الدرس : 09 - سورة الشورى - تفسير الأية 23

1994-04-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من سورة الشورى.

الخوف و القلق يوم القيامة هو حال الأقوام الذين اقترفوا الآثام في الدنيا:

 مع الآية الثالثة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23)﴾

(سورة الشورى)

 وقد جاءت الآية التي قبلها:

 

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ (22) ﴾

 

(سورة الشورى)

 حينما كان في الدنيا، وكان يظن نفسه ماهراً، أو ذكياً أو عاقلاً، و أخذ ما ليس له وانغمس في الدنيا إلى قمة رأسه، فهذا الذي ظَنَّهُ مجال فخرٍ إذا هو الآن يهلك به.

 

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ (22) ﴾

 

(سورة الشورى)

 النقلة المفاجئة، حال هؤلاء الذين اقترفوا الآثام في الدنيا وهم وجلون خائفون أذلاء يوم القيامة، مشفقون مما هو واقعٌ بهم، النقلة المفاجئة:

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ (22)﴾

 

(سورة الشورى)

المفارقة الحادة بين حال الدنيا و الآخرة:

 كما قلت في الدرس السابق إن الجنة مبنية على الطلب، اطلب تُعط، بل إن أي شيءٍ يخطر في بالك تجده أمامك، هذا نظام الجنة، ولكن الحياة الدنيا تحتاج إلى جهدٍ وبذلٍ، وسعيٍ وكدحٍ، ومعاناةٍ ومكابدةٍ، وهكذا طبيعة الحياة الدنيا، وتلك طبيعة الآخرة، فالحياة الدنيا محدودة، إنها أيام معدودة، ولكن الحياة الأبدية خالدة وغير محدودة.
 وبعد أن يبين الله سبحانه وتعالى هذه المفارقة الحادة، بين إنسان (كما ذكرت في الدرس الماضي) أراد أن يُهرب مادة ممنوعة أو مادة مخدرة والصفقة يأخذ عليها عشرات الملايين، وهو في أعلى درجات النشوة من هذا المبلغ الضخم الذي حَصَّله، فجأةٌ ألقي القبض عليه والحكم بالإعدام مثلاً، فقبل دقائق كان يعدّ نفسه من الأذكياء الذي جمعوا مالاً طائلاً بجهدٍ يسير، وفجأةً أصبح هذا الشيء الذي ضُبط معه سبب هلاكه وقتله، وضع هذا الإنسان وهو ينتظر النُطق بالإعدام وراء القُضبان، فهل هذا الإنسان يشبه إنسانًا آخر يكرم ؟ يقدم له أطايب الطعام، ويحاط بكل أنواع الحفاوة والتكريم ؟ إن المفارقة حادة جداً بين إنسان على وشك الهلاك مما كسب وإنسان يتلقَّى كل تكريم.

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22)﴾

(سورة الشورى)

مقاييس أهل الدنيا مقاييس مادية:

 أيها الأخوة الأكارم، لا يوجد إنسان إلا وعنده مقاييس يقيس الأشياء بها، فالإنسان أحيانًا يقول: فلان حَصَّل أموالاً طائلة بزمن يسير فيعده ذكياً، فالمقياس هنا مادي، وفلان وصل إلى منصبٍ رفيع في سنٍ مبكرة، فيعد هذا الوصول إلى هذا المنصب الرفيع أيضاً قدرةً فائقة على استيعاب القِوى التي تحيط به، يعده ذكياً.
 فأهل الدنيا لهم مقاييس ؛ فالمال مقياس، والقوة مقياس، والدرجات العلمية العالية جداً، والقدرة على التكيف الاجتماعي، والوسامة فهذه مقاييس الدنيا، ولكن لن تكون مؤمناً أيها الأخ الكريم إلا إذا كانت مقاييسك التي تقيِّم الأشياء والأشخاص بها نابعةٌ من كتاب الله، فحينما تقِّيم الأشخاص والأشياء بمقاييس مادية فأنت بعيدٌ عن مقاييس القرآن، أما حينما تقيِّم الأشياء والأشخاص بمقاييس قرآنية فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة.
 فمثلاً إذا عظَّمت الغني بماله ولم تعبأ بالمعاصي التي يقترفها، وأزريت بالفقير لقلَّة ماله ولم تعبأ بطاعته لله عزَّ وجل، فأنت أبعد الناس عن الإيمان، اختلف المقياس، إذا عظَّمت الأقوياء لقوتهم رغم معاصيهم، وازوررت عن الضعفاء لضعفهم رغم طاعتهم لله، فأنت بعيدٌ عن أهل الإيمان، فالإنسان لن يكون مؤمناً إلا إذا كانت مقاييسه التي يقيس بها الأشياء والأشخاص مقاييس قرآنية، فيجب عليك أن تحب المؤمن وأن تُكْبِرَهُ، وأن تتودد إليه ولو كان ضعيفاً فقيراً، ويجب أن تزورَّ عن القوي الغني المتلبس بالمعاصي ولو كانت مصلحتك المادية متعلقةً به.

المؤمن الحق من كانت مقاييسه مطابقة لمقاييس القرآن الكريم:

 لن تكون مؤمناً إلا إذا وضعت مقاييس أهل الدنيا تحت قدمك، ولن تكون مؤمناً إلا إذا أقبلت على المؤمن ولا تجمعك به قرابةٌ ولا مصلحةٌ ولا علاقةٌ مادية، فلا تحبه إلا لله، ولا تبغض أهل الدنيا إلا لله، فمن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان.
 فأيها الأخ الكريم، ليس من السهل أن تكون مؤمناً وأن تقترب من أهل الدنيا، وأن تدخل في حياتهم الخاصَّة، وأن تسعد بالقرب منهم، أين إيمانك ؟ وأين طهارتك وقد خُدِشَت ؟ فليس من الإيمان أن تتضعضع لأهل الدنيا، ومن جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، فيجب أن تأتي مقاييسك التي تقيس بها الأشخاص والأشياء، مطابقةً لمقاييس القرآن الكريم.

المجاملة خلق ذميم على كل مؤمن أن يبتعد عنه:

 لذلك كنت أقول دائماً: الخُلُقُ الذميم الذي يقع فيه معظم الناس المجاملة، كأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تعطَّل، وصار الناس يجامل بعضهم بعضاً، هذا خَلَطَ الأوراق وضيَّع المقاييس وأصبح الناس في جهالةٍ عمياء، لأن الله سبحانه وتعالى يغضب إذا مُدح إنسان فاسق متلبِّس بالمعاصي، بعيد عن أوامر الدين، إذا مدحته فقد أوقعت الناس في حرجٍ، أو أوقعت الناس في تيهٍ، أين المقاييس الصحيحة ؟

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22) ﴾

(سورة الشورى)

 وهذا الذي نقلني إلى هذا التفصيل، وهل ترى أن الفضل الكبير أن تكون مؤمناً ؟ وهل ترى أن الفضل الكبير أن تكون طائعاً ؟ وأن تكون على المنهج الإلهي ؟ وأن يراك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك ؟ و أن تثق بما في يد الله أكثر مما تثق بما في يديك، وفي معرفة الله، و طاعته، ألا تقرأ معي قوله تعالى:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

( سورة يوسف )

 هؤلاء الذين يحبهم الله عزَّ وجل آتاهم الحُكم والعلم، بينما الذين لا يحبهم أعطاهم المال.

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

( سورة القصص: من آية " 76 " )

الإسلام مجموعة قيم و التزامات ثابتة علينا المحافظة عليها:

 المؤمن إن لم يَقِس الأشياء والأشخاص بمقياس القرآن فأين إيمانه ؟ فالإسلام منهج، والإسلام مجموعة قيَم، والتزام، وقد أردت أن أعبِّر عن هذا الشيء الصلب فله شكلٌ ثابت وحجمٌ ثابت، أما الشيء السائل فحجمه ثابت لكن شكله متغيِّر مع شكل الإناء، لتر ماء يوضع في قارورة طويلة، أو في حوجلة كروية، أو وعاء بيضوي، أو مستطيل، فالماء حجمه ثابت لكن شكله متغيِّر.
 أما الشيء الصلب فتقول: هذه قطعة مكعبة، وهذه قطعة هرمية، وهذه كرة، فالشيء الصلب يحافظ على حجمه وعلى شكله، والشيء المائع يحافظ على حجمه لا على شكله، لكن العنصر الغازي ليس له شكلٌ ثابت ولا حجمٌ ثابت.
 فكيف إذا أصبح الدين غازيَّ الطبيعة، غازاً له آلاف الأشكال، و آلاف الحجوم، فالدين شيء ثابت عُلِم بالضرورة، والعقائد والعبادات، والتعاملات والأخلاقيَّات كلها ثابتة، فهذا هو الدين، فبقيت صور الدين أما المضمون فمائع أو غازي، بمعنى هذه الإذابة لمعالم الدين في معالم الدُنيا جعلت الأمور تختلف.

ما خيرٌ بعده النار بخير وما شرٌ بعده الجنة بشر:

 إذاً من قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22) ﴾

(سورة الشورى)

 لن تكون مؤمناً عند الله عزَّ وجل إلا إذا رأيت الفضل الكبير هو أن تستحق الجنة وما فيها من نعيمٍ مقيم، فلذلك الدعاء الشريف:

 

(( اللهم نسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل))

 

[إسناد صحيح قال فيه ابن حجر: تابعه الجُريري، عن جبر، وخالفه أبو نعامة عنه ]

 والإمام علي كرم الله وجهه يقول في حكمةٍ بالغة: " ما خيرٌ بعده النار بخير ". أي لو بلغت إلى أعلى القمم، وبعد هذا النار فليس هذا خيراً " ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنة بشر "، وكل أنواع المصائب و المضايقات، إذا انتهت بك إلى الجنة فانعم بها، وكل أنواع النعيم المقيم إذا انتهت بالإنسان إلى النار فبئس هذه الألوان التي يسعى الناس إليها ولا يدرون إلى أين هم سائرون.
 والإنسان إذا كان راكباً مركبة ومنطلقًا بأعلى سرعة في منحدر شديد، وفي نهاية هذا الطريق منعطفٌ حاد، وهو في نشوة السرعة، ونشوة الهواء العليل، ثم اكتشف فجأةً أن المكابح معطَّلة، فماذا يرى بهذه السرعة أو هذا الانطلاق ؟ يراه هلاكاً له، وهكذا معنى قوله تعالى:

﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6) ﴾

( سورة التكاثر )

العاقل من رأى أن طاعة الله و معرفته و التقرب إليه هي الفضل الكبير عليه:

 الإنسان الذي يأكل أموال الناس بالباطل ويعدّ نفسه ذكياً، لو علم المصير، وعلم العقاب الأليم، والحساب العسير لرأى نفسه شقياً..

﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6) ﴾

( سورة التكاثر )

 وهذا الذي يعتدي على أعراض الناس ولو بالنظر، ولو بالكلام، ويعدُّ هذا مهارة في البيع والشراء، أن تدير حديثاً لطيفاً مع امرأةٍ حسناء تظن أنك لطيف، رقيق الحاشية، طليق اللسان، وبإمكانك أن تأسر قلوب هؤلاء، حينما ترى أن هذا العمل فيه عدوان على أعراض الآخرين ولن تغض بصرك عنها..

﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6) ﴾

( سورة التكاثر )

 إذاً الفضل الكبير أن ترى طاعة الله، وأن ترى معرفته وطاعته والتقرُّب إليه هو الفضل الكبير، لا أن ترى أن المال الوفير هو الفضل الكبير، ولا المنصب الرفيع، ولا الدرجات العلميَّة العالية التي تُدِرُّ عليك مئات الألوف، فالفضل الكبير أن تكون مطيعاً لله عزَّ وجل، ولذلك فالإمام الجنيد سُئِل: مَنْ وليُّ الله، أهو الذي يطير في الهواء، أم هو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال: " لا هذا ولا ذاك، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، فأنت ولي الله ".

أيّ إنسان عرف الله وعرف أمره وطبقه فهو وليٌ لله:

 إخواننا الكرام... الناس يظنون أن الولي إنسان نادر الوجود، الأمر أبسط من هذا بكثير، قال تعالى:

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)﴾

( سورة يونس )

 أي واحد منكم إذا آمن بالله حق الإيمان واتقى أن يعصيه حق التقوى فهو ولي الله ورب ِّالكعبة، امرأةٌ ترعى زوجها وأولادها، ولا تؤذي الناس بمفاتنها، إنها محجبة، ومُصلية، وصائمة، ومطيعةٌ لزوجها هذه والله وليةٌ لله، ومعلِّم يُعَلم الطُلاَّب علماً صحيحاً ويرعاهم ويربيهم تربيةً سليمة، دون أن يفعل شيئاً يغضب الله عزَّ وجل فهذا والله وليّ لله، وأي إنسان، وأي حرفة، طبيب، أو مهندس، أو محامِ، أو معلم، أو تاجر، أو بائع، أو موظف، فأيّ إنسان عرف الله وعرف أمره وطبقه وليٌ لله، هذا تعريف القرآن:

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)﴾

( سورة يونس )

لن يكون الإنسان مؤمناً إلا إذا كان المقياس الذي يقيس به مقياساً ربَّانياً:

 أردت من هذا الاستطراد من قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22) ﴾

(سورة الشورى)

 فهل رؤيتك تتطابق مع مقياس القرآن ؟ فلو أن إنسانًا كان ماله قليلاً، وكان مستقيماً على أمر الله، وله صديق متفلِّت من أي منهج إلهي لكن ماله وفير، فإذا شعر الأول وهو المؤمن المستقيم أنه محروم، وأن الله قد أعطى فلاناً وهو لا يعرف الله أبداً، فهنا المشكلة، إذا قلت: الله لم يعطني وأعطى فلانًا، وأنت مستقيم وفلان ليس مستقيماً، فمعنى ذلك مقياسك غير قرآني، بل إن مقياسك مادي، ولن تكون مؤمناً إلا إذا كان المقياس الذي تقيس به الأشياء والأشخاص مقياساً ربَّانياً.
 فلو فتح إنسان محلاًّ، وكانت البضاعة محرَّمة، والتعامل مع الناس محرَّم ولكن دَرَّ عليه مبالغ طائلة، فهل تراه ذكياً ماهراً ؟ وتقول: هو موفق، وهو على المعاصي والله موفقه ؟ إذا قلت ذلك فأنت لا تعلم من الله شيئاً، دائماً لاحظ نفسك، هل المقياس الذي تقيس به الأشياء والأشخاص مقياس قرآني أم مادي ؟ وأخروي أم دنيوي ؟ وشيطاني أم رحماني ؟ وعاجل أم آجل ؟ فأنت حينما تصلي وتصوم وتحج، لكن مقياسك دنيوي، فدائماً تشعر بالحرمان وترى الناس أذكى منك، وقد تفوقوا، وجمعوا أموالاً طائلة، وتزوجوا، واشتروا بيوتًا، وعندهم مركبات وأنت وراء الناس، فما هذا الإيمان القليل ؟ إذا رأيت أهل الدنيا الذين انغمسوا في شهواتها وأكلوا مالها الحرام، إن رأيتهم أعلى منك قدراً وأنت المؤمن المستقيم، فما هذا الإيمان إذاً ؟ فحينما يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22) ﴾

 

(سورة الشورى)

 يجب أن ترى أن ذلك هو الفضل الكبير، وهذا هو معنى قول المؤمن إذا قرأ القرآن يقول: صدق الله العظيم.

الإيمان ليس ركعات أو دريهمات الإيمان مقياس يتغلغل في كل خلية من خلايا الإنسان:

 إن رأيت أن أصحاب الأموال هم أصحاب الفضل الكبير، وكذلك أصحاب المُتَع والمباهج، فأنت لست تقيس الأشياء بمقياس قرآني، إذاً أنت بعيد عن الإيمان، فهذا الذي يظن الإيمان ركعتين يصليهما، ودريهمات يدفعهما إلى الفقير وانتهى الأمر، وكيانه كله كيان دنيوي، ومادي، ووصولي، فهذا ليس إيماناً، الإيمان عالَم آخر، فإذا لم يتغلغل في كل خلية من خلاياك، وفي كل قطرة من دمك، فمقاييسك إيمانية، وأهدافك وبيئتك كذلك، ومن حولك مؤمن، وأنت لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ﴾

( سورة الممتحنة: من آية " 13 " )

 فالإنسان إذا اتصل بالمؤمنين وابتعد عن الكافرين، وأقام علاقات حميمة مع أهل الإيمان، وابتعد عن أهل الكفر والعصيان، فكيف يكون مؤمناً ؟ وكيف اختصر الإسلام إلى خمس صلوات، وصيام وحج، وعبادات شعائرية، أما الموازين والقيم والمبادئ والأهداف النبيلة، فهذه كلها هو في غفلةٍ عنها ؟

من فقد شيئاً من الدنيا و لكن دينه سليم على منهج الله و شكر فهو مؤمن حقيقي:

 أيها الأخ الكريم... دقق في هذه الناحية: كلما رأيت القرآن الكريم يقيس شيئاً بمقياسٍ أخروي، إن رأيت أنَّك بهذا المقياس تطابق القرآن الكريم وتشكر الله عزَّ وجل، أما إن كان لك مقياس آخر، غير مقياس القرآن الكريم فالأمر يحتاج إلى عملٍ خطير، والأمر يحتاج إلى تجديد الإيمان، ولذلك لا يمكن أن ترى مؤمناً مستقيماً على أمر الله إلا ويشعر أنه ملك الدنيا بأكملها، ويقول لك: الحمد لله على طاعة الله.
 ودقق أيها الأخ حينما كان سيدنا عمر يصاب بمصيبة يقول: " الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ". فالإنسان أحياناً يذهب ماله، و يفقد عمله، ويفقد أحد أولاده، وأحياناً يخسر صفقة كبيرة جداً، أو يفوته منصب رفيع، أو بيت جيِّد، فالإنسان إذا فقد شيئًا من الدنيا ولكن دينه سليم على المنهج، وعلى صراط الله المستقيم، وعلى دينه القويم، وإذا قال الإنسان: الحمد لله إذ لم تكن في ديني. فمعناها أنه مؤمن، وأما إذا نسي الإنسان قيمة دينه وقيمة اتجاهه الصحيح واستقامته، وندب حظه وسحقته هذه المصيبة فهو بعيدٌ عن أن يكون من أهل الإيمان، وهذا الذي قلته قبل قليل هو:

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22)ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(23)﴾

(سورة الشورى)

الأمل الذي مَنَّ الله به على المؤمنين وهو دخولهم الجنة ينسيهم كل مشكلات الدنيا:

 ضربت مثلاً سابقاً وأعيده للفائدة، قال لي أحدهم: المؤمن سعيد، والله يصيبه ما يصيب الناس دائماً. قلت له: صحيح ذلك، ولكن تصور إنسانًا فقيراً جداً ودخْله قليل جداً، وعنده ثمانية أولاد، وبيته بالأجرة، وعليه دعوة بالإخلاء، فالمصائب تأتيه من كل جهة، وله عم، حجمه المالي خمسمئة مليون مات في حادث وليس له أولاد، وكل هذا المال انتقل إلى هذا الفقير، ولكن إلى أن يصل إلى هذا المبلغ هناك إجراءات وبراءات ذمة ومعاملات، وتحتاج إلى سنة تقريباً، فهذا الفقير المعدَم الذي امتلك خمسمئة مليون فوراً، ولكن إلى أن يقبضها يحتاج إلى سنة، فلماذا هو من أسعد الناس ؟ لم يأكل أكلةً زائدة، فأكله هو هو، وبيته، ولبسه هو هو، لكنه دخل في الوعد، والأمل، فهذا الأمل الذي مَنَّ الله به على المؤمنين وعدهم بالدخول إلى الجنة، وهذا ينسيهم كل مشكلات الدنيا.

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

( سورة القصص )

من عرف الله و طبق منهجه فهو في قمة السعادة:

 وشيء كبير جداً، أنت مؤمن، واللهُ وعدك بالجنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين. كان الصحابة يقولون: ليس بيننا وبين الجنة إلا أن نقتل في سبيل الله، بخٍ بخٍ تمرات قال: هذه بيني وبين الجنة فألقاها في الأرض، وخاض غمار الوغى، فالإنسان عندما يكون فعلاً يعرف الله عزَّ وجل، ويطبق منهجه فإنه يشعر أن له عند الله شيئاً، أن له عند الله عطاءً كبيراً، فهذا الذي يبشر الله به عباده، وهذه البشرى من خالق السماوات والأرض تنسي الإنسان كل متاعب الدنيا، ويتحمل بيتاً صغيراً، وزوجة متعبة، ودخلاً قليلاً، وأولاداً مشاكسين، وبعض الأمراض بجسمه، ويقول لك: الحمد لله. فالإنسان ما دام على الطريق المستقيم، وعلى المنهج القويم، ويرضي الله رب العالمين فهو قمة السعادة.

الشقي من أعرض عن ذكر الله عز وجل:

 لذلك:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

 والذي أعرض عن ذكر الله لو كان في قمم النجاحات المادية والمعنوية والأدبية، فهذا شقيٌ شقي ورب الكعبة، وعندما يستقيم الإنسان على أمر الله يشعر أن الله سبحانه وتعالى ينظر إليه بعين الرضا وأن الله معه، وأن الله آخذٌ بيده كلما عثر، وأن الله يدافع عنه، وأن الله يحبه، وهذا الشعور وحده يسعد الإنسان.
 أحياناً إنسان له منصب رفيع ينظر نظرة لحاجب: كيف حالك يا فلان ؟ يمكث شهراً مسروراً، كلمة لطيفة، وهل يلزمك شيء ؟ يكون الحاجب لا يقرأ ولا يكتب، فالعظيم إذا التفت إلى الصغير أسعده.

الله عز وجل مع المؤمن دائماً بالتأييد و النصر و الحفظ:

 ربنا عزَّ وجل ينظر إلى قلب عبده المؤمن، والله عزَّ وجل ينظر إلى المؤمن بعين الرضا، والمحبة، والتوفيق، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

( سورة النحل: من آية " 128 " )

 وهذه معيةٌ خاصة ؛ معهم بالتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لا يوجد معك أحد، وإذا كان الله معك والله الذي لا إله إلا هو لو أن أمم الأرض جميعاً اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك أي..

 

إذا كنت في كل حالٍ معي  فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *

 فهنيئاً لمن ذاق معية الله الحقيقية، فلو كنت معه،

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾

 انظر إلى كلمة لن، لتأبيد النفي..

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 12 " )

من هان أمر الله عليه هان على الله:

 لكنك عندما تقرأ القرآن الكريم وترى أن وعود الله في أغلبها غير محققة لمن يدَّعون أنهم مؤمنون، يجب أن تستنبط أن هؤلاء عندهم خلل كبير وخلل خطير، والله قال:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 12 " )

 ولكن ما حال الذين جاؤوا بعد الرعيل الأول ؟ قال:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾

( سورة مريم)

 أي حينما يهون على المسلمين أمر الله فلا يطبقونه، يهونون على الله عزَّ وجل:

 

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾

 

( سورة الكهف )

 لا يوجد وزن، لأنه لا يوجد ورع، ولا يقيمون أمر الله، فأمر الله عندهم سيَّان فعلوه أم لم يفعلوه.

على كل مؤمن أن يلتزم منهج الله عز وجل في كل شيء:

 الدخل يقول لك: حط بالخرج. لو قلت له: أخي هذا حرام فيه شبهة. يقول لك: لا تدقق أسهل لك. هكذا حال المسلمين، النبي يقول:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ مجمع الزوائد ]

 هذه كلمة كبيرة جداً، طعام غير طيِّب لأن ثمنه غير حلال، ولأن في الدخل كذب، والكذب يؤدِّي إلى الغش، والتدليس، وتغيير المواصفات، والإيهام، والاحتكاك، وكل مخالفات البيع والشراء موجودة فالربح غير حلال، والطعام غير طيب، وادع حتى تشبع:

 

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 

[ مجمع الزوائد ]

 من أيام أخٌ كريم قال لي: لي قريب عاش ستًّاً وتسعين سنة، والشيء الغريب أنه يتمتع بأعلى درجات الصحة، فقال لي من حديث لحديث أنْ قال له: يا بني هذه ثمار اللُّقيمات الحلال التي أكلناها في شبابنا.
 يوجد نظام دقيق في الكون، وعدالة مطلقة، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد؟

ما من مخلوق يعتصم بالله عز وجل إلا جعل له مخرجاً من كل شيء:

 قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا(55)﴾

( سورة النور)

 شرط واحد:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور)

 فالآن لا يعبدونه، بل يعبدون شهواتهم، ويعبدون الأقوياء، فيعبدون غيره..

 

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه))

 

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

من اصطلح مع الله و تعامل معه بصدق جعل ألدّ الناس له في خدمته:

 تقول: يا الله. وأنت مخلص، وأنت مقيمٌ على أمر الله، والإسلام مطبَّق في بيتك، ومطبق في عملك، وتتقصى الدرهم الحلال ولو بذلت الجهد الكبير، وتنفر من الرزق الحرام ولو كان يسيراً، وأنت بهذا الورع، وبهذا الخوف من الله، والإخلاص، ويجعل للكافر عليك سلطاناً مبيناً !! حاشا لله..

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة الحج: من آية " 38 " )

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
 قضية خطيرة جداً قضية مصير، وسعادة دنيوية وأبدية، واصطلح مع الله، وتعامل معه بصدق، وإخلاص، وضع شهواتك تحت قدمك وضع أمر الله بين عَينيك، وانظر كيف أن أعداءك الألدَّاء في خدمتك، بيد الله كل شيء، ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك قال لك:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

 هذا العطاء الأبدي السرمدي.

موضوع الأبد موضوع خطير جداً على كل إنسان أن ينتبه له:

 إخواننا الكرام موضوع الأبد لا أحد ينتبه له، فجنة للأبد أي كم مليون سنة تكون ؟ عاش إنسان ستًا وتسعين سنة ما شاء الله، مئة وثلاثًا يقول لك: ما شاء الله على هذا العمر. فهل الآخرة مئة سنة فقط، ألف سنة، مليون سنة، ألف مليون، ألف ألف مليون، مليار مليار، واحد وأصفار للقمر، كيس من الطحين كل ذرة مليون سنة، فما هذه الآخرة ؟ هذا الأبد، الدنيا صغير جداً، فجنةٌ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين ثمنها الطاعة في هذه الدنيا المحدودة، كم سنة كلها ؟
 انظر إلى الناس يمضون هذا العمر القصير في المعاصي والآثام، يأتيهم مَلَك الموت فجأة، من أفخر بيت لقبر طوله متر ونصف، هذا المصير، هذا مصير كل حي، فموضوع الموت غائب عن الناس، فهل يستطيع إنسان يدعي أنه لن يموت ؟ فالموت بين أيدينا، وهل في اليوم أقل من خمسين نعوة في الشام، كم مرة يعلن على المآذن عن الموت، ألا نرى الموت بأعيننا كل يوم ؟ ماذا في القبر ؟ وماذا بعد القبر ؟ فهذه أسئلة كبيرة جداً.

الشقي من استهلكته الدنيا و العاقل من عمل لآخرته:

 الإنسان يكون من الأشقياء حينما تستهلكه الدنيا، من عمل لعمل، ومن مشروع لمشروع، ومن لقاء إلى لقاء، ومن اجتماع إلى اجتماع، وبعد ذلك جاءه ملك الموت فجأة، أين المصير ؟ أم ماذا كنتم تعملون في الدنيا ؟

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)﴾

( سورة المدثر )

 ورد في بعض الآثار القدسية:

 

(( أن عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعبيني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟! لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزَّتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا ـ نجاحات في الحياة الدنيا رجل أعمال ضخم ـ تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً))

 

[ورد في الأثر]

 الفوز العظيم في طاعة الله، وفي السير على منهج الله، وأن تكون واثقاً بما عند الله، وأن تكون واثقاً بوعد الله، ومحباً لله هذا هو الفوز العظيم، وهذا هو الفضل الكبير، قال:

﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23) ﴾

(سورة الشورى)

من علامات البعد عن الله عدم تحرك الإنسان إلا بالأجر الجزيل:

 إخواننا الكرام، من علامة صدق النبي، وصدق الأنبياء والمرسلين جميعاً أنهم لا يريدون منكم شيئاً..

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾

( سورة يس )

 أبداً أبداً، لا مادياً، ولا معنوياً، فهذه علامة الدعوة الخالصة، فلذلك:

 

﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا (23) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فالإنسان إذا لم يعرف الله عزَّ وجل لا يتحرك إلا بأجر، يصير ماديَّاً، أي أقل خدمة إذا لم يأخذ عمولة لا يشتغل، لكن إذا عرف الإنسانُ اللهَ عزَّ وجل، يحتقر أن يأخذ على عملٍ وَعَدَ الله الأجر الجزيل أجراً في الدنيا، ولذلك فأساس حياة المؤمن العطاء بلا حساب، ولا مقابل، فالمؤمن بني حياته على العطاء، فإذا قبض فليقيم أوده، وليعيش فقط، أما أنه لا يتحرَّك ولا يقدم شيئًا إلا بالأجر الجزيل، فهذه علامة الافتقار أو البعد عن الله عزَّ وجل.

النبي الكريم بنى حياته على العطاء:

 الله عزَّ وجل وصف النبي عليه الصلاة والسلام قال:

﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23) ﴾

(سورة الشورى)

 إخواننا الذين يتقنون اللغة العربية هذه"إلا " أداة استثناء، لكن الاستثناء نوعان ؛ استثناء متصل، واستثناء منقطع، إذا قلت: دخل الطلاب إلا طالباً فهذا استثناء متَّصل، أي المستثنى بـ "إلا" من جنس المستثنى منه، الطالب طالب، أما إذا قلت: دخل الطلاب إلا المعلم. هذا استثناء منقطع، لأن المعلم ليس طالباً.

﴿ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ( 30 )إِلا إِبْلِيسَ ﴾

( سورة الحجر)

 إبليس ليس مَلكًا، هذا اسمه استثناء منقطع، فالعلماء قالوا في هذه الآية: هذه إلا أداء استثناء لكن الاستثناء منقطع، أي أن المودة في القربى ليست أجراً له.

النبي الكريم لا يريد شيئاً إلا أن يرى أمته طائعةً لله من بعده:

﴿ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23) ﴾

(سورة الشورى)

 وقف العلماء وقفةً طويلة عند هذه الآية، ولكن أوجه تفسير وجدته: المودة في القربى أي أن تتوددوا إلى الله فيما يقرِّبُكُم إليه، يقول الأب لابنه أحياناً: يا بني لا أريد منك شيئاً، أنا مكتفٍ، لكن أنا طلبي الوحيد منك أن تكون إنسانًا عظيماً مثقفًا، وإنساناً محترماً في المجتمع، هذا الذي يسعدني. فالأب كلما ارتقى مستواه يكون مترَفِّعاً عن عطاء ابنه لكن يتمنى له كل خير. فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يريد شيئاً إلا أن يرى أمته طائعةً لله من بعده، منيبةً إليه، عابدةً لله، مقيمةً على أمر الله.

 

﴿ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23) ﴾

 

(سورة الشورى)

 إلا أن تتودّدوا إلى الله فيما يقربكم إليه:

 

(( لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله ورسوله وأن تقربوا إليه بطاعته))

 

[ مسند الإمام أحمد عن ابن عباس ]

 هذا حديث ورد عن رسول الله في تفسير هذه الآية. أي أن النبي لا يريد شيئاً ولكن يريد أن نكون مؤمنين، هذا الشيء يريحه، والعظماء فوق المكاسب المادية، فإذا رأوا الناس في بحبوحة، وأخلاق عالية، وتآلُف، فهذا الشيء يسعدهم.
وأبسط مثال الأب الغني لو رأى أولاده في مناصب رفيعة علمية، وسمعتهم طيبة جداً، وأشخاصاً محترمين في المجتمع، تجده مسروراً جداً، فهذا الذي يريده.

من علامات الدعاة الصادقين:

1 ـ الدعوة على بصيرة:

 إذاً المودة في القربى أن تتودد إلى الله بعملٍ يقربك منه، إن فعلت هذا فهذا جزاء النبي، فالنبي ليس له جزاء، الله سبحانه وتعالى هو الذي يجزيه كل خير.
 إذًا النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد شيئاً بنص القرآن الكريم، والآية التي تؤكد هذا المعنى:

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

( سورة يس)

 ولو أحدنا أراد أن يتبَّع الآيات المتعلقة بصدق الداعين إلى الله عزَّ وجل:

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية: 108 )

 الذي يدعو على بصيرةٍ متبعٌ للنبي عليه الصلاة والسلام.

 

2 ـ الترفع عن الأجر:

 

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 18 " )

 والذي يبيِّن عدالة الله عزَّ وجل هو شاهدة الله من أولي العلم.

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) ﴾

( سورة يس )

 الترَفُّع عن الأجر هذا من علامات الدعاة الصادقين.

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 39 " )

 هذا من علامات الدعاة الصادقين.

 

3 ـ الصبر:

 

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

( سورة السجدة: من آية " 24 " )

 والصبر من علامات الصادقين.

 

4 ـ النجاح في الابتلاء:

 

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 124 " )

 الصبر، والنجاح في الابتلاء، والدعوة الواضحة بالدليل، والتعليل، وبيان عدالة الله عزَّ وجل، وعدم الخوف إلا من الله عزَّ وجل، والترفُّع عن أي أجرٍ ماديٍ أو معنوي، هذه خصائص الدعاة إلى الله الصادقين كما وردت في القرآن.

 

5 ـ المودة من أبرز هذه الخصائص:

 من أبرز هذه الخصائص:

 

﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23) ﴾

(سورة الشورى)

 المودة سلوك مادي يؤكِّد مشاعر قلبية، أنت تحب شخصاً، فالمحبة شعور داخلي، أساسه المَيْل، تميل أن تذهب إليه، وأن تجلس معه، وأن تكون في قربه، فالحب هو شعور داخلي، هذا الحُب كامن، كيف يعبر عنه ؟ بعمل، فإذا زرته فالزيارة مودة، وإذا قدَّمت له هديةً فالهدية مودة، ولك أخ مؤمن تحبُّه حباً جماً، تزوج، فعبَّرت عن حبِّكَ له بهديةٍ في مناسبة زواجه، أو مرِض فعُدَّتَهُ في بيته، فالمودة سلوك مادي يجسِّد شعوراً قلبياً خالصاً.

المودة سلوك يجسد الحُب:

 فهنا الآية:

﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾

 أي أن المشاعر من دون أن يكون العمل مؤكداً لها كلام فارغ، إلا المودة، أي سلوكاً، والتزاماً، وائتماراً بأمر الله، وعملاً بطاعته، فضابط الجوارح الخمس، وضابط الدخل، وضابط الإنفاق، وضابط اللسان هو المودة، فالمودة سلوك يجسد الحُب.

﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ ﴾

 والهدف ليس السمعة عند الناس، بل القرب من الله، فلو وقفنا عند هاتين الكلمتين سلوك يهدف إلى القُرب من الله، إن فعلت هذا فقد أرضيت النبي في قبره، وإن فعلت هذا فقد جعلت النبي عليه الصلاة والسلام أفرح الناس بنا، لأنه رحيمٌ بأمته أرحم منا بأنفسنا.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

( سورة التوبة )

النبي الكريم لا يبتغي من الإنسان أجراً بل أن يكون كما يريد:

 النبي عليه الصلاة والسلام لا يبتغي منك أجراً ولا شيئاً آخر، بل يبتغي منك أن تكون كما يريد: مؤمناً، وكما قلت قبل قليل: أوضح مثل للأب، الأب الغني المستغني عن أولاده، لا يسعده إلا أن يكون أولاده في أعلى مقام في المجتمع، يصبح الابن قرة عين.

﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23) ﴾

(سورة الشورى)

 أن تفعل عملاً يعبِّر عن حبك لله وتبتغي منه القربى من الله فقط، وإن فعلت هذا فهذا أجر النبي عليه الصلاة والسلام.
لقد اختلفت أسرة في موضوع تجاري، فكلفني أخٌ كريم أن أكون حكماً بينهم، فالأمر استغرق معي عدة سهرات إلى ساعةٍ متأخرة من الليل، فبعد أن انتهت هذه اللقاءات باتفاق طيِّب، وكتبوا أوراقاً ووقعوا، وحصلت مودة بالغة، أخطؤوا بحقي خطأً فقال أحدهم: كم تريد ؟ قلت: أعوذ بالله أنا لست محامياً أساساً، ثم قلت: لا، لا أريد على هذه الجلسات أجراً باهظاً، بل أن تحضروا دروس العلم، وهذه اسمها مشاكلة، و المشاكلة في اللغة هي ليس هذا أجراً، لكن النبي لكماله العظيم حينما يرى أمته منيبةً يسعد.
 فالنبي قبل أن يتوفاه الله عزَّ وجل نظر إلى أصحابه في الصلاة فابتسم حتى بدت نواجذه، قال:

 

(( حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))

 

[ تخريج أحاديث الإحياء ]

من أصلح علاقته مع الله أُصلحت علاقته مع الآخرين:

 إذا دعا إنسان صغير بالنسبة لأي داعية إلى الله عزَّ وجل، ورأى إخوانه منيبين إلى الله عزَّ وجل، في صلاتهم خشوع، وتعاملهم إسلامي، وبيوتهم إسلامية، وعملهم إسلامي، وعندهم ورع، واللهِ الذي لا إله إلا هو هذا أكبر جزاء وأكبر عطاء تعطونه لمن يدعونكم إلى الله، وأن تكونوا على ما يريد الله ورسوله، فهذا أكبر عطاء، والإنسان تكفيه لقيمات، أما إذا زرع فسيلة واعتنى بها ثم أثمرت فهذا أجره، والأب والمعلم والداعية كذلك، وكل إنسان يقدِّم شيئًا لا يَفرحُ أن يُقدَّم له شيئًا مادياً، بل يفرحه أن تكون في مستوى دعوته.
 لكن ماذا يؤلم الداعية إلى الله عزَّ وجل ؟ أنْ يوجد إنسان محسوب على هذا المسجد ليس إسلامياً بعمله، وأخلاقيته غير إسلامية، وفي بيته لا يوجد استقامة، في بتعامله المادي يوجد أخطاء كبيرة جداً، يأخذ ما ليس له، يدّعي أنه صاحب دين، وهو محسوب على أهل مسجد وهو ليس منهم، فهذا الذي يؤلم، والذي يؤلم أن تنتمي إلى جماعةٍ دينيَّةٍ يظن أنها طيبة طاهرة ولست في مستواها لا في بيتك، ولا في عملك، ولا في أخلاقك ؛ والذي يسعد أن تكون كما يريد الله ورسوله، فالحقيقة الإنسان إذا أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله فيما بينه وبين الناس، أنت أصلح علاقتك مع الله تصلح كل علاقاتك مع الآخرين..

﴿ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23) ﴾

(سورة الشورى)

النظر إلى وجه الله الكريم خير عطاء للإنسان في الآخرة:

 الحسنة في الدنيا لها عطاء وفي الآخرة لها عطاء، وفوق عطائي الدنيا والآخرة هناك نظرٌ إلى وجه الله الكريم، وهذا المعنى يؤيِّده قوله تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس: من آية " 26 " )

 الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، فالحسنة في الدنيا لها عطاء وفي الآخرة لها عطاء، والبر لا يبلى والذنب لا ينسى والديَّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، أحسن في عملك، وأحسن في بيتك، وفي علاقاتك، وفي كلامك، وكل حركة مسجَّلة، فأحسن، وأتقن عملك، وكن صادقاً، وكن وفيًّاً للناس، ومخلصاً، وخذ بيد أولادك إلى الله ورسوله، و دُلَّ امرأتك على الله ورسوله، هذا هو الإحسان، فلك الدنيا:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) ﴾

( سورة الرحمن )

 ولك الآخرة، ولك نظرٌ إلى وجه الله عزَّ وجل، ولذلك قال أحد العارفين بالله: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة جنة القرب من الله ". وقال أحدهم: " ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ ".
 هذه جنة القرب من الله، وجنة الطاعة لله عزَّ وجل، فحبّذا لو ذقنا طعم القرب من الله.

من أخذ بعضاً من الدين و ترك بعضه الآخر لا يسعد و لا يرقى عند الله عز وجل:

 آخر مثل أقوله لكم:إنسان اشترى قطع سيارة ؛ محَرِّكًا، ورفاريف، ودواليب، ومقاعد، وسقفًا مقطوعاً، ومؤخرة مقطوعة وضعها في البيت، وهل هذه القطع تسعده أم هي عبءٌ عليه ؟ يملُّ منها، أما إذا اشترى سيارة متكاملة تمشي وراح بها نزهة يسعد بها، فإذا أخذت الدين قطعاً ونتفًا، صلِّيت وصمت، ولكن لا توجد استقامة تامة، ولا يوجد انضباط كامل، وعقيدتك غير صحيحة، فلو أخذت من الدين بعض الأشياء وجمَّعتها يصبح الدين عبئاً عليك تملُّ منه، ولكن إذا أخذت الدين منهجاً متكاملاً، وإذا قطفت ثماره فأنت أسعد الناس به، فإن أخذت بعضاً من الدين وتدع بعضاً هذا لا يسعدك، ولا يرقى بك، ولا تحافظ عليه، وسريعاً ما تتفلَّت منه.
 فمن السهل جدًّاً أخْذُ بعض أجزاء من الدين غير متكاملة، وسهل جداً أن يترك فريضة صلاة، ويقول: والله عندنا اجتماع ضروري، أو عندنا سهرة، أو موسم، أما عندما يأخذ الإنسان الدين متكاملاً، منهجاً كاملاً ويقطف ثماره ويحرص عليه حرصه على روحه، فعندئذ تركب هذه المركبة، وتقلُّك أنت وأهلك إلى مكان جميل، وتقطف ثمارها، فهي لم تصبح بذلك عبئاً عليك، بل أصبحت مكسباً كبيراً.

من انضبط بمنهج الله عز وجل سعد في الدنيا و الآخرة:

 إخواننا الكرام... كما قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي:

(( إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه ما صحبتموه))

[ كنز العمال ]

 والإنسان إذا لم يأخذ الدين من كل أطرافه، بل أخذه متكاملاً، عقيدة ملأت عقله، ومشاعره وقلبه، وسلوكًا ضبط حركته فليس هذا هو الدين، هذا التوازن وهذا التفوق، ينمو عقلك بالعلم، وقلبك بالذكر، وينضبط عملك بمنهج الله عزَّ وجل، وهذا التفوق، أما إذا أخذنا جانباً، فالصلاة لا تكلِّف شيئًا، ويوجد عندك اختلاط، وأخذنا الحج فهذا شيء جميل سياحة، وبالطبع إنسان ميسور فينزل في أفخر الفنادق، إنه طواف وسعي، فصار اسمه: الحاج فلان، أخذنا الحج من جهة، والصلاة من جهة، لكن لا يوجد انضباط في الحياة اليومية، في البيع والشراء وفي العلاقات الاجتماعية، هذا أخذ قطعاً من سيارة، فأصبحت عبئاً عليه فرفضها، وسهل أن يتخلى عنها، أما لو أخذها متكاملة سعد بها وحرص عليها.