الدرس : 02 - سورة الشورى - تفسير الآيات 8- 10 ، رحمة الله ثمنها طاعته و تنفيذ أوامره

1994-01-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الثاني من سورة الشورى.

الله عز وجل لو شاء لجعل الناس كلّهم في طاعته:

 مع الآية الثامنة وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)﴾

( سورة الشورى )

 هذه الآية أيها الأخوة في القرآن الكريم وآياتٌ كثيرة مشابهةٌ لها.

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

( سورة الأنعام: من آية " 35 " )

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا (99) ﴾

( سورة يونس )

 آياتٌ كثيرة تتمحور حول هذا المحور، أن الله عزَّ وجل لو شاء لجعل الناس أمةً واحدة، أو لجعل الناس كلهم في طاعة الله، أو لجعلهم غير مختلفين.

الإنسان حمل الأمانة وأمانته نفسه التي بين جنبيه:

 الحقيقة هذه الآية يفهمها بعض الناس فهماً ما أراده الله عزَّ وجل، ليس المعنى أن الله عزَّ وجل شاء أن يضلنا، أو شاء ألا يجعلنا أمةً واحدة، المعنى أن الله سبحانه وتعالى شاء لنا أن نكون مخلوقاتٍ من نوعٍ خاص، لما قال الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72 )﴾

( سورة الأحزاب )

 فالإنسان حمل الأمانة، فلما حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريفٍ وتكريم، ومنحه حرية الاختيار، وفطره فطرةً عاليةً، وأعطاه عقلاً، وفوق كل هذا أنزل على أنبيائه شرعاً ليكون ميزاناً دقيقا على ميزاني العقل والفطرة، فهوية الإنسان أنه مخيَّر، وجنسه مخلوقٌ مكلف، ومع التكليف تخيير، الإنسان حمل الأمانة، وأمانته نفسه التي بين جنبيه..

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} ﴾

( سورة الشمس )

كل إنسان مُنح حرية الاختيار:

 شاءت مشيئة الله أن نكون أصحاب مشيئةٍ حرة، وهذا تؤكِّده آياتٌ كثيرة في مقدمتها:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ(148)﴾

( سورة الأنعام )

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 148 " )

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾

(سورة فصلت: من آية " 17 " )

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13) ﴾

( سورة الكهف )

 فآيات كثيرة جداً تؤكِّد أن الإنسان منح حرية الاختيار، وما دام قد منح حرية الاختيار فلا بد من أن يختلف زيد عن عُبيد، وفلان عن عِلاَّن، فهذا اختار الهدى وهذا اختار الضلال، أي هذا اختار الإحسان وذاك اختار الإساءة، ومثله هذا اختار الإخلاص وذاك اختار الخيانة، وكذلك هذا اختار ما يمليه عليه عقله وهذا اختار أن تسيِّره غريزته.

المخلوقات غير مكلفة يُسيّرها رب العالمين:

 ولذلك لو أن الله عزَّ وجل لم يشأ أن تكونوا مخيرين، أي لو أن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يحمِّلكم الأمانة، لو أن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن تكونوا مكلَّفين، أو لو أن الله أجبركم وألغى اختياركم، وألغى تكليفكم، وألغى حمل الأمانة لجعلكم أمةً واحدة كبقية المخلوقات، انظر إلى مخلوقات الله عزَّ وجل ليس فيها اختلاف، ليس فيها مشكلات، بل انسجام، لأن المخلوقات غير مكلفة، فما دامت غير مكلفة إذاً هي مسيَّرة، والذي يسيرها هو رب العالمين.
 إذاً لا تجد اختلافاً إلا في عالم المكلَّفين، لا تجد إحساناً أو إساءةً، استقامةً أو انحرافاً، صلاحاً أو طلاحاً، أو خيراً أو شراً، إخلاصاً أو خيانةً، إلا في عالم المكلفين، أما عالم المسيَّرين كبقية المخلوقات لا يختلفون أبداً، بل إن المخلوقات تتحرك وفق خطةٍ بالغة الدقة محكمةٍ لا خلل فيها إطلاقاً.

الاختلاف في عالم المكلفين لا عالم المسيرين:

 هذا الذي يقول: لو أن الله عزَّ وجل جعلنا أمةً واحدة. أي هل من الممكن أن يكون هناك امتحان حقيقي نزيه، وأسئلة دقيقة جداً، وأساتذة أقوياء مهرة متفوقون، والطلاب تفاوتوا في اجتهادهم، وفي حضورهم، وفي دوامهم، هل يعقل أن تأتي العلامات كلها متساوية ؟ مستحيل، فالعلامات متفوقة، ووسط، وضعيفة، وهناك رسوب، ونجاح، وممتاز، وجيد جداً، وجيد، ومقبول، وضعيف، وراسب، فهذا شأن الاختيار، لكن لو أن إدارة الجامعة ألغت الامتحان إلغاءً كلياً وأعطت علامات موحدة بلا امتحان، هذا الامتحان ليس له قيمة، هذه الشهادة لا قيمة لها إطلاقاً، لا قيمة لها لا عند رئاسة الجامعة، ولا عند الطلاب، أو عند أولياء الطلاب، أي إذا ألغي الامتحان فالنجاح ليس له قيمة، والشهادات لا معنى لها، فهذا مما نفهمه أحياناً من قوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (8) ﴾

( سورة الشورى )

إذا أُلغي الاختيار في حياة الإنسان فالإنسان إذا عبد الله يعبده طوعاً:

 أن يكون الناس نسخةً واحدة، شخصيةً واحدة، سلوكاً واحداً هذا ممكن، ولكن إذا ألغي اختيارهم، وتكليفهم، وألغيت الأمانة، أي ألغيت هذه الميزة الكبيرة التي أعطاها الله الإنسان فالإنسان إذا عبد الله يعبده طوعاً، ومبادرةً، ومن دون أن يكون مكرهاً ولا مضطراً ولا مجبراً، وإن الله قد أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
 أي أن الإنسان مسيَّر ومخير، مخير فيما كُلِّف، أنت كلفت بالصلاة، لك أن تصلي ولك ألا تصلي، وكلفت بغض البصر لك أن تغض البصر ولك ألا تغضه، وكلفت أن تكون صادقاً لك أن تصدق ولك أن تكذب، إذ لا قيمة للصدق إلا إذا كان عن اختيار، ولا حساب على الكذب إلا إذا كان عن اختيار، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، فهذا المعنى الذي يحلّ كلّ المشكلات التي قد يظنها المؤمن مشكلة.

الإنسان مسيَّر ومخير:

 هل الإنسان مسير أم مخير ؟ الإنسان مسيَّر مخير، ففيما كُلِّف به فهو مخيَّر، وفيما لم يكلّف به فهو مسيَّر. فأنت ابن من ؟ ابن فلان وفلانة، جيء بك إلى الدنيا في الأربعينات، وولدت في بلد معيَّن، بإمكانات معينة، بقدرات معينة، وببيئة معينة، بخصائص معينة، من أم وأب معينين، تلقَّيت العلم من جهة معينة فهذه كلها ليست في اختيارك، لكن حينما قال لك الله:

﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾

( سورة طه )

 فأنت الآن مخير بها. قال:

﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾

( سورة الحجرات: من آية " 12 " )

 فأنت مخير، قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119) ﴾

( سورة التوبة )

 فأنت مخير.

 

الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليكون سيِّد المخلوقات:

 

 لك أن تجلس مع الكاذبين، ومع أهل الدنيا، والأهواء، وأهل البِدَع، والمؤمنين في بيوت الله، أنت مخيَّر، فلو أن الله عزَّ وجل ألغى الاختيار لجعلكم أمةً واحدة، أي انتهى كل الاختيار، وقد ألغى التكليف، وألغى حمل الأمانة، جعلكم مخلوقات كبقية المخلوقات، ليس لها هذه الدرجات العالية لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليكون سيِّد المخلوقات.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7) ﴾

(سورة البينة )

 من دون استثناء:

﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7) ﴾

(سورة البينة )

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا(6) ﴾

( سورة البينة )

 بالمقابل..

﴿أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6) ﴾

( سورة البينة )

 وهذا ما يؤكده الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه: " رُكِّبَ الملك من عقلٍ بلا شهوة ( فليس لديه غرائز)، وركب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ". أنت مخلوق لتكون فوق الملائكة، وإذا سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.

العاقل لا يملك إلا الساعة التي هو فيها:

 لا يوجد أيها الأخوة حل وسط، فالإنسان إما أن يتجاوز في مقامه الملائكة المقرَّبين ؛ أو أن يسقط إلى أسفل السافلين، إلى أسفل من مرتبة الحيوان. والأمر بيدكم، والاختيار موضوع فينا، والآية الكريمة:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 148 " )

 ليس لك إلا هذا اليوم فالغد لا تملكه أبداً، من منا يملك غداً ؟ أبداً، ولا ساعة، ومن عَدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، الإنسان يكون ملء السمع والبصر فيصبح خبراً، أليس كذلك ؟ إذاً لك الساعة التي أنت فيها، ما مضى فات، الماضي ما دام ليس في إمكانك أن تعيده ولا أن تسترجعه، الزمن السابق ليس في الإمكان أن تسترجعه، والمستقبل لا تملكه، إذاً لا تملك إلا الساعة التي أنت فيها، لذلك:

 

(( بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضا مفسداً، أو هرما مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ))

 

( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة )

 هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (8) ﴾

 

( سورة الشورى )

 لأنكم مختلفون إذاً أنتم مخيَّرون، لأنكم مخيَّرون إذاً أنتم مخلوقات من الدرجة الأولى.

تكريم الله الإنسان بتسخير الكون له:

﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾

( سورة الأحزاب )

 أنت حملت الأمانة وقلت: يا ربي أنا لها. لذلك كرَّمك الله بأن سخر لك ما في السماوات والأرض، كل ما في الكون مسخرٌ لهذا الإنسان، لكن الشيء المؤسف أن كل ما في السماوات والأرض يسبح الله عزَّ وجل بنصِّ القرآن الكريم، كل من في السماوات والأرض من دون استثناء يسبِّح الله عزَّ وجل..

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 44 " )

 كيف بكم أيها الأخوة إذا رأيتم أن الجمادات تسبَّح، وأن الحيوانات تسبح، وأن أحقر المخلوقات تسبح، وهذا الإنسان المخلوق الأول والمكرم الذي رفعه الله إلى أعلى عليين وسخَّر له ما في السماوات والأرض غافلٌ عن ربِّه، غارقٌ في دُنياه، غارقٌ في شهواته وملذَّاته، فلذلك كما قال بعض العلماء: في الدنيا جنَّةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، هي جنة معرفة الله والقرب منه.

رحمة الله واسعة تسع كل المخلوقات وما على الإنسان إلا أن يختار وأن يدفع ثمنها:

 ولكن..

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ (8) ﴾

( سورة الشورى )

 ألا تتضح من هذه الآية أن الإنسان مخير،

﴿من يشاء﴾

﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ (8) ﴾

( سورة الشورى )

 ولك أن تعيد فاعل يشاء على الإنسان.

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (8) ﴾

 

( سورة الشورى )

 ولكن الله شاءت مشيئته أن يعطيكم حرية الاختيار، وأن يكرِّمكم، وأن يجعلكم مخلوقاتٍ مميَّزة، فلو شئتم لدخلتم في رحمة الله، رحمة الله واسعة تسع كل المخلوقات، وينالُها الإنسان بالدرجة الأولى لأنه مهيأٌ لها، ما عليه إلا أن يختار وأن يدفع ثمنها، أما أن يدفع ثمنها فالنبي عليه الصلاة والسلام من أدعيته الشريفة:

 

(( اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةَ وَالنَّجاةَ (بعونِك) منَ النَّارِ))

 

( الأذكار النووية )

رحمة الله ثمنها طاعته و تنفيذ أوامره:

 يجب أن تدفع ثمن الرحمة، قال تعالى:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56) ﴾

( سورة الأعراف )

 ورحمة الله هي عطاؤه، فسِّرها بما شئت، فسِّرها إن شئت تجلياً من الله على قلبه تسعد به، فسِّرها إن شئت توفيقاً، فسِّرها إن شئت حياةً طيبة، وفسِّرها إن شئت قرباً من الله عزَّ وجل، وإن شئت غنًى تغتني به أو سلامةً في الدنيا وغنى في الآخرة، كل هذه المعاني التي تخطر في بالك يمكن أن تفسر بها رحمة الله، ورحمة الله لها ثمنٌ باهظ، أقول باهظ لضعف العزَّائم، أما الثمن فليس باهظاً طاعة الله عزَّ وجل، ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وطاعة الله عزَّ وجل في قدرة كل واحدٍ منا، ولا يلتفت أحدكم إلى ما يقوله بعض الناس: يا أخي الفساد عَم، وأين أذهب بعيوني في الطريق. لا، انظر إلى قوله تعالى:

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا(286) ﴾

( سورة البقرة: من آية " 286 " )

 فما دمت مكلَّفًا بهذه الأوامر فهي في وسعك قطعاً، بإمكانك أن تصلي، وأن تصوم، وأن تغض البصر، وأن تضبط اللسان، وأن تعطي مما أعطاك الله، وأن تدفع زكاة مالك، وأن تحضر مجالس العلم، هذا كلُّه في إمكانك، لذلك لن تحاسب إلا على قدرةٍ أعطاك الله إيَّاها، من هنا تأتي المسؤولية.

الخلق سواسية عند الله ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له:

 إذاً:

﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ (8) ﴾

( سورة الشورى )

 فرحمة الله لا تنالها إلا إذا أردتها، ولا تنالها إلا إذا دفعت ثمنها، تنالها بطاعته، سيدنا عمر قال لسيدنا سعد، وكان سعد من أقرب الصحابة لرسول الله، كان إذا دخل عليه يقول:

 

((هذا خالي أروني خالاً مثل خالي ))

 ما فدَّى أحداً إلا سعد بن أبي وقاص قال:

 

 

((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))

 

( صحيح البخاري: عن " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ")

 ومع ذلك قال له سيدنا عمر بعد موت سيدنا محمد:" يا سعد لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ".
 والله أيها الأخوة بإمكان كل واحد منكم أن يصل إلى أعلى عليين بطاعة الله، وطاعة الله بإمكانك، أي أن تصلي الفجر في جماعة، وأن تذكر الله صباحاً، وأن تفكِّر في ملكوت السماوات والأرض، بإمكانك أن تستغفر الله طوال اليوم، أن تدعوه في كل شأن، أن تؤدِّي الصلوات في أوقاتها وبإتقانٍ شديد، وأن تنفق من مالك، وأن تطلب العلم الشرعي، وأن تحضر مجالس العلم، كل هذا في إمكانك.

الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر:

 لذلك:

﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ (8) ﴾

( سورة الشورى )

 إن أردت رحمة الله فإليك طريقها، وإن أردت الدنيا فإليك طريقها، ولكنك إذا آثرت الآخرة على الدنيا (دققوا) ربحتهما معاً، وإن آثرت الدنيا على الآخرة خسرتهما معاً. فقراء اليهود خسروا الدنيا والآخرة.
 يقولون إن أحد العلماء الكبار قديماً كان له شأن كبير جداً، وله أتباع كُثُر، وكان بهي الطلعة، وعظيم القدر، وكثير الهيبة، فمرةً كان مع إخوانه في موقف، فنظر إليه رجل ذمي، معذب، فقير، مهان، يعاني من متاعب الحياة كلِّها، وهذا الإنسان الذمي نظر في قول رسول الله صلى الله عليها وسلم أن:

 

(( الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر ))

 

(الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )

 فخطر في باله أن يسأل هذا العالم الكبير قال له: يا سيدي يقول نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكفار، فأي سجنٍ أنت فيه وأية جنةٍ أنا فيها ؟! فقال هذا العالم الجليل: " لو نظرت إلى ما أنت فيه، إلى ما ينتظر الكافر من عذاب لكنت في جنة، ولو نظرت ما أنا فيه إلى ما وعدني الله به من مثوبة فأنا في سجن ".
 فهذه الدنيا بكل ما فيها من مُتَع، من مكانة، ووجاهة، وشأن رفيع، ومال وفير، وطعام طيِّب، ونساء، وقصور، كل ما فيها لا تعدل عند الله جناح بعوضة.

 

((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))

 

( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة ")

العاقل من يُعِدُّ لساعة الموت عدَّتها:

 ليس بيننا وبين الجنة إلا أن نطيع الله عزَّ وجل، والدنيا لا قيمة لها، هي فانية، يأتي الموت ينهي غنى الغني، ألا ترون أن أغنياء كثيرين حينما ماتوا ورّوا تحت أطباق الثرى شأنهم كشأن أفقر إنسان، فهل هناك كفن حرير، وكفن خام ؟ كله خام، وهل يوجد قبر درجة أولى، أو قبر خمس نجوم ؟ كله قبر، الموت ينهي غني الغني وفقر الفقير، ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم، وصحة الصحيح ومرض المريض، الموت يسوِّي بين البشر، فلذلك العاقل من يُعِدُّ لهذه الساعة عدَّتها، ويعدُّ لها العمل الصالح، ويعد لها طلب العلم، وخدمة الخلق، والأعمال الطيبة التي ترضي الله عزَّ وجل. إذاً:

﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)﴾

( سورة الشورى )

أعظم تكريم للإنسان أن يُعرّف نفسه بربها:

 الذين اختاروا طريق الكفر، أي أنهم ظلموا أنفسهم، هم ما أرادوا أن يظلموا ولكنهم ظلموا أنفسهم، أرأيتَ لو أن إنساناً خَيَّرته بين شيءٍ نفيسٍ جداً وبين عذابٍ شديد فاختار العذاب، ظلم من ؟ ظلم نفسه، يجب أن نعلم علم اليقين أن أشد أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بإبقائها جاهلةً بعيدةً مسيئة، فليس هناك تكريم أعظم من أن تعرِّف نفسك بربها، ومن أن تحملها على طاعته، وتوقفها عند أمر الله، أن تجعلها وقَّافةً عنده، أن تأمرها بالحلال وأن تنهاها عن الحرام، هذا أكبر تكريم، وكل واحد منا بإمكانه أن يكون مكرَّماً أشد تكريم، والتكريم الحقيقي ما كان عند الله عزَّ وجل لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ابتغوا الرفعة عند الله ))

( الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )

 والرفعة عند الله تحتاج إلى طاعةٍ لله، وإلى إخلاصٍ له، وإنابةٍ إليه، وتطبيقٍ لأمره، وخدمة لعباداته، وإخلاصٍ لهم.

من انقاد وراء شهواته خسر الدنيا و الآخرة:

﴿وَالظَّالِمُونَ (8) ﴾

( سورة الشورى )

 الذين اختاروا الشهوة قد اختاروا أن ينقادوا وراء غرائزهم، وحظوظ الدنيا ولم يختاروا ما عند الله في الآخرة، فهؤلاء ظلموا أنفسهم..

 

﴿مَا لَهُمْ (8) ﴾

 

( سورة الشورى )

 عندما يأتي العذاب ويستحقوا العقاب..

 

﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8) ﴾

 

( سورة الشورى )

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 94 " )

 فالإنسان في الحياة له أصدقاء، وأتباع وأقرباء، وجماعة، يحس أن حوله أُناسًا كثيرين، ولكن يوم القيامة:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 94 " )

عدم معرفة الناس بعضهم بعضاً يوم القيامة إلا في أربعة مواضع:

 تروي بعض الآثار عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن السيدة عائشة سألته: أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ نحن في الدنيا لنا أهل وأقرباء، وأم، وأب، وأخوات، وأصدقاء، وجيران، وفي العمل يوجد شخص أعلى منك، وأدنى منك، وصاحب، وصديق، وجار، وزميل، فهذه العلاقات الاجتماعية في الآخرة هل يا ترى نتعرف إلى بعضنا بعضاَ، قالت يا رسول الله: أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( نعم يا أم المؤمنين إلا في أربعة مواضع (ذكر أربعة مواضع )عند الصراط، وعند الميزان وإذا الصحف نشرت (وفي موضع رابع لا أذكره الآن) وفيما سوى ذلك يعرف بعضنا بعضاً ـ فهذه أمه، وهذا أبوه، وهذا أخوه، وفلان ابن عمه، وابن خالته ـ قد تقع عين الأم على ابنها تقول: يا ولدي جعلت لك صدري سقاءً وبطني وعاءً وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود علي خيرها اليوم ؟ ـ (أي أعطني حسنة الله يرضى عليك ) فيقول: يا أماه ليتني أستطيع ذلك إنني أشكو مما أنت منه تشكين))

( ورد في الأثر)

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ(101) ﴾

( سورة المؤمنون )

 إذ تأتي ربك وحدك، ليس معك إلا عملك الصالح وطاعتك له " يا قييس إن لك قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك " اجهد أن يكون عملك صالحاً، اجهد أن تطيع الله عزَّ وجل، هذا الذي ينفعك عند قبرك.

لا يليق بالإنسان أن يتخذ ولياً إلا الله:

 أول ليلة يوضع الإنسان في قبره، يقول الله عزَّ وجل: " عبدي رجعوا وتركوك " فالإنسان عندما يشيع جنازة بالمقبرة يعزي أقارب الميت بقوله: عظم الله أجركم. ويذهبوا إلى البيت وانتهى الأمر، أما هذا الذي في قبره ليس له إلا الله، وما دام ليس له إلا الله عليه أن يتعرَّف إلى الله في حياته. اعرف ربك في الرخاء يعرفك في الشدة.

﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (9)﴾

( سورة الشورى )

 أي أنه لا يليق بالإنسان أن يتخذ ولياً إلا الله، لا يليق به أن يهب عمره لغير الله، وأن يهب شبابه ووقته وفكره وطلاقة لسانه وماله لغير الله، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، فأنت لا يليق فيك أن تجيَّر لغير الله، أن تكون محسوبًا على غير الله عزَّ وجل. سألوا عالمًا جليلاً من قطر عربي تجرى له عملية جراحية: لماذا لك هذه المكانة العالية ؟ فأجاب بتواضع جَم: لأنني محسوبٌ على الله. لم يقل لأني محسوب على جهة أرضية، وعلى الجماعة الفلانية.
 فيجب عليك أن تكون محسوباً على الله لا على عبدٍ من عباد الله، إما أن تكون عبداً لله وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، كن عبد الله، لا تأخذك في الله لومة لائم.

الجاهل من يتخذ ولياً من دون الله:

﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8) ﴾

( سورة الشورى )

 ألا ترون معي أيها الأخوة أن هذه الآية تَشِفُّ عن أن الإنسان مخيَّر.

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8)أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾

 

( سورة الشورى )

 أي هل من الممكن لطالب جامعي يظن أنه يتعلم من شخص جاهل لا يقرأ ولا يكتب ؟ مستحيل، فنقول له: هذا هو الأستاذ وليس هذا.
 وهل من الممكن لك أن تدخل إلى دائرة حكومية فيها ألف موظف وفيها مدير عام، وقضيتك متعلقة بالمدير العام، ثم ترجو حاجباً ليوقع لك معاملتك ؟ بذلك تكون لا تعرف شيئًا، فالإنسان عندما يتخذ من دون الله ولياً هو جاهل.

أشد الناس ظلماً و غباء من اتخذ من دون الله أولياء:

 إذاً، أتعلِّق آمالاً على غير لله ؟ وهل ترجو غير الله ؟ وتخاف من غير الله ؟ وترجو العطاء من غيره ؟ وتخاف نقمة غيره ؟ فمعنى ذلك أنك جاهل، أو مشرك، فما وحَّدْت الله عزَّ وجل، فالمؤمن لا يرجو إلا الله، ولا يعطي ولا يمنع إلا لله، ولا يغضب ولا يرضى إلا لله، وهكذا.

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (9) ﴾

( سورة الشورى )

 أي هو الولي وحده ولا ولي سواه، لذلك أشد الناس جهلاً..

﴿ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( 13 ) ﴾

( سورة لقمان)

 فأشد الناس جهلاً، وأشدهم ظلماً، وغباءً، وشقاءً من اتخذ من دون الله أولياء، الله هو الولي، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

 

آيات التوحيد كثيرة منها:

 

 لذلك فآيات التوحيد كثيرة:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

( سورة هود)

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح: من آية " 10 " )

 آياتٌ كثيرة.

﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف )

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ (84) ﴾

( سورة الزخرف )

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

( سورة الحديد: من آية " 4 " )

آيات التوحيد تبعث في نفس الإنسان الطمأنينة و الراحة:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود: من آية " 123 " )

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾

( سورة الزمر: من آية " 63 " )

 المقاليد أي المفاتيح.. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..كلما قرأت آيات القرآن الكريم الدالَّة على التوحيد ترتاح نفسك، لأنّ أمرك متعلِّق بواحد، فالإنسان يرتاح، وما الذي يمزِّق الناس ؟ أن تتوزع بين أولياء كثيرين..

 

العذاب الأليم عاقبة من يدعو مع الله إلهاً آخر:

 

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾

( سورة الشعراء )

 فمن أكبر أسباب العذاب أن تدعُو مع الله إلهاً آخر.

﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

( سورة الشورى )

 والمقصود هنا بإحياء الموتى، أن الإنسان حينما يكون جاهلاً بعيداً منقطعاً كأنه ميت، والدليل:

 

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

 

(سورة النحل: من آية " 21 " )

 " يا بني مات خزَّان المال (وهم في أوج حياتهم) والعلماء باقون بعد حياتهم " فالموت نوعان، موت حقيقي، وموت مجازي، الموت الحقيقي أن يفقد حركة القلب، ويتعطَّل دماغه، فهذا هو الموت الحقيقي، ولكن الموت النفسي أن يعيش كما تعيش البهائم ؛ يأكل ويشرب، وينغمس في الملَذَّات من دون أن يبحث عن ربه ولا عن منهج ربه، ولا أن يعرف لماذا خلقه الله عزَّ وجل..

 

ليس من مات فاستراح بميت ٍ إنما الميت ميت الأحياء
* * *

 

من عامل الناس كما يعامل الله عز وجل كأنما عبدهم من دون الله:

 "يا بني مات خزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ".
 إنه على كل شيء قدير، فلا تخف من أحد، ولا تخشَ أحداً ولا تخشَ إلا الله، ولا تخشَ مرضاً عضالاً، فالله قادر يشفيك شفاًء ذاتياً، فلا تخشَ إنسانًا قوياً هو بقبضة الله عزَّ وجل.

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

( سورة الشورى )

 أي تعلقت قدرته بكل ممكن.إذاً:

 

﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (9) ﴾

 

( سورة الشورى )

 قد يقول أحدهم: أيعقل أن يتخذ الإنسان من دون الله ولياً، الله هو الخالق ؟ الجواب: إنك تعامل هؤلاء الذين اتخذتهم أولياء كما تعامل الله عزَّ وجل، أي إنك ترضيهم بسخط الله، وتعصي الله من أجلهم، تعتمد عليهم كلياً، وتعلِّق عليهم كل الآمال، فأنت لم تقل هؤلاء آلهة، فهذا الكلام غير معقول أن تقوله، لكنك حينما عاملتهم كما تعامل الله عزَّ وجل، عبدتهم من دون الله، ومَحَضَّتهم كل إخلاصك وكل ثقتك من دون أن يكونوا أهلاً لذلك فقد اتخذتهم أولياء من دون الله.

 

كل شيء يملكه الإنسان هو لله عز وجل:

 

 الله هو الولي، لا ينبغي لك أن تتخذ ولياً إلا الله، وأن تعتمد إلا على الله، وتثق إلا بالله، وتمحض غير الله ودَّك، فشبابك، عمرك، ذكاؤك، وعقلك، ولسانك، وقلمك، وعلمك، ووقتك، ومالك، وصحَّتك، وكل شيء تملكه لله عزَّ وجل..

﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( 162 )لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( 163 )﴾

( سورة الأنعام )

﴿وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى (9) ﴾

( سورة الشورى )

 تأكَّدوا أن الإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت، وانه إذا عرف الله حي، طالبوني بالدليل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 24 " )

 أي كنتم أمواتًا قبل أن تعرفوه فأحياكم بمعرفته.

 

عدم استواء المؤمن مع الكافر في الدنيا و الآخرة:

 

 إنسان يكون تائهاً، شارداً، ضالاً، فاسقًا، فاجراً، لا يعرف شيئاً، الحلال كالحرام، والحق كالباطل، والمذهب الوضعي كالمذهب الإلهي، فهو ضائع في الحياة، يسير بطريق مسدود، ويسعى بلا هدف، فمن هذا شأنه هل هو إنسان ؟ الإنسان يعرف ربه، وهدفه، وطبيعة الحياة، وأثمن ما في الحياة، ورسالته بالحياة، يقرأ القرآن، يتفقه في كتاب الله، ويقرأ حديث رسول الله، والصحابة قدوته، والآخرة مَحَطُّ آماله، والانضباط سمة من سمات حياته، فهل هذا كهذا ؟ دققوا في هذه الآيات:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾

( سورة السجدة)

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

( سورة القلم )

﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾

( سورة الجاثية )

 إذاً:

 

﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

 

( سورة الشورى )

ثقة الإنسان بربه تبعد عنه الهم و الحزن:

 إذا قلنا:

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(9) ﴾

( سورة الشورى )

 هذه الآية وحدها لو تفهَّمناها لا تترك ألماً بالإنسان ولا حزن، على كل شيء قدير، إذا قرأها المريض يلقى في قلبه شعاع الأمل، على كل شيء قدير، وهناك أمراض عُضالة أجمع الأطباء على أنها مميتة، وجاءت يد الله الرحيمة فتدخَّلت فشفت هذا المريض شفاءً ذاتيا ً، شيء عظيم جداً أن تثق بالله، من الفقر يجعلك غنياً، من الضعف يجعلك قوياً، من المرض يجعلك صحيحاً، ومن قلَّة الشأن يجعلك ذا شأن كبير..

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) ﴾

( سورة الشرح )

من وضع ثقته بالله حُلّت جميع مشكلاته:

 مثلاً وقد ذكرتها اليوم بعقد قران: هل هناك مصيبة بالأرض تفوق أن يكون الإنسان في بطن حوت وفي أعماق البحر وفي الليل ؟ ظلمة الليل، الليل وحده موحش، والليل بالبحر أشد وحشة، وظلمة أعماق البحر، وظلمة بطن الحوت، سيدنا يونس:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾

( سورة الأنبياء )

 القصة انتهت، وبدأ القانون:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

 هذه الميزة ليست لسيدنا يونس وحده بل لكل مؤمن هكذا الله قال، مهما رأيت الخطب مُدْلَهِمَّاً..

 

ورب نازلةٍ يضيق بها الفتى  ذرعاً وعند الله منها المخرج
نزلت فلما استحكمت حلقاتها  فرجت وكان يظن أنها لا تفرج
* * *

 

الإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت فإذا عرفه دّبَّت الحياة في قلبه:

 الإنسان إذا وضع ثقته بالله لا توجد عنده مشكلة إطلاقاً، لا يوجد عنده هم، ولا حزن، فالله على كل شيء قدير، ويحيي الموتى، والإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت، فإذا عرفه دّبَّت الحياة في قلبه، فالمؤمن حي، عنده أحاسيس، وقيَم، ومشاعر، ومنهج، وهدف، ووسائل تخدم هذا الهدف.
 وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10)﴾

( سورة الشورى )