الدرس : 03 - سورة الشورى - تفسير الآيات 9-11، ، الولي هو الله.

1994-02-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثالث من سورة الشورى.

الولي هو الله و هو الذي يتولى أمرنا:

 مع الآية التاسعة وهي قوله تعالى:

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 الأولياء جمع وليّ، والولي هو الذي يتولَّى أمرنا، وتوجيهنا، و تستعين به، وتسترشده، ونحتمي به، وتلوذ إليه، فالإنسان لا ينبغي له أن يتخذ من دون الله ولياً، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم، وغيره لا يعلم، فإذا استعنت بمن لا يعلم أوردك المهالك، والله تعالى هو القوي وغيره ضعيف، فإذا استعنت بالضعيف أسلمك إلى المهالك، فالله سبحانه وتعالى مُسعد وغيره لا يُسعد، فإذا طلبت السعادة في غيره شقيت ولذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 هذه الصيغة تفيد القَصر ولو أن الله سبحانه وتعالى قال: فالله وليُّك. فليس فيها معنى القصر.

 

من ضعف تفكير الإنسان وشقائه أن يتخذ من دون الله وليَّاً:

 

 لكن..

﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 أي هو وحده الولي ولا وليّ سواه، فإذا قلنا: فلان شاعر. يقول شخص: فلان هو الشاعر. أي هؤلاء كلُّهم ليسوا شعراء من كلمة هو، فالله هو الولي، فهذه العبارة تفيد القصر، أي أنَّك إذا أردت أن تتخذ وليَّاً ليس لك إلا الله ؛ لأنه يعلم وغيره لا يعلم، ولأنه قوي وغيره ضعيف، لأنه مُسعد وغيره محزِن، فمن ضعف تفكير الإنسان ومن شقائه أن يتخذ من دون الله وليَّاً، والحقيقة فالقضيَّة قد تكون عفويَّة، فلا يعقل أن يقول الإنسان: فلان ولييِّ من دون الله. لا، لكن حينما يتجه الإنسان، ويتوهَّم أن الخير عنده، وأن السوء إذا غضب، وأن السعادة إذا رضي، وأنه بإمكانه أن يعطيك أو أن يمنعك اتخذته وليَّاً وأنت لا تدري.
 فبوعي الإنسان المسلم صعب أن يقول لك: أنا اتخذت فلاناً ولياً من دون الله. فهذه لا تقع ولكن حينما تنساق لإرضاء الإنسان، أو حينما تعجب بقوَّة إنسان، أو بمال إنسان، أو حينما تتوهَّم أن هذا الإنسان يُسعدك من دون الله اتخذته ولياً وأنت لا تشعر..

 

من اتخذ من دون الله ولياً اتخذ شيئاً مُنْحَطَّاً:

 

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 كلمة:

﴿ مِنْ دُونِ﴾

 فالإنسان توَّاق للكمال، وتواق للأقوى، وللأعلى، و للأجمل دائماً، فعندما يتخذ الإنسان من دون الله ولياً اتخذ شيئاً مُنْحَطَّاً، لأنه إذا قيس الإنسان بخالق الأكوان فلا شيء هو وقد تحتاجه في أشد الساعات فلا يلبيك، وقد تطلب منه فلا يعطيك، وقد تستنجد به فلا يُنجدك، وقد تعتمد عليه فلا يُعْتمَدُ عليه..

 

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 ربنا عزَّ وجل يؤكِّد لنا أن الله هو الولي، ولذلك فالله عزَّ وجل يقول:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 الظلمات جمع ؛ فظلمات العقائد، وظلمات العادات، وظلمات التقاليد، وظلمات الشهوات. أما النور فواحد، فالحق لا فيتعدَّد، أما الباطل يتعدَّد، آلاف مؤلَّفة من ألوان الباطل العقائدي والسلوكي، لكن الحق واحد.

 

المؤمن إن توسَّم الخير بمؤمن آخر هذا لا يتناقض مع التوحيد:

 

 إذاً:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (257) ﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 والمؤمن حقيقةً أيها الأخوة يشعر أن الله وليُّه، وهو الذي يتولَّى أمره، وبه يستعين، وبه يسترشد، ألا تقرؤون في أول دعاء الوتر:

 

(( اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق ))

 

( كنز العمال )

 أي أن الله هو الولي، والمؤمن حقيقةً إن لم يدرك هذا المعنى فليس مؤمناً، فمؤمن على أعتاب كافر، ومؤمن يظن الخير بالكافر، ويرجو الخير عنده، مؤمن ويبذل ماء وجهه أمامه فهذا مستحيل، فيمكن لمؤمن أن يتوسَّم الخير بمؤمن ولكن هذا لا يتناقض مع توكُّله على الله عزَّ وجل، ويمكن لمؤمن أن يتوسَّم السعادة إذا عاشر مؤمناً أعلى منه، فهذا الشيء لا يتناقض مع التوحيد، لكن مؤمن الله وليُّه ويتَّجه لغير الله، ويعتمد على غيره، ويأنس بغيره، ويستعين بغيره، فمعنى ذلك أنه اتخذه ولياً من دون الله.

 

على كل إنسان أن ينتبه لقلبه:

 

 أهم شيء للإنسان أن ينتبه لقلبه، وعلى من يعتمد ؟ وبمن يثق ؟ وبمن يسترشد ؟ فأحياناً لو أن الإنسان سأل عامة الناس في موضوع تأتيه الإرشادات خلاف القرآن الكريم، فيقول لك مثلاً: " لا تدَيِّن فلاناً، احفظ دراهمك بلا جنون " فيوجد تضخُّم نقدي بالمئة سبعة عشر فكيف تدينه، ولو سألت مئة شخص ينصحك بعدم إقراض الآخرين، أما ربنا قال:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾

( سورة البقرة: من آية " 245 " )

 فالله عدَّ القرض له وليس لعبده، وقال لنبيه داود:

 

(( يا بن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، وكيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ ))

 

( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 فالشيء الدقيق في الموضوع أن المؤمن لا يمكن أن يسترشد، أو يسأل، أو يستنصح، أو يتحرَّك بتوجيه غير المؤمن، ومعنى هذا أنه ليس مؤمناً..

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

ولاية الله لك أن تطيعه و تنفذ أوامره:

 الله توجيهه بالقرآن، وإذا احتاج القرآن إلى توضيح فالنبي يفسِّر القرآن الكريم، وبعد النبي الصحابة، وبعدهم الفقهاء المجتهدون، فإذا أردت حكم الشرع في موضوع فكأنَّك تقول: الله ولييِّ، فأنا لا أتحرَّك إلا بتوجيهات ربي، وبتعليمات الصانع، وبمضمون كتاب الله. ألم تقل السيدة عائشة: " كان خلقه القرآن ". الحقيقة ولاية الله لك تعني أن تطيعه، قال لك مثلاً:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

( سورة البقرة: من آية " 221 " )

 ومعظم الأسر يريدون شاباً، ويريدون دخلاً كبيراً، وبيتاً واسعاً، ومركبة، وآخر شيء يسألون عن دينه، ويمشون بخلاف القرآن الكريم، ولذلك يعانون من متاعب لا تحتمل، فقد يأتي هذا الخاطب فيذلٌهم، ويؤذي ابنتهم، وينغِّص عليهم عيشهم، طمعوا بغناه ونسوا دينه، ومعنى هذا أنهم تحرَّكوا بتوجيهات غير توجيهات الصانع.

 

المؤمن الصادق لا يتحرَّك إلا بتوجيهات خالقه:

 

 ما معنى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 أي أنت لا تتحرَّك إلا بتوجيهات خالقك في بيتك، وفي زواج بناتك، وفي تزويج أولادك، واختيار صنعتك، فإذا كانت صنعة مبنيَّة على معصيَّة أو فيها إعانة لمعصية فربنا قال:

﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 فإذا كنت تساهم على تقوية منكر، بمعاونة على اغتصاب حقوق، فهذا عمل لا يرضي الله عزَّ وجل، فلا يوجد مؤمن على الإطلاق يتحرَّك بتوجيه كافر، أو مؤمن يتحرَّك من دون توجيهات خالق الكون، فأنت آلة معقَّدة جداً لك صانع، وكل واحد منَّا يراقب نفسه إذا اشترى آلة غالية كثيراً، ونفعها عظيم، ودخلها كبير، فلا يمكن له أن يسأل جاره، قد يكون جاره إنساناً صالحاً جداً، قد يكون إمام مسجد، أما هذا كمبيوتر يسأل خبير الشركة، لن يسأل شخصاً أميًّاً بهذا الموضوع، يقول لك: آلة غالية سأسأل الخبير، يقرأ التعليمات ويترجمها ويهتم فيها، فلماذا أنت في أمور الآلات المعقَّدة لا تقبل إلا رأي الخبير، وإذا كان مهندس جاء من شركة هذا أقوى بكثير، ويمكن ألا يعجبك مهندس مقيم في بلدك، فيقول لك: هذا لا يفهم. أنت تريد مهندس الشركة لأنك خائف على الآلة.
 فلماذا تتساهل في أمر دينك ؟ وتتلقَّى توجيهات من غير الله عزَّ وجل ؟ يقول لك شخص: يا أخي ابنك إن لم يتعلَّم المحادثة في دولة أجنبية فلا يقوى باللغة الإنكليزية، وهي أساس التجارة الآن. والله كلام صحيح، ولكن غاب عنك أنه هناك يجوز أن يضيع دينه، وأن يرجع إنساناً آخر.

 

من لوازم إيمان المؤمن أن يعرف أمر الله عزَّ وجل:

 

 المؤمن الصادق لا يتحرَّك إلا بتوجيهات خالقه، ولذلك يسأل، ما أسباب السؤال ؟ لأن وليَّك الله عزَّ وجل..

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 فما حكم هذا الموضوع ؟ هل هو مباح، أم فرض، أم واجب، أم سُنَّة مؤكَّدة، أم سنة غير مؤكَّدة، أم مكروه تنزيهاً، أم تحريماً، أم حراماً ؟ هذه كل الأحكام، فمعنى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 أن المؤمن لا يتحرَّك إلا بتوجيهات خالقه، ولذلك يسأل عن الحكم الشرعي، وطلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، ومن لوازم إيمان المؤمن أن يعرف أمر الله عزَّ وجل، ولا يكفي أن يعرف الله. ولكن كيف تعبده ؟ فيجب أن تعرف أمره، وكيف تتقرَّب إليه ؟ بطاعته، فأين أمره ؟ فلاحظ أن معرفة الله تتكامل مع معرفة أمره.

 

على كل إنسان أن يتعلم أمور الفقه:

 

 إذا فكَّرت بالكون تعرف الله، وإذا قرأت الأحكام الشرعيَّة تعرف أمره، فليس من المستغرب أن يكون في بيت كل مسلم كتاب فقه مثلاً، فيه أحكام الطهارة، وأحكام الوضوء، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة،واليمين، والوكالة، والحوالة، فهناك أشياء نتعامل معها يومياً كالشراكة مثلاً، و المضاربة، والقرض الحسن، وأحكام الربا، ومن دخل السوق من دون فقه أكل الربا شاء أو أبى.
 إذاً فالقصد أن الله ولي الذين آمنوا لا يتحرَّكون إلا وفق تعليماته، وإلا بأوامره، إذاً من لوازم هذه الآية أن تتعلَّم أمور الفقه، وهناك أشياء بالفقه لابدَّ من أن تعرفها، وهي فرض عين على كل مسلم، مثلاً أحكام الصلاة والصوم والحج والزكاة، وكل حرفة لها أحكام فقه متعلِّقة بها، فإذا كنت شريكاً فيجب أن تعلم أحكام الشراكة، وإذا كنت طبيباً فأحكام الجُعالة، فالطبيب والمحامي والمدرِّس يلزمهم أحكام الجُعالة، وإذا كنت تاجراً فأحكام البيع والشراء، هذا إذا آمنت بالله إيماناً حقيقياً وأردت أن تطيعه لابدَّ من معرفة أمره، لكي يتولاك الله، فأنت عندما تنفِّذ أحكام الصانع يتولاك الله. إذ عندما يمرض الإنسان يلجأ إلى طبيب، لماذا لجأ إليه ؟ لعلمه، قال له الطبيب: اترك الملح، وامش كل يوم، وخذ هذا الدواء. وهذه تعليمات الطبيب، فمعنى هذا أن الطبيب تولَّى أمر شفائك، فلابدَّ من طاعته.

يُحْيِ المَوْتَى: من معانيها:

1 ـ الله عز وجل بعد أن يموت الإنسان يحييه للحساب:

 إذاً:

 

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 وهناك معنى دقيق جداً بهذه الآية، قال:

 

﴿وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 أي أن الله عزَّ وجل لخَّص ولايته بكلمة واحدة، أي تكون ميتاً فتحيا بهذه الولاية، فإذا جهل الإنسان ربه، فلا يعرفه ويتحرَّك من دون طاعة لله عزَّ وجل، إذ يتحرَّك بمعصية، هذا الإنسان ميِّت القلب. إذا عرف ربه، وعرف أمره، واستقام عليه، وأقبل عليه أصبح قلبه حيَّاً، ربنا قال:

 

﴿وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 يحيي الموتى فبالمعنى الضيِّق، الميِّت يحييه، إما أنه بعد أن يموت يحييه للحساب، أو موت العدم ولم نكُ من قبل شيئاً، هذا معنى.

 

2 ـ الإنسان بلا عمل صالح إنسان ميِّت ومن عرف الله فهو حي ولو مات:

 والمعنى الأوسع تؤكِّده الآية الكريمة:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 24 " )

 تؤكِّده الآية الثانية:

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 122 " )

 فمعنى هذا أن الإنسان قد يكون ميِّتًا وهو في أوج حياته، وقد يكون حياً وهو تحت التراب، وهذا المعنى العميق للموت والحياة، فالموت والحياة بهذا المعنى إنسان بلا عمل صالح، وبلا معرفة لله يعيش لحظته لشهواته هذا ميِّت ؛ إنسان عرف الله، وعرف أمره، ويمشي على منهج، له صلة بالله، ويعمل للآخرة هذا حي، ولو مات، ولهذا قال الله عزَّ وجل:

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) ﴾

( سورة آل عمران)

 فولاية الله عزَّ وجل تجعل الميِّت حيَّاً، وقول الشاعر المشهور:

 

ليس من مات فاستراح بمَيْت  إنما الميِّتُ ميِّتُ الأحياءِ
* * *

 إذا فالإنسان الذي لا يعرف الله كالبهيمة، يتحرَّك وفق شهواته ومصالحه، وليس عنده قيم ولا روادع ولا نوازع ولا مبادئ، يتحرَّك كالدابَّة المتفلِّتة من أي منهج فهذا ميِّت.

 

 

إن كان الإنسان ميتاً لا يحيا إلا بالله تعالى:

 

 إذاً ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 أي هو وحده الولي ولا وليَّ سواه..

﴿وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

( سورة الشورى )

 أيضاً هذه تطمين، أي أنك عندما اتخذت الله وليَّاً الله على كل شيء قدير، إذاً ليس هناك مشكلة، ولا هم، مهما تكن القضيَّة عويصةً، والمرض عُضالاً، والفقر مدقعاً، والوضع سيئاً فالله على كل شيء قدير. وهكذا تعلَّقت قدرة الله بكل ممكن.
 إذاً أولاً: إن كان الإنسان ميتاً يحيا بالله، وإن كان يعاني مشكلةً فالله على كل شيءٍ قدير، فلمَ لا تتخذه ولياً ؟! لذلك دعاء السَحَر:

 

(( فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ))

 

(مسند أحمد: عن " أبي هريرة " )

 ونحن الآن في شهر رمضان، فهذا شهر القُرْب، شهر الاتصال بالله عزَّ وجل، شهر البذل، وشهر أن الله سبحانه وتعالى يعافي عباده المؤمنين من جميع الهموم، من جميع المصائب.

 

الغافل عن الله إنسان ميت:

 

 إذاً التركيز في هذه الآية:

﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 فليس غيره ولياً، هو يعلم وغيره لا يعلم، وهو قوي وغيره ضعيف، وهو يسعد وغيره لا يسعد.النقطة الثانية:

 

﴿وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 الإنسان بالغفلة عن الله ميِّت، فإذا أقبل عليه حَيَا قلبه..

 

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 أي مهما تكن المشكلة كبيرة فالله عزَّ وجل عليها قدير، ولذلك الناس حينما يدعون ربَّهم عزَّ وجل يقول بعضهم: يا رب يا من لا يعجزك شيءٌ في الأرض ولا في السماوات أنت على كل شيء قدير، فالإنسان أحياناً بجهل منه إذا كان له صلة مع شخص قوي يقول لك: لا يوجد مشكلة عندي. مع أنه مع شخص عادي، فيجوز أن يموت فجأةً، فكيف إذا كان له صلة مع خالق الكون ؟.

 

الله عز وجل حاكم عادل يحكم بين الناس جميعاً:

 

 الآن الآية التي بعدها:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ﴾

( سورة الشورى )

 والآن توجد موضوعات خلافيَّة بين الناس لا يعلمها إلا الله، بالعقائد، والمذاهب، والتطبيقات، ونظريات اقتصاديَّة، ونظريات نفسيَّة، وعلاقات اجتماعيَّة، وكل إنسان يدّعي أنه على حق وأن نظريَّته صحيحة، والخلاف واحد، فالناس فرق، واتجاهات، وأصحاب مبادئ وضعيَّة وغير وضعيَّة، وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى، فهذه زحمة الخلافات فمن يقضي بينها ؟ الله سبحانه وتعالى.
 إذا كان هناك سبع قطع معدنيَّة صفراء لامعة، وواحدة منها ذهب عيار أربعة وعشرين، والباقي معدن خسيس مطلي بمعدن نفيس، فكلٌ يدعي أنها ذهب خالص، أما هي فواحدة فقط ذهب خالص، ولو أنه صار خلاف، ومنازعات، ومشكلات، وأخذ ورد، يأتي الخبير فيقول: هذه الذهب، وهذه كلها معدن خسيس، بينما هذه من المعدن النفيس وتلك من المعادن الخسيسة. وانتهى الأمر، فالذي يحكم هو الله عزَّ وجل، وربنا عزَّ وجل يحكم وينفِّذ.

 

الله عزَّ وجل حكمه تنفيذي:

 

 أحياناً تجد خبيراً يعرف الحقيقة ولكنه ضعيف، وتجد شخصاً قويًّاً لا يعرف الحقيقة، لكنه قوي، والذي يعرف لا يقوى على شيء، لكن ربنا عزَّ وجل بكلمة

﴿يقضي﴾

 فتشير إلى المعرفة والتنفيذ بآنٍ واحد. فما الفرق بين أن تسأل المفتي وأن تلجأ إلى القاضي ؟ يوجد فرق بينها، المفتي يقول لك: القضيَّة جوابها كذا وكذا، أما القاضي يصدر قراراً ويحال للتنفيذ، بالتنفيذ الشرطة يقبضون على السارق، القاضي معه حكم تنفيذي، أما المفتي معه حكم استشاري، فرق كبير جداً. والله حكم بين الناس لا يقول لأحدهم: أنت عل حق وأنت على باطل، لا، فالذي على حق يرفع شأنه، والذي على باطل يخسف به الأرض، فهناك فرق، إذ حكم الله غير حكم عبد الله، الله عزَّ وجل إذا حكم نفَّذ.
 وأحياناً يحكم على إنسان أنه على حق فيرفع شأنه، ويقويِّه ؛ ويحكم على إنسان مبطل أنه على باطل فيضعفه، ويبطل عمله، ويضعفه. وعندما حكم الله بين النبي وأعدائه فما معنى حكم الله ؟ أي أنت على حق وأنتم على باطل، فالله رفع شأن النبي ونصره، وهؤلاء خذلهم وجعلهم في مزابل التاريخ، وانتهى الأمر، إذا حكم الله غير حكم عبد الله، إذا حكم الله فحُكمه مع التنفيذ الكامل، إذ تأخذ حقَّك كاملاً..

 

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (10) ﴾

 

( سورة الشورى )

 فأنت بطولتك أن تكون على حق.

 

من كان على حق رفعه الله و نصره و من كان على باطل خذله و ابتعد عنه:

 

 الله عزَّ وجل قال:فَتَوَكَّلْ يا محمَّد..

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) ﴾

( سورة النمل )

﴿قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91) ﴾

( سورة الأنعام )

 فقوَّتك تستمدُّها من الله، فإذا كنت مع الله انتهى كل شيء، إن لم تكن معه فالمشكلة كبيرة جداً.
 فالآن كل أنواع الخلافات ؛ خلافات في العقائد، وفي النظم، والقيَم، فيجوز في مجتمع أن يكون هذا الشيء ليس عاراً، فالآن في المجتمعات الغربيَّة عملية الزنا أهون من تناول حبة سكَّر، إنه أمر لا يحاسب الإنسان عليه إطلاقاً، شيء طبيعي جداً، فمعنى هذا أنه مجتمع فاسد، فإذا صار خلاف بالعقائد، أو بالنُظُم، أو خلاف بالقيَم، أو خلاف بالحقوق، أو بالتطبيقات، أو بالوسائل، إذا صار خلاف بين بني البشر فالحكم لله، فالله عزَّ وجل حكمه تنفيذي، أنتم على حق يرفعكم وينصركم ويؤيِّدكم ؛ وأنتم على باطل يخذلكم.

 

امتحان الله عز وجل للعباد:

 

 لكن ربنا لحكمةٍ يريدها أحياناً يسمح للباطل أن يجول جولة لكي يمتحن الناس، إذ هناك أُناس إذا قوي الباطل يأخذون به، ينسوا الحق، هم مع الأقوى وليسوا مع الحق، فهذه مرحلة استثنائيَّة لأن الله قال:

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

( سورة الإسراء)

 فالله يسمح للباطل بعمل جولة أو جولتين يمتحن فيها الناس، من مال معه رغبةً فيما عنده وفي قوَّته فقد سقط من عين الله، ومن بقي على إيمانه وعلى ورعه واستقامته فقد ارتفع في عين الله.

 

الحكمة من كون الأنبياء ضعفاء:

 

 أساساً هناك نقطة مهمَّة جداً قد تغيب عن معظم الناس، لماذا كان الأنبياء ضِعافاً، لمَ لم يكونوا أقوياء ؟ لو كانوا أقوياء ودعوا الناس إلى شيءٍ ما لأقبل الناس كلُّهم على تصديقهم، ولكن هذا ليس تصديقاً وليس إيماناً بل خوفٌ منهم، فجعلهم ضعفاء لحكمةٍ رائعة، بحيث إنك يمكن أن تتهم النبي بالكذب، أو بالجنون، أو بالسِحر، أو الشعوذة، أو الشِعر، وتنام مساءً ناعم البال، لذلك الذي يؤمن بالنبي له عند الله مقامٌ كبير لأنه ما آمن به خوفاً ولا طمعاً، فالنبي لا يوجد عنده شيء ليعطيه إياه.
 وأوضح موقف عندما كان النبي عليه الصلاة والسلام يمر على آل ياسر وهم يُعَذَّبون، فلا يستطيع أن يفكَّهم من تعذيبهم فيقول:

(( اصبروا يا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة ))

( كنز العمال )

 والدليل الآخر عندما كان النبي في الطائف سُخر منه وكذِّب وضُرِب، هو رسول الله. فالحكمة العظيمة من كون الأنبياء ضعفاء من أجل أن تكون قيمة الذين يؤمنون بهم عالية جداً، آمنوا بهم لا عن خوف ولا عن طمع، فهم ضعفاء وليس معهم الدنيا.

 

القوة والمال يأتيان ويذهبان أما الذي يبقى فهو أن تكون على حق:

 

 الناس أحياناً يقبلون على الشيء إما خوفاً طلباً لسلامتهم، أو طمعاً بما عند هذا القوي، إما خوفاً من بطشه أو طمعاً بما عنده، و النبي جعله الله ضعيفًا في البدايات لحكمةٍ أرادها، حتى يكون إيمان من آمن به عظيماً جداً، لأنه ما آمن خوفًا منه فهو ضعيف، ولا عن طمعٍ في دنيا فما عنده دنيا..

﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا(21) ﴾

( سورة الجن )

﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

( سورة االأنعام: من آية " 50 " )

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13) ﴾

( سورة الزمر)

 فإذا كان الإنسان مستضعفًا فلا مانع، وله الشرف، ونبينا كان في مرحلةٍ مستضعفاً، لكن الأمر أن تكون على الحق، فالقوة والمال يأتيان ويذهبان، أما الذي يبقى فهو أن تكون على حق.

 

العبرة بخواتم الأعمال:

 

 وقد خطر في بالي أنه صلى الله عليه وسلم في البدايات قال:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))

( الجامع الصغير: عن " أنس " )

 فتعال الآن واشهد مقام النبي عليه الصلاة والسلام، فترى الناس من كل حدبٍ وصوب، من كل الملل والنِحَل، لم يروه، ولم يستمعوا له، ولم يأخذوا من عطائه، مضى على وفاته ألفٌ وخمسمئة عام ومع ذلك ذكره يعطِّر المجالس، يأتون إليه من أطراف الدنيا، يقفون أمام قبره يبكون، ويناجون، ويتأثَّرون، ما معنى ذلك ؟ العبرة ليست بالبداية بل في النهاية.
ألم يكن في الطائف مستضعفاً ؟ ألم يُضْرَب فيها ؟ ألم يكذَّب ؟ ألم يسخر منه ؟ ألم يقل:

 

(( اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوَّتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس يا ربَّ المستضعفين ))

 

( الطبراني عن "عبد الله بن جعفر"، وفي سنده ضعف )

 إذا كان سلطان كبير يحكم ثلثي الأرض جدَّد شيئًا بمقام النبي يكتب: الفقير إليه تعالى، أحقر الورى. ليس له ذكر أمام النبي.
 فلذلك أيها الأخوة العبرة لا بالبدايات بل بالنهايات، وبخواتم الأعمال، وأن تكون لك بداية محرقة حتى تكون لك نهايةٌ مشرقة، فالعبرة فيما يُختم عملك، الدعاء الشريف:

 

(( اللهمَّ اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير يومنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنَّا ))

 

(ورد في الأثر)

التوكل على الله يجعل الإنسان قوياً:

 إذاً:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ (10) ﴾

( سورة الشورى )

 فلو كان هناك خلاف فلا مانع، فالعبرة أن تكون على حق لأن الله هو الحق، وسوف يحقُّ الحق، الباطل له جولات ثم يضمحل، وقد تطول جولته حتى سبعين عاماً ثمَّ ينهار، فالباطل باطل، والعبرة أن تكون على الحق وانتهى الأمر، فالله مع الحق لأنه هو حق..

 

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (10) ﴾

 

( سورة الشورى )

 حكمه إلى الله أي أن الله سبحانه وتعالى يحكم وينفِّذ، أحياناً شخص يحكم ويقول لك: والله لم نستطع تنفيذ الأمر. أحياناً الإنسان يستصدر حكماً ولا يُنفَّذ، لكن ربنا عزَّ وجل يحكم وينفِّذ..

 

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ﴾

 

( سورة الشورى )

 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله.

 

من أخلص لله كان الله معه:

 

 إلا أن هناك نقطة دقيقة: فأنا أشعر أن المؤمن لا يستطيع التوكُّل التوكُّل الكافي إذا كان عليه شوائب، أو مخالفات، أو معاص، فهذه المعاصي تحجبه عن التوكُّل، لكنه لو كان على الحق مئة بالمئة، لو كان مصطلحاً مع الله مئة بالمئة، لو كان مقيماً لأمر الله مئة بالمئة، لو لم تأخذه لومةً في الله مئة في المئة وأصابه مكروه يقول: يا رب إني مغلوبٌ فانتصر لدينك.  فأروع ما في التوكُّل أنك تشعر أنك أقوى إنسان لأن الله معك، ومن كان الله معه فمن ضدُّه ؟! أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟
 أي أنك إذا كنت مجنَّداً غُراً ووالدك قائد الجيش، فمن يجرؤ أن يؤذيك بكلمة ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد، إذا الخالق ضدَّك انتهى، يهينه أقرب الناس إليه، أحياناً زوجته تهينه، وابنه يهينه إذا غضب الله عزَّ وجل على إنسان. لذلك الدعاء الشريف:

(( اللهم إني أعوذ بك من تحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك))

( تخريج أحاديث الإحياء)

 أحياناً تأتي المصيبة فجأةً إما بمرض عضال، أو بإهانة شديدة، أو بفقر مُدقع، فإذا كان الله مع الإنسان لا يخاف، إذ أعداؤه تخدمه، انظر إلى هذه النقطة. وإذا تخلَّى الله عنه فأقرب الناس إليه يخذله، حتى من كان من صلبه، من أخلص لها طول عمره تقف منه الموقف اللئيم، وأحياناً الزوج يعصي الله إرضاءً لزوجته فقد يمرض، فإذا يئست من شفائه تقول له: طلقني لأن الحياة معك لا تطاق. هذا الجواب، لأنه عصى الله من أجلها فكانت من ألأم الناس تأديباً له.

 

من اعتمد على الله تولى الله أمره و من اعتمد على نفسه تخلى الله عنه:

 

 والنقطة الدقيقة يا أخوان، هل تعرفون يوم بدر ؟

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 123 " )

 وهل تعرفون يوم حنين ؟..

 

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 25 " )

 وأنا أقول لكم: في حياة كل واحد منَّا باليوم الواحد عدة أيام بدر وحنين، إذا قلت: الله وأنا لا شيء. فهذا ليس تأدُّباً بل هذه حقيقة، الله يتولاك، وإذا قلت: أنا ؛ إما بخبرتك، أو بعلمك، أو بمالك، أو بقوَّتك، أو بصحَّتك فالله يتخلَّى عنك، فأنت بين حالين: بين حال التولية والتخلية، فإذا اعتمدت على الله تولَّى أمرك، وإذا اعتمدت على نفسك تخلَّى عنك.

 

الأخذ بالأسباب من لوازم التوكل على الله عز وجل:

 

 إذاً:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10)﴾

( سورة الشورى )

 وقد تتوكَّل على الله عزَّ وجل من دون أن تأخذ بالأسباب فهذه معصيةٌ كبيرة، لأنه استخفافٌ بنُظُم الكون، الله وضع للكون نظماً، فأنت عندما لا تأخذ بالأسباب تستخفّ بهذه النظم، لذلك من لوازم التوكُّل أن تأخذ بالأسباب، ودرس الهجرة درس دقيق جداً بين أيدينا.
 النبي عليه الصلاة والسلام سار مُساحلاً، وهناك إنسان لمحو الآثار، وإنسان لتتبُّع الأخبار، وإنسان لجلب الطعام، واستأجر خبيراً من الدرجة الأولى، أخذ بكل الأسباب ثم توكَّل، هذا موقف المؤمن، إن أخذت بها واعتمدت عليها فقد أشركت، كشأن الغربيين، وإن لم تأخذ بها كشأن الشرقيين، وكمن يقولون: نحن أمة محمد مرحومة. فحالنا أصبح إلى أسوأ، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت، وأنت مؤمن فيجب أن تأخذ بها وأن تعتمد على الله، فالتوكُّل من لوازمه أن تأخذ بالأسباب.
 سيدنا عمر رأى قوماً في مكَّة فقال لهم: من أنتم ؟ قالوا: " نحن المتوكِّلون " قال: " كذبتم المتوكِّل من ألقى حبَّةً في الأرض ثمَّ توكَّل على الله".
 فالتوكُّل يحتاج إلى أن تأخذ بالأسباب.

 

على المؤمن أن ينفذ أمر الله عز وجل و قلبه مع الله:

 

 لذلك عندما حكم عليه الصلاة والسلام بين رجلين، الذي حكم عليه قال: " حسبي الله ونعم الوكيل " فالنبي تألَّم من هذا الكلام، فهي كلمة حق أريد بها باطل، طالب لم ينجح، ما درس يوماً واحداً، فإذا سئل: كيف لم تنجح ؟ فيجيب: هكذا ترتيب الله. ما هذا الكلام ؟ هكذا يريد الله ؟ أنا هل يمكنني أن أفرّ من قضائه ؟ هذا الكلام جدل، فعندما قال هذا الشخص: "حسبي الله ونعم الوكيل " فالنبي الكريم قال:

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ))

( أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك)

 وإذا بذلت الجهد المستطاع ولم تتمكن من الوصول إلى هدفك فقل: حسبي الله ونعم الوكيل. أما قبل أن تقولها يجب أن تأخذ بالأسباب، إذاً التوكُّل أيها الأخوة يحتاج إلى أن تأخذ بالأسباب..

 

﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ﴾

 

( سورة الشورى )

 هذه الإنابة أي الرجوع إلى الله، إما الرجوع إلى أمره، أو رجوع بقلبك إليه، أي إما رجوع ائتمار أو رجوع إقبال، وكلاهما تعتمده الآية، في قضيَّة، ما حكم الله فيها ؟ أنت رجعت إلى الله في هذا الحكم، لأنه هو المرجع، أو حينما صليت أقبلت عليه، ما منحت قلبك لأحد، فقلبك لله عزَّ وجل ـ " لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكرٍ خليلي، ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله " ـ القلب لمن ؟ لله.

 

﴿إليه أنيب﴾

 إما أن ترجع إليه في الحكم والأمر والنهي، أو أن ترجع إليه بالقلب، فالمؤمن ينفِّذ أمر الله وقلبه مع الله.

 

 

بطولة الإنسان أن يكون مع كلام الله عز وجل:

 

 إذاً:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ (10) ﴾

( سورة الشورى )

 والخلاف قائم أينما ذهبت، وأينما حللت، وفي أي بلد عِشت، ومجتمع أقمت، فلابدَّ من اختلاف وجهات نظر، والخلاف مثلما قلنا بالعقائد، والنظم، والمبادئ، والقيم، والأسباب، والعلاقات الاجتماعيَّة، وطرق التربية، فتجد الإنسان يربي ابنه على التفلُّت يقول لك: أحب أن تكون شخصيَّته قويَّة، وإنسان يربيه على طاعة الله ورسوله، إنسان يطلق لابنته العِنان، يقول لك: هي مستقلَّة في شخصيَّتها عني. يظن نفسه أباً مثالياً، فلا يحاسبها أبداً. فهناك خلاف في طرق التربية، بالنظم، وبالقيَم، والتربية، والمبادئ، والعقائد ولكن البطولة أن تكون مع الحق، مع كلام الله عزَّ وجل، لأن الله هو الحق وسيحقُّ الحق..

نظام الزوجية:

﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ(11)﴾

( سورة الشورى )

 ومن أوجه المعاني لهذه الآية:

﴿يذرؤكم فيه﴾

 أي يكثركم بهذا النظام (نظام الزوجيَّة) فلو لم يوجد نظام الزوجيَّة، وخلق الله مثلاً مليار طن خيار ولكن لا توجد بذور، فتنتهي، ولو خلق الله من كل مادة مليار طن، و استهلكناها لانتهى الأمر، ولو خلق مليون إنسان، أو مليار إنسان ولا يوجد نظام الزوجيَّة انتهت.

 

المرأة فطرها الله عزَّ وجل لتكون مكمِّلةً لزوجها:

 

 الله عزَّ وجل قال:

﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (11) ﴾

( سورة الشورى )

 انظر هذه الآية ما أدقَّها: أي أن زوجتك بشر، وإنسان لها عقل، وفكر، ومشاعر، وأحاسيس، وتغضب وترضى، وتحب وتكره، ويسعدها أن تكون زوجاً لها، ويغضبها أن تكون مقصِّراً في حقِّها، هي إنسان لها مشاعرها، ولها قيمها، وطموحاتها، وما يؤلمها، فهي مثلك تماماً..

﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ (11) ﴾

( سورة الشورى )

 إلا أنها متكاملة معك، فما زاد في عاطفتها وقلَّ في قوة إدراكها لصالح مهمَّتها، وما زاد في قوة إدراكك وقلَّ في انفعالاتك لصالح مهمَّتك، أنت خارج المنزل وهي داخل المنزل، فنقص كمال وليس نقص نقص، إذا نقص شيء في قوة إدراكها وزاد هذا في قوة عاطفتها وحذرها على أولادها، وغيرتها على زوجها، وتلقيها عن زوجها، هكذا فطرها الله عزَّ وجل لتكون مكمِّلةً لزوجها، وعندما جعل الزوج قوة إدراكه أقوى، وجلده أقوى، وعضلاته مفتولة، وقوة تحمُّله أشد هذه من أجل أن تكمِّلها، تكمله ويكمِّلها، قالت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: " إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم إليه ضاعوا " هو يكسب وأنا أربي.

 

نظام التوالد على مستوى النبات والحيوان والإنسان نظام رائع خلقه الله تعالى:

 

 قال:

﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ(11)﴾

( سورة الشورى )

 أي يكثِّركم بهذا النظام، فنظام الزوجيَّة نظام رائع، الزوجيَّة على مستوى النبات، والحيوان، والإنسان، فقد تشتري مهرة (فرس) تلد حصانًا ثاني يوم، فلا أحد أخذ مركبة فرأى مركبة أخرى صغيرة بجانبها ثاني يوم، هذه ليست واردة إطلاقاً، فنظام الزوجيَّة نظام التوالد على مستوى النبات والحيوان والإنسان.

 

الله واحد أحد بيده مفاتيح كل شيء:

 

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11) ﴾

( سورة الشورى )

 أي أن الله عزَّ وجل واحدٌ في ذاته، وواحدٌ في أسمائه، وواحدٌ في صفاته، وواحد في أفعاله..

 

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(11)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (12) ﴾

 

( سورة الشورى )

﴿المقاليد﴾

 هي المفاتيح، فمفتاح كل شيء بيد الله عزَّ وجل..

 

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(12)﴾

 

( سورة الشورى )

 ومعنى هذا أن سعة الرزق وقلة الرزق ليس بذكاء الإنسان ولا بجهده ولكن بتقدير الله عزَّ وجل، فالتوفيق أفضل من السعي، أنت اسع لكن اطلب فمع السعي التوفيق، فإذا لم يحصل توفيق فالسعي غير هادف، وغير مجد، اسع وتوكَّل، قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:

 

(( أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال اعقلها وتوكل ))

 

( سنن الترمذي عن أنس بن مالك )

 وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بقية الآيات.