب ) من أشد أنواع العقوبات أن يُعرى الإنسان من ثيابه .

2 ـ الأصل في المؤمن السترُ وفي الكافر التعرّي :


لذلك دائماً أهل الإيمان يدعون لمزيد من الستر ، وأهل الكفران يدعون إلى التعري ، التعري يرافق الفسقة والفجار ، والتستر يرافق المؤمنين الأطهار .
لما

﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ﴾

أصبحا مضطرين أن يخصفا ، أن يأخذا شيئاً ، أن يقطعان شيئاً ليسترا بهما شيئاً لا يليق أن يظهر .

﴿ وَطَفِقَا ﴾

بدآ

﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾

وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ

وجاء النداء الإلهي :

﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾

الدرس الخالد والقاعدة المطّردة : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ


هذا هو الدرس الخالد للبشرية إلى يوم القيامة ، أنت بين وسوسة الشيطان ، وإلهام الملك ، الملَك يقول لك : لما أُمرت أن تفعله افعل ، ولما نُهيت ألا تفعله لا تفعل ، ويقول لك الشيطان : لما أُمرت أن تفعله لا تفعل ، لا تصلي ، لا تحضر الدرس ، إنه كلام مُعاد ، اجلس ، اجلس ، تابع المسلسل الفلاني ، لما أُمرت أن تفعله يقول لك : لا تفعل ، ولما نُهيت أن تفعله يقول لك : افعل ، هذه مهمة الشيطان .
فالله عز وجل عاتبهما وقال :

﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾

﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

( سورة الأعراف )