الدرس : 08 - سورة الشورى - تفسير الآيتان 21-22 ،المشرع هو الله لأنه يعلم حقيقة النفس الإنسانية

1994-03-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من سورة الشورى.

المُشَرِّع هو الله لأنه يعلم حقيقة النفس الإنسانيَّة:

 مع الآية الواحدة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(21)﴾

(سورة الشورى)

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية فيها استفهام إنكاري، أي أن الله سبحانه وتعالى يُنْكِرُ على هؤلاء أن يشرِّعوا تشريعاً يخالف شرع الله عزَّ وجل، وهذه الآية تنقلنا إلى موضوعٍ دقيقٍ في الإسلام، وهذا الموضوع هو أن المُشَرِّع هو الله، لماذا ؟
 أولاً لأن الإنسان يجهل حقيقة الناس، والذي يشرِّع يجب عليه أن يعلم حقيقة النفس الإنسانيَّة، وأن يعلم ما تنطوي عليه من حاجات، وما تعانيه من مُلِمَّات، فالنفس البشريَّة لها طبيعة، فمن هو الخبير بها ؟ هو الله سبحانه وتعالى وهو الصانع، فأنت بشكل بسيط جداً لو عندك جهاز مُعقَّد (حاسوب مثلاً) وتعطَّل، فهل من الممكن أن تلجأ إلى غير الخبير ؟ وإلى غير الشركة الصانعة ؟ وإلى غير مندوب من الشركة الصانعة ؟
 فأولاً المشرِّع لا ينبغي له أن يكون إنساناً، فلو أن المشرِّع هو الإنسان فالإنسان يجهل، وإذا علم يجهل جانباً ويعلم جانباً، فأحياناً نشرِّع من زاوية واحدة، ونجد أخطاء كثيرة جداً، ومضاعفات خطيرة جداً ظهرت معنا دون أن نحسب لها حساباً، وبما أنه لو علم يجهل، ولو علم جانباً جهل جوانب، ولو نظر في هذا التشريع من هذه الزاوية تغيب عنه بقيَّة الزوايا، وهو إما أنه يجهل جهلاً مطبقاً، أو أنه يجهل جهلاً جُزْئِيَّاً، فما دام هناك جهل فالجاهل لا يشرِّع.

الإنسان لا يمكن أن يكون مشرِّعاً لعدة أسباب منها:

 هذه النفس البشريَّة لا يعلم حقيقتها، وقوانينها، وخصائصها، و بُنيتها، وفطرتها إلا الذي خلقها، فحينما نفكِّر، أو حينما نكتشف، إلى أن نشرِّع لأنفسنا فقد وقعنا في مطبٍ كبير، وفي جهالةٍ جَهْلاء، وفي هلاكٍ في الدنيا وشقاءٍ في الآخرة، لمجرَّد أن تفكِّر أن إنساناً ما كائناً من كان بإمكانه أن يشرِّع، فالمشرِّع هو الله لأنه هو الخالق، والبارئ، و المصوِّر، والعليم، والحكيم، والخبير، والذي يعلم السرَّ وأخفى.

1 ـ لأن الإنسان إما على جهلٍ مطبق أو على جهلٍ جزئي:

 إذاً أول نقطة: أن مخلوقاً ما كائناً من كان، مهما علا قدره، و كثر علمه، واتسعت ثقافته، وسمت نفسه، لا يستطيع أن يشرِّع لأنه إما على جهلٍ مطبق، أو على جهلٍ جزئي، ومادام في كيان هذا المشرِّع جهلٌ ما ولو كان جزئياً، فإن هذا الإنسان ليس بمقدوره أن يشرِّع، والدليل أن أي قانونٍ وضعيٍ من صنع البشر لا تزال ترى له تعديلاتٍ وتعديلاٍت حتى تغدو التعديلات أكثر من مَتْنِ القانون، ثم يلغى كلياً ويوضع قانونٌ جديدٌ آخر.
 وإن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الإنسان ليس مؤهَّلاً أن يشرِّع، وهذه حقيقةٌ أساسيَّةٌ في الدين، أي إنسان (أنا لا أتهم إنسانًا معيَّنًا ولو حسنت نيَّته) فالإنسان يجهل، أو يعلم جانباً ويجهل جانباً آخر، ومادام في جهل من جانب فلا يمكن أن يكون الإنسان مشرِّعاً.

 

1 ـ الإنسان له مصالح و غرائز فأي تشريعٍ من وضع البشر يخدم مصالح المُشَرِّع:

 هناك عامل آخر: الإنسان له مصالح، وله غرائز، فإذا شرَّع هو فمن أجل مصالحه، ومن أجل غرائزه، فأي تشريعٍ من وضع البشر تشعر أن هذا التشريع يخدم مصالح المُشَرِّع قبل كل شيء، أو يخدم غرائزه، فعامل الجهل الكُلي أو الجُزئي، وعامل المصالح التي هي أحد أهداف الإنسان، وعامل الغرائز التي هي تتحكَّم بالإنسان أحياناً، فلهذه الأسباب مجتمعةً أو غير مجتمعة فالإنسان لا يمكن أن يكون مشرِّعاً.

 

أي تشريعٍ يضعه البشر له مضاعفات خطيرة جداً:

 هل تصدِّقون أن من المجتمعات التي توصف بأنها راقية أو متقدِّمة (بالمقاييس الحضاريَّة) من هذه المجتمعات من أقرَّت اللواط، تفضَّلوا، الإنسان إذا شرَّع هكذا يفعل، طبعاً عندما شُرِّعَ هذا القانون تملُّقاً لغرائز الناس المنحرفة، مع أن هذا الانحراف ليس في حياة البشر انحرافٌ أدنى منه، ولا أقذر منه، فهو تحطيمٌ للإنسان، ولهذا الطفل الذي سيغدو رجلاً، انتهى الإنسان، فحينما نقول للإنسان: تعال شرِّع، يبيح لك اللواط. والآن في بعض الدول في اسكندينافيا توزَّع على الناس المخدِّرات مع الحقن المعقمة لئلا ينتقل مرض الإيدز عن طريق الحقن، فإذا أردنا أن نشرِّع فقد ألغينا تشريعًا آخر.
 أنا أنقل إليكم بعض اللقطات من التشريعات الوضعيَّة في مختلف بلاد العالَم، في الصين ظهر تشريع يُلزم الآباء بإنجاب ولد واحد، فما الذي يفعله أهل الصين ؟ إذا جاءت الأنثى قتلوها إلى أن يأتيهم ذكر فيُصرِّحون به، فما الذي حدث بعد حين ؟ أن قرىً بأكملها لا تجدُ فيها أنثى واحدة، تعطَّلت الحياة. فالإنسان حينما شرَّع ظهر معه هذا.
 وفي تونس أي إنسان يطلِّق امرأته تتملَّك فوراً نصف ثروته، فأصحاب الأعمال الناجحين عزفوا عن الزواج، وأمضوا حياتهم بالسِفاح، وكسدت سوق الزواج، فاضطرَّ الآباء أن يعطوا خاطبي بناتهم سندات أمانة بمبالغ خياليَّة إذا طلَّقوا يستحقُ عليهم هذا السند. فعندما شرَّعنا نحن وقعنا في مأزق كبير، وأي تشريعٍ يضعه البشر يجب أن تجد له مضاعفات خطيرة جداً.

التشريعات التي جاءت في القرآن الكريم كلَّما تقدَّم العلم أثبت أنها هي الناجحة:

 أيها الأخوة، طبعاً ليس غريباً عن أذهانكم أنه قبل عام أو أكثر دولة عظمى من دول العالم سمحت للشاذين بدخول الجيش، إنه تشريع ‍ ! فهذه كلُّها أدلَّة تؤكِد أن الإنسان حينما يشرِّع إما أنه يجهل جهلاً كلياً، أو أنه يجهل جهلاً جزئياً، أو أنه يتملَّق مصالحه، أو يتملَّق غرائزه، فالتشريعات الوضعيَّة دائماً لمصلحة واضع التشريع، تحقِّق كل مصالحه على حساب الآخرين.
 أما إذا كان التشريع من خالق الكون فهو الخالق أولاً، والبارئ و المصوِّر، والعليم، والقدير، والعادل، لذلك التشريعات التي جاءت في القرآن الكريم كلَّما تقدَّم العلم أثبت أنها هي الناجحة، فمثلاً: هناك دول ألغت عقوبة الإعدام، لماذا عادت إلى تطبيق هذه العقوبة صاغرةً ومُرغمة الأنف ? صار الإنسان يقتل ثمانية وعشرين شخصاً برشَّة واحدة بلا سبب، ضجر، ورفض، وضياع. فالله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 179 " )

 طبعاً " القتل أنفى للقتل " حينما تقتل القاتل، إذاً حينما يفكِّر إنسان بالجريمة يرتدع، وفَّرت حياة القاتل الآخر وحياة المقتول، فالشرع الحكيم أمر بقتل القاتل ردعاً لأي إنسان وحفاظاً على حياة الناس، أما بعض المجتمعات التي تظن أنها متقدِّمة حكَّمت عقلها في كل شيء، والعقل لا يكفي، العقل وحده ليس مؤهَّلاً أن يشرِّع. فالمُنطلق أننا نحاسب الناس لكن لا نؤذي حياتهم (شيء جميل) القاتل له سجن، وبحسب حقوق الإنسان له وهو في السجن حالات طيِّبة، له حق أن يقرأ صحيفة، وأن يأكل أكلاً طيِّباً، وأن يشاهد وسائل الإعلام، فصار السجن أكثر راحة من بيته، فهذا يدخل السجن وهو في راحةٍ تامَّة، ولذلك حينما تفاقمت جرائم القتل في بعض البلاد الغربيَّة عادوا إلى تطبيق عقوبة الإعدام مرغمين.

الإسلام دين وسطي:

 فيا إخواننا الكرام، الآن الإسلام وسطي، والوسط هو الاعتدال وهو الصواب، والعالم توزَّع نحو تطرُّفٍ نحو اليمين وتطرُّف نحو اليسار، والآن بفضل الله ورحمته عاد الطرفان مُرْغَمَيْن إلى الوسط لا اعتقاداً بأحقية الدين، بل انطلاقاً من مصالحهم، فهؤلاء عادوا إلى الوسط، وهؤلاء عادوا إلى الوسط..

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 143 " )

من قوانين النفس أنّ الإنسان دائماً يوازن بين المكتسبات وبين التبعات:

 أيها الأخوة الكرام، من قوانين النفس، أنّ الإنسان دائماً يوازن بين المكتسبات وبين التبعات، فإذا كانت التبعات أقل من المكتسبات وقع الإنسان في الجريمة، وحينما شَرَعَ الإسلام قطع اليد، طبعاً أحد الشعراء سأل الإمام الشافعي فقال له:

يدٌ بخمس مئينٍ عسجدٍ وديَة  ما بالها قُطِعَت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له  ونستجير بمولانا من العــارِ
* * *

 أي أن ديَّتها خمسمئة دينار. فأجاب الإمام الشافعي فقال:

يد بخمس مئين عسجد وُدِية  لكنها قطعت في ربع دينـــار
هنالك مظلومة غالت بقيمتها  وهاهنا ظلمت هانت على الباري
* * *

 لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة فلمَّا خانت هانت.
 وفي بعض البلاد غير المستنيرة علمياً، وغير المتقدِّمة حضارياً، حينما طُبِّق فيه قطع يد السارق حصل العجب العجاب، تعجب أن بائع النقد يترك صندوق النقد بالملايين ويذهب ليصلي، ولا يجرؤ أحدٌ أن يأخُذَ شيئاً، وهناك قصص كثيرة جداً عن مجتمع غير حضاري، وغير متقدِّم، وغير متعلِّم ولكن طُبِّقَ فيه هذا الحَد (قطع يد السارق) لأن أكبر مبلغ يناله السارق لا يوازي يده، يعمل موازنة فيقول لك: لا. أما إذا كان موضوع سجن فقط فالقضيَّة سهلة، ألف طريقة يخرج الإنسان منها، بكفالة، وباحتيال، ولذلك:

يدٌ بخمس مئينٍ عسجدٍ ودية  ما بالها قُطِعَت في ربع دينار
* * *

عزُّ الأمانة أغلاها، وأرخصها  ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
* * *

 والله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾

( سورة النور: من آية " 2 " )

 الشفقة هنا شفقة شيطانيَّة، فحينما تُشفق على إنسان يعمل على هدم أركان المجتمع فهذه ليست شفقة، وإنما هي محاباةٌ للمُنحرف.

أعظم ما في التشريع الإلهي أن الذي وضع التشريع هو معك دائماً:

 إذاً حينما نسمح لإنسانٍ ما أن يشرِّع نقع في أخطاء كبيرة، غالباً أن الإنسان إذا طبَّق شرع الله عزَّ وجل، فالمؤيِّد القانوني لشرع الله أن الله يعلم، ولكن واضع التشريع قد لا يعلم من يخالف هذا التشريع، أو لا يستطيع أن يعلم، فإذا كان بالإمكان أن ينجو من علم واضع التشريع إذاً يحتال عليه، لكنَّه إذا علم أن المشرِّع هو الله، فلو كان في عقر بيته فلا يستطيع أن يخالف شرع الله، ولو كان وحده في الليل يعجن العجين، في ساعةٍ متأخِّرة من الليل، لا موظَّف تموين ولا مراقب، ولكنه يراقب الله عزَّ وجل، فلا يستطيع أن يخالف الشرع، فأعظم ما في التشريع الإلهي أن الذي وضع التشريع هو معك دائماً.
 فأنت تلاحظ أحياناً الساعة الثالثة لا توجد إشارات، تتخطَّى الإشارة الحمراء وأنت مطمئن لأنه لا يوجد شرطي. وهذا مثل بسيط، أن واضع قانون السير لا يستطيع أن يعلم كل المخالفات أثناء الليل، فالشرطي يريد أن ينام، ففي الساعة الثانية عشرة ينام، ومعنى هذا بعد الثانية عشرة لا يوجد شرطي إذاً تخالِف، وهذه من ثمار القانون البشري، فما دام واضع القانون لا يستطيع أن يضبط المخالفات، إذاً هناك عملية صراع بين عقلين، والأذكى ينتصر.

عدم انتظام الحياة إلا بتطبيق منهج الله عز وجل:

 الآن في بعض البلدان المتقدِّمة (بمقياس العصر) يوجد أجهزة رادار لكشف السرعة الزائدة، والأذكياء صنعوا جهازاً للتشويش على هذا الجهاز، اضطروا أن يصنعوا جهازاً ثالثًا لكشف جهاز التشويش الموضوع داخل السيَّارة، فالأمر هو حرب بين عقلين، أما حينما يضع خالق الكون تشريعاً فهنا لا احتيال عليه، لأن الله يعلم، وسيعاقب، ولن تنتظم الحياة إلا إذا طُبِّق منهج الله عزَّ وجل، لأن المشرِّع وهو الله يعلم السرَّ وأخفى، ويعلم أدقَّ المخالفات.
 والدليل الصيام، فالمسلم، قد يكون شهر رمضان في أيام الصيف الحارة، وساعات الصيام سبع عشرَة ساعة، واستيقظ وهو في حالة عطش شديد، فكيف يمضي هذا اليوم إلى المغرب ؟ يدخل الحمَّام والماء بارد، عذبٌ فرات ولا أحد يراقبه، هل يستطيع المسلم أن يبتلع نقطة ماء في رمضان ؟ هذا من أثر التشريع الربَّاني. وتجد حالات من الأمانة، والصدق، وعدم الغِش، فإنه شيءٌ عجيب، لأن المراقب هو الله، فإذا قلت: إنسان سيراقب، فالإنسان يباع ويشترى.
يقول لك: كانوا قديماً، لا توجد أجهزة تكشف الحليب المسحوب دسمه، فالأمور فيها تراخٍ، ثم اخترع جهاز مكثِّف يوضع في الحليب، ويغوص في السائل بحسب قدر سحب المادَّة الدسمة، فهذا جهاز مكثِّف، فصار في حل، يسحب الإنسان المادَّة الدسمة في الحليب (القشدة) ويضع بدلاً منها النشاء، ويوضع المكثِّف فكأن الحليب كامل الدسم. والآن نحن نحضر جهازًا حديثًا جداً يحدِّد المادة الدسمة بأدق المعايير، الذي على الجهاز فقد يشترى وانتهى الأمر مادام التشريع أرضيًا، إذًا لابدَّ من أن يكون المشرِّع هو الله، لأن الله عزَّ وجل يعلم وسيحاسب، ولن تنتظم الحياة إلا بهذه الطريقة.

على الإنسان أن يخاف من عقاب الله لأنه لا مفر منه:

 الإنسان أحياناً لو نجا من عقاب الإنسان لا ينجو من عقاب الله، فهناك حالات كثيرة، أخ كريم مرَّة سألني هذا السؤال قال لي: أنا في محضر تمكَّن يأخذه عن طريق دعوى إزالة شيوع بسعر أقل من سعره بثلاثين في المئة، أي أنه أدخل أربعة أو خمسة صوريين في المزاودة ورفعوا شيئًا قليلاً جداً، فرسا عليه المحضر بثمن يقل عن ثمنه الحقيقي بثلاثين في المئة، والرقم كبير جداً، فعاد إلى بيته ونظر إلى ساعة فِراق الدنيا، ونظر إلى ساعة نزول القبر، فصاحب هذا المحضر ومن أصحابه أيتامٌ كثر، فخاف فسألني، فقلت له: والله قلقك هو الجواب، إما أن تدفع لهؤلاء ثمنه الحقيقي، أو تنسحب من هذه المزاودة، فكان أنِ انسحب. انظر لأثر التشريع، لو كان المشرِّع هو الإنسان فالعمليَّة نظاميَّة، والمحضر على الشيوع، أُقيمت دعوى إزالة شيوع، وأُعلن عن المزاودة دخل بالمزاودة أشخاص كلهم شُركاء، فزادوا مبالغ قليلة جداً، فرسَا المحضر على أكثرهم وهو واحدٌ منهم، فأُخِذَ المحضر بثلثي قيمته الحقيقيَّة، فحينما لا نلحظ إلا تشريع الإنسان نقع في حرام شديد، وفي شقاءٍ كبير.

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ: هذه الآية تؤكد:

 أيها الأخوة الكرام... سمعت قصَّة عن إنسان في باريس يسكن في بيت (وهو من دمشق) فذكر لأقربائه أنهم استيقظوا في منتصف الليل على أصوات إطلاق رصاص، ثم علموا في النهاية أن جاره قتل زوجته في الليل، لماذا ؟ لأنها تعمل موظَّفة عند مدير عام لشركة، طبعاً فتاة في ريعان الشباب، وهي تعمل معه في غرفة واحدة، وقد استلطفها، وأحبَّها وأحبَّته فخانت زوجها، فلمَّا علم زوجها بخيانتها قتلها أمام أولادها.
 فهذا إنسان لا ينطلق من دين، وهذه فطرة الإنسان، فحينما نسمح بالخلوة بين رجل وامرأة وهما في ريعان الشباب، فهذا السماح مخالف لشرع الله عزَّ وجل، فكم من جريمةٍ تقع في العالم بسبب مخالفة الإنسان لفطرته، وهناك أدلَّة كثيرة جداً، ولكنني قد ذكرت لكم بعض النتائج المدمِّرة في المجتمعات الأخرى حينما طبَّقوا شرعاً غير شرع الله عزَّ وجل.

1 ـ عدم استقامة الحياة إلا إذا طبقنا شرع الخبير:

 أولاً هذه الآية تؤكِّد أنه لا يمكن أن تستقيم الحياة، ولا يمكن أن يسعد الإنسان إلا إذا طبَّقنا شرع الخبير، العليم، الغني، القدير، الذي خلق، والذي سوَّى، والذي خلق طبيعة النفس، والذي فطرها الفطرة التي شاءها لها..

﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (21) ﴾

(سورة الشورى)

 طبعاً سر نجاح المؤمن (أو أحد أسباب نجاحه) أنه حينما يطبِّق منهج الله، فهو منهج الخالق، ومستحيل أن يكون فيه غلط، وهذا شيء من البديهيَّات، وأنت في معالجة جهاز معقَّد لا ترجع إلا إلى الشركة الصانعة، ومن الغباء والحُمق أن تعود إلى جارك البائع، وتقدِّم له جهاز حاسوب ثمنه ثلاثون مليونًا، وتقول له: هذا الجهاز فيه خلل، كيف أصلحه ؟ هذا لا يعلم شيئاً، فالإنسان حينما يعود في شؤون حياته إلى غير خالقه وقع في وادٍ سحيق.

 

2 ـ نظام البشر وضعي بحاجة إلى مؤيد قانوني:

 الشيء الثاني، النقطة الدقيقة دائماً حينما يوضع نظام وضعي من صنع البشر، يحتاج في التعبير الحقوقي إلى مؤيِّد قانوني. فلو فرضنا صدور قانون للسير، وأن السير على اليمين، والانعطاف، والمركبة، وكل التفاصيل، ولكن ليس فيه أي عقوبة، فهل يُطبَّق هذا القانون ؟ لكن فقط يرجى للسائقين ملاحظة ما يلي، لا يوجد ولا مادة عقابية، ولا سحب إجازة، ولا غرامة ماليَّة ضخمة، ولا مصادرة المركبة، ولا حبس، ولا شيء إطلاقاً، لكن توجد تنظيمات فقط، فهذا النظام لا قيمة له إطلاقاً لأنه يخلو في العرف القانوني من المؤيِّد القانون.
 وأعظم مؤيِّد قانوني في الشرع الإلهي أن الله يعلم وسيحاسب في الدنيا والآخرة، وتجد شخصاً خائفًا ؛ خائفًا لأن صحَّته بيد الله عزَّ وجل، وسمعه، و بصره، وقلبه، وشرايينه، ودسَّاماته، وكبده، وكليتاه، وجهازه العصبي، وجهازه الهرموني، وغدده، وعضلاته، وعظامه، وزوجته، وأولاده، وبيته، وعمله، وأصدقاؤه، ومن حوله، ومن فوقه، ومن تحته كلهم بيد الله عزَّ وجل، فإذا خالف منهج الله، فليس ثمة مؤيد قانوني للشرع الحكيم أعظم من أن الله يعلم.

 

العلم وحده أكبر مؤيِّد قانوني لشرع الله عزَّ وجل:

 لذلك حينما تعلم أن الله يعلم فلابدَّ من أن تستقيم على أمر الله، وقد لا تصدِّق أن الله سبحانه وتعالى جعل علَّة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم، وحينما ذكر هذه الآية الكريمة اختار من بين أسمائه كلِّها اسمين فقط، العلم والقدرة، قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

( سورة الطلاق )

 من أجل أن تعلم..

﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

( سورة الطلاق )

 فالعلم وحده أكبر مؤيِّد قانوني لشرع الله عزَّ وجل، إن الله يعلم وسيحاسب، وأنت في قبضته، وكل شؤون حياتك بيده، فالله عزَّ وجل من قدرته أن يجعل حياة أي إنسان جحيماً لا يطاق، بخلل طفيف في إحدى غدده.

على كل إنسان ألا يعبد غير الله عز وجل:

 الغدَّة النخاميَّة يا إخواننا هذه ملكة الغدد، لها اثنا عشر هرمونًا تفرزه، ومن بعض الهرمونات هرمون توازن السوائل، فلو اختلَّ هذا الهرمون يجب أن تستقيل من عملك، وتجلس بجانب المرحاض والصنبور، تشرب عشرين تنكة من الماء وتخرجها، فهذا هرمون من هرمونات الغدَّة النخاميَّة لو اختلَّ وزنه لحصل ذلك.
 ولو اختل مركز تنبيه الرئتين النوبي بالبصلة السيسائية فكيف تنام ؟ تنام فتموت، يجب أن تجري تنفُّساً إرادياً، فالتنفس الآلي تعطَّل، ومركز تنبيه الرئتين النوبي تعطَّل، وبقي التنفُّس الإرادي، تعمل شهيقًا وزفيراً، تنام فتموت على الفور، فالله عزَّ وجل بمليون مليون مليون خيار يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.
 فلو حصل خلل في الذاكرة لنسيت كل معلوماتك، أحد الأشخاص يحتل منصباً رفيعاً جداً ومعه دكتوراه بفرع علمي نادر جداً، وصل لمنصب قريب من معاون وزير، فقد بصره، طبعاً أول شهر جاملوه فبعثوا له بالبريد إلى البيت، فصدّق عليه، وبعدها سرَّحوه، فزاره صديق لي فقال له: والله أتمنَّى أن أكون متسوِّلاً على قارعة الطريق وليس على كتفي إلا هذا المِعطف، وأن يُردَّ إليّ بصري، قال كلمة مؤثِّرة جداً.
 فالبصر ثمين، والسمع ثمين، وكذلك النطق، والدماغ أحياناً يكون فيه ورم فجائي، والإنسان في مقتبل الحياة ماذا يفعل ؟ فكيف يعصي الإنسان ربه وهو في قبضته ؟ أقل خلل في الجسم يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فإذا اختل عقل الإنسان هل يبقى في البيت ؟ إنه يحتاج إلى واسطة للقصير، يقدِّمون استدعاءات، ويوسطون لكي يقبلوه هناك، فالله عزَّ وجل بيده كل شيء، فلذلك لا ينبغي لك أن تعبد غيره، ولا ينبغي أن تتبع شرع غير الله عزَّ وجل.

التشريع البشري تشريع ناقص والخلل لا يظهر إلا عند التطبيق:

 كل شرع يضعه إنسان (دقِّقوا) إما أنه ينطلق من جهلٍ كلي، وهذا أسوأ شيء، أو من جهلٍ جُزئي، ومعنى جهل جزئي أي أن هذا القانون يحتاج إلى تعديل، أحضروا لي قانونًا وضعه إنسان على مرّ الزمان، إلا وصار تعديلاته أضخم من متنه بعشرات الأضعاف، وأحياناً يكبر بدرجة معقَّدة بحيث يعجز عقل المحامي عن استيعاب القوانين، فتغدو متاهات، لأن التشريع فيه قصور في التعبير، والتقدير أحياناً، وفي ملاحظة الجوانب كلها، وفي النظرة الشموليَّة، وفي معرفة طبيعة النفس، فيأتي التشريع ناقصاً، والخلل لا يظهر في البداية بل يظهر عند التطبيق، فصار فيه خلل كبير، نعدِّل فيه تعديلاً أولاً وتعديلاً ثانياً، وبعد ذلك يصير فيه تعديلات غير معقولة، فيعود الأصل هو التعديل، والشواذ هو الأصل والأصل صار شواذاً، فيُلغى كلُّه، وهذا هو التشريع البشري.

الحياة الدنيا تجسيدٌ لما تنطوي عليه النفس والثواب في الآخرة:

 لذلك أيها الأخوة عندما تطبِّق شرع الله عزَّ وجل لا يمكن أن تقع في ضياع إطلاقاً، ولا خطأ، ولا شقاء، ولا إحباط، ولا مشكلة.
 فأحياناً القانون البشري يضع عقوبات تدمِّر المجتمع أكثر من مخالفة هذه القوانين، كما قال الشاعر: " داويت متئداً وداووا طفرةً ". وأحياناً يكون الداء أقل من الدواء، فالتشريع يكون غير معقول، والعقاب لا يتناسب مع الجرم، إنه جرم صغير محدود وعقاب مدمّر يشمل الحياة بأكملها، فهذا من خصائص التشريع الإنساني، وأنا أقول: حتى في البلاد المتقدِّمة، هناك تشريعات مضحكة ولا تصدَّق..

﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (21) ﴾

(سورة الشورى)

 لكن الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يفصل بين الناس..

 

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ (21) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان وأعطاه عُمُرَاً، فلابدَّ من أن يستكمل عمره، وأن يأخذ أبعاده، وأن يُكْشَفَ على حقيقته، وأن تُجَسَّدَ نياته، فهذه الحياة الدنيا تجسيدٌ لما تنطوي عليه النفس، ولذلك شاءت حكمته وجئنا على هذا الأساس، فالحياة دار عمل، أما الجزاء والفصل، والحكم، والتقييم، والعطاء، والعقاب، والثواب ففي الآخرة.

ربنا سبحانه يعاقب بعض المنحرفين في الدنيا لكن العقاب الحقيقي هو يوم القيامة:

 لكن قد يقول قائل: ربنا سبحانه وتعالى حينما يعاقب بعض المنحرفين فهذا عقابٌ ردعيٌ لبقيَّة المنحرفين، وحينما يكافئ بعض المحسنين فهذه مكافأةٌ تشجيعيَّةٌ لبقيَّة المحسنين، لكن العقاب الحقيقي الحتمي هو يوم القيامة..

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 185 " )

 فالعقاب جزئي في الدنيا، فما كل إنسان منحرف يعاقب وما كل إنسان معتدٍ يُعاقَب، العقاب الحقيقي هو الذي وعد الله به يوم القيامة، فهناك حتى إن الإنسان حينما يأتي في اليوم الآخر، واللهُ عزَّ وجل ذكر في كتابه الكريم أنّ كل إنسان من دون استثناء يَرِد النار، وورود النار غير دخولها، الدخول أن تتلظَّى بلظاها، ولكن الورود أن تشرف عليها، من أجل ماذا ؟ من أجل أن تتحقَّق من عدالة الله عزَّ وجل، ومن أجل أن ترى نعمة الله عليك بالإيمان، ولولا الإيمان لكنت في هذا المكان، فحتى المؤمنون إذا وردوا النار فليعرفوا اسم الله العادل، وأسماء الله سبحانه وتعالى كلُّها ظاهرةٌ في الحياة الدنيا، أما اسم العادل هذا فلا يبدو جليًّاً تماماً إلا يوم القيامة، هذا اليوم..

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى(15) ﴾

( سورة طه )

 ولذلك فالمؤمن يرد النار دون أن يتأثَّر بها إطلاقاً، ولكن يطلُّ عليها إطلالة فيرى عدالة الله عزَّ وجل، و يرى من فيها وقد استحقوا عقاب الله عزَّ وجل.

الحياة الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء:

 إذاً:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(21) ﴾

(سورة الشورى)

 فأنت الآن في بحبوحة، لك أن تفعل ما تشاء، ولك أن تحسن و تسيء، وأن تعطي وتمنع، وأن تعلو وتتواضع، وتتقن وألاّتتقن، وأن تُخلص وأن تخون، وأن تتقي وأن لا تتقي، فأنت مخيَّر، لكن العقاب الأليم يوم القيامة، ولذلك:

 

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

( سورة فصلت: من آية " 40 " )

  إذاً: الحياة الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف. " عش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبب من شئت فإنَّك مفارق، واعمل ما شئت فإنَّك مجزيٌ به ". وعقاب المنحرفين في الدنيا عقابٌ ردعي لبقيَّة المنحرفين، فإذا وجدت إنسانًا منحرفًا ما عوقب فهذا شيء طبيعي جداً، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، ومكافأة المحسنين في الدنيا مكافأةٌ تشجيعيَّةٌ لبقيَّة المُحسنين، لكن يوم القيامة هو يوم الجزاء، ويوم الفصل، والحُكْم، والعِقاب، والتكريم، والنَدَم، والفوز.

الفكر الجبري فكر منحرف يتناقض مع عدالة الله عزَّ وجل:

 إذاً:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ (21) ﴾

(سورة الشورى)

 في الدنيا..

 

﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(21)تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا (22) ﴾

 

(سورة الشورى)

 انظر إلى كلمة:

﴿كسبوا﴾

 فما من إنسان يعمل عملاً إلا من كسبه، والفكر الجبري فكر منحرف، إنه يتناقض مع عدالة الله عزَّ وجل، يقولون: الله خلق الإنسان وأجبره على المعاصي كلها، ثم يضعه في جهنَّم إلى الأبد، فهذا فكر مرفوض، وهذه عقيدةٌ فاسدة..

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 148 " )

 قول من هذا ؟ إنه قول المشركين..

أفعال الإنسان في الدنيا من كسبهم و اختيارهم:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

( سورة البقرة: من آية "286 " )

 ما من عملٍ تعمله إلا من كسبك، أي أنت أردته، لكن الله مدَّك بقوَّةٍ لتحقيقه، فالفعل فعل الله والكسب كسبك، وأنت اخترته، وأنت جئت إلى هذه الدنيا على هذا الشرط: إنه إذا تعلَّقت إرادتك بشيءٍ، فالله سبحانه وتعالى تتعلَّق إرادته لتحقيق هذا الشيء لأنه خيَّرك، وكلَّفك، وحمَّلك الأمانة، إذاً شيء طبيعي جداً أن أفعال الإنسان في الدنيا هي من كسبهم. " ولو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان ذلك عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً ولم يكلِّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً ولم يُطع مكرهاً ".

في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكِّد أن الإنسان مخيَّر:

 إذاً:

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا (22) ﴾

(سورة الشورى)

 فهناك ليس لك أن تقول: يا رب أنت أجبرتني، فهذا كلام مرفوض، وهناك آيات كثيرة كثيرة تؤكِّد أن الإنسان مخيَّر..

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة: من آية " 148 " )

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف: من آية " 29 " )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

( سورة فصلت: من آية " 17 " )

 أبداً..

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

( سورة البقرة: من آية "286 " )

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا (22) ﴾

(سورة الشورى)

 هذا العمل عملهم، باختيارهم، لكن:

﴿مشفقين﴾

 أي خائفين.

على الإنسان ألا يفرح إذا أخذ شيئاً ليس له لأن هذا العمل سيسحقه يوم القيامة:

 الآن دقِّق في هذه الآية، المشرك أو الظالم يوم كان في الدنيا، وحقَّق هذا الكسب الكبير ظنَّ نفسه ذكياً، وشاطراً، ومتفوِّقاً، وفالحاً، وقد ملك كل شيء، لكن حينما يأتي يوم القيامة فهذا العمل الذي تاه به في الدنيا، وافتخر وشعر أنه أعلى من غيره فيه، وهذا العمل نفسه يكاد يسحقه.
 مثلاً مع الفارق الكبير الكبير، لو قيل لإنسان: احمل كيلو مخدِّرات وخذ عليه مئتي ألف ليرة خلال نصف ساعة فقبضوا عليه فصار عمله هذا عبئًا ثقيلاً عليه وأصبح يستحق الإعدام، كان يسرح في مئتي ألف فصار يرزح في الإعدام (هذا مثل يقرِّب المعنى) حينما قبلت نقله ظنَّنت نفسك ذكياً جداً، إنك ماهر، وخلال ربع ساعة تحقَّق أرباح سنة، ولماذا كان العمل التجاري الشريف ثمينًا ؟ الجماعة مجانين، وهذا العمل أهون، وأسرع وخلال أشهر تصبح مليونيراً، فأمسكوا به والحكم إعدام، فإذا وقف وراء القضبان، نظره في الأرض، مشفقٌ من هذا الحكم عليه بالإعدام، فالشيء الذي ظنَّه مكسباً وربحاً وذكاءً أرداه.
 والآن معظم الناس يغتصب دكَّانًا، ويأخذ بيتًا، ويظن نفسه ذكياً، يموت أبوه ويخلِّف خمسة أولاد، فيأخذ وكالة من أخوته البنات كلهن فصار كل المال بيده، فمعه وكالة منهن، وبعد حين سجله كله باسمه، فيمشي هونًا ويقول لك: لم أعط أحداً، وهذا مثل المهرِّب تماماً عندما عرضوا عليه تهريب الكيلو فرأى نفسه أذكى واحد، وعندما قبض عليه صار صغيراً..

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ (22) ﴾

(سورة الشورى)

 فالإنسان عليه ألاّ يفرح إذا أخذ شيئًا ليس له، لقد استغل ضعف إخوته الصغار، فأخذ كل الأموال..

في الجنة الإنسان في أعلى درجات التكريم و السعادة:

﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا (22) ﴾

(سورة الشورى)

 انظر إلى هذا النقلة المفاجئة..

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ (22) ﴾

 

(سورة الشورى)

 تصوَّر شخصاً يتعذَّب، يُعّذَّب بأقصى أنواع العذاب لأنه مجرم مرتكب جريمة قتل، أو جريمة اغتصاب، فهو يُعذَّب ويصيح، وهناك إنسان آخر جالس يكرَّم في حفلة، وتقدَّم له المرطِّبات، والحلويات، والفواكه، والاحترام، والمكان الجميل، فهل هذا يوازى مع هذا ؟ النقلة المفاجئة..

 

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ (22)﴾

 

(سورة الشورى)

 هذه الكلمة الموجزة تبيِّن حقيقة الجنَّة، فالدنيا تحتاج إلى عمل، و كَسب، وكَدح، وجُهد، لكنَّك في الجنَّة أي شيءٍ تطلبه تراه أمامك، وأنت في أعلى درجات التكريم، وفي أعلى درجات السرور والسعادة..

 

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22)﴾

 

(سورة الشورى)

الجنة هي الهدف الكبير لكل إنسان عاقل:

 إخواننا الكرام لمثل هذا فليعمل العاملون، شبابك أفنه في هذا الهدف الكبير..

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26) ﴾

( سورة المطففين )

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

( سورة يونس: من آية " 58 " )

 دعك من الدنيا، فالدنيا زائلة، والدنيا ماضية ومنقطعة، ودار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، ولا تزيد عن لقمةٍ تأكلها، وبيتٍ تأوي إليه، وثيابٍ تستُر عورتك، وما سوى ذلك فمحاسبٌ عليه كيف اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟
 سأل ملك وزيره فقال له: من المَلِك ؟ فالوزير خاف فقال له: أنت الملك. فقال له: لا الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه وزوجة ترضيه ودخلٌ يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله.

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

 

( من سنن الترمذي: عن " سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ ")

على كل إنسان أن يتقرب إلى الله بخدمة عباده ليصل إلى أعلى درجات الجنة:

 الدنيا محدودة ولها سقف، فلو كان معك ألف مليون فهل يمكن أن تأكل ألف أوقية من اللحم ؟ أوقية واحدة، أوقية ونصفًا أقصى شيء وتظل متضايقاً، يجب أن تأكل ما تتسع له معدتك، وهل تستطيع لبس بذلتين فوق بعضها إذا كنت غنياً ؟ وهل بذلتك بأربعة أكمام أم بكمين ؟ بل بكمين، وأكثر لا يوجد، سرير واحد، وعشاء واحد، وغذاء واحد، والحياة كلها أوهام..

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

( من سنن الترمذي: عن " سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ ")

 أما الآخرة فليس لها سقف، وانطلق إلى الآخرة، انطلق إلى الله عزَّ وجل، ادعُ إلى الله، واعمل الصالحات، واقرأ القرآن، وافهمه، وعلِّمه، وتقرَّب من الله عزَّ وجل بخدمة عباده، فالآخرة ليس لها سقف، ولك أن تصل إلى أعلى الدرجات وهذا بإمكانك، فأما الدنيا فمحدودة..

 

﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22)﴾

 

(سورة الشورى)

 هذا الفضل الكبير، العلي الكبير يقول لك: أن تصل إلى الجنَّة..

 

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22) ﴾

 

(سورة الشورى)

الوصول إلى الجنَّة حاجة كل إنسان مؤمن بالله:

 لذلك فأحد العلماء الكبار كان في الحرم المكي، فدخل أحد الخلفاء (خليفة المسلمين وربما كان هارون الرشيد) فقال له: "سلني حاجتك". أي اطلب أي شيء. فقال له: " والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله ". تَقَصَّدَ أن يلتقي به خارج الحرم، وقال له: " سلني حاجتك ". قال له: "والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ ‍"! قال له: "سلني حاجتك ". قال له: " أريد دخول الجنَّة ". قال له: " هذه ليست لي ". فقال له: " إذاً ليس لي عندك حاجة". هذه حاجتي، الوصول إلى الجنَّة.
 وأبو جعفر المنصور جهد أن يلتقي بأبي حنيفة النعمان، لكنه رفض، ثم توسَّط لدى بعض الأغنياء أن ادعوا هذا الإمام العظيم، ولا تخبروه أنني سآتي، فاجتمعا معاً وقال له: "يا أبا حنيفة لو تغشيتنا (أي لو تزورنا ) "، قال أبو حنيفة: " إنك إن قرَّبتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريت بي، ولمَ أتغشَّاكم وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء ".
 أي أن الإنسان حياته بسيطة جداً، فصحَّتك طيِّبة، وعندك مأوى واطئ عالٍ، ملك أو أجرة، وصغير أو كبير لا بأس فهذا شيء مؤقَّت.

من اشتدت رغبته في الدنيا شقي فيها و من قلت رغبته في الدنيا سعد في الدنيا و الآخرة:

 لماذا لا تتضايق في المصيف إذا كانت الحاجات غير جيِّدة ؟ لأنك ستظل فيه شهر زمان، ولكن في بيتك الأساسي إذا وجد شيء فيه خلل فأنت تتضايق منه، ومعنى هذا أن الإنسان إذا شعر أن القضيَّة مؤقَّتة وتنتهي كل مشاكله، حينما يشعر أن هذه الحياة الدنيا مؤقَّتة سريعاً ما تمضي يرضيك فيها كل شيء، أما إذا رأيتها حياةً مديدةً وهي كل شيء، عندئذٍ لا يرضيك فيها شيء، وتغدو أشقى الناس. اسمعوا كلام النبي اللهمَّ صلِّ عليه:

(( إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم في الدنيا أرغبهم فيها ))

 وكلَّما اشتدَّت رغبتك في الدنيا شقيت بها، وكلَّما قلَّت رغبتك من الدنيا سعدت فيها..

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ(22)ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23)﴾

 

(سورة الشورى)

 لهذه الآية معنًى دقيق جداً وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكِّنني أن أفسِّره في الدرس القادم.