الدرس : 05 - سورة الشورى - تفسير الآيات 16-18

1994-02-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس من سورة الشورى.

اتحاد أهداف و وسائل المجتمع سبب قوته:

 مع الآية السادسة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(16)﴾

(سورة الشورى)

 ولكن نعود قليلاً إلى الآيات السابقة، كي نتابع المعنى المتصل بين آيات الدرس السابق وآيات الدرس الحالي، فربنا سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي تفرَّقوا بسبب البَغي أي الحسد وطلب المكاسب الدنيويَّة، إذاً الحق يجمع والباطل يفرِّق، والآخرة تجمع والدنيا تفرِّق، والقيم تجمع والحاجات تفرِّق، فإذا أردنا أن نجتمع فلنطلب الدار الآخرة، وإذا أردنا أن نجتمع فليكن الحقُّ إمامنا، أما إذا أردنا الدنيا نتنافس، ونختلف، ويطعن بعضنا ببعض، ونتراشق التُهَم، وإذا أردنا أن نجتمع فيجب علينا أن تتحد أهدافنا ووسائلنا، أما إذا تفرَّقنا، فكل إنسان طلب مصالح شخصيَّة، ولو كان الإطار حقاً، والغلاف حقاً، وهذا مما يؤدِّي إلى تفكيك الأمَّة.

إيثار الدنيا على الآخرة سبب تفتت و تفرق المسلمين:

 الآية الكريمة:

﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

 أي

﴿بغياً ﴾

 سبب تفرُّقهم، وخصوماتهم، وتفتتهم، وسبب كونهم شيعاً وأحزاباً ومللاً وطوائف، وهذا الوضع المأساوي سببه إيثار الدنيا على الآخرة، والحسد، وطلب الدنيا بوجاهتها، أو مالها، أو مكاسبها، أو بالأتباع.

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: من معانيها:

1 ـ اقتضت رحمة الله عز وجل أن يؤجِّل للناس أجلاً:

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

 وذكرت لكم في الدرس الماضي أن الله سبحانه وتعالى اقتضت رحمته أن يؤجِّل للناس أجلاً، أي يعطيهم فرصة، كما لو أن الطالب نال صفراً في علامة المُذاكرة، فلو أنهينا له عامه الدراسي، واعتبرناه راسباً من أول شهر فهذه ليست رحمة، ولكن لو نال الصفر في المذاكرة الأولى فمعه لآخر شهر حزيران، فهناك مذاكرات، وفحوص، ومعدَّلات، ونشاطات، فهذا مما يؤكِّد رحمة الله عزَّ وجل..

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ (14) ﴾

(سورة الشورى)

2 ـ إعطاء الله عز وجل الإنسان فرصة مديدة ليتعرض إلى رحمته و يصل إليها:

 وهناك معنى آخر في هذه الآية: أنه ليس القصد أن يحاسبهم بل القصد أن يرحمهم، ولذلك يعطيهم هذه الفُرَص الجديدة، وعندما يكون هدف الإنسان أن يرحم الآخرين فكلَّما استنفذوا الفرص يعطيهم فرصاً جديدة، فربنا عزَّ وجل أعطانا فرصة مديدة..

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾

( سورة فاطر: من آية " 37 " )

 أعطانا فرصة مديدة كي نتعرَّض لرحمة الله عزَّ وجل، ونصل إليها، ونستحق سلامة الدنيا والسعادة في الآخرة.

الخصومات بين الدعاة إلى الله عز وجل تنعكس على مجموع الدعوة:

 لكن النقطة الدقيقة جداً في هذه الآية أن مجموعة الأشخاص الذين يراقبون الخصومات، هذه الدعوة بأكملها قد تسقط، فإذا راقبت عدة دعاة يتراشقون التُهَم، ويجرح بعضهم بعضاً، ويبخس بعضهم مقام بعض، فقد تقول في ساعة غيظ: ما هذه الدعوة ؟ خصومات الدعاة تنعكس على مجموع الدعوة، ولذلك كما قلت في الدرس الماضي: سمَّى ربنا عزَّ وجل هذه الخصومات كفراً، قال:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

(سورة آل عمران: من آية " 101 " )

 فليس من صالح الدعوة إلى الله، ولا من صالح مجموع المسلمين، ولا من صالح مستقبل هذا الدين أن تنشر معارف جانبيَّة، وخصومات، وعصبيَّات، وانحيازات بين الدعاة إلى الله عزَّ وجل، إنهم إن فعلوا ذلك سقطوا جميعاً، وسقطت معهم الدعوة.

من رجّح مصلحته على مصلحة المسلمين ضعُف إخلاصه:

 ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن بعض الذين حاربوا المستعمرين في شرق آسيا، وكيف أنهم كانوا كباراً في عيون الجميع، فلمَّا تخاصموا فيما بينهم وتناحروا تعجَّبنا من هذا الوضع، وسكتت ألسنتنا عن أن نثني عليهم، فالخصومات بين الجماعات الدينيَّة خطيرة جداً، وتعود بالخطرِ على كل الدعوة إلى الله.
 فلذلك هذا التفرُّق الذي كان بسبب البغي، والحسد، وطلب الرئاسة، وطلب المَجد، والسيطرة، والدنيا، والمال، والأتباع، هذه كلّها مكاسب دنيويَّة.
 والإنسان أيها الأخوة بقدر إخلاصه (دقِّقوا في هذه الكلمة) إنَّه يُرَجِّح مصالح المسلمين العامَّة على مصلحته الخاصَّة، وكلَّما ضعف إخلاصه رجَّح مصلحته الخاصَّة على مصالح المسلمين، والداعية الذي يرجِّح مصلحة جماعته على مصالح جميع المسلمين هذا ضعفٌ في إخلاصه، ولذلك فنحن الآن بحاجة إلى أن نتعاون، وأن نتكاتف، أن يعذر بعضنا بعضاً، وأن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، نحتاج أن نحترم جميع الدعاة، وجميع العلماء من دون أن ننتقص منهم، وألا نجعل من مجالسنا نهشاً لأعراضهم ومكانتهم، فليس هذا في صالح المؤمنين إطلاقاً.

دعوة الله تعالى النبي الكريم بأن يكون قدوة للناس:

 ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ(14) ﴾

(سورة الشورى)

 أي أهل مكَّة الذين جاءهم هذا الكتاب..

 

﴿مِنْ بَعْدِهِمْ (14) ﴾

 

(سورة الشورى)

 من بعد هذه الخصومات..

 

﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14) ﴾

 

(سورة الشورى)

 لذلك يا محمَّد

﴿فادع﴾

 إلى الله على بصيرة، ادع إلى الله واعمل صالحاً، وكن قدوة للناس.

 

﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ (15) ﴾

 

(سورة الشورى)

الثبات أساس وصول الإنسان إلى أهدافه النبيلة:

 بعضهم قال: هذه الاستقامة في السياق تعني متابعة الدعوة، أي الإصرار، وتحمُّل المتاعب، والثبات، وفي الحقيقة لا يوجد إنسان وصل إلى أهدافه النبيلة إلا بالثبات، والله عزَّ وجل يقول:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) ﴾

( سورة العنكبوت )

 والله عزَّ وجل يضع عقبات ليمتحن المؤمنين، فمنهم من يتجاوز هذه العقبات، ومنهم من يسقط، وهذه العقبات يضعها الله سبحانه وتعالى ليمتحن المؤمنين ؛ وليمتحن صبر المؤمنين، وصدقهم، وثباتهم، وإصرارهم على طلب الآخرة..

 

﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ (15) ﴾

 

(سورة الشورى)

أعظم عمل على الإطلاق الدعوة إلى الله بصدق و إخلاص:

 أنا والله أقول هذا الكلام وأتهيِّب أن يُفهم على غير ما أردت، ما من نشاطٍ في إنسان يتذبذب بين أن يكون أخطر عملٍ على الإطلاق، وبين أن يكون أتفه عملٍ فالدعوة إلى الله، إذا رافقها صدق، وإخلاص، وتطبيق، والتزام فهي أخطر عمل على الإطلاق، وما من إنسانٍ يرقى إليك، لقوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33)﴾

( سورة فصلت )

 فما من إنسان أعظم من ذلك، إنه دعا إلى الله وعمل صالحاً، دعا وكان قدوةً، وأسوةً، ومثلاً أعلى، والتزم الأمر والنهي، دعا إلى الله وكان سبَّاقاً إلى ما يدعو إليه. وكنت أقول لكم دائماً هذا الدعاء الذي يقصم الظهر:

 

(( اللهمَّ إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمَّتني مني ))

 إنسان تدعوه إلى الله، فتبيِّن له آية، فتشرحها، وتحلِّلها، وتبيِّنها، ويصغي، ويصدِّق، ويطبِّق، ويتألَّق، ويرقى وأنت قاعد في أرضك، فأشقى إنسان عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنَّة، ودخل هو بعلمه النار، ولذلك من أراد أن يصرف وجوه الناس إليه فليتجهَّز إلى النار.

 

 

(( من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء: أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم ))

 

[ زيادة الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " ]

المؤمن الحق يدعو إلى الله تعالى بالعقل و الشرع:

 إذاً فلذلك يا محمَّد بهذا التمزُّق، والتشرذُم، والتبعثُر، والدعوة الساقطة بنظر المُنقطعين عن الله عزَّ وجل، لأن أصحابها تراشقوا التهم، وتنافسوا الدنيا، وتدافعوا إليها، وطعن بعضهم ببعض، ولهذا..

﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 فأنت دائماً بين أن تتبع العقل المتوافق مع الشرع، وبين أن تتبع الهوى المتوافق مع الشهوة، فإما أنت رحماني أو شيطاني، ربَّاني أو شهواني، تتحرَّك بما يمليه عليك العقل والشرع، أو بما يمليه عليك الهوى والشهوات..

الكتب السماويَّة كلها من عند الله عزَّ وجل:

﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (15)﴾

(سورة الشورى)

 أما كلمة

﴿ مِنْ كِتَابٍ ﴾

 هذه كلمة في هذه الآية تؤلِّف القلوب، فكتابٍ نكرة، أي كل الكتب السماويَّة كما أنزلت حق، وكلُّها تلتقي مع بعضها بعضاً، إنَّها من مشكاةٍ واحدة، ولهدفٍ نبيلٍ واحد، ومن عند الله عزَّ وجل..

 

﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (15)﴾

 

(سورة الشورى)

 الإنجيل كما أنزله الله على العين والرأس، والتوراة كما أنزلها الله على العين والرأس، والقرآن كما أنزله الله على العين والرأس.

النبي عليه الصلاة والسلام أُمر أن يعدل بين الأديان:

﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 64 " )

 فيمكن أن نأخذ القواسم المشتركة في الأديان كلها، إذا آمنا بإلهٍ واحد، وآمنا بأن الخلق عباده، وأن على كل من عرف الله أن يستقيم على أمره، وأن يحسن إلى عباده، فهذا قاسم مشترك بين كل الأديان، فالنبي عليه الصلاة والسلام أُمِرَ أن يعدل بين الأديان.

من أيقن أن الله واحد وكتابه واحد ورسوله واحد أسرع إلى طاعة الخالق:

 لذلك لو أن أهل الكتاب أيقنوا أن هذا القرآن من عند الله، وأن هذا الإنسان رسول الله ينبغي لهم أن يؤمنوا به، وأن يتابعوه وأن يعاونوه..

﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 فهذا الشعور أن الإله الذي أكرم الصحابة الكرام هو نفسه ربُنا، الإله واحد، الذي أنزل هذا القرآن موجود معنا أينما كنَّا، فالزمان تغيَّر، والمكان تغيَّر ولكن الله هو هو، وكتابه هو هو، والمبادئ هي هي، القيَم هي هي، فنحن إذا آمنا بأن الله سبحانه وتعالى واحد، وكتابه واحد، ورسوله واحد، وعباده كلُّهم عنده سواء يتفاضلون بطاعتهم له، انتهى الأمر.

الخصومات بين جماعة الأديان تغضب الله عز وجل:

 هذه الفكرة التي تقول: إن الإنسان بآخر الزمان يصعب أن يصير، ففرص التفوُّق موجودة في كل زمان، فالفُرَص واحدة، والإنسان عنده مملكتان بيته وعمله، يتمكَّن أن يضبط جوارحه هذه بيده، ويتمكَّن أن يضبط لسانه، وبصره، وسمعه، ودخله، وإنفاقه، وبيته، وعمله وهذا الذي في قدرته، والإله موجود سميع وبصير..

﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 أعجب ما يعجب الإنسان هذه الخصومات بين جماعات الأديان، لأنه على باطل، ولأنه عندما يتحرَّك الدين ويتغيَّر، ويدخل فيه ما ليس منه، فتجده بالطبع يصطدم مع الدين الآخر فمن هنا تأتي المشكلات، أما لو عادوا جميعاً إلى أصل دينهم، وإلى أصل توراتهم، وإلى أصل إنجيلهم، وعدنا إلى روح قرآننا، وعرفنا ربنا سبحانه وتعالى التقينا، فالله عزَّ وجل لا يرضيه هذه الخصومات، وهذه الحروب، وتلك الأحقاد.

التغيير و التحريف أساس اصطدام الكتب السماوية مع القرآن الكريم:

 البشريَّة تئن الآن إن كان في آسيا، أوفي أوروبا كما تعلمون الأحقاد الدينيَّة، والخصومات، والحروب الطاحنة فهل هذا يرضي الله عزَّ وجل ؟ كلا لا يرضي الله، إذاً:

﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 جاءت كلمة

﴿كتاب﴾

 نكرة لتؤكِّد أن كل الكتب السماويَّة من عند الله، وأنها كلَّها في الأصل حقٌ من عند الله، ولكن ما طرأ على بعضها من تغيير، وتبديل، وتزوير، وتحريف طبعاً عندئذٍ اصطدمت مع القرآن الكريم.

الله سبحانه وتعالى لا يتقبَّل العمل إلا إذا كان خالصاً وصواباً:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 كل واحد له عمله، وهذه كلمة دقيقة جداً، أنت تعرف عملك، فهناك عمل مبني على الاحتيال، وعمل مبني على الغِش، وعمل مبني على إيذاء الآخرين، وإنسان يصلح، وإنسان يفسد، وثالث يقدِّم، ورابع يأخذ، وخامس يحسن، وآخر يعتدي، وكل واحد له عمل، ولكن أسعد إنسان من كان عمله وفق الكتاب والسُنَّة، ولذلك يقول بعض العلماء: " الله سبحانه وتعالى لا يتقبَّل العمل إلا إذا كان خالصاً، وكان صواباً وفق الكتاب والسنة، وخالصاً ابتغي به وجه الله ".
 وكل واحد منَّا يحاسب نفسه حساباً دقيقاً ونحن في رمضان يسأل نفسه، هل عملي مطابق للكتاب والسنة ؟! فيه عدوان ؟ أم فيه بغي ؟ أم فيه أكل أموال الناس بالباطل ؟ بكسب المال. ومن حديث شريف يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))

 

[ مجمع الزوائد]

من وصل إلى أن يكون كسبه حلالاً وصل لكل شيء وأصبح مستجاب الدعوة:

 ما رأيت كلمةً جامعةً مانعةً موجزةً، مفعمة بالمعاني التفصيليَّة كيف يكون طعامك طيِّباً ؟ إذا كان ثمنه حلالاً، وكيف يكون الثمن حلالاً ؟ إذا كان الدخل حلالاً، وكيف يكون الدخل حلالاً ؟ إذا كانت حرفتك تنضبط بها تماماً بما أمر الله، فإذا وجد غش فمعنى هذا أن جزءاً من مالك حرام، لقد بعت هذه الحاجة على أنها مستوردة وهي وطنيَّة، فأخذت سعراً غالياً، فصار جزء من مالك حراماً، فاشتريت به طعاماً فصار الطعام غير طيِّب، وعندما كان الطعام غير طيب لست مستجاب الدعوة، ولذلك مليار ومئتي مليون إنسان يدعو الله عزَّ وجل وأمرهم ليس بيدهم.

(( يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب له ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 أي أنك حينما تدع الطعام طيباً، أطب مطعمك أي ثمنه مالاً حلالاً، أي دخلك حلال، وفي كسب رزقك لا يوجد كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا إيهام، ولا احتكار، ولا بضاعة محرَّمة، ولا تعامل محرَّم، ولا شيء غير سهل، فإذا وصل الإنسان إلى أن يكون كسبه حلالاً وصل لكل شيء، ويصبح مستجاب الدعوة.

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 فكان السلف الصالح حريصًا حرصاً بالغاً على أن يطعم أولاده حلالاً.

من انضبط بمنهج الله عز وجل صار طريقه إلى الله سالكاً:

 كل إنسان منَّا أيها الأخوة الكرام، اعتقد اعتقاداً جازماً وأنا معك إلى أقصى مدى، لن يقلَّ رزقك إذا استقمت على أمر الله، فبعض المطاعم يوجد فيها خمور، فيقول صاحبها: ماذا أفعل ؟ نحن أخذنا المطعم خمس نجوم، وإذا أردنا إلغاء الخمر يصير أربع نجوم، لا حول ولا قوة إلا بالله. يا سيدي الغ الخمر واطمس كل نجوم المطعم، واكسب رضاء الله عزَّ وجل. فعندها لا يكون في دخل الإنسان مشكلة، ولا يتعامل ببضاعة محرَّمة.
 أعدهم لكم ؛ الغش، والكذب، والتدليس، والإيهام، والابتزاز، والاستغلال. فالإنسان يعرف، من خصائص النفس قال:

﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾

( سورة القيامة )

 فالمحامِي يعرف إذا أوهم الموكِّل أن القضيَّة رابحة مئة بالمئة، وهو يعرف أنها ستمتد معه خمس سنوات، فيمكن أن يأخذ منه خلال خمس سنوات مبالغ طائلة، وبعد هذا يفاجئه مرة واحدة أن القاضي لم يكن نظيفًا. الإنسان يعرف أنه يغشُّ الناس، ولا حاجة لمن يوجِّهه، هذه من خصائص النفس البشريَّة، فالفطرة تعرف..

﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾

( سورة القيامة)

 فالطبيب والمحامِي نفس الشيء، والمدرِّس، يجد طالباً لا أمل منه إطلاقاً فيمنيِّه بالنجاح ليعطيه دروساً خاصَّة، فهذا الدخل صار حراماً، فالدخل الحرام، ثمن الطعام فيكون الطعام غير طيِّب، أنت عند الله مرفوض، فما هذا الحديث:

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 فعندما ينضبط الإنسان انضباطاً حقيقياً في عمله يصير دخله حلالاً، وطعامه طيِّباً، ويصير مستجاب الدعوة، ويكون الطريق إلى الله سالكًا.

قليلٌ من الرزق الحلال خيرٌ من رزقٍ كثير فيه شبهة:

 فيا إخواننا الكرام لا تتوهَّموا الدين بالصلاة فقط، تقولون صلينا، بينما المحل فيه عشرات المواد المحرَّمة، وإذا لم يكن في المحلّ دخَّان يقِل البيع، أو طاولات زهر لا نبيع، أو ما ابتسمنا بوجه المرأة وضاحكناها، ومزحنا معها، وأثنينا على جمالها فإنها لا تشتري من عندنا، فمن قال لك هذا الكلام ؟ إذا كان الدخل متلبساً بالمعاصي، والحرمات، والمخالفات، وبالإيهام، والابتزاز، والغش، والتدليس، يصير الدخل غير حلال، وثمن الطعام غير حلال، والطعام غير طيِّب، والدعاء غير مستجاب.
 فيا إخواننا الكرام إذا عاهد أحدنا نفسه أن يجعل دخله حلالاً فقط، وصل إلى كل شيء، سبحان الله الحلال فيه بركة، ولو كان الدخل محدوداً فالله عزَّ وجل يبارك فيه، وقد يعجب الإنسان كيف يعيش بهذا الدخل ؟ يعيش، إذا أعفاه الله عزَّ وجل من مصاريف الأطبَّاء والصيادلة، والأزمات، والطوارئ، والمصائب إذا أعفاه منها، وصار في قناعة، والمؤمن يأكل بمعي واحد، إذا أكل باعتدال، وإذا كان الشيء اشتراه من منبعه في وقته المناسب بأسعار معتدلة، وكانت الزوجة عندها إدارة وتدبير يكفي هذا الرزق الحلال، لذلك: قليلٌ من الرزق الحلال خيرٌ من كثير من رزقٍ فيه شبهة.

على الإنسان ألا يبني عمله على معصية:

 إذاً:

﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 لا تبن عملك على معصية، لا تقل: لا أقدر، فهذه مصلحتي نشأت فيها هكذا. لك عمل وعملك أخطر شيء، وهذا العمل الذي معك في القبر، وكل إنسان يأتيه شبح مصيبة، أو شبح موت بشكل عجيب، وبثوانٍ معدودة يستعرض كل عمله، ويعلم أنه على حق أو على باطل، فالإنسان قبل أن تأتيه الأزمة، قبل وقوعه في ظرف صعب، يوجد طريق مسدود، قبل ما يجد أنه لا مجال يغيِّر، وأنت الآن في بحبوحة راجع نفسك، يا ترى عملنا شيء فيه شبهة ؟ أو بضاعة محرَّمة ؟ أو تعاملاً محرَّماً ؟ أو علاقة محرَّمة ؟ أو معصية ترتكب في المحل التجاري ؟ أو مجالاً للإنسان يشعر أن دخله غير حلال ؟  فالسلف الصالح بارك الله لهم في أعمالهم، وفي أهلهم، وأولادهم، وتجارتهم، وصناعتهم، و زراعتهم، كلها فيها بركة ؛ بركة التوفيق، والحفظ، والرعاية..

لكل إنسان عمله و حسابه:

 إذاً كلمة

﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا ﴾

 أنت لك عمل تجاري، ولك عمل وسط بيتك، يا ترى أنت أب مثالي أم غير مثالي ؟ أنتِ أيتها المرأة أم مثاليَّة أم غير مثاليَّة ؟ تقومين على رعاية أبنائكِ ؟

 

(( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))

 

( الجامع الصغير: عن " أنس " )

 فالمشكلة أن الإنسان يطلب الدنيا فالدنيا تتصادم، ولو أن الزوج أراد من الزواج المتعة، والزوجة كذلك يتصادما أحياناً، ولكن لو أرادت من هذا الزواج أن ترضي الله بخدمة زوجها، ورعاية أولادها، وأراد الزوج من خلال زواجه أن يأخذ بيد امرأته إلى الله ورسوله، وأن يدل أولاده على الله فإن هذه الأهداف النبيلة تتلاقى، وتتعاون، وتتكامل، وتتناسق، ويكون بينهما تنسيق.
 فكل واحد له عمل، ولا أحد بإمكانه أن يحمل وزر إنسان آخر، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

( سورة الأنعام: من آية " 164 " )

﴿ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا (15) ﴾

(سورة الشورى)

أخطر شيء بحياة الإنسان زواجه و عمله:

 أخ كريم والله أعجبني، يعمل في مطعم، اللحم نوع والإعلان عنه بنوع آخر أعلى بكثير، لم يتحمَّل فتركه، لأنه عن طريقه يتم البيع، يجب أن تقول لهم إن هذا اللحم نوعه كذا، وهو ليس نوعه كذا، إنه أرخص بكثير، فمن قال له: هذا ليس شغلك. عندما تبني رزقك على الحرام هذا كذب، هذا بسعر وهذا بسعر، والزبون لن يعرف ولكن يسألك: ما نوعه ؟ هل بلدي، ضع لنا. وهو ليس بلدياً، فالأخ تحسَّس، والبيع يتم على يده كل يوم، لو أنه إنسان يوهم الناس بنوع ويعطيهم نوعاً آخر فصار الدخل حراماً.
 فأقول لكم دائماً: زواجك وعملك أخطر شيء بحياتك، لأنهما ألصق شيءٍ فيك، وألصق شيء فيك زواجك وعملك، فإذا اختار الإنسان الزوجة المؤمنة، أو إن لم تكن كذلك حملها على الإيمان، وأصلحها، واعتنى بها، وتعامل معها بالنفس الطويل حتى ارتقى بها إلى الله، واختار عمله بحيث لا يكون فيه شبهة، فوالله وصل إلى كل شيء، الزواج والعمل، هذه المعاني قلتها لكم استنباطاً من قول الله:

﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 كل واحد له عمل..

 

المذاهب الأرضيَّة مبنيَّة على فلسفة المعاصي والموبقات:

 

﴿ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا (15) ﴾

(سورة الشورى)

 الحجَّة هنا معناها الاحتجاج، وأحياناً الإنسان يتسبَّب في الباطل، ويرفض المُناقشة الحُرَّة، ويرفض الأدلَّة القرآنيَّة، تأتيه بالقرآن فلا يقبله، يقول لك: هذه الآية ليس معناها هكذا، تأتيه بالحديث الصحيح لا يقبله، تأتيه بأقوال العلماء لا يقبلها، إنه يقبل دينًا وفق شهوته، وهواه، فإذا انقطع التحاجج أو امتنع، أو لم يحدث تحاجج فلا مانع..

 

﴿ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (15) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي لا احتجاج بيننا وبينكم..

 

﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) ﴾

 

(سورة الشورى)

 وعنده حينما نرجع إليه ينبئنا بما عملنا، فأنت على حق وأنت على باطل، وأنت صادق وأنت كاذب، وأنت محسن وأنت مسيء، أما الإنسان بالدنيا فيستخدم ذكاءه لتغطية عمله، ويقنعك أنه على الحق، الحقيقة هو يفلسف المعصية.

كل إنسان أعطاه الله عقلاً كي يرقى به إليه:

 هناك كثير من المذاهب الأرضيَّة مبنيَّة على فلسفة المعاصي والموبقات، فالإنسان عندما أعطاه الله عقلاً كي يرقى به إلى الله، ويتعرَّف إليه، فلمَّا أراد الدنيا يوجد معه جهاز عجيب، ممكن تستخدم جهازاً تصير أكبر مصمِّم مثلاً، لكنه بهذا الجهاز استخدمه لتزوير العملة، فدخلت بسببه السجن، وهو نفسه ممكن ترقى فيه إلى أعلى مستوى اقتصادي، أنت استخدمه استخداماً آخر في غير ما صُنِعَ له.
 المركبة ممكن تنقلك إلى هدفك، وممكن تكون عكس ذلك. فلذلك:

﴿ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (15) ﴾

(سورة الشورى)

 إذا انقطع التحاجج بين الناس ليست مشكلة، فهناك آخرة، وإله يعلم وسوف ينبِّئ كل إنسان بما عمل..

 

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) ﴾

 

(سورة الشورى)

كل إنسان مآبه إلى الله ليحاسبه على عمله في الدنيا:

 العلماء قالوا: هذه الآية فيها عشر قضايا..

﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15)﴾

(سورة الشورى)

 وهي من الآيات النادرة ففيها عشر قضايا.
 أحياناً الإنسان عندما يناقش أهل الدنيا، وقد يكون مؤمناً عالي الإيمان، أحياناً يعجَز عن مناقشتهم لا لأنه ضعيف الحجَّة، بل لأنه ليس بينه وبين الطرف الآخر لُغة مشتركة، فأنت مؤمن بالآخرة والآخرة خارج حسابه، فلا مناقشة، وإذا آمن الإنسان بالآخرة بحياة أبديَّة، والدنيا مزرعة الآخرة، فهذا له منطلقات وله أهداف، لو تناقش مع إنسان كافر بالآخرة لا يلتقوا، هذا المال عنده كل شيء، الشهوات تملكه، المكاسب هدفه، فمادام لا يعتقد بيوم الحساب، ولا في الآخرة، إذاً يعد ذكياً إذا حصَّل أكبر مبلغ ممكن في أقل جهد ممكن، معنى هذا إذا شخص هرَّب مادَّة مخدِّرة يكون ذكياً جداً لأنه حصل على أموال طائلة بيسر بسيط، لكن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يستطيع أن يفعل هذا، في عنده مبادئ، في عنده أهداف، وأحياناً ينقطع الاحتجاج بين الناس، لا لأنهما على باطل ؛ لا قد يكون أحدهما على حق، إلا أنه حينما لا يكون هناك لغة مشتركة، ولا مبادئ، ولا قيَم مشتركة ينقطع، وإذا انقطع الاحتجاج بين الناس فهناك آخرة، كلنا إلى الله آيبون راجعون، والله سبحانه وتعالى ينبِّئ كلاً منا بعمله وبمستواه.

المؤمن منضبط و مطبق لكل ناحية من نواحي الحياة:

 الآن:

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(16)﴾

(سورة الشورى)

 أي أن الله عزَّ وجل أنزل هذا الكتاب على عبده، وعبده النبي عليه الصلاة والسلام دعا إلى الله، والناس استفادوا، واستجابوا، واطمأنوا، وسعدوا، وتألَّقوا، على الرغم من كل هذا الإنجاز العظيم للدين، انظر كيف أن المؤمن منضبط أشد الانضباط.
 امرأةٌ علمت أن زوجها تزوَّج امرأةً ثانية، لكنها مؤمنة فرضيت، المرأة الثانية أيضاً مؤمنة، توفَّى الله هذا الزوج، فما كان من الأولى إلا أن أرسلت للثانية نصيبها من الإرث، فقالت لها الثانية: " لقد طلَّقني قبل أن يموت، ليس هذا من حقي". شيء لا يصدَّق أن إنسانًا يقف عند الحدود بهذه الدقَّة، فهذا هو المؤمن، هذا مطبق بكل نواحي الحياة ؛ في البيع والشراء، والتجارة، والتعامل.

من استجاب لله أصبح إنساناً كاملاً:

 إذاً:

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ (16) ﴾

(سورة الشورى)

 عندما استجاب الإنسان لله صار إنسانًا كاملاً، تثق بأمانته، وصدقه وإخلاصه وعفافه وإنصافه وإحسانه وإنكاره لذاته، فهذه الشخصيَّة الفذَّة التي صنعها الدين، بعد هذا الإنجاز الضخم تحاجج في هذا الدين، وتحاول أن تثبت العكس، وأن هذا الدين عبارة عن خرافة، وأنه شعور بالضعف عند بعض الناس ؟ إنه كلام غير معقول..

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ (16) ﴾

(سورة الشورى)

 فالناس استجابوا، وطبَّقوا، وسعدوا، وتألَّقوا، وارتقوا، فانظر إلى مجتمع المؤمنين ليس فيه كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا خداع، ولا أعمال منحطَّة، ولا قذارة، ولا عدوان على الأعراض، بل عفَّة بالغة، فهذا المجتمع المؤمن الراقي أليس هذا دليلاً عظيماً على أن الدين حق ؟
 فإذا لم تر الجامعة ولكنك رأيت خريجي الجامعة، فوجدت علماً ما بعده علم، وأخلاقًا انضباطيَّة، وروحاً موضوعيَّة، واندفاعاً إلى خدمة الناس، وإنصافًا، واعتدالاً في الأجور، ما هذه الجامعة يا أخي ؟ هذا دليل الجامعة التي خرَّجت هؤلاء، فلو لم ترَ الجامعة ولم تدخل إليها لكنك أمام نماذج من خريجيها.

الإيمان يربي أشخاصاً صادقين مخلصين و أمناء:

 فهذا الدين يقدِّم نماذج، والله أخ بعث إلي برسالة مرَّة قال لي: عشرين مليون ليرة في ذمتي، ولا يملك أصحابها أية وثيقة ولا علم أنها عندي، وقد توفي الأب فجأةً وما أعلم أهله بذلك، بادر إلى نقد هذا المبلغ للورثة، وإذا لم يفعل ذلك لا أحد يعلم بهذا إطلاقاً، فالقضيَّة بينه وبين صاحب المال وتوفي فجأةً، فإيمانه دفعه إلى أن يؤدِّي هذا المال للورثة، الإيمان يصنع المعجزات يا إخوان.
 فتصور مجتمعاً ليس فيه كذب أبداً، يا لطيف ! إنه شيء عجيب، ولا انحراف، ولا خيانة، ولا عدوان، بل فيه إنصاف، ورحمة لكنَّا في حياة غير هذه الحياة، نحن أحياناً مجتمع صغير تجد فيه قيَماً فيرتاح الإنسان، يسعد، يطمئن، فالآن إذا ذهب أخ مثلاً إلى أخيه وله مصلحة، كله طمأنينة أنه سينصحه، ولا يغشَّه، ولا يزيد في السعر عليه، ولن يكذب عليه، سر الطمأنينة أنه مؤمن يخشى الله.
 أما إذا دخلت إلى إنسان لا يعرف الله تخاف منه، وستقيده بعقد، وستخاف أن يضع قطعة مستعملة مكان قطعة جديدة، وأن يكذب بالسعر، وأن يغافلك بقضيَّة، تخاف أن يأخذ البنزينات، تخاف يبدِّل قطع بالسيارة لا ترتاح له أبداً، أما المؤمن ترتاح له، هذه من ثمار الإيمان، الإيمان يربي أشخاصاً صادقين، مخلصين، أمناء، منصفين، أشخاص متواضعين.

الشقي من وضع نفسه بخندق ضد الدين:

 فبعد أن استجيب لله، وتألَّق الناس، والآثار واضحة جداً، يأتي بعض الناس ليدحضوا أصل الدين، وأن هذه غيبيات، يقول لك: إنها أفكار ليست يقينيَّة. وهذا اتجاه غير صحيح، قال:

﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (16) ﴾

(سورة الشورى)

 أي حجَّتهم مردودة بألف دليلٍ ودليل، بالدليل النَقلي، والدليل العقلي، والواقعي، والفطري، فالفطرة تؤيِّد، والعقل والواقع والنقل كلها تؤيِّد..

 

﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(16) ﴾

 

(سورة الشورى)

 وبعد ذلك فالإنسان أيها الأخوة الكرام يكون غلطان أشد الغلط، وشقياً أشد الشقاء لو وضع نفسه بخندق ضد الدين، فهو دين الله عزَّ وجل، الإله معه، وهو الخالق، وقد فعل هذا فرعون فكان مصيره الغرق، فعل هذا قارون انتهى، فعل هذا النمرود انتهى، هذا هو التاريخ، الذين عارضوا الدين بقوا في مزبلة التاريخ، فأنت بطولتك أن تكون في خندق المؤمنين، داعماً لهم، مُعيناً إيَّاهم، مصدِّقاً لهم، فأخطر شيء عندما يأخذ الإنسان موقفًا معادياً للدين، أو معادياً لمن سمح الله لهم أن يكونوا دعاةً في هذا الدين، طبعاً هم ليسوا معصومين، لكن نحن يجب علينا ألا نشرِّحهم بل يجب أن نعينهم، نشجعهم، نغض البصر عن بعض الهفوات حتى يتقدَّم الحق.

 

العمل الصالح من لوازم الإيمان:

 

 فيا إخوان توجد نقطة دقيقة جداً: هذا الباطل يتمدَّد، بحكم طبيعة الحياة، فالحياة حركة، وكل إنسان يحب أن ينمي اتجاهه، فإذا تنامى الباطل والحق لم يتنامَ، يتحاصر الحق، إذاً التواصي بالحق سبب لبقاء الحق، فالقضية قضية وجود نكون أو لا نكون، إذا كان الحق منحسراً ومنكمشاً، والمسلم متقوقع وقال: ليس لي دخل، هم أحرار. فإذا كان لك ابنة أخ، ولك ابن أخ ولك أخ فانصحهم، فهذه الآية التي سمعتها انقلها لأخيك، انقلها لابنك، وجارك، وزميلك في العمل، لا تكن منكمشًا لأن العمل الصالح من لوازم الإيمان، إذاً يجب أن ينمو الحق لكي يحافظ على وجوده..

﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(16) ﴾

(سورة الشورى)

للميزان معنيان:

1 ـ الميزان هو العدل:

 الآن:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ (17) ﴾

 

(سورة الشورى)

 بعضهم قال: الميزان هو العدل. أي يوجد بالقرآن الكريم مبادئ العدل، وهي كثيرة، وتشريع الزواج، والطلاق، تشريع التعامل في البيع والشراء، تشريعات كثيرة في القرآن، هذه التشريعات هي في الأصل مبادئ للعدل، ومبادئ العدل هي الميزان، فهذا تفسير.

 

2 ـ الميزان هو العقل:

 هناك تفسير آخر: الميزان هو العقل، ممكن لنا أن نزن به الأمور، ربنا عزَّ وجل جعل الميزان مع العقل متكاملين، وجعل الكون مع العقل متكاملين، في آية أخرى:

 

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7) ﴾

(سورة الرحمن )

 وهذه الآية الثانية، اثنين لا يوجد غيرهما..

 

﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ (17) ﴾

 

(سورة الشورى)

من لوازم القرآن أن الله تعالى أعطانا قوَّة إدراكيَّة لندرك ما فيه من مبادئ:

 فما قيمة الكون من دون عقل ؟ العقل قوة إدراكيَّة، ما قيمة العقل من دون كون ؟ يتكاملوا، ما قيمة هذا الكتاب من دون قوة إدراكيَّة عند الإنسان ؟ الله قال:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

( سورة الجمعة: من آية " 5 " )

 إذا كان المخلوق ليس عنده قوَّة إدراكيَّة فهل ينفعه هذا الكتاب ؟ إنه لا ينفعه، إذاً من لوازم هذا الكتاب يكون الله عزَّ وجل قد أعطانا قوَّة إدراكيَّة لندرك ما فيه من مبادئ، وتصوُّرات، وقواعد، وأوامر، ونواه، وحكم. إذاً الميزان هنا إما أنه مبادئ العدل التي جاء بها القرآن والتي تحكم بين الناس بالعدل، وإما أن هذا العقل الذي لولاه لما كان لكلام الله من معنى، بالعقل ندرك كلام الله، فالعقل وكلام الله متكاملان، كما أن الكون والعقل متكاملان لا نفع لأحدهما من دون الآخر..

كل إنسان متحرك و أجله ثابت فسيصل إلى النهاية لا محالة:

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ(17) ﴾

(سورة الشورى)

﴿ السَّاعَةَ ﴾

 كما قال بعض المفسِّرين: أي يوم القيامة، أو يوم البعث. فلماذا هي قريب ؟ إن الإنسان عندما يتحرَّك فمعنى هذا أنه وصل، فإذا دخل أول جامعة أخذ ليسانس وهو في البداية، وما دام دخل فقد مشي، إنها أربع سنوات تمضي كلمح البصر ومادام القطار انطلق وصل، أخي لم يصل، ما دام انطلق وصل وهذا معنى " كل متوقَّعِ آت وكل آتِ قريب ".

 

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ(17) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فنحن كم رمضان أكرمنا الله به ؟ فمن رمضان لرمضان، كل مرَّة تراويح ودروس، وبعد هذا يأتي الأجل، و هذا له آخر رمضان، وهذه آخر جمعة صلاَّها، وهذا آخر عمل عمله، وهذه آخر بناية عمَّرها، في أجل، فمادام الأجل ثابتًا وأنت متحرِّك فمعنى هذا أنك وصلت ولو لم تصل، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

( سورة النحل: من آية " 1 " )

 ومعنى هذا أنه لما يأتِ، وكأنه آت، فإذا أنت ماشٍ باتجاهه ومعنى ذلك أنك وصلت.

الموت لا ينتظر فعلى الإنسان أن يهيئ نفسه من أول لحظة:

 إذاً عندما يضع الإنسان ساعة الفراق نصب عينيه يكون أسعد إنسان، فيهيِّئ نفسه، شركة الطيران (هذه نادرة جداً) يقول لك: الإقلاع في ساعة نخبرك عنها فجأةً بالهاتف، إنها بين الثانية عشرة ظهراً والثانية عشرة ثاني يوم الظهر( أربع وعشرون ساعة) وأنت لا تملك سوى دقيقة فقط، تنطلق من بيتك فتركب السيارة لتكون في المطار، وبأية لحظة يخبِّرونك ضمن الأربع والعشرين ساعة، أليس من العقل أن تهيِّئ نفسك من أول ساعة ؟ هذه الأربع والعشرون ساعة في أية لحظة يخبرونك، وليس لديك وقت ولا ينتظرونك، ومعنى هذا الحكمة تقول: يجب أن تهيئ نفسك من أول لحظة، بأية لحظة اتصلوا بك وطلبوك وأنت جاهز، والموت كذلك، الموت لا ينتظر، فهل أنت مصفي حساباتك، وعلاقاتك، إنها علاقات شركة، وعلاقات ذمم، وإنه شيء غير واضح، فهل عملت وصية، الأمور كلها واضحة، هناك شيء ليس لك وكاتبه باسمك، فهذا كله يجب أن ينتبه له الإنسان..

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ(17) ﴾

(سورة الشورى)

من ازداد علماً ازداد خوفاً:

 الذين يكفرون بها..

﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا (18) ﴾

(سورة الشورى)

 استخفافاً، متى يا سيدنا ؟ أكثر الناس يسألون عنها استخفافاً..

 

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا (18) ﴾

 

(سورة الشورى)

 ولو تقرأ تاريخ الصحابة تجد العجب العُجاب، فإنسان يخاف هذا الخوف كسيدنا عمر " ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتها كانت عقيماً ". " ليتني ألقى الله لا لي ولا علي ". فمعنى هذا أنه كلَّما كبر عقل الإنسان يكبر خوفه.
 فأنا مرَّة دخلت إلى معمل فرأيت صاحب المعمل مهتماً جداً، فسألته: خير ؟ قال لي: الجسر منكسر من النصف. والله ما رأيت شيئاً وبعدها رأيت فعلاً أنه يوجد شق صغير، فالماء المالح بأساسات المعمل فتَّتت التربة من تحت الاستناد فانزاحت العضاضة وانكسر الجسر، قال لي: تحتاج إلى أربعمئة ألف أو خمسمئة ألف تدعيم. قلت: لو رآها دهَّان لقال لك:  تحتاج إلى معجون. فهناك فرق كبير بين دكتور مهندس يقول له: تحتاج إلى خمسمئة ألف تدعيم، وبين معجون، فكلَّما ازداد علم الإنسان يزداد خوفه.

على الإنسان أن يراقب الله دائماً و يهيئ جواباً لكل سؤال:

 أحياناً تكون هناك أمراض خطيرة ولكن ليس لها أعراض، فيمكن أن يظهر بالتحليل فتجد لون الطبيب يتغير، لكن المريض يقول: لا شيء عندي. فهذا الجاهل يقول ذلك، أما العالِم فيعرف ماذا هناك، فكأن الخوف يتناسب مع العلم، وكلَّما ازداد علمك يزاد خوفك، وكلَّما قلّ العلم يقول لك: ما الذي حدث ؟ كلمات الاستخفاف واللامبالاة دليل الجهل، والآتي هو القدوم على الله عزَّ وجل.
 والله كل كلمة، وهذا إيماني، كل كلمة، وكل ابتسامة، وكل مبلغ تقبضه من أين قبضته ؟ وكل مبلغ تدفعه لمن دفعته ؟ ولماذا دفعته ؟ وما هي النيَّة ؟ إذا عرف الإنسان أنه يوجد سؤال دقيق، وأن هناك حساب، والنيات مكشوفة عند الله عزَّ وجل..

﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾

( سورة الكهف )

 فإذا أيقنت أنه هناك وقفة لابدَّ منها، والحساب دقيق، وليس معك حجَّة، ولذلك فالنبي قال:

(( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))

[ كشف الخفاء]

 من معاني هذا الحديث أن الحساب مع الله، فإذا كانت معك حجَّة لله، ومعك مبرِّر فليس هناك مانع، فأنت دائماً راقب الله، وهيئ جواباً لله.

السعيد من لام نفسه و حاسبها حساباً عسيراً:

 كل واحد منا بأية حرفة، اترك الناس قد يكون الشخص ضعيفاً أمامك، وقد يكون جاهلاً، فإذا كنت على جانب من العلم والطرف الثاني جاهل، فتقول له: أريد ثمانية عشر تحليلاً. فيقول لك: حاضر دكتور. لا يحكي ولا كلمة لأنه واثق منك، ولكن الله يعرف إذا كان العدد مطلوباً كله أو نصفه، فأنت مكشوف كشفاً كاملاً عند الله عزَّ وجل، فقبل أن تتكلَّم أو تطلب، أو ترفع السعر، أو تنزل السعر، أو تحلف يميناً كذباً، تدلِّس، تغش، قف فهل معك لله جواباً ؟ هيِّئ لله جواب وانتهى الأمر..

﴿بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا (18) ﴾

(سورة الشورى)

 إذاً لينخلع قلب الإنسان خوفاً من الآخرة أن يكون غير مؤمن " التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا ويظن نفسه منافقاً " إنها شدة الخوف من الله، ولا يرضى عن نفسه إلا إبليس، أما المؤمن فقلق، إذ عنده قلق مستمر، لكن هذا قلق مقدَّس وليس قلق العقاب، فالقلق المقدَّس هل الله راضٍ عني ؟ هل عملي مقبول عنده ؟ وهل نيتي طيِّبة ؟ وهل لي مقصد دنيوي ؟ فدائماً يحاسب نفسه، وهذا الحساب المستمر يرقى به، والله أقسم بالنفس اللوَّامة فقال:

﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2) ﴾

( سورة القيامة )

 وكلَّما لمت نفسك، وشددت عليها، وحاسبتها حساباً عسيراً، واتهمتها، وحاولت أن تقوِّمها فأنت مع السعداء، فالذي لا يؤمن بها يستعجل بها استخفافاً.

من لم يُدخل الآخرة في حساباته اليومية خسر الدنيا و الآخرة معاً:

 قال:

﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(18)﴾

(سورة الشورى)

 أي إذا لم يدخَّل الإنسان الآخرة في حساباته اليوميَّة. إذ كل واحد منَّا يدخل بحساباته أشياء كثيرة، يدخل في حساباته أن هذه المادَّة يمكن أن يسمح باستيرادها، يقول لك: أخذت على الخفيف، أنا صاح، تجد التاجر كل قضاياه واضحة في ذهنه، فلماذا الأمور الأخرى ليست واضحة الوضوح نفسه ؟ ولماذا لا تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة ؟ كيف سأواجه ربي وهذه الحاجة ليست لي، اغتصبتها اغتصاباً ؟ كيف أواجه ربي وأنا أدلِّس في البيع والشراء ؟ أبيع مواد غذائيَّة وفيها مواد مسحوب خيرها ؟ حليب ليس فيه دسم أبداً وأبيعه كامل الدسم، والأطفال كلهم صغار لا يعرفون، كيف سأنام مساءً ؟.
 أنا والله أعجب، والله أيها الأخوة أعجب ممن ينام الليل ومتلبِّس بحقوق العباد، أو له انحرافات، أو آكل حقوقاً ليست له، فكيف تنام ؟ والديَّان لا يغفل ولا ينام، فأبداً إذا كان للعلم مؤشِّر، فالمؤشِّر الخوف معه تمامه، وكلَّما ازداد علمك ازداد خوفك من الله.

العلم مفتاح كل شيء في حياة الإنسان:

 رويت لكم سابقاً أنَّ أحدهم قال لي: أنا لا أخاف من الله (طالب أرعن) قلت له: معك حق يا ابني. هو استغرب كيف هذا ؟ طبعاً أحياناً يأخذ الفلاح معه على الحصيدة، ابنه عمره سنتان، يضعه بين القمح يمر ثعبان كبير فيمسكه، ولا يخاف الطفل الصغير، لأنه لا إدراك عنده، وأما لو رآه رجلاً يقفز من خوفه، أما إذا رآه طفل صغير فلا يخاف منه، بل يلمسه. فالخوف يتنامى مع الإدراك.
 فالطبيب يعرف الجراثيم، وأحياناً يعرف مضاعفات شيء غير مغسول، فتجده على الفور يغسل، ويعتني، لأنه يرى حالات مرضيَّة، وإنتانات، وعدوى، وأمراضاً، فأبداً يتنامى الخوف مع العلم، فالعلم هو مفتاح كل شيء..

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) ﴾

( سورة طه )

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.

على الإنسان ألا يتخذ أي موقف من المؤمن الورع:

 هذه الآية دقيقة الذي يستخف بها غير مؤمن، والمؤمن مشفقٌ منها..

﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(18) ﴾

(سورة الشورى)

 وعلى الإنسان ألا يكون في خندق معادٍ للدين، و هذه نصيحة كبرى، فكلنا مؤمنون والحمد لله، ولكن أحياناً يكون له شريك أشد ورعاً منه، و هو يأخذ الأمور بالحل الأبسط، فإذا كان شخص أورع منك فلا تعاده، إذا لم يحب الاختلاط فلا تعاده، ولا تأخذ موقفاً ضد المؤمن الورع.
 وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ندخل في قوله تعالى:

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ(19) ﴾

(سورة الشورى)